بقلم/ محمد بوازدية

رغم محاولة رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي الجزائري الفريق محمد العماري إقناع الرأي العام والطبقة السياسية بوقوف المؤسسة العسكرية على الحياد في الانتخابات الرئاسية القادمة، فإنه لا يزال طيف العسكريين يخيم على أجواء هذه الاستحقاقات التي ربما تكون الأهم في تاريخ الجزائر الحديث والمعاصر.

الجيش والشرعية التاريخية
كيف قدم بوتفليقة؟
بوتفليقة والصراع مع الجيش

الجيش والشرعية التاريخية


ربما يكون الجيش قد اختار مرشحه، وسنعرفه في الوقت المناسب، وقد لا يأتي الوقت المناسب إلا بعد الانتخابات
لا تزال الصحافة وما تعكسه من اتجاهات ودوائر وآراء، مصرة على أن الكلمة الأولى والأخيرة إنما هي للجيش. ولابد أن يكون وراء هذه المظاهر الانتخابية خطط (وسيناريوهات) وضعها الجيش، وستحسم الأمور في اللحظة التي ترسو فيها القيادة العسكرية على قرار.

وعند الكثيرين فإن الجيش اختار مرشحه، وسنعرفه في الوقت المناسب، وقد لا يأتي الوقت المناسب لنعرفه إلا بعد الانتخابات، بعد أن يكون العسكريون قد نجحوا في إدخال الشك والريبة في قلوب الأكثر صلابة، أولئك الذين لا يشكون في أن الأمور محسومة مسبقا، وأن الانتخابات مغلقة بتعبير رئيس الحكومة الأسبق مولود حمروش.

وهكذا فالذين اقتنعوا بأن الجيش اعتزل السياسة، أو على الأصح اعتزل صناعة الرؤساء قليلون. ذلك أنه من الصعب تصور أن تقوم طبقة عسكرية -وصفت كثيرا بالأوليغارشيا- بالعدول فجأة عن تقليد مكنها من قيادة البلاد بلا منازع، وبواسطة "عسكريين مدنيين" يتحملون عنها كل الأوزار.

ولكن المسألة أعقد من ذلك، ويحتاج توضيح الدور الذي يقوم به الجيش الجزائري في الانتخابات المقررة يوم 8 أبريل/ نيسان المقبل إلى مسح سريع للأدوار التي أدتها المؤسسة العسكرية في عمر الجزائر المستقلة.

فالجيش الوطني الشعبي الجزائري هو وريث جيش التحرير الوطني، الجناح العسكري -كما يقال هذه الأيام- لجبهة التحرير الوطني، ذلك التنظيم الذي قاد حرب التحرير ضد الاستعمار الفرنسي، والذي أجبر حكومة فرنسا على التفاوض من أجل تقرير مصير الجزائر.

من هنا جاء أول إحساس انتاب العسكريين بتفوقهم على المدنيين، حيث يعود إليهم الفضل في تمكين الشعب من استرداد حريته المغتصبة. ثم جاءت تباعا سلسلة من الانقلابات على المؤسسات المدنية أولها انقلاب جيش الحدود بقيادة العقيد هواري بومدين لصالح حليفه أحمد بن بلة، ضد الحكومة المؤقتة ومؤسساتها. وما لبث بومدين أن نزع عنه البزة العسكرية مباشرة بعد الانقلاب الذي قاده على الرئيس بن بلة، ليقود الجزائر بأسلوب عسكري في زي مدني قرابة ثلاث عشرة سنة كاملة، لم تشبها سوى محاولات انقلابية فاشلة مثل تلك التي قام بها العقيد الطاهر الزبيري، وكان يشغل ساعتها رئيسا لأركان الجيش. حتى إذا مات بومدين خلفه عسكري آخر هو العقيد الشاذلي بن جديد الذي حكم بدوره البلاد لفترة فاقت 13 عاما.

