بقلم/ د. علي الدباغ

الاستبداد بأبسط تعريفاته هو تفرد بالرأي في شؤون تخص الجماعة وبالتالي فهو احتكار أو اغتصاب لحق الجماعة في إبداء رأيها، وفي النهاية هو طغيان واعتداء على الآخر.

يعتبر الاستبداد في الدول العربية حالة عامة وغالبة وسمة أساسية تطبع الحياة السياسية العربية، على أن الاستبداد له جذوره الممتدة إلى عصور الإسلام الأولى التي أفرزت نظما للحكم اكتسبت شرعية دينية بمرور الوقت لتصبح حكما ونظرية مقدسة لا يجوز الحديث عنها والخروج عن تشكيلتها أو التفكير في طرح بديل عنها والاستفادة من تطور النظم المدنية و ظهور أنظمة حكم تنظم ضوابط للحاكم والمحكوم بأجهزة رقابة تفرض شفافية صعودا إلى طريقة متحضرة لاختيار رأس السلطة ومنعه من الاستبداد والانفراد بالرأي.

وقد وجد النظام العربي الحالي في تلك النظريات والنظم ما يشبع رغبة الاستبداد فيه فتشبث بها بقوة وقاتل من أجلها على الرغم من أن هذا النظام العربي لم يعر أهمية للاعتبارات الدينية الأخرى، ويوازي هذا الاستبداد السياسي استبداد آخر بدأ يتبلور في فكر بعض الحركات الإسلامية.

وعلى الرغم من أن الاستبداد والتغلب له أسباب عديدة منها ما هو ذاتي ومنها ما هو موضوعي ومنها ما هو تراثي متراكم ومنها ما هو حديث ومعاصر، فإننا نحاول في هذا البحث أن نسلط الضوء على جانب واحد من هذه الأسباب وهو الجذور الدينية للاستبداد ونشأتها تاركين بحث الأسباب الأخرى للاستبداد للآخرين، علما بأن هذا البحث ليس بحثاً فقهياً وإن كان قد استعان ببعض المصطلحات الفقهية، لكنه بحث فكري يقتبس من الفقه ولا ينقده، بل ينقد الآثار الاجتماعية التي تترتب عليه.

نظرية الحكم في الإسلام
الإسلام والديمقراطية
مظاهر الاستبداد في فكرة ولاية
النتائج

نظرية الحكم في الإسلام

1- عند الشيعة الإمامية
النظرية الإسلامية في الحكم عند الشيعة الإمامية الإثنا عشرية التي تعتبر جزءاً من العقيدة وأصلا من أصول الدين تستند إلى أن النبي يستمد شرعيته من الله الذي اصطفاه واختاره وعينه وهو معصوم من الخطأ، وقد قام النبي بأمر من الله بتسمية اثني عشر خليفة (إماماً) من بعده سماهم بأسمائهم وهم الأئمة الاثنا عشر وهم معصومون أيضا وتقع وظيفتهم الأساسية في تفسير و حراسة الإسلام عقيدة وشريعة من التحريف.

والوظيفة الثانية هي مهمة الحكم، ليستطيع المعصوم أن يحقق الوظيفة الأساسية من خلالها ولكنه يستطيع أن يحققها دون تسلمه الحكم.


يؤمن الشيعة الإمامية بأن الأئمة المعصومين مسددون من الله تعالى ومعصومون من الخطأ بملكة ذاتية وقدرة على منع النفس من ارتكاب الخطأ
ويؤمن الشيعة الإمامية بأن هؤلاء المعصومين مسددون من الله تعالى ومعصومون من الخطأ بملكة ذاتية وقدرة على منع النفس من ارتكاب الخطأ فهم لا يظلمون ولا يستبدون ولا يحتاجون إلى شورى أو مجلس حل وعقد بل إن ممارساتهم المتعددة والمتكررة للشورى وأحيانا قبول المشورة والعمل بها هي غير ملزمة لهم، بل كانوا يقصدون منها نوعا من التربية وتعليم أصحابهم وتدريبهم على التشاور، على أن فكرة حكم المعصوم قد تم تطبيقها في عهد النبي و في عهد علي بن أبي طالب وشهور معدودة في عهد ولده الحسن بن علي وقد كان واضحا أن الممارسة اليومية مع المعارضين كانت تتسم بأعلى درجات التسامح حتى مع المعارضين السياسيين وقد بدا هذا واضحا بصورة عملية في زمن علي بن أبي طالب - الذي لم يفرض بيعة ملزمة لحكمه في عنق الآخرين- على أساس أن المعارضة في زمن النبي كانت لاتجرؤ على الكشف عن نفسها حتى مع توفر المقومات والحصانة التي كان يضفيها نبي الرحمة.

هذه النظرية محكومة بوجود النص عند وجود الإمام ولكن بعد غياب المعصوم فلا يوجد نص عليها وبالتالي فإن حكم تطبيقها كان مرتبطا بفترة مضت وانقضت ولا يتوفر أي غطاء ديني أو مسوغ شرعي لأن يتم تعميم هذه الفكرة أو إعادة تطبيقها من قبل الناس العاديين (غير المعصومين)، وبالتالي فإن هذه الفكرة تصبح غير قابلة للتطبيق ومرفوضة دينيا في العصر الحاضر لانقضاء عهدها وعدم وجود أي نص لتطبيقها في زمن الغيبة ولا يمكن أن تشكل ذريعة لتجديدها من قبل أي كان من عامة البشر، وهكذا فإن إمكانيات ظهور استبداد تحت هذا المسمى يفتقد أي أرضية أو بيئة يمكن أن تضفي عليه أي نوع من الشرعية الدينية.

وفي غياب المعصوم فلا يوجد إجماع شيعي على صيغة محددة لنظام الحكم، وإن ظهرت لهم دويلات هنا وهناك في أزمان مختلفة وفق نظريات معينة كنظرية ولاية الفقيه التي سنبحثها لاحقا، وعلى هذا فيمكن للقاعدة الشيعية التعايش مع أي نظام يحترم الثوابت الدينية ولا يعتدي عليها على اعتبار أ ن الحاكم الحقيقي في نظرهم هو الإمام الغائب المهدي المنتظر (الإمام الثاني عشر) الذي سيقيم حكومة العدل الموعودة عند ظهوره وممارسته لسلطاته كإمام معصوم وحاكم أيضا.

