بقلم/ طلال عوكل

لست ممن يعتقدون أن الأزمة التي استظهرتها أحداث يوم الجمعة السادس عشر من الشهر الجاري مجرد خلاف على المناصب أو الأشخاص، أو أنها خلاف بين مؤيد ومعارض لإصلاح أوضاع مزمنة تعيشها السلطة الوطنية الفلسطينية.

إن من يصر على هذا التشخيص الخاطئ، عليه أن يتقبل حلولا خاطئة قد تؤدي أو لا تؤدي إلى تهدئة الأوضاع المتردية في قطاع غزة، ولكن عليه أن ينتظر انفجار الأزمة مرة أخرى بأشكال ووسائل أخرى قد تكون أشد خطرا من عمليات الاختطاف المتلاحقة في فترة زمنية قياسية، للإعلان عن وجود الأزمة ووجوب حلها.

لابد إذن من الإقرار مبدئيا بوجود أزمة، وأزمة مختلفة عن الأزمات التي واجهتها السلطة الوطنية الفلسطينية منذ قيامها عام 1994. والسبب في ذلك لا يعود فقط لطبيعة ومدى عمق وشمولية هذه الأزمة، وإنما لأنها هذه المرة تنفجر على المستوى الداخلي، وبأشكال صاخبة، وإن كانت ليست معزولة عن العوامل الخارجية.

يمكن توصيف الأزمة على أنها تتعلق بالنظام السياسي الفلسطيني الذي تراجعت قدرته على ممارسة الحكم، وتراجعت استعدادات المحكومين –أي الجماهير- عن الثقة بالحكم.

في واقع الحال فإن السلطة التشريعية تشكو من الضجر، ومن عدم قدرتها على تنفيذ قراراتها، وعدم قدرتها على امتلاك آليات إلزامية إزاء سلطة تنفيذية تقوم في أغلب الأحيان بتعطيل القوانين والقرارات.

السلطة القضائية ضعيفة وتكاد تكون غائبة، وقدرتها على العمل تتواضع أمام قدرة القضاء الشعبي العشائري على العمل والتأثير في حل المنازعات بالمجتمع.

أما السلطة التنفيذية فهي تعاني الأمرين من غياب التحديد الواضح للصلاحيات بين الرئاسة ورئاسة الحكومة، وهي لا تملك الإمكانيات والآليات الصحيحة لتنفيذ البرامج التي حصلت على ثقة المجلس التشريعي بناء عليها.

فضلا عن ذلك فقد اشتدت عمليات الاستقطاب وتنافرات الأجهزة الأمنية رغم امتلاكها الإمكانيات عن ممارسة صلاحياتها غير المحدودة، والقيام بدورها في حماية الأمن الداخلي وفرض سيادة القانون، بل إنها متهمة أيضا بتجاوز القانون والتعدي على ممتلكات وحريات المواطن المطحون بين سلطة لا تستطيع تلبية الحد الأدنى من احتياجاته، وبين عدوان إسرائيلي وحشي لا يتوقف.

في ضوء هذا الوضع، وعدم قدرة الفصائل الفلسطينية على تحقيق التوافق الوطني إزاء القضايا الأساسية، وفي ضوء الضغوط الخارجية الإسرائيلية والأميركية والإقليمية التي تسعى لإجراء تغييرات أساسية وحقيقية في السلطة التي تمانع بكل ما أوتيت من قوة؛ في ضوء هذا الوضع تكثر التحديات، وتتضاءل الإرادة على مجابهة هذه التحديات، الأمر الذي يهز صورة السلطة ووضعيتها في نظر جماهيرها والآخرين.


ما يجري في حركة فتح يشكل واحدا من أبرز مؤشرات الأزمة، ذلك أن الحركة هي حزب السلطة، وفي ظل غياب الانتخابات وآليات التجديد التي تتيح ظهور قيادات جديدة، وأيضا في ظل الانتخابات العامة، لعل ذلك يشكل مدخلا آخر

ثمة تحديات كبيرة تطرحها خطة شارون للفصل أحادي الجانب، وهي على ما يبدو تنطوي على جدية، وربما يؤشر قرب التوصل إلى اتفاق بين شارون وبيريز على تشكيل الحكومة، إلى إمكانية قرب تنفيذها.

