خاص الجزيرة نت

يجيب المفكر الإيراني الإصلاحي محسن كديور على تساؤلات حول طبيعة النظام الحالي في إيران وإشكالياته، وجوهر الخلاف بين المحافظين والإصلاحيين، وما إذا كانت المؤسسة الدينية بالبلاد ما تزال بنفس قوتها في الماضي، وإلى أين تسير الإصلاحات المرجوة في خضم ما يحدث؟

بداية نود أن نعرف طبيعة نظام الحكم في إيران، وهل الأزمة الحالية التي تمر بها البلاد مرحلية أم هيكلية في النظام نفسه؟

نظام الجمهورية الإسلامية في إيران فريد من نوعه، وكان المفترض أن يكون نموذجا يحتذى، فهو قائم على أساس الجمع بين الإسلام والديمقراطية، لكن التناقضات ظهرت عقب طرح موضوع "ولاية الفقيه" وإدراجها ضمن الدستور، والمقصود بولاية الفقيه هنا أن تكون إرادة الفقيه الحاكم لها الأولوية على إرادة الشعب.


دستور النظام الحالي في الجمهورية الإسلامية يرتكز على تناقض داخلي بين كل من الجمهورية وولاية الفقيه وقد تم الانتباه إلى هذه الإشكالية متأخرا
إن مسودة الدستور الإيراني التي تم تقديمها إلى مجلس صيانة الدستور لم ينص فيها على مسألة ولاية الفقيه وتم إلحاق هذا الموضوع بالدستور في ما بعد. وقد أعطت هذه المسودة صلاحيات مطلقة للرئيس طوال مدة بقائه في الحكم، وتم تحديد مدة حكم الرئيس بداية بسبع سنوات ثم انخفضت بعد ذلك إلى أربع، لكن بعد إدراج ولاية الفقيه في الدستور لم يحدد صراحة فترة زمنية لهذه الولاية، كما لم يذكر في الدستور أيضا الآلية التي ستشرف على عمل هذا "الفقيه الولي"، وكانت النتيجة أن أصبح هذا الفقيه الولي هو المسؤول الأول في البلاد ويتمتع بصلاحيات مطلقة ولا تترتب عليه في نفس الوقت أي مسؤولية، وعلى هذا فإن الدستور بالنظام الحالي في الجمهورية الإسلامية يرتكز على تناقض داخلي بين كل من الجمهورية والولاية، وقد تم الانتباه إلى هذه الإشكالية متأخرا.

إذن كيف تنظر إلى وضع النظام حاليا في ظل هذه الإشكالية، وهل تتأثر الانتخابات القادمة بهذه الرؤية؟

هناك جملة مشهورة منسوبة للإمام الخميني وهي أن "المعيار في الحكم هو أصوات الشعب"، وهذا يتفق تماما مع طبيعة النظام الجمهوري الذي يعظم من أهمية أصوات الناخبين "الشعب"، والانتخابات هي أبرز سبل معرفة رغبات الشعب من خلال فرز أصواتهم، لكن النظام في إيران تحول من نظام "الجمهورية الإسلامية" إلى نظام "الجمهورية الولائية"، والدليل أن نسبة أصوات الشعب يحددها الولي الفقيه حاليا، وهو يمكن أن يقوم بنقض أصوات الشعب في أي أمر لا يريده، وليس أدل على ذلك من مسألة إشراف مجلس صيانة الدستور على الانتخابات تحت مسميات من أهمها "الإشراف الاستصوابي" أي تزكية الأشخاص للترشح، وهذا المجلس هو إحدى أدوات ولاية الفقيه في الصلاحيات المطلقة.


النظام في إيران تحول من نظام "الجمهورية الإسلامية" إلى "الجمهورية الولائية" فنسبة أصوات الشعب يحددها الولي الفقيه الذي قد ينقض أصوات الشعب كما أن إشراف مجلس صيانة الدستور على الانتخابات يعد إحدى أدوات ولاية الفقيه في الصلاحيات المطلقة
وفي رأيي أن النظام بهذه الطريقة قد شهد تراجعا كبيرا على مدى الـ25 سنة الماضية، والآن يسعى المحافظون للقضاء عليه من خلال إبقائهم على الظاهر وتغيير الجوهر والباطن، والشعب يتساءل: هل الأشخاص الذين يختلفون في رؤيتهم لمسألة ولاية الفقيه لهم الحق في مزاولة النشاطات السياسية أم لا؟ إن غالبية المرشحين الذين رفضت أهليتهم من قبل مجلس صيانة الدستور اتهموا بصفة أساسية بعدم مواكبتهم للقائد "الولي الفقيه"، وما عدا ذلك من أسباب طرحوها لن تكون سوى ذرائع، وإذا سلمنا بأنه لا يحق لهؤلاء مزاولة النشاطات السياسية فإننا في الحقيقة نكون قبلنا بوأد الجمهورية والتحرك صوب مسرحية استعراضية هي ما يطلقون عليه الجمهورية والانتخابات.