وفي هذه الحالة فإن إمكانيات الاستبداد والتغلب لا تعتبر قائمة في هذه النظرية لأن الإمام بالدرجة الأولى تكون مهمته التبليغ والتشريع (في الحدود الموصوفة له) وحفظ الشريعة والشرح والتفسير وأما الجانب السياسي السلطوي فهو مهمة ثانوية ومضمون فرعي للإمامة، حيث إن الإمام يحمل هذه المهمة الأساسية بصورة مستقلة عن كونه حاكما سياسيا أو غير حاكم، لا بصورة متوازية لمهمته السياسية أي أن مهمة الإمام المعصوم ليست سياسية أو تنظيمية سلطوية بالدرجة الأولى وإنما هي عقائدية تشريعية بالدرجة الأولى وسياسية تنظيمية بالدرجة الثانية، ومن هنا فإن الإمام المعصوم عندما يفقد منصبه السلطوي فإنه لا يفقد إمامته بل يضحي بدوره السلطوي السياسي لمصلحة الدور الأول وبالتالي فلا يمكن أن يتولد تغلب أو استبداد، لأن مهمة التبليغ والتشريع يكون قبولها من الناس أمرا طوعياً وغير ممكن تطبيقها قسرياً.

لذلك يمكن قبول الأنظمة الديمقراطية وانتخاب رأس السلطة بالاقتراع المباشر أو غير المباشر من قبل المجالس المنتخبة التي تستطيع أن تمنع من استبداد وانفراد الحاكم وتوفير ضمانات لعدل السلطة، كما عبر عن ذلك أحد مراجع الشيعة الكبار وهو محمد حسين النائيني في كتابه "تنبيه الأمة وتنزيه الملة" بضرورة وجود الدستور الذي عرفه بأنه " أعلى القوانين وأحكامه لازمة الإجراء على كل فرد وأنه يحدد صلاحيات الحاكم ويعرف حقوق الشعب وحرياته"، بل ذهب أكثر من ذلك في اعتبار مقاومة الاستبداد واجبا شرعيا وليس حاجة سياسية فقط على اعتبار أن الاستبداد هو إخضاع الناس بالقوة ودفع لهم بالإكراه على طاعة المستبد وإذا هم استجابوا فإن ذلك سيكون ظلما للنفس وعبودية للطغاة التي تصل إلى الشرك بالله الواحد الأحد ولإنقاذ عقيدة التوحيد من شبهة الشرك، وهو ما عرف وقتها بفقه المشروطة الذي أفرز فكرا متقدما في مقاربة مفهوم السلطة في عصر الغيبة وأنتج رؤية منفتحة تجاوزت الموروث الذي حكم الحياة السياسية الإسلامية في نقاط رئيسية نجملها في ما يلي:

‌أ- ولاية الأمة على نفسها مع ما تفرضه من عدم حصر الأمور الحسبية في نواب الإمام الغائب بل يكون ذلك من خلال نواب الأمة في مجلس الشورى المنتخب.

‌ب- تحويل السلطة والممارسة السياسية إلى شأن عام يشمل جميع أفراد المجتمع ولا ينحصر في الفقهاء.

‌ج- اعتبار المواطنة هي القاعدة التي تقوم عليها الحقوق لأفراد المجتمع وليس الدين وبذلك فقد حل إشكالية الذميين منذ قرن من الزمن قبل أن ينظر إليها على أنها مواطنة من الدرجة الثانية.

ونعتبر أن هذه المحاولة الجسورة من النائيني نقلة كبيرة في الفكر السياسي الإسلامي الشيعي باتجاه التمازج مع الحياة المدنية المعاصرة والدولة الوطنية في زمن الغيبة أو "ميثولوجيا الإمامة" كما يسميها محمد عابد الجابري في "العقل السياسي العربي".

2- عند المذاهب الأربعة
إن المفهوم العام والوظيفة المركزية للإمامة عند المذاهب الأربعة هو الحكم بالدرجة الأساسية حيث يؤدي الحاكم من خلالها وظيفة إقامة الأحكام وحراسة الدين، وبالتالي فإنه لا يستطيع أن يقوم بالدور الثاني ما لم يتسلم مقام الحاكم على عكس النظرة الشيعية التي ترى للإمام الدور الثاني أولا وبمعزل عن تسلمه الحكم كما أسلفنا، لذا فإننا عند مقاربتنا لمفهوم الإمامة عند المذاهب الأربعة نتجه إلى تعريفها بالحاكم الدنيوي حصرا الذي يتساوى مع غيره ولا يتفرد عنهم بنص أو بحديث أو بملكة تميزه عن الآخرين.

لم يفرز النظام السياسي الذي تولى الحكم بعد النبي - وقبل نشوء فكرة المذاهب الأربعة في القرن الثاني- حكما أو شكلا محددا أو طريقة متفقا عليها تحدد المعالم الأساسية لتسمية رأس السلطة أو الحاكم كما يبين ذلك علي عبد الرازق في "الإسلام وأصول الحكم".

إذا كانت فكرة الخلافة -التي كانت في عصرها الذهبي في زمن الخلفاء الراشدين- وتجربتها تختزنها الأمة في وعيها كنموذج يحتذى للاقتداء به، فإن نفس هذا الوعي يختزن أيضا وبمرارة مساوئ الخلافة الأموية والعباسية التي تمثلت في أعلى صور الاستبداد والتفرد التي حولت الحكم إلى ملك عضوض لا يرقى حتى لأن يكون منصبا دنيويا تنفيذيا عادلا، فضلا عن إعطائه الصبغة الدينية.

نظام الخلافة هذا مهد لنشوء استبداد مزمن في جسد الأمة ونعتقد أنه كان المانع لأي تطوير لنظام مدني في ممارسة الحكم، حيث إنه كان -كما يصفه علي عبد الرازق- السلطان المطلق الذي ينزل من أمته بمنزلة الرسول من المؤمنين، وهذا الخليفة بهذه الصفة يستعصي أمره على أي احتساب أو رقابة ويصبح بذلك سلطانا مطلق الصلاحيات وسلطته غير قابلة لأي نوع من أنواع الاقتسام، فله وحده الأمر والنهي، وبيده وحده زمام الأمة، وتدبير ما جل من شؤونها وما صغر، كل ولاية دونه فهي مستمدة منه، وكل وظيفة تحته فهي مندرجة في سلطانه، وكل خطة دينية ودنيوية فهي متفرعة عن منصبه.