لقد صرح وزير الدفاع الإسرائيلي شاؤول موفاز على أن الجيش والأجهزة الأمنية ستكون جاهزة بحلول مارس/ آذار القادم لتنفيذ الخطة. خطة شارون تنطوي على مخاطر كبيرة، من بينها الفصل بين السكان الفلسطينيين -ليس مع الأرض- وبين إسرائيل، والفصل بين إسرائيل وغزة، وبين غزة والضفة الفلسطينية، وهذه وتلك والقدس.

وبرأيي فإن الخطة ترمي أيضا إلى ضرب المشروع الوطني الفلسطيني، وإلى ضرب التمثيل الوطني الذي تجسده اليوم السلطة الوطنية بالرغم من كل مشكلاتها.

تتطلع إسرائيل إلى نشوء إدارة أو سلطة في قطاع غزة معزولة ومنفصلة عن السلطة في الضفة، وربما تعمل لاحقا على نشوء سلطات في مدن أخرى في الضفة، تكون البداية من منطقة شمال الضفة التي ستخلي فيها إسرائيل المستوطنات الأربع وتنسحب منها.

إن إسرائيل التي فشلت في دفع السلطة الوطنية الفلسطينية للقيام بدور تدمير بنى المقاومة الفلسطينية، أو تدمير القلعة الفلسطينية من داخلها، تعيش في هذه الأوقات أفضل لحظاتها، إذ بإمكانها أن تجدد خطابها الذي نقله إلى مجلس الأمن الدولي التقرير الأخير الذي قدمه المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة تيري رود لارسن.

لارسن قال إن السلطة على حافة الانهيار، وإن الرئيس عرفات لا يملك الرغبة والإرادة في الإصلاح، وإن المناطق الفلسطينية تعيش حالة من الفوضى والفلتان الأمني، ولذلك جاءت تعقيبات شارون على أحداث غزة لتؤكد غياب الشريك الفلسطيني.

تقرير لارسن لم يكن بريئا على أية حال، وقد جاء في وقت تشن فيه الولايات المتحدة وإسرائيل حملة شعواء في المنظمة الدولية، لمنع تفعيل قرار محكمة العدل الدولية العليا في لاهاي بشأن جدار الفصل العنصري.

وبهذا المعنى فإن التقرير يشكل جزءا من حالة وأدوات الضغط على الجانب الفلسطيني، لإرغامه على التراجع أو لقبول المساومة.

هذه الضغوطات أثمرت بصورة أولية موافقة السلطة الوطنية على دعوة الجمعية العامة للأمم المتحدة لبحث قرار محكمة لاهاي، ولكنها قررت تأجيل عرض القرار على مجلس الأمن إلى ما بعد الانتخابات الأميركية، حتى لا يؤدي ذلك إلى استفزاز الإدارة الأميركية.

عودة إلى الأزمة، فإننا لا يمكن أن نعزل توقيت الإعلان عنها عن قرب تنفيذ شارون لخطته، أو عما يجري على المستوى الإقليمي والدولي، حيث تنتظر القاهرة ردودا من الرئيس الفلسطيني على موضوع توحيد الأجهزة الأمنية، والتخلي عن صلاحياته إزاءها لصالح وزير داخلية قوي. القاهرة تنتظر أيضا جاهزية فلسطينية سواء على مستوى الأجهزة الأمنية أو على مستوى العلاقات الوطنية بين الفصائل والسلطة، أو على مستوى استعداد الفصائل للتعاطي الإيجابي مع استحقاقات ونتائج تنفيذ خطة الفصل والانسحاب من غزة وشمال الضفة.


السلطة على حافة الانهيار، ولكنها ستخضع لعملية جراحية قد تعمق الأزمة، وقد تؤدي إلى تغيرات تجعلها أكثر قدرة وأهلية على مقابلة التحديات التي تطرق أبواب الوضع والقضية الفلسطينية، والأمر يتعلق بكيفية التعامل مع الأزمة وتداعياتها

ويبدو أن انتظار القاهرة والآخرين في الساحة الفلسطينية، والذين يتعاملون مع الانسحاب الإسرائيلي على أنه فرصة تاريخية لابد من استثمارها؛ قد طال دون أن تظهر مؤشرات حقيقية على قرب تقديم إجابات مناسبة.

