د. سالم توفيق النجفي

مقدمة
مقاربات منهجية
متضمنات الاستبداد في الزمن الماضي
الاستبداد في العراق.. رؤى مستقبلية


مقدمة

واجه العالم في مراحل تأريخه المتتابعة العديد من الكوارث الطبيعية رافقتها معاناة بشرية من تطبيق سياسات غير متكافئة والمسارات الرئيسية للتطلعات غير الموضوعية لبعض أفراد المجتمع. وفي مقدمة هذه السياسات تلك المؤدية إلى الاستبداد، وقد تركت أعباء على ماضي الإنسانية وحاضرها أكبر بكثير من نظيرتها الطبيعية، فإذا كانت الأولى طارئة في تكوينها وآثارها، فإن الثانية متأتية من جذور غائرة في عمق التاريخ، وتركت آثاراً شوهت حاضر البشرية، وليس هناك حدود زمانية أو مكانية لظاهرة الاستبداد، إلا أن تباينها يرتبط بمرحلة التطور الحضاري سواء على صعيد سلوك نظام الحكم أو أفراد المجتمع. ورغم وجود هذه الظاهرة عبر تاريخ البشرية في العديد من مناطق العالم، فإن تأصيلها في الشرق ولاسيما العربي مازال قائماً في الزمن المعاصر، فقد عانى أفراد المجتمع العربي من أعبائها التي ظهرت على شكل تشوهات في نسق التنمية الاقتصادية-الاجتماعية، فضلاً عن تراجع وتدني متضمنات التنمية الإنسانية.

وقد اهتمت هذه الدراسة بالمقاربات المنهجية للاستبداد معتمداً على العراق أنموذجاً لتجسيد هذه الظاهرة وتتبعها في تاريخه المعاصر، ولأنه يواجه انعطافاً حاداً في سياساته خلال الاحتلال وضبابية الرؤية لما بعده، فإن رؤية مستقبل هذه الظاهرة في العراق يعد إحدى أهم الضرورات التي ينبثق عنها نسق التكوينات الحياتية لأفراد المجتمع العراقي وتأثيراته على الدول العربية والجوار الجغرافي مستقبلاً.

مقاربات منهجية

يتطلب في البدء الاتفاق على تعريف مفاهيمي لمصطلح "الاستبداد" حتى لا ينصرف التصور إلى خارج حدود موضوعية الظاهرة، ويصعب القول إن ظاهرة "الاستبداد" قد تأتت عن فراغ، إنما يرتبط تصنيفها ضمن الظواهر الاجتماعية، ولا تنحصر ممارستها عند مستوى معين إنما تتوزع في مستويات مختلفة بدءاً من البنى المؤسسية الفوقية (Super Stracture) التي يعد نظام الحكم جزءاً منها، مروراً بالبنى المؤسسية التحتية (Sub Stracture) التي تمثلها مؤسسات المجتمع المدني، وانتهاءً بسلوكية بعض أفراد المجتمع، وغالباً ما نجد أن هذه التراكيب الهيكلية تشكل في مجملها إشكالية استبدادية على صعيد المجتمع برمته، وبعبارة أخرى إنه يصعب معالجة الاستبداد عند مستوى معين دون معالجاته بالمستويات الأخرى بالوقت نفسه، وعليه يمكن تمثيل محصلة هذه الظاهرة بمصفوفة ذات متغيرات متداخلة فيما بين المستويات المختلفة من جانب، ومترابطة من حيث التراكم السلوكي من جانب آخر، وقد عرفها (الحلفي، 2004) بأنها ثمرة مجموعة مركبة من القوى والبواعث المختلفة في طبيعتها، المتفاوتة في درجات تأثيرها، المتشكلة بظروف المكان والزمان.


ساعدت التطورات الإلكترونية والفضائية في الزمن المعاصر على إحكام الأساليب التسلطية في إدارة النظام الاستبدادي وإدامته

وقد تداخلت الكثير من المعاني كمترادفات في تفسير هذه الظاهرة مثل الطغيان والاستبداد والدكتاتورية والفساد وأخرى غيرها رغم أن تأصيلها اللغوي والمفاهيمي يختلف نسبياً بين ظاهرة وأخرى، فالطغيان يشير إلى علو الشيء وتجاوزه عن حدوده المعيارية كأن يقال "طغى الماء"، وقد أشير إليها في القرآن الكريم بقوله تعالى: {اذهبْ إلى فرعونَ إنهُ طغى} وعرفه أرسطو بأنه صورة الحكم الفردي بممارسة السلطة دون رقيب ولا حسيب (محجوب،2004)، في حين أن أول من استخدم كلمة "الاستبداد" "منتسيكيو 1689-1755" قاصداً نظام الحكم المعتمد على السلوكيات المنحرفة للفرد القائم على إدارة النظام المذكور، وبعبارة أخرى إن الفرد الحاكم المستبد منفرد برأيه وغير مقيد في تصرفه سواء بالقانون أو قواعد العدل أو العرف. وأخذ مفهوم هذه الظاهرة يتطور منذ ذلك الزمن بسبب اتساع انتشاره على مساحة جغرافية واسعة من العالم، وأصبح مفهوم "الدكتاتورية" يعبر عن الحالة السياسية المنفردة للحاكم دون الالتزام بالدستور أو القوانين النافذة في المجتمع، وأصبح المجتمع يتسم بالشمولية حتى يسهل على الدكتاتورية إدارة الحكم مركزياً ويتمكن من ممارسة حالة الاستبداد بالمجتمع، وقد ساعدت التطورات الإلكترونية والفضائية في الزمن المعاصر من إحكام الاساليب التسلطية في إدارة النظام الاستبدادي وإدامته. وقد بدأ الاستبداد القديم بين القرن السادس والسابع قبل الميلاد، وسادت ملامحه في آسيا الصغرى وانتشر حتى العالم الهيليني، في حين تحدد الاستبداد المعاصر زمنياً مع مطلع الثورة الفرنسية (1789) وحتى اليوم (موريس دوفرجيه، 1977).

وتحاول الأنظمة الشمولية في الزمن المعاصر وضع أفراد المجتمع في إطار أيدولوجي محدد والتفرد في إدارة نظام الحكم، وبعبارة أخرى احتكار السلطة بأسلوب تسلطي خارج إطار القوانين التي يفترض أنها تحكم العلاقات بين الأفراد والنظام الحاكم، وهذا التناقض بين الحاكم وأفراد المجتمع يصعب التوقع باستدامته، فقد يؤدي إلى حالة من الجدل لاسيما عندما يغالي النظام الحاكم في إحكام السيطرة والتصرف غير العقلاني في تنظيم حركة المجتمع وأفراده سواء اقتصادياً إو اجتماعياً أو سياسياً، وحالة نفي الآخر هذه تقود إلى سيادة ظاهرة الجدل، وتعتمد ديناميكية هذه العلاقة على مدى عمق التطرف في الاستبداد ونمطية الوسائل المستخدمة في تحقيقه، فقد يؤدي الاستبداد إلى حالة متطرفة من اللامساواه في الحقوق والواجبات واستخدام المبتكرات ذات التقنيات العالية في تضليل وإخضاع القاعدة العريضة من أفراد المجتمع، وإفساد الفئة التي تقوم على إدارة الدولة، وقد شهد الربع الأخير من القرن الماضي وهي الفترة ما بعد التحرر الوطني نماذج متعددة من الأنظمة الاستبدادية سواء في آسيا أو أفريقيا أو أميركا اللاتينية.

ويشير (خليل، 2002 ) إلى نماذج الاستبداد العربية الرئيسية بأنها قد أخذت صورة حكم "الفرد المستبد" وأعطي نموذج لهذا نظام الحكم الراحل في العراق، والنموذج الثاني هو حكم "الاستبداد العائلي" حيث تستأثر عائلة في إدارة نظام الحكم المستبد، والنماذج متعددة في هذا المضمار، وقد يأخذ هذا النظام صورة العشيرة أو القبيلة المستبدة، ويسود في بعض المجتمعات نظام "الاستبداد الحزبي" إذ يحكم الدولة والمجتمع حزب واحد وتلغى بوساطته الأحزاب الأخرى المعارضة وتنظيمات المجتمع المدني كافة، ثم الاستبداد لحكم "المجموعات الشكلية" التي تحيط بفرد وتأتمر برأيه، فضلاً عن نماذج أخرى، وبصورة عامة تتخذ في الأنظمة الحاكمة المستبدة القرارات من الأعلى إلى الأسفل، في حين تسير الأمور في الأنظمة الديمقراطية من المؤسسات والبنى في الأسفل إلى الاتجاهات العليا (عبد الله، 2004).