لذلك نجد أن بدايات الاعتراض على هذا الشكل من الحكم الذي انحدر إلى ملك عضوض قد تمت مواجهته بأقسى درجات البطش والتنكيل ابتدأ بعهد معاوية ولم ينته لغاية الآن، لذلك فإن الخلافة على رأي عبد الحميد بن باديس رمز خيالي في عقول المسلمين واللهفة في الرجوع إليها هو لعجز العقل العربي عن تطوير نظام سياسي يتآلف مع الدين ويحتويه الدين ولا يتنافر معه.

وقد تم تفصيل نظريات لاحقة بعد الصدر الأول للإسلام لشرعيات مختلفة لتسلم الحكم والسلطة وأصبحت مصدرا تشريعيا في ما بعد، وهذه النظريات يمكن إجمالها في ما يلي:

أ- اختيار أهل الحل والعقد
يبدو أن الرأي الغالب قد استقر على أن اختيار الخليفة أو الإمام عند أهل السنة يتلخص في ما أورده عبد القاهر البغدادي المتوفى في 429 هـ في كتابه (أصول الدين) ص 280: "إن الإمامة تنعقد لمن يصلح لها بعقد رجل واحد من أهل الاجتهاد والورع، إذا عقدها لمن يصلح لها، فإذا فعل ذلك وجب على الباقين طاعته".

وهكذا تبعه القاضي أبو بكر الباقلاني المتوفى سنة 403 هـ في (التمهيد) والأيجي المتوفى سنة 756 هـ في (المواقف)، ومنهم من ذهب إلى أنها تنعقد بخمسة فقط، كما هي في بيعة أبو بكر التي انعقدت بخمسة هم عمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح وسالم مولى أبي حذيفة وبشير بن سعد وأسيد بن حضير، وكذلك في جعل عمر الشورى في ستة لتنعقد البيعة من خمسة أشخاص.

وقد رفض ابن حزم الأندلسي المتوفى سنة 456 هـ في كتابه (الفصَل) صحة عقد الإمامة بعقد فضلاء الأمة في أقطار البلاد.

ب‌- العهد من الإمام السابق وتشمل ولاية العهد والميراث
ويمكن تلخيص هذا الرأي بإيجاز بما ذكره الماوردي المتوفى 450 هـ في (الأحكام السلطانية): "والإمامة تنعقد من وجهين: أحدهما باختيار أهل العقد والحل، والثاني بعهد الإمام من قبله"، وأورد في باب آخر جواز عدم استشارة أحد من أهل الاختيار وأجاز له أن ينفرد بعقد البيعة وتفويض العهد إذا عقدها لغير الوالد والولد.
وكذا قال أبو الحسن الأشعري المتوفى سنة 330 هـ في كتابه (الإبانة) الذي أثبت فيه صحة عهد أبي بكر إلى عمر، وتبعه الباقلاني الذي أيد عقد الولاية لعمر.

ومن المحدثين نرى الشيخ محمد الشربيني المتوفى سنة 977هـ فى (مغني المحتاج) ينص على أن "لا يشترط في الاستخلاف رضا أهل الحل والعقد في حياته أو بعد موته إذا ظهر له واحد جازت بيعته من غير حضور غيره ولا مشاورة أحد، ويجوز العهد إلى الوالد والولد كما يجوز لغيرهما، وقد جزم به صاحب (الأنوار) وابن المقري".

ج‌- الاستيلاء أوالغلبة (وسمي بعدئذ فقه الغلبة)
وقد بين أبو حامد الغزالي المتوفى سنة 505 هـ في كتاب (الاقتصاد) في شرح مطول انعقاد الإمامة لمن انتهض لهذا الأمر مع فوات شروطها لحال الضرورة.
وكذا تبعه القلقشندي المتوفى سنة 821 هـ في اعتبار الطريق الثالث من الطرق التي تنعقد بها الإمامة هي القهر والاستيلاء.

إن الطرق التي مر ذكرها قد اعتبرت حصريا طرقا شرعية لتعيين الحاكم وقد تمت تقوية إحداها على الأخرى اعتمادا على ما شهدته تلك الفترة من ظرف يتطلب تغليب طريقة على أخرى، كما في التساهل في نظرية أهل الحل والعقد التي تنطلق من عدم اشتراط أهل العقد في جميع الأمة المسلمة بل يكتفى بمن وجد منهم في بلد الإمام ثم يكتفى ببعضهم ثم يتضائل ليصل الى خمسة فواحدا.

بينما يضعف ابن حزم نظرية أهل الحل والعقد لمصلحة العهد فيراها أفضلها وأصحها، بل يتنازل أكثر عندما يقول في ص 170 "فإن مات الإمام ولم يعهد إلى إنسان بعينه فوثب رجل يصلح للإمامة فبايعه واحد فأكثر، ثم قام آخر ينازعه ولو بطرفة عين بعده، فالحق حق الأول سواء أكان الثاني أفضل منه أو مثله أو دونه".

وهكذا فقد صرف النظر تحت وطأة الرغبة أو الاضطرار إلى تبرير النهج القائم -الذي آل إليه الحكم الإسلامي- عن دور الأمة وتوقف الشرعية عليها، إلى الاكتفاء عنها ببيعة شخص واحد.

ثم آل الأمر إلى اعتبار ولاية العهد طريقا شرعيا حتى في حالة تعدد ولاة العهد، ثم انتهى الأمر إلى اعتبار التسلط بالقوة طريقا شرعيا، كما يرى شمس الدين في (نظام الحكم).

وقد استندت جميع هذه النظريات إلى أن النبي لم ينص على تعيين خليفة، لذلك فللمسلمين أن يسلكوا في تعيين الخليفة أي طريق يشاؤون.

وقد تم التنظير وحشد الآراء ووضع أحاديث للتدليل على هذه النظريات، على أن هذه النظريات لا ترقى إلى صفة الإلزام الديني أو العقيدي، بل كان بعضها تجارب تطبيقية لها ما لها وعليها ما عليها وكثير منها أسس لاستبداد سلطوي أصبح منهجا في الحكم استمر إلى يومنا هذا، و لعبت بها السياسة والقبلية والمال والقوة لتنتج طرقا وأساليب للحكم بدت وكأنها ترقى إلى صفة القداسة بسبب تكرارها واستعمال البطش والقوة ضد المعارضين الذين حاولوا أن ينتفضوا على تلك القوالب التي ألزمت الآخرين باتباعها.