برأيك هل فشلت الإصلاحات أم فشل الإصلاحيون؟

هذا سؤال جيد جدا، أولا يجب أن نعرف أن هناك نوعين من الإصلاحيين إصلاحيين داخل الحكومة وإصلاحيين خارج الحكومة، ومن المؤكد القول إن الإصلاحيين داخل الحكومة قد فشلوا ووصلوا إلى طريق مسدود لإحداث إصلاحات في الحكم.


حولت "ولاية الفقيه" رئيس الجمهورية إلى مساعد تنفيذي لها وحولت البرلمان من ممثل للشعب إلى مساعدها في سن القوانين لإيجاد المواءمة

وهناك سؤال طرح في المجتمع الإيراني وهو هل نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية المرتكز على ولاية الفقيه أو حسب تعبيري "الجمهورية الولائية" قابل للإصلاح أم لا؟ وفي رأيي أنه إذا كان باستطاعة النظام إجراء انتخابات بمشاركة غالبية الشعب عندها يمكن القول إن هذا النظام قابل للإصلاح، لكن الأحداث التي وقعت في الماضي سيما خلال السنوات الثماني الماضية تظهر أنه لا توجد أسس قانونية أو عادلة لحل مشكلة التعارض والخلاف بين ولاية الفقيه من جهة وكل من الرئيس والبرلمان من جهة أخرى. فقد حولت "ولاية الفقيه" رئيس الجمهورية إلى مساعد تنفيذي لها، وحولت البرلمان من ممثل للشعب إلى مساعدها في سن القوانين لإيجاد المواءمة.

لقد دخل الإصلاحيون الحكوميون المعترك السياسي مع فكرة مفادها أن القبول بولاية الفقيه والتفاؤل بشأنها والقبول بالدستور الإيراني يمكن أن يؤدي لإحلال الديمقراطية، وكان هذا هو حلم الرئيس خاتمي وبعض نواب البرلمان وبعض الإصلاحيين، لكن الأحداث التي طرأت تدل على أن هذا الحلم لم يكن سوى مجرد تصور ليس له واقع، والحقيقة أن نظام الجمهورية الإسلامية المرتكز على ولاية الفقيه ليس بإمكانه أن يعيد بناءه من الداخل إلا إذا أصبح ذا اتجاه واحد يسير لصالح ولاية الفقيه.

وعلى ذلك فإن جواب سؤالكم سيكون أن الإصلاحيين الحكوميين فشلوا لكن الإصلاحات لم تفشل، ويمكننا أن ندخل مرحلة جديدة من الإصلاحات، وهذه المرحلة الجديدة هي إصلاحات الدستور وليس الإصلاحات في إطار الدستور، في الحقيقة يجب أن نجري إصلاحات هيكلية.


النظام الحالي في إيران غير قابل للإصلاح والمسؤولية تقع على عاتق الشعب الذي عليه أن يتحرك لإحداث التوازن المطلوب

إذن هل تستطيعون الاستمرار في الإصلاحات؟

يجب أن نستطيع ولا يمكن العمل إلا في هذا الطريق، وأنا لست يائسا من نتيجة الدورة الأولى من الإصلاحات، ويمكن أن نعتبرها اختبارا لإمكانية تقبل نظام الجمهورية الإسلامية المرتكز على مبدأ ولاية الفقيه للإصلاحات، وقد توصل الرأي العام لهذه النتيجة التي ذكرتها سابقا وهي أن هذا النظام غير قابل للإصلاح . لكن يجب أن نبحث عن حل، وحل هذا الأمر يقع على عاتق الشعب، فغالبية نواب الشعب توصلوا إلى أن القائد غير محايد وينحاز لأقلية لم تشكل سوى 15% من نسبة المجتمع، لهذا إذا أراد الشعب أن يلعب دور القائد الحقيقي فعليه أن يتحرك لإحداث التوازن المطلوب باتجاه الأغلبية.

