إعداد: شفيق شقير

دخلت عملية تبادل الأسرى حيز التنفيذ بعد مفاوضات استمرت أكثر من عامين، تعددت فيها التكهنات حول عدد وأسماء الأسرى المزمع الإفراج عنهم، كما لاحت الكثير من الشكوك حول جدية رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون من جهة وحزب الله من جهة أخرى.

فشارون لم يكن يرغب في تلويث يديه بصفقة تسدل الستار على مصير الطيار رون أراد المفقود في لبنان العام 1986، وحزب الله بإتمام الصفقة سيفتح ملف إنهاء جناحه العسكري على مصراعيه، فلا أسرى يطالب بهم ولا أرض محتلة يحررها بناء على شهادة الأمم المتحدة التي خطت خطا أزرق في مزارع شبعا على أن تبحث قضية المزارع بين تل أبيب ودمشق وبيروت لتحديد هويتها.

ويعتبر الكثير من السياسيين والصحفيين اللبنانيين هذا التحليل سيئ الظن، وأنه يندرج ضمن الرؤية الأميركية لحزب الله والتي تعتبره منظمة إرهابية، بل ذهب السفير الأميركي في بيروت فنسنت باتل أبعد من ذلك حيث قال قبل الإعلان عن صفقة التبادل بأيام قليلة إن حزب الله "منظمة إرهابية خارجية"، وهو ما استدعى ردا غير مباشر من الرئيس اللبناني أميل لحود حيث قال في سياق تعليقه على الصفقة، إن عملية التبادل تشكل اعترافا صريحا من إسرائيل "بأن المقاومة هي شرعية ووطنية وليست حركة أجنبية إرهابية".

الدبلوماسية الدولية


عناصر من حرس الثورة الإيرانية اختطفت أراد وتريد إيران في مقابله معلومات عن مصير دبلوماسييها الأربعة الذين فقدوا في لبنان

الأسير مصطفى الديراني

لقد بدأ التفاوض على تبادل الأسرى بين حزب الله وإسرائيل بوساطة ألمانية، ولكن بعد تعرقل المفاوضات برفض إسرائيل إدراج سمير القنطار في عملية التبادل، توسعت دائرة التفاوض لتشمل سوريا وإيران ودولا أوروبية أخرى وربما واشنطن حسب قول البعض، وأدخلت على عملية التفاوض عناصر كونت معادلة جديدة تقتضي جعل الصفقة على مرحلتين، الأولى وهي التي ستتم يوم الخميس ويفرج بموجبها الحزب عن العقيد المتقاعد ألحنان تننباوم وعن الجنود الثلاثة التي تعتقد تل أبيب أنهم أموات، فيما تقدم إسرائيل للسلطات اللبنانية خرائط عن حقول ألغام في الجنوب اللبناني وتفرج عن 436 أسيرا فلسطينيا وعربيا ولبنانيا.

أما المرحلة الثانية والتي لا تزال تتصف بالغموض نسبيا، فيقدم فيها حزب الله معلومات أكيدة عن مصير رون أراد مقابل أن تقدم الدولة العبرية معلومات عن مصير أربعة دبلوماسيين اختفوا في لبنان عام 1982 وتفرج عن القنطار، ويعتقد المراقبون أن هذه المرحلة ستشهد مفاجآت كثيرة خاصة إذا ما تبين أن أراد لا يزال حيا، وهناك حديث عن أن الصفقة قد تشمل معتقلين في أوروبا يهتم حزب الله بأمرهم، وهم محمد حمادة المسجون في ألمانيا وجورج العبد الله المعتقل في فرنسا.

ويبدو أن مبعث هذه القراءة هو ما أعلنه أمين عام حزب الله الشيخ حسن نصر الله في المؤتمر الصحفي الذي عقده لإعلان اتفاق التبادل، حيث أكد أن المرحلة الثانية "ستكون أكبر وأهم بكثير من الأولى" وحدد أنها ستكون "أهم كما ونوعا"، وأثنى على الدور السوري والإيراني الإيجابي ولم يتردد في الحديث عن مشاركة إيرانية بالتفاوض ولو بطريقة غير مباشرة، وأن "الإيرانيين لم يعقدوا (يعرقلوا) العملية وكان بمقدورهم أن يطلبوا منا عدم المضي فيها". ونفى أن يكون الطيار موجودا في إيران أو سوريا، وقال "الإخوة في إيران وفي سوريا عندما يتصل بهم الألمان أو غيرهم يعدون بالمساعدة" وأكد أن لجانا مشتركة ستشكل "للبحث عن معطيات حسية".

والجدير بالذكر أن الأسير مصطفى الديراني أجرت معه صحيفة يديعوت أحرنوت الإسرائيلية مقابلة يوم الأحد الماضي (26 يناير/ كانون الثاني) قال فيها إن عناصر من حرس الثورة الإيرانية اختطفت أراد وإنها تريد في مقابله معلومات عن مصير دبلوماسييها الأربعة.