وواضح أن مقومات ظهور الاستبداد تبدو جلية وواضحة ولا يوجد ما يحد أو من يحد من هذه النزعة وسط إرهاب فكري وديني بالتكفير والخروج على الإجماع العام، لذلك فقد انطبعت الحياة العربية الإسلامية منذ بواكيرها بالتفرد والفردية التي وإن سلمت من الاستبداد في الرأي في العصر الأول، فإنها استشرت مع الحكم الأموي وما تلاه من حكم بني العباس.

وللأسف فلم تسمح الظروف السياسية وقسوة الحكام المستبدين لبروز وتطور في الفكر السياسي الإسلامي أو فرز آليات ملزمة تسمح لعامة المسلمين بممارسة دورهم في اختيار الحاكم بطريقة عادلة ومتكافئة، بل لعبت مرة أخرى السياسة والمال والنفوذ دورا كبيرا ومتواصلا ولقرون استمرت إلى عصرنا الحاضر في تجميد الفكر السياسي وإرغامه وإلزامه بقوالب تمت صياغتها وتم تثبيتها كأركان مقدسة.

لذلك نخلص إلى أن قضية الحكم هي مسألة مدنية بحتة لا يفرض فيها الإسلام شكلا أو قالبا يلزم أتباعه كما في الأمور التي ترتبط بالعقيدة أو في المسائل التعبدية الأخرى التي يعتبر الخروج عليها خروجا من الدين يوجب نوعا من التكفير.

الإسلام والديمقراطية

لابد لنا من البحث في هذا المحور سعيا للخروج بفهم منفتح وواع يقبل أن يطور المسلمون نظاما مدنيا للحكم ولا يبقى أسيراً لفكرة ليست من العقيدة في شيء طبعت الحياة الإسلامية فتوقف فيها الابتكار والتطوير لأي نظام للحكم.


مفهوم الشورى في الإسلام لم يتم التعامل معه ومع مضامينه في كتب الفقه القديمة لأن الممارسة السياسية الشورية لم تكن واسعة ولا ذات خطر في التاريخ الإسلامي

من المفيد جداً في فهم منفتح للديمقراطية أن نعتبر الديمقراطية نهجا في التفكير وأسلوبا في العمل السياسي والاجتماعي والفكري أكثر مما هي صيغة ووصفة ثابتة محددة المقادير مقرها أوروبا الغربية وأميركا الشمالية وهي في حالة تطور مستديم يصعب علينا أن نعتمد منه نموذجا أوحد نحتكم إليه، وإنما هناك ثوابت نستطيع أن ننطلق منها بما يتوافق مع صياغة مقبولة تراعي المكون الثقافي والفكري والديني أيضا.

من المفيد أيضا أن نعتمد نهجا تدريجيا لعملية التحول الديمقراطي الذي لا يتوقف بل يتطور صعودا للوصول إلى نموذج متقدم للديمقراطية وألا نصر على تطبيق صيغة جاهزة دفعة واحدة، ومما يشفع لنا في هذه المقاربة أن اختلاف المفاهيم في بلد عنه في آخر يفرز نمطا مختلفا من التعامل مما يسمح بابتكار آليات تتلاءم في الصيغة مع الأوضاع المختلفة للبلدان طبعا مع الحفاظ على الجوهر وعدم التهاون فيه، مثلا فكرة الفردية التي تطغى على الفكر الرأسمالي الغربي يقابلها توازن بين الفرد والجماعة في الفكر الإسلامي الذي لا يسمح بطغيان الفردية المطلقة على حساب المجموع وبالتالي فإن العملية الانتخابية قد لا تحتكر الفرد كقاعدة في عملية الاقتراع بل تشرك المجموعات معه أيضا.

ومن المفيد أيضا أن نبين أن مفهوم الشورى في الإسلام لم يتم التعامل معه ومع مضامينه في كتب الفقه القديمة لأن الممارسة السياسية الشورية لم تكن واسعة ولا ذات خطر في التاريخ الإسلامي كما يرى ذلك حسن الترابي في (نظرات في الفقه السياسي)، وأن مفهوم الشورى قد تم الترويج له حديثاً من قبل الطهطاوي والأفغاني تحت تأثير الاطلاع على الدساتير الغربية ومفرداتها كما يرى ذلك رضوان السيد في (سياسات الإسلام المعاصر)، وأن مسألة الشورى كفكرة ومفهوم هي قديمة قدم الإسلام لكنها أصبحت أيديولوجيا معاصرة في الخطاب الإسلامي تحت ضغط التحدي الليبرالي الحديث والحاجة لمواجهة الديمقراطية كفكرة استهوت المجتمع الإسلامي الذي وجد فيها قربا كبيرا من تكريم الإنسان من قبل الله تعالى ومنظوراً إنسانياً يستهوي النفوس التي تم حكمها بحالة استبداد مستديمة، وبنفس الوقت شكلت تحديا لإثارة أسئلة ومحاور عديدة توسل المنظرون فيها بأيديولوجيا الشورى كجواب على الأسئلة والمحاور المطروحة عليهم. إضافة إلى أن مفهوم الشورى غير محدد المعالم ولا إلى أين تنتهي حدوده؟ ومجالات استخدامه؟ ومدى إلزاميته؟ فقد خاطبت الآية الكريمة "وشاورهم في الأمر، فإذا عزمت فتوكل على الله" أعطت صلاحية للنبي بأن ينفذ رأيه دون رأي الجماعة، وقد عبر عن ذلك فتحي يكن في (مشكلات الدعوة والداعية) حيث يقول "إن القائد في النظام الإسلامي هو صاحب الصلاحية في تدبير شؤون الأمة، إلا أنه ليس ملزما باتباع رأي الأكثرية في كافة الشؤون والأحوال، وتفسير آية الشورى واضح الدلالة على أن القول الفصل بعد المشورة، إنما يعود إلى صاحب الصلاحية وليس الأكثرية"، لذلك فإن المزاوجة التي حاول البعض أن يجريها بتوأمة الشورى والديمقراطية هي عملية لم يكتب لها أي نجاح، على الرغم من تحميل الشورى بمفاهيم هي فوق طاقتها، بل إنهما يتبعادان أكثر مما يتقاربان، لذا فرض التحدي البحث عن صيغ أخرى للتشابه في دين فيه من الغنى والاتساع والمرونة ما يستطيع معه أن يستوعب مفاهيما معاصرة.