وليس هناك تباين واسع في متضمنات الممارسات الدينية أو الأيدولوجية العلمانية لظاهرة الاستبداد، ورغم أن العدالة والمساواة والشورى تعد من ثوابت الفكر الإسلامي، ونجدها عند الكواكبي ليست ديناً متعلقاً بالآخرة حسب ولكنها أسلوب في ممارسة السياسة والاقتصاد أيضاً (الطحان، 1418هـ)، وبعبارة أخرى إن الإسلام ليس محتوى تجريديا في إطاره الديني، إنما هو نظام يسعى إلى حالة التوازن المجتمعي في جوانبه المختلفة، وقد تجسدت هذه المعاني والدلالات في حكم الرسول (ص) ومن بعده الخلفاء الراشدين الذين تمسكوا بالنصوص القرآنية التي أشارت إلى قوله تعالى {وَأمْرهُمْ شورَى بْينُهمْ}، وأصبحت بذلك الشورى قاعدة الحكم في الإسلام، ويمكن القول إن مظاهر الحياة المدنية قد سادت في فترة صدر الإسلام, إلا أن تطبيقات الفكر الإسلامي ما بعد الفترة المذكورة, أدت بالخطاب الإسلامي إلى بعض الاجتهادات ولاسيما في أسلوب الوصول إلى الحكم وممارسته، وقربته في بعض الأزمان من حاله الاستبداد, وبذلك بدا عصر التحول من أوضاع الشورى في صدر الإسلام إلى أساليب وراثة الحكم بدءاً من عصر الأمويين وما بعده (المحبوب, 1418), واستقر نظام الخلافة على الإرث من خلال البيعة, وإن أصبحت شكلا يقبل الناس عليه كرها, وبعدما اشتد الصراع حول الخلافة في العصر العباسي الثاني لم يعد للبيعة تأثير في الاختيار، ولاسيما أن الوراثة أخذ يحكمها الصراع والاستبداد, وبذلك يصعب الحديث عن الاستبداد في الإسلام، إنما يصح القول عن الاستبداد لدى نظام الحكم في الإسلام في بعض من مراحله ما بعد صدر الإسلام.


يشير تأريخ ما بعد صدر الإسلام إلى أن اقتران السلطة السياسية بالطاعة الدينية خارج مفاهيم الشورى قد كون قدراً من الاستبداد في نظام الحكم
وقد تباينت مستويات الاستبداد بين فترة وأخرى من جراء اختلاف نمط الصراع على الحكم, وهذا يؤكد أن الاستبداد لم يكن في بنية الفكر الإسلامي وإنما في أسلوب تناوله لأغراض الحكم واستدامته, وقد أدت هذه الأوضاع إلى أزمة الشرعية السياسية في الدولة الإسلامية بعد الخلافة الراشدة (خاتمي,2001) ولاسيما عندما كان التطرف يجنح نحو الاستبداد في عصر بعض الخلفاء سواء منهم الأمويون أو العباسيون, وعليه يجب التفرقة بين الإسلام فكراً والإسلام دولة في بعض من مراحل التاريخ الإسلامي, مما يؤكد أنه رغم التوسع في الفتوحات الإسلامية ما بعد الراشدين، فإن الفتوحات في المجتمعات الجديدة التي لم ينشأ فيها الإسلام وإنما قدم إليها, أوجدت تباينا حضاريا نسبيا في تكوين الفكر العربي الإسلامي, الأمر الذي أوجد بيئة أكثر تقبلا للابتعاد عن المتضمنات الحقيقية للخطاب الإسلامي مقارنة بالبيئة العربية الإسلامية التي شهدت نشأة الرسول (ص) والخلفاء الراشدين, وهكذا يشير تأريخ ما بعد صدر الإسلام إلى أن اقتران السلطة السياسية بالطاعة الدينية خارج مفاهيم الشورى قد كون قدراً من الاستبداد في نظام الحكم, وترتبط أوضاع من هذا النوع بالمقولة التي تشير إلى أن الشعوب الأقل حضارة تعد أكثر تقبلا للاستبداد من جراء الترابط بين الحضارة وأجواء الشفافية والديمقراطية (الهنداوي، 1418).

وتمتد مسألة الاستبداد تأريخياً إلى ما قبل مولد السيد المسيح فقد أشارت إليها التعاليم الكونفوشيوسية (479-551 ق.م), وقد كان السيد المسيح داعيا للسلام وقاوم الاستبداد والعنف1 ودعا إلى السلام وبشر به, إلا أن أوضاع الدولة المسيحية في بعض من عصورها لازمتها حالات الاستبداد, فقد أكد كل من "القديس بولص" و"القديس بطرس" وهما من الحواريين على ضرورة احترام نظام الحكم لأن كل سلطة على الأرض مستمدة من الله، وأوجب "القديس غريغوري" طاعة الحكم ولو كان طاغية لأن كل حكم له علاقة بالله (المحجوب، 1418), وتنامى الاستبداد عندما أساءت الكنيسة فهم تعاليم السيد المسيح في التعامل مع المجتمع ولاسيما في العصور الوسطى, واتسعت دائرة التسلط من خلال السلطان الكهنوتي وسيادة فكرة التحريم والتحليل وصكوك الغفران, ولم تتراجع كثيرا هذه الآراء في عصر الإصلاح الديني وفقا للمذهب البروتستانتي مطلع القرن السادس عشر, إلا أن فلسفة التنوير التي ظهرت في فرنسا في القرن الثامن عشر أوجدت انعطافا محسوساً في مسألة الاستبداد في ظل الضغوط التي أوجدتها مجموعة المفكرين أمثال مونتسيكو وفولتير وروسو, وبذلك بدأ عصر الحداثة وتعميق الوعي في ضرورة الانفصام بين الدولة والكنيسة, ولا شك أن هذا التناقض بين استبداد الكنيسة في عصورها الوسطى وإصرارها على أن تكون إرادة الله في الأرض من جانب وبين متطلبات التطور الذي يسود المجتمع والدولة من جانب آخر, قد أصبح في مقدمة دوافع الثورة الفرنسية وإصلاح نظام الحكم في الدول الأوروبية الأخرى.

أما بالنسبة للديانة اليهودية, فإن فكر "شعب الله المختار" يشير إلى ظاهرة الاستبداد، إذ دفعهم هذا الفكر نحو التعصب والانعزال الديني, وقد غذت هذه المقولة في اليهود احتقار الشعوب التي تؤمن بديانات أخرى (الشامي, 1986), وتختلف الديانة اليهودية عن الديانات الأخرى في أن "الحاخام" يعد الزعيم الديني والعلماني في المجتمع اليهودي في آن واحد, والمعبد "الكنيس" هو المركز الديني والثقافي والاجتماعي, وهذا التطابق بين الأمة والدين يؤدي إلى استحالة فصل الدين عن الدولة (حمزة، 2000), فهذا الترابط المتمثل بتفويض الحاخام بأمور الدين والحياة من جانب وشعورهم بأنهم شعب مختار من جانب آخر، يدفعهم إلى حالة من استبداد الآخرين، وتنعكس هذه المتضمنات في الديانة اليهودية على أوضاعهم المعاصرة, فامتلاك إسرائيل للسلاح النووي يوفر لها إمكانية إطلاق تهديدات الردع والدمار الشامل (فليدمان, 1984), وهذا التصرف والسلوك هو نوع من الاستبداد على المستوى الإقليمي.

وعندما نجحت محاولات فصل الدين عن الدولة في المجتمع الغربي ساد قدر من التفاؤل والرضى لسيادة قيم الشفافية وتدنية أعباء الاستبداد, ولاسيما في العقد الأول من القرن العشرين, ولم يكن السبب في متضمنات الدين إنما لتوظيف الدولة لهذه المتضمنات في إدارة الدولة الاستبدادية, بصورة أوجدت انفصاماً بين متضمناته الأيدولوجية وتطبيقاته الرسمية. فقد تمكنت الثورة الروسية من إزالة طغيان القيصرية وبشرت الثورة البلشفية في نهاية العقد الثاني من القرن المذكور بتدنية التفاوت بين أفراد المجتمع من خلال إعادة توزيع الدخل لصالح الطبقات الأقل دخلاً, وتبعتها في ذلك مجموعة من بلدان شرق أوروبا, وأصبحت في مجموعها تمثل المنظومة الاشتراكية الساعية في أهدافها الرئيسية إلى نشر الحرية والعدالة, وأخذت من النظرية الماركسية متضمناتها الأيدولوجية الرئيسية, وقد بشر بذلك الأوائل أمثال "لينين"، إلا أن المسارات الوظيفية للإدارة الاشتراكية وتطبيقاتها الاقتصادية والاجتماعية انحرفت على أيدي بعض من أركان نظام الحكم أمثال "جوزيف ستالين" باتجاه تزايد حالة الاستبداد والقهر, وشهدت معظم بلدان المنظومة المذكورة خلال الحرب العالمية الثانية وما بعدها أقسى أشكال الاستبداد الذي عرفته البشرية المعاصرة, وأدى التناقض بين المتضمنات الأيدولوجية الماركسية ومسارات نظام الحكم إلى رحيل النظام عن البلدان ذات السياسات الشمولية، وأخذت بالتحول نحو أنظمة للحكم أقرب إلى ليبرالية السوق, وهو أحد صور التحول من استبداد الدولة إلى استبداد السوق بكل ما يتضمنه ذلك من أعباء اقتصادية تقود في صيغتها النهائية إلى تفاوت اجتماعي يقوم تركيبه البنيوي على متضمنات الاستبداد في خلق التراكم الرأسمالي الذي يعد إحدى الوسائل الرئيسية لصناعة التفاوت.