تبادل أم فك ارتباط


ويرى البعض أن نجاح المرحلة الثانية من التفاوض قد يفضي إلى انسحاب من مزارع شبعا في مقابل تحول حزب الله إلى حرس للحدود اللبنانية وعدم تجاوزها

مع الأنباء عن احتمال اتساع الصفقة لتشمل كل المفقودين والأسرى بين لبنان وإسرائيل وبعض الأطراف ذات النفوذ في لبنان مثل إيران وسوريا، فإن التوقعات تذهب إلى أن المفاوضات في المرحلة الثانية قد تشهد ضمانات من دول كبرى قد تفضي إلى اتفاق يطوي ملف الأسرى والمفقودين وكل ذيول الاحتلال الإسرائيلي للبنان بما يرضي الأطراف الأخرى المعنية بالشأن اللبناني، وأن إيران ستوظف هذا التقدم في المفاوضات مع حزب الله في علاقاتها الدولية وبالتحديد مع الدول الأوروبية وأميركا، مع الإشارة إلى أنه ترددت بعض الأنباء تتحدث عن جهد ألماني قد بذل اتجاه إيران لإنجاح صفقة التبادل، على هامش المحادثات الأوروبية معها بشأن برنامجها النووي وحيازتها أسلحة محظورة.

وفي السياق نفسه فإن سوريا حريصة على إنجاح المفاوضات في هذه المرحلة التي تتعرض فيها لضغوط كبيرة من واشنطن، وهي متهمة بدعم حزب الله وتتحمل نتائج أعماله، ومنذ سقوط بغداد تشهد العلاقة الأميركية السورية تراجعا ملحوظا، ويرى المراقبون أن نجاح التفاوض بشأن الأسرى قد يفتح الباب أمام نجاحات أخرى تخفف التوتر على الجبهة اللبنانية وتضع سوريا في موقع تفاوضي أفضل مع واشنطن.

ويذهب البعض إلى حد التبشير بأن مزارع شبعا قد تشهد انسحابا إسرائيليا مقابل تحول حزب الله إلى حرس للحدود اللبنانية وعدم تجاوزها، وهو ما لا يمكن لإسرائيل أو لحزب الله أن يعترضا عليه في المرحلة الحالية، ويرون أن تصريح رئيس الجمهورية اللبنانية في أعقاب ضرب حزب الله للجرافة الإسرائيلية يدل على ذلك، حيث قال في هذا التصريح إن لبنان لا يمكن أن يقبل بأن "يرسي العدو الإسرائيلي معادلة جديدة قائمة على الاعتداء وخرق الحقوق برا وبحرا وجوا ومطالبة لبنان بعدم الرد" فيما أكد أن "لبنان لا يريد الاعتداء أو خرق الخط الأزرق".

الصفقة ما لها وما عليها


إذا فشلت المرحلة الثانية من التفاوض فإن الدعم الذي قدم لحزب الله من أركان الدولة وأقطاب السياسة اللبنانية قد يتراجع البعض عنه لحسابات داخلية بحتة

سارع البعض إلى تخطئة الأمين العام لحزب الله الشيخ حسن نصر الله لإعلانه في نوفمبر/ تشرين الثاني عام 2003 ربط مصير الصفقة برمتها بالإفراج عن سمير القنطار وهو ما اضطر للتراجع عنه الآن كي ينجح الصفقة، وعلل نصر الله تراجعه هذا ببيانه الفوائد التي ستأتي بقوله "إننا كنا أمام خيارين إما أن تبقى الصفقة بكاملها معلقة أو الاتفاق على تبادل من مرحلتين يتم خلالهما إطلاق عدد كبير من الأسرى... والبقية لم نتخل عنهم، ووضعنا صيغة لمتابعة قضيتهم".

وحسب مصادر الصحافة اللبنانية فإن حزب الله استعان بالزعيم الدرزي وليد جنبلاط كي يؤمن له الدعم المعنوي لإتمام الصفقة في مرحلتها الأولى دون سمير القنطار الذي ينتسب للطائفة الدرزية، وأكد جنبلاط وقوفه وراء حزب الله في خياره هذا معتبرا أن أي "انتصار للمقاومة" في صفقة التبادل هو انتصار لكل القوى الداعمة لهذا الخيار.

ولكن لا يخفي البعض تخوفه من أن تنتهي المرحلة الثانية من المفاوضات إلى الفشل التام، مما يعني أن كل الوعود بالإفراج عن القنطار ستذهب أدراج الرياح، خاصة إذا كان مصير رون أراد ليس في يد الحزب، وعندها فإن الدعم الذي قدم لحزب الله من أركان الدولة وأقطاب السياسة اللبنانية قد يتراجع البعض عنه بحثا عن ثغرات في جدار حزب الله ولحسابات داخلية بحتة، لأن حزب الله ليس مقاومة فقط، ولكنه حزب لبناني له مخالفوه ومنافسوه في الحياة السياسية اللبنانية انتخابيا وعقائديا، كما أن له مؤيدين وحلفاء.

_______________
قسم البحوث والدراسات- الجزيرة نت

المصدر : غير معروف