يستطيع الإسلام أن يستوعب الديمقراطية بمفهومها المعدل (وليس بمفهومها الغربي المطلق الذي يمنح ممارسة غير محدودة لحرية الفرد ويمنحه حق التشريع المطلق وأيضا مفهومها الديكارتي المادي) بنظرية أساسية مفادها أن التشريع في الإسلام في القضايا الأساسية وإن كان حصرا في الخالق سبحانه وتعالى، ألا أنه قد ترك منطقة فراغ في مساحة التشريع في قضايا أخرى لا يوجد معها نص قرآني ليملأها الشعب بواسطة مؤسساته التشريعية المتفق والمتوافق عليها، وهذه الرخصة متغيرة بالزمان والمكان بشرط عدم تعارضها مع المبادئ الأساسية للشريعة.

وما عدا ذلك فإن الديمقراطية كشكل من أشكال الإدارة قابلة للتجديد والتخصيص حسب زمانها ومكانها، بل إن راشد الغنوشي في (الحريات العامة في الدولة الإسلامية) يرى أن "الديمقراطية تقدم أفضل آلية أو جهاز للحكم يمكن المواطنين باستعماله من ممارسة الحريات الأساسية ومنها الحريات السياسية".

تحتوي المبادئ الإسلامية على مبادئ غزيرة متجانسة مع الديمقراطية الغربية وتتماشى مع كثير من مبادئها ومؤسساتها مما يعطي المسلمين فرصة كبيرة للعمل من أجل طرح تصور ديمقراطي لا يتصادم مع الدين، باعتبار أن الإسلام -حضارة وفكرا واسعا- يحوي كل القيم العادلة والمنطقية، فمثلا يعتبر سيادة الشرع (القانون) على الحاكم والمحكوم دون استثناء ركنا مهما في الشريعة يتطابق مع المفهوم الديمقراطي، وكذا بالنسبة إلى فصل السلطات وتحديدها وحق المرأة في الانتخاب والتمثيل النيابي.

على أنه لا توجد وصفة دينية ملزمة للدولة، فيمكن للدولة أن تختار ما تشاء من تطور في الأنظمة الإدارية ومنها أنظمة الحكم بشرط أن تنسجم مع الدين ولا تعاديه، بل تجعله إحدى الأدوات الأساسية للبناء الحضاري للمجتمع ووازعا حرا وقويا ضد الإخلال بالمجتمع المدني إضافة إلى وازع القانون وقوة النظام العام.

إن الخطأ الكبير الذي وقع فيه البعض هو أنه جعل الديمقراطية على إطلاقها نقيضا للإسلام بما يصل لمرحلة التكفير وجعلهما نظامين متضادين يعادي أحدهما الآخرن إما لأنهم غافلون عن أنه لا توجد وصفة واحدة للديمقراطية وأنه تمكن صياغة ديمقراطية صديقة، أو أنهم قد أوقفوا التاريخ عند أنظمة حكم متعاقبة في حياة المسلمين مارست تغييبا لأفراد المجتمع في اختيار حاكمه أو حتى اختيار وال من الولاة، وبذلك حكموا على الإسلام بالجمود واتهموه بأنه لا يستطيع أن يتعايش مع التطور مع أن الإسلام -دينا وعقيدة- لا يهدف إلى القطيعة مع الآخر بل يتعايش معه بسلام وأمان، والإختلاف ليس مناطا للقطيعة بل هو مناط للتواصل والتعارف والتثاقف، فكيف به (الإسلام) لا يستطيع أن يتقبل أو يحتضن تطوراً إدارياً يضفي عليه مسحته وطابعه.

على أنه -والحق يقال- هناك دراسات معمقة ومنفتحة لمقاصد الديمقراطية وغاياتها يمكن أن تنتج تزاوجا بل تماهيا مع المبادئ الأساسية للشريعة الإسلامية تزول معها الفكرة المنغلقة والمحدودة للتصورات الدينية التي ترفض المستورد عموما.

مظاهر الاستبداد في فكرة الولاية

1- الولاية (ولي الأمر)
لقد أنتج النظام الرسمي الإسلامي مفهوما لولي الأمر تم تفصيله وتحديد معالمه بصورة تتطابق مع أشكال نظم الحكم التي ذكرناها سابقا والتي حكمت حياة المسلمين، وقد صاغ هذا النظام الرسمي الحاكم أحاديث موضوعة لتأكيد هذه الممارسة فعند وصول الحاكم لرأس السلطة -بأي من الطرق التي مر ذكرها- فإنه يصبح حاكماً بأمر الله ويصبح ولياً للأمر وتم تفسير آية الولاية " وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم" لتنطبق عليه حتى لو كان فاسقا أو جاهلا، كما بين ذلك الباجوري في طرق تعيين الإمام: (ثالثها- استيلاء شخص مسلم ذي شوكة متغلب على الإمامة ولو غير أهل لها كصبي و امرأة وفاسق وجاهل، فتنعقد إمامته لينظم شمل المسلمين، وتنفذ أحكامه بالضرورة - حاشية الباجوري على شرح الغزي ص 259)، وبالتالي فتصبح بيعته واجبة وملزمة ولا يوجد فيها أي خيار والخروج عليه يعتبر خروجا على البيعة يعرض الخارج فيه للقتل وإن تبين فسقه للملأ، وبالتالي فقد تم إضفاء صبغة ومسحة دينية على مظاهر استبداد الحاكم بأمر الله أو الخليفة.


مسألة البيعة تم استغلالها والاستفادة منها بطريقة جائرة لضمان حكم دائم للحاكم وليس له فقط بل لمن يرثه في الحكم

ولم يعمل بمبدأ الشورى في اختيار الحاكم أي بالانتخاب وإن كان مبدأ الشورى قائما ومعمولا به في الأمور الأخرى في نطاق محدود، مثلا إن مبدأ الشورى قد تم العمل به في شورى مجلس الحل والعقد والذي كان الحاكم يؤسسه هو دون الرجوع للرعية وكان هو يسمي من يراه معه ويستبعد من يخالفه بالرأي ولم يتم ابتكار أو تطوير أي آليات تعمم مبدأ الشورى لتشمل الأركان الأساسية في حياة الأمة، كأن يرقى لمستوى اختيار الحاكم مثلا أو تطوير فكرة أهل الحل والعقد أو فرض آليات ووسائل ملزمة كنوع من العقد الاجتماعي بين الحاكم والمحكوم يلتزم به المحكومون ولا يحيد عنه الحاكم، وبذلك بقيت أو تجمدت الأشكال المذكورة للحكم لأنها تلبي رغبة التفرد والاستئثار بالسلطة عند الحاكم والتي هي شيء يكاد يكون حتميا لنشوء استبداد في غياب حدود ملزمة للتمدد على حساب حقوق المجموع.