ولم يغب "الاستبداد" عن البلدان الصناعية المتقدمة رغم اعتمادها على الأيدولوجيا الليبرالية في التأريخ المعاصر، وقد يعود ذلك إلى جذور تكوينها عبر القرون القليلة الماضية, إذ إن بناء الدولة قد استأثر باقتصاديات البلدان الأخرى، ولاسيما البلدان الأفريقية والآسيوية, إذ استأجرت واستعبدت العديد من قوى العمل، وعملت على توظيفهم في ظروف من العمل غير الإنساني ونهبت العديد من ثرواتها, وذلك منذ منتصف القرن السادس عشر وما بعده, الذي أدى إلى تزايد تراكم رأس المال في البلدان المتحولة نحو الصناعة، ورغم كل ما قدمه "آدم سميث, 1776" من طروحات في كتابه "ثروة الأمم" وما أعقبه من منظري للرأسمالية الكلاسيكية حول الملكية والحرية, فإن الرأسمالية قد حملت تناقضا بين نمط تكوينها وطروحاتها الأيدولوجية, إذ إن جنوح هذا النمط من الأيدولوجيات نحو العلمانية أدى إلى تناقض في تعاملها مع الأوساط المجتمعية, فعلى سبيل المثال قادت دعوتها إلى الحرية وسيادة المجتمع المدني في بعض من هذه البلدان إلى اتساع حركة التيارات الدينية, وبالنظر إلى أن العلمانية في نهاية المطاف لا تستطيع من الناحية الفكرية إلا أن تعترف بحرية الأديان وممارسة شعائرها, فقد يؤدي التوسع في هذه الحرية إلى تقويض العلمانية نفسها, إذ لا تستطيع تقييد الحرية لأنها بذلك تفقد جوهر الصفة الليبرالية التي تعد محور أيدولوجيتها, وقد اضطرتها حالات من هذا النوع إلى التحالف مع النخب العسكرية (الدكتاتورية) لاستدامة أوضاع نظام الحكم، وهذا التصرف قربها من الاستبداد بقدر أو بآخر وأقرب النماذج لتحالف العلمانية مع النخب العسكري هو "الدولة التركية" بعد رحيل الدولة العثمانية (إسبوزيتو,2000).

وتتحدد دوافع وتكوينات ظاهرة الاستبداد بمتغيرات داخلية وأخرى خارجية, وغالبا ما تبدأ ظاهرة الاستبداد بتواضع فاعلية المتغيرات الداخلية في المراحل الأولى من نشوء نظام الحكم الاستبدادي, وعلى سبيل المثال فإن مرحلة التحرر الوطني في البلدان النامية التي يمكن تحديد فترتها الزمنية ما بعد الحرب العالمية الثانية وحتى نهاية عقد الستينات, وكانت أوج انبعاثها "مؤتمر باندونغ", واجهت حكومات الدول المتحررة ضغوطا خارجية, ولاسيما من قبل المنظومة الرأسمالية, سواء في إطار الحرب الباردة أو بالهيمنة على اقتصادات هذه البلدان, وترتب على هذه الضغوط دفاع العديد من حركات التحرر عن أوضاعها الجديدة، وامتد ذلك الدفاع إلى تقييد الحريات ونشاطات المجتمع المدني وتحديد حركة المعارضة بأشكالها المختلفة، وهذا التصرف قاد هذه الأنظمة الحاكمة نحو الاستبداد، وبالنظر إلى أنه ليس لهذه الظاهرة من حدود في التأثير بحريات أفراد المجتمع، فقد تجاوزت إجراءات معظم أنظمة الحكم على حقوق الإنسان، وقادت هذه الضغوط مع الزمن إلى ظهور دكتاتوريات ذات تيارات كارزمية تتسم بطبائع الاستبداد، ولا سيما في بعض بلدان أفريقيا وآسيا في الربع الأخير من القرن الماضي.


المتعة السادية للحاكم يقابلها خضوع الأفراد لقوى تحررهم من الخوف، ومن هذا المنطلق تتشكل "ثقافة الخوف" في الأوساط المجتمعية للبلدان
ولا تكفي المتغيرات الخارجية، ولا تعد مبرراً في العديد من الحالات لسيادة الاستبداد في هذه البلدان، وإنما غالباً ما تساعدها متغيرات محلية على تفعيل هذه الظاهرة في المجتمعات المذكورة، وفي بعض الأحيان تعد المتغيرات الداخلية كافية لظهور الحالة المذكورة، وقد سادت في العقود القليلة المعاصرة تفسيرات مختلفة حول العوامل الداخلية المؤدية إلى حالة الاستبداد، إلا أن قراءة متأنية لهذه الأوضاع نجد أن ولادتها لا تتأتى من فراغ، وإنما من تكوينات تمتد عبر التاريخ وترتبط بقدر كبير بالتطور الحضاري الذي يسود هذه البلدان. وتتقدم المتغيرات الداخلية مسألة "التركيب النفسي" لقيادة نظام الحكم، وقد يضم هذا التركيب أصولاً سادية ونزعة للسيطرة على الآخرين، والهدف منها إيذاء وتعذيب الآخرين، ولا تتضمن الشهوة في القوة الكامنة للسيطرة في اقتدار المستبد إنما في الضعف النفسي الذي يتمتع به، وهذا العجز يقود إلى ما يطلق عليه ظاهرة "المازوكية" وهي شعور ينتاب المستبد بهم من أفراد المجتمع ويقودهم إلى اللاجدوى والتلذذ بالألم (إريك فروم،1972)، وهي ميول بصفتها العامة مرضية، وتعد هذه العلاقة المتبادلة ضرورة لكلا الطرفين، فالمتعة السادية للحاكم تقابله خضوع الأفراد لقوى تحررهم من الخوف، ومن هذا المنطلق تتشكل "ثقافة الخوف" في الأوساط المجتمعية في البلدان المذكورة.

وأظهرت بعض الدراسات أن قوة المستبد لا يستمدها من ذاتة إنما من ضعف أفراد المجتمع، وفي هذه الحالة فإن المجتمع يساعد على سيادة ظاهرة الاستبداد، وبذلك فإنه يصنع المستبد من جراء الخوف الذي في داخل الأفراد أنفسهم، وهكذا تتعاقب الأجيال على متضمنات الخوف والضعف المحفز لصناعة الاستبداد، وهو ما أطلق عليه بتفسير الاستبداد من خلال "النفس الاجتماعي" وتشير تفسيرات أخرى إلى أن ظهور الاستبداد قد يكون من جراء عدم التوازن في التركيب الاجتماعي–الاقتصادي للمجتمع, مما يتطلب نمطا من الأنظمة السياسية التي تحكم توازنه وتدنية صراعاته الأمر الذي يقتضي ظهور حالة الاستبداد, إلا أن عدم التوازن في المجتمع قد لا يرافقها حالة الاستبداد إلا إذا توافرت الشروط الضرورية والكافية لظهور الحالة المذكورة. فقد تؤدي قوى من داخل المجتمع إلى إعادة توازنه, وبذلك يفقد المجتمع شروط سيادة ظاهرة الاستبداد.

ورغم تعدد التصنيفات التي تفسر ظاهرة الاستبداد فإني أجد أنها قد تظهر دون وجود المسببات المذكورة, أو وجودها بقدر لا تشكل معه دافعا لسيادة فاعلية الظاهرة, إذ يتطلب سيادتها شروطا قد لا تكون متوافرة بالقدر الذي يسمح لها بالتأثير الفاعل, وفي هذه الحالة ربما تعود سيادة الظاهرة إلى أسباب أخرى في مقدمتها "الإشكالية الثنائية" (Dualsim Problematic) التي تعاني منها المجتمعات عامة والنامية خاصة, فعلى الصعيد العربي فإن الصراع الدائر منذ نصف قرن بين الوحدة والتجزئة, والحوار بين الأصالة والمعاصرة, وكذلك بين الأصولية والحداثة, فضلا عن الجدال الدائر في أوساط مختلفة بين الإسلام والقومية, هذه الثنائيات وأخرى غيرها ولاسيما تلك التي في داخلها مثل الاتجاهات المذهبية في الإسلام, وتعدد الإثنيات القومية, قد تسود جميعها أو بعض منها في مجتمع واحد. وفي ظل نمط التطور والتنمية السائد في المجتمعات المذكورة, فإن ذلك قد يقود إلى تغليب فئة دون أخرى ويدفعها تعصبها في ظل تواضع الوعي إلى ممارسة الاستبداد تجاه الآخر.