ويعترف وزير الدفاع الأسبق اللواء خالد نزار في مذكراته أن الجيش الوطني الشعبي تحت قيادته شخصيا، مسنودا باللواء محمد تواتي، هو الذي أوقف مسار الانتخابات التشريعية في شتاء 1991، تلك الانتخابات التي فازت بها الجبهة الإسلامية للإنقاذ بعد إقالة الرئيس الشاذلي بن جديد، الذي كان عاقد العزم على التعايش مع الإسلاميين ولو شكلوا الأغلبية البرلمانية. وصار وصف تلك الوقائع بالانقلاب متعارفا عليه وتكاد السلطة نفسها تعترف به، ويحتج من يحتج به على أن انقلابا عسكريا أفضل للجزائر من الوقوع في أحضان الإسلاميين.

ولا يكاد يخلو إلى الآن أي مسعى من المساعي ولا خطة من الخطط من توجيه عسكري، وذلك منذ إلغاء المسار الانتخابي وتعطيل العمل بالمؤسسات الدستورية، ولا أدل على ذلك من أن البلاد لا تزال تعيش تحت طائلة حالة الطوارئ منذ أكثر من عشر سنوات.

إذن.. تحمل العسكريون كل شيء إلى قدوم الرئيس عبد العزيز بوتفليقة.

كيف قدم بوتفليقة؟


كان بوتفليقة في رئاسيات 1999 مرشح ما عرف بالإجماع الوطني ظاهرا، ولكنه في الباطن إجماع لما كانت القيادة العسكرية قد اتفقت عليه وقررته
جاء عبد العزيز بوتفليقة إلى السلطة محمولا إليها على أجنحة الجيش، فكان الجيش في ذلك وفيا لتقاليده في عزل وتنصيب الرؤساء. ولكن جاء أيضا لأسباب أخرى أهمها توتر العلاقة بين الرئيس الفريق اليامين زروال وبين الجيش توترا شديدا، وكانت استقالة زروال في صيف 1998 تمثل فشلا ذريعا في الخطة التي اتبعها الجيش في معالجة الأوضاع السياسية والأمنية. وقد بلغ الوضع الأمني من التردي مبلغا لا مزيد عنه، أصبح اليوم من شبه المؤكد أنه كان السبب الرئيسي في اعتزال اليامين زروال السلطة.

وقد اعتبر ذلك دورة أخرى من دورات فشل الجيش في تسيير الأمور بعد فشل الدورة الأولى في إقالة الشاذلي بن جديد وتوقيف المسار الانتخابي، والفشل في تبني الخطة الأمنية وحدها لمعالجة وضعية الحرب التي عاشتها الجزائر لسنوات، وأدت إلى أكثر من مائة ألف قتيل، ثم أخيرا فشل الحوار نفسه. وقد كادت الهدنة التي اتفق عليها الجيش مع ما عرف بالجيش الإسلامي للإنقاذ أن تفشل لو لم يحدث الطلاق بين العسكر والرئيس.

وهكذا جاءت حاجة الجيش إلى رئيس مدني يتحمل مسؤولية خطة سياسية لحل الأزمة الأمنية والسياسية، ذلك أن الجيش لا يريد أن يظهر بمظهر المنهزم أمام الرأي العام الداخلي والخارجي في حرب دافع جنرالات الجزائر كثيرا عن كونها حربا ضد إرهاب محلي لا يلوي على شيء وله امتدادات دولية. أما التنازل فلا، فإذا كان ولابد فليقم به رجل مدني ويتحمل ما يتحمل بعد ذلك.. فكان عبد العزيز بوتفليقة هو مرشح ما عرف بالإجماع الوطني ظاهرا، ولكنه في الباطن إجماع لما كانت القيادة العسكرية قد اتفقت عليه وقررته.

بوتفليقة والصراع مع الجيش؟

عبد العزيز بوتفليقة
تغيرت الأوضاع من عدة وجوه من أهمها أن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة يختلف اختلافا كبيرا عن اليامين زروال، وأن الجيش الوطني الشعبي الذي زكى بوتفليقة يختلف اختلافا كبيرا عن الجيش كما هو الآن.