ونعتقد أن مسألة البيعة التي تم استغلالها والاستفادة منها بطريقة جائرة لضمان حكم دائم للحاكم ليس له فقط بل لمن يرثه في الحكم وأن مبدأ أن في عنق الناس بيعة وربطها بإحكام بالمسألة الدينية وأن الخروج عليها يعتبر خروجا على الإجماع العام مما يستوجب قطع تلك العنق التي فيها بيعة، قد فرض إرهابا فكريا وشكل رادعا عنيفا لمسألة تطوير واستحداث آليات مبتكرة للحكم لا تتعارض مع أصل الدين بل تطور الوسائل التي أتاحها الدين مثل الشورى ومبادئ العدالة الاجتماعية وجعل من تسول له نفسه التفكير في هكذا أمر تحت دائرة الشبهة والمطاردة والتغييب، لذلك توارت إمكانية تحديث وسائل وآليات التطوير في هذه المسألة في المجتمعات الإسلامية مقارنة مع ما نتج في المجتمعات الغربية من ابتداع قضية الديمقراطية وإن لم تخل المجتمعات الغربية من وسائل إرهاب فكري، وأنها وإن ربطت قضية الحكم بمسألة الدين لتعطيها صفة القداسة فإنها لم تلزم الناس ببيعة قسرية ملزمة.

وإسقاطاً على هذا المفهوم في عصرنا الحاضر نرى أنظمة عربية ملكية أو قريبا منها – وعلى الرغم من تميز بعضها بسلوك عادل عن الأنظمة الأخرى التي تكبت وتخنق الحريات العامة- تندرج وبصورة متطابقة لهذا المفهوم الذي أنشأه وعاظ السلاطين، فمفهوم ولي الأمر يمثل ركنا أساسيا في شرعية الملك الذي أنشأ مجلساً استشارياً غير منتخب اختاره هو من أهل الحل والعقد لا يستطيع أن يناقش ما يفعله ولي الأمر فهو فوق أي مسائلة أو احتساب، ولهذا الولي بيعة في عنق الرعية لآخر يوم في حياته تتجدد مع من يختاره وليا لعهده.

2- ولاية الفقيه
نشأت فكرة ولاية الفقيه المطلقة أول مرة عند الشيخ أحمد النراقي -وهو أحد علماء الشيعة الإمامية- المتوفى 1245 هـ ونادى بهذه الفكرة أيضا أحد علماء السنة وهو عبد الملك الجويني المتوفى 478 هـ ثم نادى بها وطبقها عمليا الإمام الخميني بعد نجاح الثورة في إيران عام 1979 م.

وترتكز الفكرة - التي هي جتهادً غير ملزم وغير متفق عليه عند فقهاء الشيعة- على أن للفقيه ولاية عامة في أمور الدولة، ويمارس دوره باعتباره نائباً للإمام المعصوم الغائب (المهدي المنتظر) ويصبح بذلك أولى بالمؤمنين من أنفسهم ومالهم وحياتهم كما عبر عنها الخميني:"الفقهاء العدول مكلفون مأمورون بالقيام بجميع الأمور التي كانت في عهدة الأنبياء".

وبذلك لا تختلف ولاية الفقيه عن فكرة ولي الأمر باعتباره يحكم بأمر الله وطاعته واجبة وتماثلها في فكرتها الأساسية.

وقد طورت التجربة الإيرانية فهما مختلفا للحاكم من خلال شروط ملزمة لمعالم صلاحيات ولاية الفقيه فمثلا لا يشترط في الولي الفقيه أن يكون حاكماً، بل يستطيع الشعب ممارسة حقه بانتخاب حاكم يكون حائزا على شروط يتم تحديدها ويصبح الولي الفقيه مراقبا لأداء الحاكم والمؤسسات الدستورية الأخرى.

إن المشكلة الكبرى قد نشأت في تعريف الولي الفقيه الذي يستمد شرعيته من الله تعالى، هذا الفهم الثيوقراطي -الذي يضفي منزلة سماوية تمنع أي مساءلة مدنية لشخص الولي الفقيه في الأمور الدنيوية الحياتية التي قد تخرج من الإطار الفقهي المتعارف عليه- يؤسس لإضفاء هالة من القداسة وحصانة من المناقشة أو الاعتراض للحكم الدنيوي الذي يتعرض له الولي الفقيه وبالتالي فقد ينتج استبدادا دينيا خطيرا، يقول الشيخ جوادي آملي أحد أعضاء مجلس الخبراء في (ولاية الفقيه): "إن أعضاء مجلس الخبراء يشخصون نصب الفقيه الجامع أو عزله، وليسوا سببا في النصب أو العزل، إن القائد الإسلامي لا ينصب ولا يعزل أبدا من طريق الناس أو الخبراء"، وهذا منحى خطير يؤسس لطريقة جديدة في ظهور الحاكم المستبد ويضفي نوعا من الامتداد الإلهي للولي الفقيه الذي يشكل له هذا الامتداد سطوة ذاتية عند الناس من التعرض للولي الفقيه أو مساءلته.

ولكي يتم تحصين نظرية ولاية الفقيه من مكامن ظهور استبداد فيها، لا بد من تحديد حدود ولاية الفقيه من خلال الممارسة والتجربة التي عاشتها إيران مع هذا الشكل من أشكال الحكم الذي يعتبر أول تجربة حكم لولاية الفقيه، تحتاج فيها إلى التهذيب والتعديل والاستفادة من الثغرات التي نشأت من التطبيق وربما الاستغناء عنها، فالنظرية كانت تبدو محصنة من الخطأ عند من طورها وبحثها، لكنها تبقى نظرية تحاول مقاربة الواقع وقد تبتعد عنه في مواضع خطيرة، لذلك نرى من الضروري إعادة تقييم التجربة بصورة منفتحة بعيدا عن إضفاء صفات القداسة على نظرية لها ما لها وعليها ما عليها، من خلال إعادة النظر في الدستور وتعديله بما يسد أي كوة تفرز انفرادا بالرأي أو فرض أمر ديني أو دنيوي على الشعب بالقوة من قبل فرد أو قلة من الناس.