متضمنات الاستبداد في الزمن الماضي

يصعب القول إن ظاهرة ما قد تحدث عن فراغ, إنما وجود الظاهرة واستدامتها وتأثيراتها تشير إلى أنها جاءت من زخم تفاعل مكوناتها التاريخية وتطورها وتراكمها, وبدون ذلك فإن الظاهرة تتلاشى وتضمحل بزوال مسبباتها, والاستبداد من الظواهر التي تتشكل من خلال عوامل داخلية وخارجية ذات أبعاد تاريخية, إذاً هي ليس ظاهرة طارئة إنما متأصلة عبر مراحل التخلف الاجتماعي كمتغيرات داخلية, والتبعية الاقتصادية كمتغيرات خارجية, وتعد ظاهرة الاستبداد في تاريخ العراق هي القاعدة, ومسألة الديمقراطية كانت استثناءات قصيرة المدى. وإذا كان التاريخ الحديث للاستبداد في العراق هو الذي يعنينا, فإن مرجعية تاريخه الحديث هو الحقبة العثمانية, وظهور الإحساس لدى عرب العراق بالتسلط العثماني, وقد تجسد استبداد هذه الحقبة بظهور ولاة المماليك (1820), وقد تأتى عن ذلك القهر والطغيان تمرداً على الدولة العثمانية انتهى برحيلها عام 1916 (النقيب، 1996).

ورغم القناعة بموضوعية التحليل الذي قدمه الدكتور الأنصاري (الأنصاري، 1995) بأن البلدان العربية لم تمر بمرحلة الإقطاع بالمفهوم الأوروبي وذلك في مراحل تطور الدولة وبنائها, باعتباره أحد مراحل ذلك البناء, إلا أني أجد أن هذه الطروحات تعد أكثر ملاءمة لتحليل التطور التاريخي للتكوينات المجتمعية في "دول مجلس التعاون الخليجي العربية" مقارنة بدول أخرى مثل العراق, ولا أستطيع القول إن العراق في مرحلة تأسيسه أصبح دولة وفي إطار التصنيفات التكوينية للدولة فإن العراق ربما يكون في مرحلة متقدمة مقارنة ببلدان المجلس المذكور, ولكن يبقى بعيداً عن المفهوم الحديث للدولة, من هنا فإن تأسيس السلطة في العراق جاء قبل استكمال تأسيس الدولة بالمعنى الشامل لمراحل تكوين الدولة, وأصبح هناك سلطة دون دولة, وبذلك فإن اتجاه السلطة نحو الاستبداد في مراحلها المختلفة يصعب إصلاحه لعدم وجود وعاء مؤسسي ذي ملامح متكاملة يمارس من خلال هذا الإصلاح. وبالنظر لغياب الدولة المؤسسية, فقد اجتهدت الأنظمة الاستبدادية في بناء أطر تنظيمية تقوم على تعميق استبدادها واستدامته, الأمر الذي أظهر تشوهات مختلفة في محاولات بناء الدولة العربية القطرية.

ويصعب فهم أوضاع العراق المعاصر دون التحري عن دور القوى العالمية في التأثير بتكوين تاريخ العراق، فليس هناك من لا يقدم إعجابه لحضارة العراق القديم التي تعد المرجعية لتماسك النسيج الاجتماعي، وامتدت إليها الحضارة العربية الإسلامية لتعطيها بعداً أيدولوجيا تمتد آثاره في الحرية والعدالة إلى أعماق النفس البشرية، من هنا كان صراع الدول الكبرى وتنافسها على العراق سواء لموقعه الإستراتيجي أو لثرواته المستدامة (النفط) واسعاً، واستغلت بريطانيا في مطلع القرن الماضي تراجع الدولة العثمانية وتفككها بعد الحرب العالمية الأولى لتستحوذ على بلدان الشرق الأدنى والأوسط، ولاسيما العراق بوصفه امتداداً لرؤيتها الإستراتيجية منذ منتصف القرن السادس عشر (فوستر, 1989).

يعطي تاريخ العراق سواء القديم أو المعاصر دلالات ومعاني للصراع حول التحكم بموقعه وموارده، وغالباً ما قاد ذلك إلى استبداده، لقد ارتبطت العواصم ومراكز الحضارة المرموقة في العالم القديم بأسماء عظيمة من أمثال سرجون وحمورابي وسنحاريب ونبوخذ نصر وهارون الرشيد، وكانت العواصم والمراكز الحضارية تقع على وادي الرافدين وأنهاره المتدفقة، وكانت الإمبراطوريات التي ارتبطت بأسماء هؤلاء العظماء غالباً ما تخوض حروبا في سبيل أمجادها على هذه البقعة الخصبة من الأرض التي تعرف باسم العراق (فوستر, 1989), ومنذ أوائل القرن السابع عشر (1622) استطاعت بريطانيا أن تستولي على "مضيق هرمز" في الخليج العربي وتنتزعه من البرتغاليين وتقيم فيه قواتها لحمايته، وهي أولى المحاولات البريطانية لإيجاد أوضاع سياسية في الخليج العربي وقريبا من العراق.


يظهر في التاريخ الحديث نمط التسلط وما يقود إليه من استبداد في العلاقات الدولية لأول مرة في دولة العراق الحديثة، وأخذت هذه العلاقة صيغة شرعية على صعيد المنظمة العالمية
واستمرت المصالح المتضاربة من جراء التوسع الرأسمالي لدول العالم الغربي وذلك بالاتجاه نحو تزايد معدلات تراكم رأس المال، ولاسيما باستنزاف موارد الشرق الأدنى والأوسط، وربما أن ذلك يعد في مقدمة الأسباب غير المرئية التي أدت إلى نشوب الحرب العالمية الأولى، ومن خلال الأعباء والارتباك الذي أصاب القوى التي أسهمت في الحرب المذكورة، ومحاولات صنع السلام التي حدثت فيما بعد، برز مشروع بسط الحماية البريطانية على العراق (فوستر,1989)، واستحصلت بريطانيا ما اصطلح عليه "بالانتداب"2 في العراق من قبل عصبة الأمم، وهذه الحالة وتطبيقاتها تعد فريدة وغريبة عن صياغة الدساتير في دول العالم، إنما الفكرة وتشريعاتها كانت إحدى معطيات لعبة المؤتمرات الدولية للبلدان المنتصرة لما بعد الحرب العالمية الأولى، وقد اعتمد بناؤها على المادة الثانية والعشرين من ميثاق عصبة الأمم الذي يعد الأساس لنظام الانتداب، وهكذا يظهر في التاريخ الحديث نمط التسلط وما يقود إليه من استبداد في العلاقات الدولية لأول مرة في دولة العراق الحديثة، وأخذت هذه العلاقة صيغة شرعية على صعيد المنظمة العالمية.

وقد شهدت فترة التحول من السيطرة العثمانية إلى أوضاع الانتداب البريطاني وما بعدها محاولات متعددة للكفاح ضد الاستبداد البريطاني في مقدمتها ثورة العشرين 1920 (نظمي، 1985) التي أسهمت نسبياً في تغير السياسة البريطانية تجاه العراق، والسعي نحو تعيين فيصل الأول ملكاً على الدولة العراقية الحديثة في مطلع العام المذكور، ثم نودي به ملكاً في يونيو/حزيران 1921، وأبرمت المعاهدة الأولى بين بريطانيا والعراق في أكتوبر/تشرين الأول 1922 وتضمنت أسس الانتداب، وبدأت إجراءات الهيمنة الاقتصادية، إذ وقع الطرفان امتياز الموارد النفطية وأصبح بذلك هذا المورد مؤمناً للمصالح البريطانية والهولندية والفرنسية ثم الأميركية، وأخذت السياسة البريطانية بفرض الضرائب وتوسيع وسائل توفير الإيرادات للدولة العراقية من أجل تغطية نصف نفقات قوات الجيش البريطاني في العراق، وقد تطلب ذلك توسيع قاعدة الاستبداد وتعميقه، وبذلك واجهت الدولة العراقية في الفترة ما بين الحربين العالميتين أعباء واسعة من جراء الاستبداد الذي مارستة بريطانيا، ولا سيما أن العراق قد خرج منهكاً من أعباء التراجع وانهيار السلطة العثمانية.