ولنبدأ ببوتفليقة.. هذا الرجل عسكري قديم ودبلوماسي قديم، رجل كان له دور كبير في الانقلابين العسكريين اللذين قام بهما هواري بومدين ضد رئيس الحكومة المؤقتة بن يوسف بن خدة بعد مؤتمر طرابلس في صائفة 1962، ثم انقلاب 19 يونيو/ حزيران 1965 الذي قاد بومدين إلى الرئاسة ومعه بوتفليقة الرجل الثاني في الدولة الجزائرية إلى نهاية 1978 السنة التي غادر فيها السلطة إلى منفاه الاختياري. وكان بوتفليقة يعرف أن الجيش هو الذي فصل في خلافة بومدين لصالح الشاذلي بن جديد.

ولما عاد إلى السلطة إثر انتخابات أبريل/ نيسان 1999 وعن طريق الجيش، كان يعلم أيضا أن العسكريين سريعو الغضب وأنهم انفعاليون وأنهم ينزعون بالسرعة نفسها التي يعطون بها، وأخيرا فإنهم لا يتحركون إلا وفق ما تمليه مصلحة المؤسسة. ومصلحة المؤسسة هاهنا إنما هي الخروج من ورطة السياسة الأمنية والتخلص من عبء مسؤولية بدأت تثقل كاهلها. فطفق عبد العزيز بوتفليقة يعمل لحسابه الخاص كما يقولون، وقد فسر موقفه مرارا على أساس أنه لا يريد ثلاثة أرباع رئيس، في إشارة واضحة إلى تدخل العسكر في شؤون الدولة.

أول الأشياء التي عمل بوتفليقة على إشاعتها في الداخل، هي أن توقيف المسار الانتخابي كان خطأ ارتكبه الجيش، بل ذهب إلى وصفه ببداية العنف. وثاني هذه الأشياء التي أشاعها في الخارج خاصة، أنه على خلاف مع العسكر وأن الجنرالات لا يتركون له الحرية الكاملة في العمل. وقد تزامن ذلك مع الأسفار العديدة التي قام بها الرئيس إلى الخارج في كل مناسبة وبلا أي مناسبة، وفي كل المنابر. كما تزامن ذلك مع زيارات عديدة ومتعددة قامت بها منظمات دولية لحقوق الإنسان للتحقيق في الجرائم المرتكبة في الجزائر. وكانت أصوات عديدة قد اتهمت الجيش بارتكابها أو السكوت عليها، خاصة تلك التي حصلت في صائفة 1997، قبل حوالي سنة من مغادرة زروال للسلطة. كل ذلك ليتم تقديم ما عرف بقانون الوئام المدني -وهو نوع من العفو شبه العام- على أنه من إنجاز الرئيس وحده، بل ورغم أنف المؤسسة العسكرية.

والرأي السائد عند أغلب الملاحظين في الجزائر أن الهدف الرئيسي من أسفار الرئيس كان تسويد صورة القيادة العسكرية في المحافل الدولية، وخاصة في أوروبا الغربية. ومن هؤلاء الملاحظين -بل والفاعلين أيضا- وزير الدفاع الأسبق اللواء خالد نزار الذي كتب كتابا يهاجم فيه بوتفليقة على هذا الأساس. بل وذهب في كتابه إلى أن رئيس الجمهورية يتعمد إهانة ضباط الجيش الوطني الشعبي. ومن هؤلاء الملاحظين كذلك السيد الشريف بلقاسم -أحد رفقاء الراحل هواري بومدين- الذي لا يتردد في القول إن هدف بوتفليقة إنما هو تدمير المؤسسة العسكرية.

ولا أدل على ذلك من الحرص الكبير الذي أبداه بوتفليقة أثناء القمة الأفريقية التي انعقدت في الجزائر، على تبني قاعدة عدم الاعتراف بكل نظام حكم يكون مصدره انقلاب عسكري. ذلك أنه يعيش مع هاجس انقلاب عسكري يطيح به مثلما كان الرئيس الراحل هواري بومدين. كان بوتفليقة يفعل ذلك وسط أجواء دولية لم تعد أبدا تتسامح مع شطحات أصحاب الأحذية الخشنة، بل وتقوم بنصب المحاكم لهم كما حدث مع العديد من الضباط ومنهم رؤساء دول مثل الجنرال بينوشي، ومثلما كاد يحصل للجنرال خالد نزار.