وقد تبدو الفكرة والنظرية في بداياتها بريئة من تهمة التفرد والاستبداد بالرأي، لكنها بحكم طبيعة البشر يصعب أن يكون فيها رأي الفرد وتحديده للخيارات العامة والحقوق المدنية للمجموع مصيباً في كل زمان ومكان، وقد بينت التجربة الإيرانية أيضا أن رغبة المجموع وتطلعاته قد تتصادم مع رأي الولي الفقيه في الأمور المدنية التي تترجم إلى قوانين ملزمة للمجموع (على اعتبار أن الرأي الفقهي الديني هو رأي اختياري ولا يمتلك الولي الفقيه تفويضا في تطبيقه قسريا)، وهذا ما يؤسس لاستبداد يستعمل الدين أداة وسطوة لإسكات المعارضين ومعاقبتهم بوصفهم مارقين على الشريعة.

ومن الواضح من اتجاهات الرأي في إيران أن هناك تذمرا عاما من فرض الولي الفقيه رأيا يخالف رأي عامة الشعب إما بواسطة السيطرة على المفاصل الأساسية وسلطات القرار التي غالبا ما تعطل مع ما يتعارض مع مصلحة المجموعة الحاكمة التي تم فرض بعض رموزها تعيينا في وقت فشلت في أن تحرز أصواتا تؤهلها للدخول في المجلس النيابي أو يتم تعطيل القرار من قبل الولي الفقيه نفسه عندما لا يكون هناك مخرج آخر.

على أن الأمر قد يأخذ منحىً أفضل لو كان الولي الفقيه هو مجموعة لا يتعارض تفويضها مع مبادئ الدستور الديمقراطي الذي يتطلب ألا يكون لفرد ولا لقلة سيادة على الشعب، فالشعب مصدر السلطات أما السيادة فهي لله وحده وليس شخصا منفردا يراقب تطبيق دستور متوافق عليه ليصبح حكما بين الناس وبين السلطات الأخرى التي تنعدم فيها فرص التفرد ويتم تحديد تدخل الولي الفقيه بأمور متوافق عليها ومعلومة وليست مطلقة.

وهناك ثغرة كبرى ثانية وهي أن الأمر قد يتطور تطورا مثيرا وتصبح مطالبة الغالبية بإلغاء فكرة الولي الفقيه غير قابلة للتنفيذ ويتم قمعها بالقوة، وعند ذلك تنشأ مظاهر الاستبداد وتمسك الولي الفقيه بمنصبه دونما رغبة الغالبية، حيث سيؤسس ذلك لطغيان يقمع تلك المطالبات بقوة الحديد.

3- الاستبداد في فكر الحركات الإسلامية
نتيجة للضغوط الهائلة والقمع المنظم الذي مورس تجاه الحركات الإسلامية من قبل أنظمة الحكم في الدول العربية، توارت تلك الحركات تحت الأرض واستطاعت أن تبني قواعدها وأفرادها وسط ثقافة أحادية تعتمد تكفير الآخر بوصف الحاكمية لله وما عداها مجتمع كفر ووصفه بالمجتمع الجاهلي وأنجبت موجة من حركات الغلو السياسي والفكري في الوسط الإسلامي، ومارست استبدادا فكريا طبع الحياة العامة لهذه الحركات في تعاملها مع الآخر المسلم وغير المسلم فنشأت موجات تكفير امتدت أحيانا لبعض مناهج التدريس في بعض الدول العربية التي استطاعت هذ الحركات اختراقها والوصول لبعض مراكز القرار فيها بوضع تلك المناهج.

نحاول هنا الإشارة إلى مفهومي الحاكمية والجاهلية اللذين يشكلان أساسا فكريا لمعظم الحركات الإسلامية، فهاتان المفردتان شاعتا في الفكر الإسلامي والعربي المعاصر، وأثارتا الكثير من الجدل، خاصة أنهما تحوَّلتا من مجرد مفهومين فكريين نظريين إلى ممارسات عملية على يد بعض الجماعات السياسية الفاعلة في عالمنا العربي والإسلامي حين تبنَّتهما هذه الجماعات على المستوى الفكري، وسعت إلى ترجمتهما إلى واقع على الأرض.

فالفهم والإدراك الخاص الذي تنطلق منه هذه الحركات لمفهوم الحاكمية مثلا يرتِّب نتائج معيَّنة ويفرض حركة وسلوكا في نظرتهم وتعاملهم مع الواقع الذي نعيشه، وهذا ما يحتاج إلى متابعة في البحث نأمل أن تتم بصورة حيادية، لأن ذلك يساعد إلى حد كبير في بلورة تعامل حكيم ومنصف يساهم إلى حد كبير في الخروج من أسر الصراع الدائم بين هذه الحركات والنظم السياسية والاجتماعية والاقتصادية القائمة في بلداننا العربية والإسلامية.

ولعل من المناسب الإشارة إلى تأثير الفهم المختلف لمفهوم الحاكمية لدى بعض الحركات الإسلامية في كيفية النظر من خلال مفهوم الحاكمية إلى واقع المجتمعات المسلمة وغير المسلمة والأنظمة والأفراد والتعامل مع الآخر وترجمة هذا النظر إلى برنامج تربية وتنفيذ عملي لأتباع هذه الحركات اتخذوا منه محوراً وهدفًا لمواجهة واقع النظم السياسية القائمة، وواقع المجتمعات المسلمة خاصة أن هذا المفهوم -ابتداء من المودودي و سيد قطب- قد تحوَّل إلى منظور متكامل وتفسير كلي يتم وفقاً له فهم وتفسير الدين، والنظر إلى تاريخ الأمة المسلمة وواقعها، وتاريخ المجتمعات البشرية وواقعها، وخاصة الحضارة الغربية.

وكذا بالنسبة لمفهوم الجاهلية الذي كان أول من استخدمه بهذا المعنى في الفكر الإسلامي الحديث هو محمد بن عبد الوهاب -مؤسس المذهب الوهابي- في رسالة صغيرة الحجم سماها "مسائل الجاهلية....." والتي فتحت بابا لفهم متطرف للفكر الإسلامي من خلال وصف الآخر الذي لا يتطابق مع هذا التصور بالكافر، لذلك كانت رسائل ابن عبد الوهاب إلى المسلمين تتخذ عنوانا "إلى الكافرين أو المشركين من أهل كذا"، وقد نتج عن هذا الفكر منهج منغلق ومتمرد وخطير على موروثات وأن لم تكن من صلب الدين والعقيدة لكنها لا تجرح في أصل الدين، فبدأت موجات من التخويف والترويع باستخدام الخروج عن الدين ولم تنته بل تطورت لفكر إلغائي استئصالي يبيح ويشرع القتل والإبادة الجماعية.