وفي ظل هذا المناخ وما أفرزه من تباين الكفاءة التفاوضية مع دول الانتداب، وتواضع الممكنات المؤدية إلى تدعيم مقدرتهم السياسية تجاه الخبرات الأوروبية المتراكمة في هذا المجال، أصبحت معه المعاهدات المتتالية إطاراً معمقا للانتداب واستدامته، أعقبتها انتفاضات متعددة في مناطق مختلفة من العراق كانت إحدى دوافع دخول العراق في عصبة الأمم في أكتوبر/تشرين الأول 1932, وبذلك تحرر العراق شكلاً من نظام الوصاية، وانتهت مهمة المعتمد السامي البريطاني ولكن حل محله السفير البريطاني في إطار من المهام نفسها في الشأن العراقي. وبعد حوالي عام من التاريخ المذكور، تأثرت حالة الاستقرار السياسي والاقتصادي بوفاة الملك فيصل الأول في سبتمبر/أيلول 1933 بعد حكم وطني لم يدم أكثر من عقد إلا قليلا، وخلفه الملك غازي الذي كان شخصية مميزة في علاقاتها بدولة الانتداب، فقد نشأ شاباً ذا ميول وطنية وعلاقات وطيدة مع صغار ضباط الجيش العراقي ومناوئاً للتيارات الاستبدادية، ولم يدم حكمه طويلا إذ انحسر بين عامي 1933-1939 وتوفي في حادث مازال غامضاً حتى الزمن المعاصر مما يلقي معه ظلالاً من الشك حول مسألة استبعاده من الساحة السياسية العراقية، وتولى الوصاية على الملك فيصل الثاني الذي كان شاباً صغيراً في العمر، خاله الأمير عبد الإله الذي عرف بعدم الدراية والاهتمام بشؤون الحكم، وبذلك اتسعت دائرة التيارات السياسية المؤيدة والمناوئة للانتداب البريطاني، أدت محصلتها إلى عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي في العراق، ولا شك أن حالة عدم الاستقرار كانت إحدى وسائل السيطرة لدولة الانتداب وممكناتها على العراق واقتصاداته.

وقد واجهت أوضاع العراق ما بعد الحرب العالمية الثانية مسألة في غاية الأهمية تزايدت معها حالات الاستبداد، إلا وهي تنفيذ دول الانتداب لوعد "بلفور 1917"، إذ قررت بريطانيا عام 1947 بعرض القضية الفلسطينية على الأمم المتحدة، وصدر قرار التقسيم في العام الذي يليه وبذلك انتهى النصف الأول من القرن العشرين بغرس بذور الاستبداد في المنطقة العربية على المدى البعيد، إذ إن الصراع بين حقوق الملكية العربية للأصول المولدة للدخل من العرب في فلسطين واغتصاب هذه الحقوق من قوى خارجة عن تلك الأصول وذلك في إطار الشرعية الدولية وفي ظل هيمنة الدول الرأسمالية الكبرى هو في حقيقته تأصيل لظاهرة الاستبداد في الأراضي العربية على المدى البعيد، وهو ما أكدته أحداث النصف الأخير من القرن الماضي، فقد واجه الرفض سواء على الصعيد الفلسطيني أو العربي أساليب متعددة من القمع والاضطهاد في الأراضي الفلسطينية خاصة والعربية عامة، وقد أدت هذه الأوضاع وأخرى غيرها في النصف الأول من عقد الخمسينات إلى إقامة "حلف بغداد" وانضمت بريطانيا إلى الميثاق العراقي التركي وذلك في مواجهة مرحلة التحرر الوطني وأجواء "مؤتمر باندونغ" في الوطن العربي، وأعطت الحق لنفسها بالتدخل في سياسات الشرق الأوسط من خلال ميثاق الحلف المذكور الذي كان يسعى لتوسيع رقعته الجغرافية إلى بعض بلدان الجوار، ورغم محدودية البلدان التي انضمت إلى هذا الحلف، كانت بغداد القاعدة الرئيسية لفاعليته.

وأخذت رياح التحرر الوطني تتسع في النصف الثاني من عقد الخمسينات على صعيد معظم دول العالم الثالث، أدت إلى جنوح التيارات السياسية اليمينية نحو إقامة علاقات بين العراق والأردن في صورة اتحاد هاشمي بوصفه أحد وسائل التنسيق في العديد من المجالات وفي مقدمتها حماية البلاد من آثار التغيرات الحاصلة على صعيد الوطن العربي، ولاسيما أن ثورة يوليو/تموز 1952 وتأثيرات قياداتها على الصعيد العربي أوجد حالة من التنظيمات السرية لتفكيك القواعد السياسية الرئيسة للاستبداد. ورغم أن معظم تلك القوى كانت تتمتع بالنزاهة والوطنية في بدايتها التنظيمية، فإنها لم تكن تمتلك ذلك القدر من الوعي الذي يمكنها من بناء أيدولوجية تستطيع من خلالها تسيير الحكم بعيداً عن إعادة حالة الاستبداد، ولاسيما أن معظمهم من أوساط البرجوازية ذات النشأة العسكرية، وقد نجحت تلك التنظيمات السرية في الأوساط العسكرية بالتحالف مع بعض التنظيمات الحزبية على الساحة العراقية في تغيير نظام الحكم لأول مرة في تاريخ العراق إلى الإدارة الجمهورية يوم 14 يوليو/تموز 1958 (الدرة, 1987).

الجدير بالذكر أن ظاهرة الاستبداد لم تكن مقصورة على العراق إنما تسود في البلدان العربية كافة، غير أنها بأشكال ومستويات متباينة، فقد تأخذ طابعاً سافراً مثل تقييد الحريات والإكراه والتسلط، وقد تأخذ طابعاً ديمقراطياً في شكله الظاهري من خلال الانتخابات الصورية أو البيعة التي تبقي الحاكم فترة طويلة من الزمن بعيداً عن تداول السلطة، ولم يستوِ الاستبداد في البلدان العربية عند مستوى الفئات العليا (super stracture) من أنظمة الحكم، إنما توارثته الأجيال عند مستوياتها الأدنى (sub stracture)، وأصبحت الثقافة العربية تعكس حالات الاستبداد في مستوياتها العائلية، وليس هناك أدق تعبيراً عن الاستبداد والعنف والإكراه في العائلة العربية (المصرية) مثلما تعكسه الثلاثية الرائعة للأديب نجيب محفوظ الحائز على جائزة نوبل في الأدب، فالتسلط الذي يمارس في البناء العائلي لا يعكس البيئة المصرية فقط، إنما العائلة التي ترجع جذورها إلى التاريخ العربي القديم من الأصول الاستبدادية الشرقية.

مازال هناك قدر من الغموض يحيط بالمتضمنات الدافعة للتغيير والمؤدية إليه، ولا سيما أن القائمين على هذا التغيير في صباح ذلك اليوم من يوليو/تموز 1958 لم يكونوا على قدر من التجانس والوعي السياسي. إن قراءة الخطاب السياسي للنخبة القائدة لما حدث صباح ذلك اليوم لا تعطي دلالات ومعاني ذات جذور أيدولوجية في المسألة الوطنية بقدر ما تعطي مؤشرات متناقضة في نمط تكوين هذه القيادة، فقد خلا بيانها الأول من متضمنات مقنعة باتجاه ضرورة التغيير والتحول في نمط الحكم مثل الديمقراطية والمجتمع المدني أو وعداً برحيل القوى العسكرية عن إدارة نظام الحكم في العراق بعد إزالة النظام الملكي (العزاوي, 2004)، الأمر الذي أدى بقيادة التغيير إلى التوغل في متاهات الاستبداد رغم تاريخها القصير، وقد ضمت بعض تكوينات إدارة نظام الحكم شخصيات عسكرية ذات ميول يسارية وأخرى معتدلة، كما أنها لم تخلُ من شخصيات يمينية، وبذلك فإنها فقدت التجانس الأيدولوجي، في حين أن بعضاً من شخصيات السلطة التنفيذية المكلفة إدارة شؤون البلاد كان تاريخها السياسي يشير إلى انتماءاتها الوطنية ذات الفكر القومي الوسط، كما أظهر بعض رموز السلطة اتجاهات مناوئة للتغيرات الراديكالية، ولاسيما لبرامج الإصلاح الزراعي وتأميم بعض النشاطات الاقتصادية والإجراءات المالية الموجهة، وتمتع التيار الأخير بدعم ومساندة الفئات ذات الدخول العالية وفي مقدمتهم كبار ملاك الأراضي الزراعية والرأسمالية الصناعية وبقايا النظام الملكي، وفي خضم هذا التعدد غير المتجانس في المتضمنات الأيدولوجية أو السياسية، وفي إطار تواضع الوعي والرؤية العقلانية للعديد من القائمين على إدارة نظام الحكم ولاسيما العسكرية منها التي أحدثت التغيير نحو الإدارة الجمهورية، أخذ النظام بالجنوح في تناقضات ما يطلق عليه بالثنائيات (Dualism) مثل الوحدة والقطرية (التجزئة)، اليسار الاشتراكي واليمين الرأسمالي، التعددية الحزبية والانفراد بالسلطة وأخرى غيرها أدت مجتمعة إلى اتساع بذور الاستبداد في قمة السلطة، فهذه الثنائيات المتناقضة قادت الفئة العسكرية إلى التفرد في إدارة نظام الحكم سواء في إطار دوافع النزعة الفردية أو خوفاً من نتائج التناقضات التي أخذت تتسع وتؤثر في وحدة المجتمع العراقي.