ولعل ما يجري في حركة فتح يشكل واحدا من أبرز مؤشرات الأزمة، ذلك أن فتح هي حزب السلطة، وفي ظل غياب الانتخابات وآليات التجديد التي تتيح ظهور قيادات جديدة، وأيضا في ظل الانتخابات العامة، لعل ذلك يشكل مدخلا آخر يفسر أبعاد ما يجري، خصوصا وأن الانتخابات الأولية لقواعد الحركة في قطاع غزة قد أظهرت تقدما لتيار محمد دحلان الذي يتطلع إلى إحداث تغيرات حقيقية في حركة فتح وفي السلطة أساسا.

في كتاب استقالته التي قدمها أحمد قريع إلى الرئيس عرفات بعد اندلاع الأزمة في غزة، لامس قريع طبيعة الأزمة حيث أورد ثلاثة أسباب لإصراره على الاستقالة.

الأول: هو الوصول إلى طريق مسدود في محاربة الفوضى والفلتان الأمني.
والثاني: هو تردي الأوضاع الاقتصادية وتفشي البطالة وعدم التمكن من تأمين الموارد الكافية لإغاثة جميع أبناء الشعب المتضررين من العدوان الإسرائيلي.
أما السبب الثالث: فهو عدم التجاوب الكافي من الأطراف المشرفة على عملية السلام للعمل على إعادة إحياء العملية السياسية إلى مسارها.

إن قريع يلخص إلى حد كبير ملامح وأسباب الأزمة، وربما لو أنه أراد التفصيل أكثر لأشار إلى ما أوردناه سابقا في هذا التحليل.

ولأن الأزمة على هذا المستوى من العمق والشمولية، فإن من غير المرجع أن تؤدي الإجراءات السريعة التي اتخذها الرئيس عرفات، بإقالة غازي الجبالي قائد الشرطة، وتعيين اللواء صائب العاجز بدلا عنه، فضلا عن تعيين موسى عرفات قائدا لقوات الأمن الوطني في قطاع غزة بالإضافة إلى جهاز الاستخبارات العسكرية، أقول من غير المرجح أن تؤدي هذه الإجراءات ومثلها إلى معالجة الأزمة وتهدئة الأوضاع.

وقد لاحظنا أن هذه الإجراءات ساهمت في تبرير تصعيد الأزمة وليس في تبريرها، الأمر الذي يدفعنا للاعتقاد بأنه ما لم تبادر الفصائل والقوى السياسية إلى حوار سريع وجدي بين بعضها البعض، وبينها وبين السلطة، من أجل التوصل إلى معالجة وطنية للأزمة على قاعدة إعادة بناء النظام السياسي وتحقيق الشراكة؛ فإن الحلول الأخرى قد تكون أقرب إلى الترقيع منها إلى الحلول الحقيقية.

في هذا الإطار من المتوقع أن تتدحرج كرة الثلج، وتتسع حالة الفلتان الأمني والفوضى وربما تتخذ أشكالا حادة وعنيفة، ستدفع حينها مصر إلى التحرك بفعالية من أجل البحث عن مساومة تضمن الهدوء على جوارها، وتضمن إنجاح دورها.

لكن الأوضاع لن تعود إلى سابق عهدها في أي حال من الأحوال، إذ من غير الممكن أن تمر الأزمة بدون أن تترك بصماتها على النظام السياسي والصلاحيات والأوضاع بكاملها في الضفة وخصوصا في غزة.

إن هذا لا يعني بأي حال أن السلطة على حافة الانهيار، ولكنها ستخضع لعملية جراحية قد تعمق الأزمة، وقد تؤدي إلى تغيرات تجعلها أكثر قدرة وأهلية على مقابلة التحديات التي تطرق أبواب الوضع والقضية الفلسطينية، والأمر يتعلق بكيفية التعامل مع الأزمة وتداعياتها التي لا نعرف بالضبط المدى الذي يمكن أن تصل إليه.
_______________
كاتب فلسطيني

المصدر : غير معروف