لقد فوتت الحركات الإسلامية فرصة عظيمة وخسرت كثيرا من رصيدها المعنوي الذي كان هو الأساس في مصدر قوتهم الذي كان يرى فيهم أملا في إقرار مجتمع ينعم بالعدالة الاجتماعية بعد انقضاء عهود الاستعمار.

إن المناداة بأفكار جميلة تستهوي قلوب المسلمين ليس هو الحل كما مثلا في شعار "الإسلام هو الحل"، إنما يجب إخضاع الجميع لسلطة تحاسب وتراقب ولا يكفي أن يكون الوازع الديني هو الذي نحتكم إليه، فقد رأينا الإسلاميين يظلمون ويضطهدون ويقتلون ليس غير المسلمين بل المسلمين، وهم إذ يفعلون ذلك فإنما يعتقدون أنهم يتقربون إلى الله وهذا القتل يقربهم من الهدف الأعلى الذين يسعون إليه وأن قتيلهم البريء يعجلون به إلى الجنة أما غير البريء فإنهم يعجلون به إلى النار.

النتائج

من خلال محاور البحث المتقدمة نرى أن الإسلام على رأي المذاهب السنية والمذهب الشيعي الاثني عشري لم يفرض نظاما ملزما للحكم، فالمذاهب السنية تعتقد أن النبي لم يوص لأحد بالخلافة ولم يبين نظاما ملزما يجب اتباعه، بل ترك الأمر للمسلمين ليقرروا ما يناسبهم من شكل للحكم، وكذا بالنسبة للشيعة الإمامية الذين لم يتبلور لديهم شكل ملزمً للحكم في عصر الغيبة، لذلك يصبح لزاما أن تتم إعادة النظر في الموروث التقليدي ودراسته بنظرة علمية وفاحصة متجردة من إعطاء المتغير صفة القداسة، وترهيب من يحاول طرح أسئلة مشروعة لتعديل الخلل الذي صبغ الحياة السياسية العربية التي تجمد فيها العقل لصالح الموروث الذي تمت صياغته نتيجة ضغوط السياسة والمصالح الذاتية وتوقف عند أشكال محددة ابتدأت منذ عهد الخلافة واستمرت تضيف له صياغات محددة وجامدة في العصور التي تلتها وتكفر وتستأصل كل من يحاول أن يخرج عن ذلك الإطار الرسمي الذي صاغه الحاكم والكم الهائل من الوعاظ الذين كانوا يميلون مع السياسة على حساب حرية الناس بصياغتهم لأفكار وآراء فقهية شرعت الاستبداد وأعطته الصفة الملزمة دينيا.


الإسلام على رأي المذاهب السنية والمذهب الشيعي الاثني عشري لم يفرض نظاما ملزما للحكم

وقد مورست أشكال كثيرة من الإرهاب الفكري والتقتيل ضد كل من يحاول الخروج على تلك الأشكال ومحاولات بعض الإصلاحيين تعديلها للخروج من مأزق الحكم بادعاء البيعة الملزمة، ثم توالى ذلك الإرهاب في الحياة العربية ضد من يحاول أن يقتبس من النظام الديمقراطي الغربي ليصلح ما أفسده الحداد، على أن هذا القتباس أو الدعوة إليه كانت حركة لا بد منها في ظل توقف العقل العربي ومنعه عن فرز نظام يتناسب وعصره الذي يعيش فيه، على الرغم من أن العقل العربي قد برع في المجالات الأخرى وكان يمكن له أن يطور نظريات حكم متطورة لو أتيحت له الفرصة ليسبق الغرب في تصورهم للنظام الديمقراطي.

لذلك رأينا أن نلخص نتائج البحث في ما يلي:

  • ضرورة احترام الموروث الديني والثقافي للأمة وعدم التطاول عليه بأي عذر كان.
  • ضرورة الاعتراف بأن الموروث التاريخي والموروث التطبيقي غير مقدس ويجوز النقاش العلمي فيه بعيدا عن الترهيب وباحترام حرية الرأي، وأن أشكال الحكم التي سيطرت على الحياة العربية وامتدت فروعها للحياة المعاصرة هي اجتهادات زمانية غير ملزمة.
  • ضرورة القبول بما أنتجه العقل البشري من نظم إدارية قضت على استبداد رأس السلطة وانفراده بالحكم وأنتجت مجتمعات مستقرة آمنة وبعيدة عن مظاهر إلغاء الآخر.
  • ضرورة الاعتراف بأن نظام الخلافة وما يمثله من فردية في الحكم لم يكن نظاما مثاليا أونظاما دعا له الإسلام ويدعو إلى تطبيقه، بل هو محض اجتهاد غير ملزم وأن المناداة به أو عدم المناداة به لا تمثل تطابقا أو تخاصما مع أصل العقيدة.
  • التوافق على أن الاستبداد باسم الدين والأيديولوجيا هو أشر أنواع الاستبداد لأنه ينظًر للاستبداد ويعتبره نوعا من أشكال حماية الناس من الخطر الداهم.
  • ضرورة مراجعة نظرية ولاية الفقيه وتدارك موارد الخلل الذي نشأ من تطبيقها وفرز آلية تمنع من التفرد باسم الولي الفقيه.
  • ضرورة التنبيه إلى أن التطرف الديني الذي يفرض قوة إلغائية ترهب الآخر هو خطر داهم يهدد سلامة المجتمعات ولا تمكن معالجته بالقوة العمياء وحدها لأنه فكر ولا يقارعه إلا فكر وحجة قوية.
  • ضرورة العمل الجاد لإصلاح النظام السياسي العربي إصلاحا جذريا وحقيقيا وليس تجميليا أو قشريا، والتعاطي مع الحريات العامة للمواطن بطريقة منفتحة والقبول بمبدأ المشاركة في صنع القرار السياسي.
  • لا يحق لأي بشر أن يحتكر الحقيقة ويدعيها، ويعتبر -بسبب موقع ديني أو سياسي وصل إليه- أنه يقرر عن الآخرين أسلوب حياتهم وطريقة تفكيرهم.

_______________
كاتب ومحلل سياسي متخصص في المرجعية الشيعية

المصدر : أسوشيتد برس