بعض الحكومات المستبدة عملت على تغييب الوعي لدى أفراد المجتمع ومن ثم ليس هناك احتمالات لعودته
ويشير التاريخ المعاصر للمجتمعات النامية في نهاية عقد الخمسينات ومطلع عقد الستينات إلى أن العديد من تجارب التغيير سواء في آسيا أو أفريقيا أو أميركا اللاتينية قادت إلى حالات من التفرد والدكتاتورية التي تبني وتقيم أوضاعها على أشكال مختلفة من الاستبداد من خلال العنف والقمع والطغيان بواسطة الأحكام العرفية وتعطيل أحكام الدستور والمحاكمات الصورية والإعدامات الجزافية، ولم ينأ العراق عن مسارات هذه الظاهرة، وكان من مظاهرها الألقاب التي تطلق على القيادة المتسلطة والمنفردة بالحكم مثل "الزعيم الأوحد"، وهي إحدى دلالات التفرد التي تقود إلى الدكتاتورية، وأصبح النشاط السياسي مقترنا بالعنف، وأهداف هذا النشاط هو محاولات انقلابية لاستبدال السلطة المستبدة بأخرى ذات شكل آخر من الاستبداد، وقد اتسمت معظم الحكومات المتعاقبة على العراق بخصائص مشتركة في مقدمتها تزييف الوعي وإفساده، وإذا كان الكاتب المرموق "توفيق الحكيم" قد كتب متفائلاً عن عودة الوعي، فإن بعض الحكومات المستبدة عملت على تغييب هذا الوعي لدى أفراد المجتمع ومن ثم ليس هناك احتمالات لعودته.

وقد قاد التطرف والانحرافات التي حصلت في المسارات الرئيسية للتغيير في يوليو/تموز 1958 إلى اتجاه فئة من التنظيمات العسكرية التي كان لها مساهمة في رحيل النظام الملكي إلى ممارسة دورها من جديد في تنظيمات سرية للتخلص من النظام الجمهوري القائم آنذاك، ولاسيما أنها لم تكن حديثة العهد بهذا النمط من العمل السياسي، وقد ساعدها في هذا الشأن بعض من دول الجوار العربي من جانب، ودعمها من قبل بعض الفئات التي تضررت من الإجراءات الراديكالية التي أحدثها التغيير، ولاسيما تشريع قانون الإصلاح الزراعي (رقم 30 لعام 1959) من جانب آخر, إذ أدت نتائج هذا القانون إلى انتزاع الأصول المولدة للدخل من الأفراد ذوي الملكيات الكبيرة، وبذلك عملوا بشكل حثيث من وراء المسرح السياسي على رحيل النظام الجمهوري الجديد.

وقد تمخض عن ذلك ما أطلق عليه "بحركة الشواف" التي قامت على قيادتها القوات المسلحة في مدينة الموصل وقيادات القواعد العسكرية في الأطراف القريبة منها (قضاء عقرة), ولكن لم يحالفها النجاح، وتأتى عن فشلها مجازر لم يشهد التاريخ المعاصر لها مثيلاً إلا قليلاً، وفي مقدمتها المحاكمات العشوائية والإعدامات غير القانونية والاقتتال في شوارع الموصل، وبذلك ظهر نمط من الاستبداد قادته مجموعة من الطغاة بتوجيه من القوى المناوئة للتنظيمات ذات الصلة بالفكر القومي وفي مقدمتهم بعض تنظيمات اليسار المتطرف في الموصل والقادمين من العاصمة بغداد والمحافظات الأخرى بقطار إطلق عليه آنذاك "قطار السلام".

وقراءة هادئة للأحداث المذكورة وما تم من استطلاعات الرأي التي تمت آنذاك تؤكد أن السلوك المتطرف والمناورات السياسية لليمين العراقي أمكنته من توظيف بعض الضباط في القواعد العسكرية في بعض المواقع الجغرافية من العراق ولاسيما قواعدها في الموصل وعقرة من ذوي الاتجاهات القومية والإسلامية المحافظة وأخرى لديها طموحات الحكم والسلطة، وبالنظر إلى أن رؤية القوات المسلحة تنحصر في أداء واجباتها الرئيسية بصفة أساسية هي الدفاع عن حدود الدولة وأمنها في إطار طبيعة نشاطها وتخصصها الوظيفي، فإن دراية هؤلاء ووعيهم لا يمتد بالقدر نفسه من الكفاءة في الشأن الأيدولوجي وأساليب السياسة وإدارة نظام الحكم، وقد أكد هذه الطروحات العديد من تجارب العالم الثالث، من هنا فإن توظيفهم لتغيير قواعد الحكم في بغداد واتجاهاته لم تواجه صعوبات كبيرة، ولا سيما أن الادعاء الذي انطلقوا منه هو وعاء الخطاب العربي الإسلامي، إلا أن اعتقال الصفوة التي قامت على إدارة حركة" الشواف" وإيداعها في سجن رقم (1)، أعطاهم الفرصة الكافية للحوار والتشاور في إطار قدر كبير من الشفافية في التحليل، ولا سيما أن بعضاً من الرتب العسكرية المتقدمة كانت تتمتع بقدر مناسب من موضوعية الرؤية لطبيعة الأحداث لما بعد 1958 ومساراتها المتباينة، وقد أصاب البعض منهم قدراً من الإحباط من جراء وضوح الرؤية لمدى استبداد قوى اليمين الرأسمالي في توظيفهم في صراعات لإزالة قيادات حركة يوليو/تموز 1958، مما دفع بتلك القوى إلى التخلص من هؤلاء الضباط، بعدما ظهرت ضغوط من قوى قومية للعفو عنهم، فقد نظمت بعض الفئات اليمينية عملية تسريب بما يفيد بمحاولات انقلابية جديدة يقوم على تنظيمها الضباط السجناء بالتعاون مع آخرين في القوات المسلحة، وتأكد لدى قيادة النظام بوقائع مزورة ما يفيد هذا الأمر، مما دفع النظام المذكور إلى تنفيذ أحكام الإعدام في 19 ضابطاً من أبرز القيادات العسكرية في الجيش العراقي صباح 20 سبتمبر/يلول 1959 (عبد الحميد،1983) بعد أن كان قد وعدهم في مساء اليوم الذي يسبقه بالعفو عنهم وإطلاق سراحهم في إطار مصالحة وطنية ملحة سعى إليها العديد من القوى الوطنية، وهكذا تم تحفيز نظام الحكم إلى مزيد من تزايد معدلات نمو الاستبداد كانت بدايته صباح ذلك اليوم الذي أريقت فيه دماء طاهرة على أرض "أم الطبول" في بغداد.

وبالنظر إلى أن نظام الحكم آنذاك لم يملك تنظيماً يقوم على حمايته في مستوى يمكن معه تعبئة الرأي العام وإدارة الإعلام المحلي والعربي المؤدي إلى تثبيت نظام الحكم، فقد اعتمد على التنظيمات المناوئة للقوى القومية، الأمر الذي أدى إلى اتساع قاعدة الاستبداد من جنوب العراق وحتى شماله ولا سيما في المناطق التي تأصلت فيها متضمنات القومية العربية فكرا وتنظيماً.


صفة اللاشرعية في الوصول إلى الحكم وممارسته بدأت في العالم الثالث ما بعد الحرب العالمية الثانية ولم تنته إلى الوقت الحاضر، إلا أن أشكال السيطرة على الحكم في صورته اللاشرعية هي التي اختلفت

وقد ساد في نهاية عقد الخمسينات وبعد تلك الأحداث الدامية تياران رئيسيان على الساحة العراقية، تمثل الأول بصورة خاصة بالحزب الوطني الديمقراطي ويقوم على القبول بالنظام في إطار الكفاح ضد إفساده والعودة إلى الدستور والحريات وحقوق الإنسان، وتمثل الثاني برفض فكرة الإصلاح إنما العمل على تغيير النظام، وقد تمثل التيار الأخير في مجموعات تنظيمية مختلفة أبرزها حزب البعث العربي الاشتراكي الذي كان يسعى لقيام الدولة القومية (العزاوي،2004) وقد تمخضت هذه الصراعات إلى إيغال نظام الحكم القائم باتجاه الفساد والاستبداد في محاولة لتدعيم بيئته المحلية، ولا سيما أن علاقاته الدولية مع المنظومة الاشتراكية لم تمكنه من تحسين علاقاته العربية، وقد كانت حصيلة هذه الصراعات قيام إحدى التنظيمات في حزب البعث باغتيال شخصية قائد النظام "الزعيم" أثناء مروره من شارع الرشيد في بغداد، إلا أن عدم كفاءة ودراية القائمين على الاغتيال رغم تعددهم أدت إلى نجاته من تلك المحاولة، في حين أن حمايته كانت متواضعة، الأمر الذي تصاعدت معه السلوكيات الدكتاتورية للزعيم ونظام حكمه، فتعددت أحكام الإعدام والاعتقالات والتشريد، ونجا معظم القائمين على الاغتيال بهروبهم إلى الدول العربية المجاورة، في حين اعتقل البعض الآخر، وانتهت هذه المرحلة بأحداث عام 1963 التي بدأت بإعدام رموز السلطة دون محاكمة شرعية، وكان هذا الانقلاب إحدى حلقات العنف الذي قاد إلى الاستبداد في مسلسل اللاشرعية للوصول إلى السلطة في العراق.