محمد العماري
هذا عن بوتفليقة.. أما عن الجيش فالمؤشر الكبير على أن الأمور تغيرت هو ما جاء في قانون الانتخابات من منع التصويت داخل الثكنات. وهذا المنع -إضافة إلى أنه مطلب من مطالب الأحزاب السياسية- يدل دلالة قوية على أن الجيش الوطني الشعبي لم يعد المؤسسة السياسية الفاعلة الوحيدة في البلاد، وأنه لم يعد بالإمكان التعامل معها على أساس رأي سياسي واحد. ولعل ذلك يكون من البداهة بمكان عند الطبقة العسكرية كما هو تماما عند الطبقة السياسية. ومثلما هو من الطبيعي أن يكون لكل مدني الحق في اختيار التوجه السياسي، يكون من الطبيعي أن نتصور أن يطمح كل عسكري إلى ذلك الحق، حتى وإن كان التعبير عنه يتم بشكل أقل استعراضية مما هو عليه الأمر عند المدنيين.

وكل الدلائل تشير إلى أن زمن الانسجام السياسي في المؤسسة العسكرية قد ولى، وأن رئيس أركان الجيش -مثله مثل المسؤول الأول في المخابرات- لم يعد يمثل الصوت النافذ الوحيد، بل أصبح الأمر يخضع لنوع من توازن القوى يعكس ما يجري داخل الثكنات، ولكن أيضا ما يدور في صالونات المدنيين.

وعلى فرض أن يكون قد حدث اتفاق ما لدى العصب العسكرية فلا بد أن يكون قد حدث شيء مثله وعلى شاكلته عند أهم العصب المدنية.

ولابد أن نفتح قوسا هنا لتوضيح أن السياسة في الجزائر -مثل الاقتصاد- تؤطرها ما يطلق عليه العصب، وهو نوع من التنظيم غير الرسمي وهو في غالب الأحيان سري يعمل في الظلام، وهو في ذلك شبيه بنظام اللوبيات في دول أخرى، مع فارق جوهري هو أن العصب الجزائرية تعمل في جميع الأحوال خارج الأطر القانونية، بل إن وجودها أصلا مرهون بالدوس على القوانين.

وتعمل العصب في الجزائر غالبا في انسجام تام بين العسكريين والمدنيين، ومصالح العسكريين تجد لها امتدادات عند المدنيين، والعكس صحيح أيضا.

ومن الطبيعي أن يكون لعبد العزيز بوتفليقة من الضباط من يؤيده ويعمل على إعادة انتخابه في إطار الدوائر التي تقع تحت طائلة تأثيره، ولابد أن يصعب والحالة هذه حصول الإجماع داخل المؤسسة.

وفي هذا المعنى تأتي الأخبار التي تهمس بخلافات شخصية ومباشرة بين الرئيس وقائد الأركان، وتذهب إلى أن محاولات لتسويتها باءت بالفشل، وأن الفريق العماري قرر ساعتئذ الحيلولة دون فوز الرئيس بعهدة ثانية.

والأمر الثاني أن ما حدث في العراق أقنع الكثيرين من العسكريين الجزائريين -وليست كل قيادات الجيش تجارا- أن احتلالا عسكريا من قبيل الموجة الاستعمارية في القرن التاسع عشر ممكن، وأن الأداء القتالي لجيش من الجيوش أهم من السياسة، وأن الاستعداد للحرب حرصا على السلم مهمة أكثر نبلا من تزوير الانتخابات. ومعروف منذ سنوات أن الجيش الجزائري يجري حوارا مع الحلف الأطلسي.. حوار يوصف عادة بالسياسي ولكن علاقته بأمن البحر الأبيض المتوسط واضحة.

كل هذه عوامل تدفع الجيش الجزائري إلى التغيير، ولكن من الصعب على جيش تاريخه كتاريخ الجيش الجزائري أن يتبنى التغيير بهذا الشكل السريع الثوري.. وهو ما يجعل المؤسسة العسكرية وهي تواجه انتخابات الثامن من أبريل/ نيسان، أمام مفترق طرق صعب: إما أن تتغير أو يحدث ما لم يحسب حسابه أحد.
_______________
صحفي جزائري

المصدر : غير معروف