وقد فشل الرئيس خاتمي في تطبيق الإصلاحات التي اقترحها، فهو لم يستطع أن يقوم بتنفيذ المشروعين اللذين قدمهما لمجلس صيانة الدستور بشأن تعزيز صلاحياته وإجراء انتخابات عادلة. رغم ذلك فإنه يقول "سأواصل الدرب حتى نهايته"، هذا الأسلوب قد واجه الفشل، لكن على الشعب ولاسيما النخب أن يمروا بمرحلة اختبار حيث إن نهاية هذا النوع من الإصلاحات لا يكون سوى الإخفاق، أو بتعبير آخر فإن فشل خاتمي والإصلاحيين الحكوميين هو فشل أسلوب آية الله الخميني في إدارة المجتمع.

برأيكم هل ما تزال المؤسسة الدينية على القوة نفسها التي كانت عليها في الماضي؟

إن نفوذ علماء الدين قد تراجع كثيرا مقارنة مع الماضي، وهذا أمر طبيعي، والحقيقة أن علماء الدين قبل الثورة كانوا يعيشون حالة من الانحراف تمثلت في الابتعاد عن السياسة تماما، لكن على أعتاب الثورة وفي أعقابها دخلوا حالة من الإفراط واعتقدوا أن السياسة يجب أن تسير وفقا للأسس الدينية بصورة مطلقة، وولاية الفقيه ترتكز على هذه النظرة المتطرفة إزاء الدين والسياسة، وقد أظهرت هذه النظرة من خلال التجارب أنها خاطئة في بعض الأحيان.


في إيران لدينا حكومتان الأولى واقعية هي حكومة علماء الدين والولي الفقيه وممثليه في مختلف المؤسسات والثانية حكومة عاجزة وضعيفة لم تستطع متابعة وتنفيذ أبسط الحقوق المنصوص عليها في القانون

وفي الوقت الراهن نرى على الصعيد السياسي أن الدين يتم استغلاله بصورة سيئة، كما أن المواقف التي اتخذها زعماء البلاد في مختلف المراحل وتم إبلاغ الشعب بأنها واجب ديني وضرورة شرعية تبين بعد ذلك أنها لم تكن صحيحة، كما أن نحو 70% من المناصب القانونية الرئيسية في إيران يتم إدارتها وتوليها من قبل علماء الدين والفقهاء، ومن الطبيعي أن يستاء الشعب من هذا الأمر، وأنا أعتقد أن أفضل سبيل للحفاظ على الحوزات العلمية وعلماء الدين هو ابتعادهم عن مؤسسة الحكم والسلطة في البلاد، إذا كانوا يريدون الحفاظ على قداستهم ونفوذ كلمتهم.

هل هذا يفسر تراجع أعداد علماء الدين المرشحين للانتخابات؟

أعتقد أن تراجع حضور علماء الدين في المؤسسات الانتخابية هو أمر طبيعي، وقد تم اختيارهم بنسبة كبيرة من قبل الشعب في السنوات الأولى للثورة، أما الآن فقد تراجعت هذه النسبة، ولا يعود الأمر لأن الشعب لديه مشكلة مع الدين أو الفقيه، إنما المشكلة تكمن في القراءة الاستبدادية لهذه الأمور، فالشعب يعارض عالم الدين الذي يحب الدنيا ويعارض الفقيه الذي يجعل الدين خدمة للحكومة والسلطة، كما يعارض الدين الحكومي كذلك. ورغم ذلك فإن وجود علماء الدين في منصب رئاسة الجمهورية لم يشهد تراجعا، والأشخاص الذين تمت المصادقة عليهم كانوا دائما من علماء الدين. كذلك الحال بالنسبة للسلطة القضائية، ومجلس صيانة الدستور يقع غالبية أعضائه تحت نفوذ علماء الدين وكذلك مجمع تشخيص مصلحة النظام، وهكذا هو الحال أيضا في الجيش والحرس، وهذا يعني أننا في إيران لدينا حكومتان الأولى واقعية هي حكومة علماء الدين والولي الفقيه وممثليه في مختلف المؤسسات، والثانية هي حكومة عاجزة وضعيفة لم تستطع متابعة وتنفيذ أبسط الحقوق المنصوص عليها في القانون.
_______________
مكتب الجزيرة - طهران

المصدر : الجزيرة