وجدير بالذكر أن صفة اللاشرعية في الوصول للحكم وممارسته بدأت في العالم الثالث ما بعد الحرب العالمية الثانية ولم تنته إلى الوقت الحاضر، إلا أن أشكال السيطرة على الحكم في صورته اللاشرعية هي التي اختلفت، فبينما اتسمت في مرحلة التحرر الوطني بالانقلابات التي كانت تقودها نخب من القوات المسلحة وذلك للفترة ما بين الحرب العالمية الثانية وحتى نهاية عقد الستينات من القرن الماضي، شهد الربع الأخير من القرن المذكور توارث الحكم بانتخابات صورية مبالغ في نتائجها إلى حدود تعكس صورة السلوك الدكتاتوري، وتقوم على تنظيم هذه الانتخابات أحزاب النظام وتحميها تنظيماتها الأمنية بأشكالها المختلفة، وتجسدت معه أشكال الفساد والاستبداد في العديد من البلدان العربية، وإن اختلفت صوره من دولة عربية إلى أخرى.

ويصعب تحديد دوافع ظاهرة الاستبداد أو ملامحها بدقة للفترة ما بين عامي 1963 و1968 وهي الفترة التي سادها نظام الحكم غير المستقر نسبياً، إلا أنه لم يتسم بالعنف الذي شهدته الفترة السابقة، وربما أن غلبة التيار القومي الوسط (المعتدل) على رجالات الحكم جعلته أكثر ميلا للحرية وأقل اقترابا من وسائل القمع المتطرفة، الأمر الذي مهد لرحيله في يوليو/تموز 1968 من خلال تحالف حزب البعث العربي الاشتراكي مع قوى أخرى ولاسيما العسكرية التي يمكن تصنيف العديد منها في إطار التيار اليميني. ويشير هذا التحالف إلى استكمال متطلبات عمليات التغيير (حسيب, 2004) فضلا عن طمأنة الدول الغربية التي لها علاقات ومصالح مع الأوضاع الاقتصادية المرتبطة بالسياسات النفطية، إلا أن تلك التحالفات لم تدم طويلاً إذ انفرد حزب البعث بالسلطة في العراق، ولأنه لم يكن مهيأ لادارة الحكم في بداية التغيير ولا يملك سوى قاعدة متواضعة على صعيد المجتمع، فقد سعى إلى تكوين تحالف مع القوى الأخرى تحت مظلة "الجبهه الوطنية القومية والتقدمية" أسهمت في عضويتها التيارات السياسية المؤيدة للحزب المذكور سواء منها اليسارية أو القومية العربية والكردية.

وقد أتاح ذلك الفرصة الكافية لحزب البعث بعد تأصيل جذوره في المجتمع العراقي، وأصبحت مهمة هذه الجبهة الوطنية إطاراً شكلياً دون تأثيرات سياسية في مسارات نظام الحكم، وبذلك أخذ الحزب بالسعي إلى "توزيع الفرص" بين أعضائه ومؤيديه سواء في القيادات العسكرية أو المدنية بالاعتماد على معيار الولاء دون الكفاءة، الأمر الذي أدى إلى الإضرار في مسألة توزيع الموارد على استخداماتها المختلفة دون مراعاة فرص التنمية الاقتصادية والاجتماعية، مما ترتب عليه ضياعها من جراء التشوهات الحاصلة في استخداماتها البديلة على الصعيد الاقتصادي، وبذلك شهد مطلع عقد السبعينات انفراد حزب البعث بالسلطة، وقد ترتب على ذلك ترييف المدينة واعادة هيكلة المجتمع المدني من خلال إلغاء اتحادات النقابات العمالية وقصرها على القطاع الخاص، وتكوين ولاءات جديدة في التنظيمات المجتمعية الأخرى، الأمر الذي أدى إلى تباطؤ فاعليتها وذلك من أجل السعي إلى تثبيت نظام الحكم واستدامته، وكانت هذه البداية والإرهاصات المرتبطة بها والمتأتية عنها المدخل الرئيسي لإيجاد الإطار العام لنظام يعتمد على الاستبداد في مستوياته المختلفة فيما بعد وخلال العقود الثلاثة الماضية، وأدى ذلك في صيغته النهائية إلى رحيل النظام في العشرة الأوائل من أبريل/نيسان 2003.

وقد شكلت هذه التكوينات مجتمعة ثقافات جديدة لم يألفها المجتمع العراقي فيها قدر كبير من الثنائية (Dualism) في مقدمتها إطلاق شعارات الحرية وممارسة أوضاع الاستبداد، وتعميق مفاهيم الاشتراكية وفي الوقت نفسه إثراء فئات صغيرة من البنى الفوقية للمجتمع، إطلاق مضامين الوحدة العربية والتضامن العربي ثم إيجاد خصومات مفتعلة سواء مع دول الجوار العربي أو مصر عبد الناصر، وكذلك نشر مضامين الديمقراطية يرافقها منع تداول السلطة، وقد أجرى النظام في النصف الثاني من عقد الثمانينات تحولاً في ملكية القطاع العام إلى القطاع الخاص استجابة للتغيرات في المناخ الاقتصادي العالمي، فضلاً عن سيادة عدم الكفاءة والفساد الذي عانى منه القطاع العام، إلا أن هذا النمط من التحولات يقتضي قدراً من شفافية السوق المرتبطة بالديمقراطية وذلك للاستفادة من مزايا السوق الاقتصادية، إلا أن النظام أنجز التحول إلى القطاع الخاص دون تحقيق أجواء من الشفافية تساعد على إعادة تخصيص الموارد واستبعاد آثار الفساد ولاسيما ذلك المرتبط بالرشوة.

وقد أدت هذه الثنائيات المتناقضة إلى سيادة حالة من الجدل أوجدت معها أوضاعا أكثر ملاءمة للتغيير نحو نظام حكم جديد لا يضم في متضمناته الأيدولوجية هذا القدر من التناقضات، وقد أخذت معطيات هذه التناقضات تتزايد مع مرور الزمن ولاسيما في عقد التسعينات سواء من جراء الحصار الذي أضعف بنية الاقتصاد العراقي أو لردود فعل السلطة من الناحية الأمنية والتطرف في الاستبداد، ولاسيما تجاه القوى المعارضة في داخل العراق أو خارجه، أفقد نظام الحكم القاعدة العريضة من أفراد المجتمع التي كانت تسانده وتؤيده مطلع عقد الثمانينات، وأوجد أيضا خواء سياسياً على الساحة العراقية أصبح معه من الصعب إيجاد فرصة للإحلال محل النظام القائم في حالة رحيله، وقد مكنت هذه المصفوفة من المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية من إيجاد قاعدة عريضة من الفقر والبطالة والبؤس رافقتها عدم رضى المجتمع عن أوضاعه الاقتصادية ولاسيما في ذلك الجانب من التباين في توزيع الدخل في ظل تراجع معدلات النمو الاقتصادي، في حين أن ثمار هذا القدر المتواضع من النمو في إجمالي الناتج المحلي ولاسيما في مكوناته النفطية كان يتم توزيعها على الفئات الأكثر ثراء ولأغراض أمنية ودفاعية لا مبرر لها، ولإدارة نظام حكم كهذا كان يتطلب تعميق الأساليب الاستبدادية وتوسيع قاعدتها في المجتمع لإحكام السيطرة على استدامته.

وباختصار فإنه يمكن تصنيف التسلط في العراق ولاسيما في العقدين الأخيرين بأنه من نوع التسلط المركزي الذي يعمل على بناء نظام الحكم على سلطة سياسية محورها الرئيسي الحزب الواحد والقيادة المتفردة، ويقوم على دعمها التنظيمات العسكرية والأمنية وتشكيلات المجتمع المدني الموجهة، وبذلك أصبح من واجبات الأجهزة الأمنية المسألة الرقابية أيضا بدلا من أن تناط هذه المهمة بالمؤسسات الديمقراطية، وقد ترتب على هذا النوع من الحكم تشوهات في حقوق الإنسان في المجتمع العراقي أصبحت نموذجا على الصعيد العالمي. وقد ساعد على تغيير النظام السابق القوى الخارجية وليس من تنظيمات داخلية، إذ استفادت المعارضة الخارجية من تطلعات النظام الاقتصادي الرأسمالي نحو الاستئثار سواء بالموقع الإستراتيجي للعراق أو موارده الاقتصادية المستدامة (النفط)، وبذلك سعت المعارضة الخارجية لدفع المنظومة الرأسمالية إلى تضييق فرص الاختيار امام نظام الحكم في العراق، الأمر الذي دفع قيادة النظام الرأسمالي في الولايات المتحدة إلى تقديم خيار الرحيل لرأس النظام العراقي ورجاله دون غيره من الخيارات في الأشهر القليلة ما قبل الحرب على العراق، مما ترتب عليه إضعاف النظام إلى قدر أصبح معه إحداث التغيير من الخارج مسألة لا يشوبها قدر كبير من الصعوبة، وقد ساعدت المتغيرات الداخلية على هذا الرحيل، إذ لم تدافع عن بقاء النظام في مواقع اتخاذ القرار غالبية أفراد المجتمع ورحل عنه العديد من رموزه لسبب أو لآخر، وهكذا كان المناخ في العشرة الأوائل من أبريل/نيسان 2003، لتبدأ صورة ومرحلة جديدة من الاستبداد.

الاستبداد في العراق.. رؤى مستقبلية


نمط "الاستبداد" قد اختلف باختلاف المرحلة التي تتطلب أسلوباً مغايراً لتزايد معدل تراكم رأس المال والتوسع في الإنتاج، إذ إن المرتكزات التي يقوم عليها النظام الرأسمالي هي التي تقود إلى التغيرات التي ستحصل في نمط الاستبداد وعمق تأثيراته واتساع رقعته الجغرافية
لم يعد تناول قضايا الأمة العربية عامة والعراقية خاصة مسألة قابلة لوجهات نظر متباينة تباينا واسعا بعد احتلال العراق في أبريل/نيسان 2003، وذلك في خضم الجدل الدائر في أوساط النخب العراقية أو العربية بقدر ما هي قضية تخضع في تكويناتها لمفاهيم ومتضمنات المسألة الشرق أوسطية وفقاً "للإستراتيجية الرأسمالية الجديدة"، ولاسيما أن تحليل ظاهرة "الاستبداد" خارج إطار التكوين البنيوي للتغيرات التي تحدث في المنطقة المذكورة تعد مسألة غير موضوعية، باعتبار أن "الاستبداد" دالة بأوضاع نظم الحكم السائدة في البلدان العربية، وليس هناك ما يشير في المدى القصير أو البعيد إلى أن دائرة اتخاذ القرار في النظام الرأسمالي ستختلف في أهدافها الرئيسية بتباين مراكز اتخاذ القرار في الأوساط السياسية للدولة المنفردة في العالم المعاصر، إلا أن الاختلافات قد تحدث في الوسائل المؤدية إلى الغايات المنشودة في إطار الإستراتيجية المذكورة، وذلك وفقاً للعصر الذي تحدث فيه هذه التغيرات، فالوسائل المتبعة في مرحلة التكوين الرأسمالي التي كانت تتطلب الصراع من أجل السيطرة على الممرات البحرية في العصور الوسطى (الهند نموذجاً) تختلف عن مرحلة تراكم رأس المال في النصف الأول من القرن العشرين حيث متضمنات الانتداب تعد الوسيلة الأكثر ملاءمة لتحقيق تلك الغايات (البلدان العربية نموذجاً)، بينما أصبح الاحتلال والهيمنة واستخدام القوة هي الأكثر فاعلية في مطلع القرن الحادي والعشرين (العراق نموذجاً)، والغرض من هذه الطروحات هو أن نمط "الاستبداد" قد اختلف باختلاف المرحلة التي تتطلب أسلوباً مغايراً لتزايد معدل تراكم رأس المال والتوسع في الإنتاج، إذ إن المرتكزات التي يقوم عليها النظام الرأسمالي هي التي تقود إلى التغيرات التي ستحصل في نمط الاستبداد وعمق تأثيراته واتساع رقعته الجغرافية، وهذا هو المقصود بأن الاستبداد دالة بأوضاع نظام الحكم.

ورغم أن القرار في معظم البلدان العربية يعد خارج دائرة الإرادة العربية منذ رحيل السلطة العثمانية عن الوطن العربي باستثناء حدود ضيقة وأزمان محددة، فإن نمط الاستبداد عربياً اختلف باختلاف تسلسل اتخاذ القرار خلال المراحل المختلفة من تكوينات الدولة العربية في العصر الحديث، وعليه فإن دراسة ظاهرة الاستبداد في عراق المستقبل لا يخرج عن تحليلات الظاهرة في إطارها ومنهجيتها ومسارها العام وليس بمنهجيات متغايرة ومسارات مختلفة، ويجب أن لا يتم التحليل بمعزل عن التغيرات الاقتصادية في العالم في ظل مناخ "النظام الدولي الجديد" ومتطلباته التطبيقية، ودون ذلك فإن المسألة تصبح تجريداً لا يستند إلى عمقه الزماني (التأريخي) وبعده المكاني (الجغرافي) ونمط تأثيراته الاجتماعية.

وبعد هذه المقدمة نبدأ بالسؤال الذي مفاده: هل يبقى الاستبداد أحد أدوات القمع والإكراه في نظام الحكم في العراق مستقبلاً؟

لا أعتقد بأن الاستبداد سيكون أحد أدوات القمع والإكراه إلا في الحدود المتواضعة التي تسود في أنظمة الحكم الليبرالية مقارنة بنظيرها من أنظمة الحكم الشمولية، إذ إن النظام الليبرالي بحكم تكوينه الأيدولوجي يميل نحو تدنية وسائل العنف، ولكن الاستبداد سيكون أحد وسائل "الفساد" وسيعمل على اتساع رقعته، وهذا الاختلاف النوعي في الوعاء الاستبدادي تتطلبه مرحلة التطور الرأسمالي الراهنة، فمرحلة "العنف" كان يستهدف منها نقل الثروة من البلدان النامية (العربية) إلى الاقتصادات الصناعية في مراحل مبكرة من تكوين النظام الرأسمالي، في حين أن مرحلة "الفساد" هي إحدى معطيات ومتطلبات نقل السلع والخدمات من الاقتصادات الصناعية المتقدمة إلى أسواق البلدان العربية (الإقليم الشرق أوسطي)، وهي في تحليلها النهائي تعمل أيضاً على تزايد معدل تراكم رأس المال، وتوسيع دائرة الإنتاج في الاقتصادات الرأسمالية من خلال نقل الجزء الأكبر من مكونات الفائض الاقتصادي من بلدان مثل العراق إلى بلدان التحالف الرأسمالي. من هنا تعد وسائل "الإفساد" أكثر ملاءمة من أساليب "العنف" في تحقيق الغايات المنشودة، إذ إن العنف قد يحقق الهيمنة والسيطرة في الزمن الراهن ولكن لا يحقق نقل الفائض في الأوضاع الاقتصادية بالمستقبل ولا ينسجم وأوضاع المدى الطويل وتقانة الإعلام في البيئة الدولية المعاصرة.

هل يعد ذلك ضرورة؟ وكيف؟
الجواب بصورة مباشرة قد يكون بالإيجاب في معظم الحالات. أما كيف؟.. لتبدأ التحليل في مراحله المتتابعة فقد يخطئ من يعتقد أن مكونات "الاستبداد" مسألة مجتزأة عن دوافعها وتأثيراتها، ولكون التاريخ يصنعه السوق فإن هذه الظاهرة مرتبطة بالمتضمنات الاقتصادية المكونة للسوق، ولا تعد مرغوبة لذاتها إنما وسيلة لبناء النظام الرأسمالي الجديد الذي يعتمد في بنيته على آلية السوق وفقاً للمفاهيم الاقتصادية النيوكلاسيكية إلى حد بعيد مع التعديلات التي يدخلها منظرو الاقتصاد من المحافظين الجدد في دولة القطب الواحد، وبالاعتماد نسبياً على آراء وأفكار صندوق النقد والبنك الدوليين ومنظمة التجارة العالمية.

ليس هناك اختلاف في الرأي بأن الأسواق العالمية للسلع الرئيسية تخضع لنموذج "احتكار القلة" الذي تنحصر أنماطه في ثلاثة نماذج3، وتعتمد بصورة أو بأخرى على أن تكون أسعارها من الصادرات عند مستوى أعلى من الأسعار التوازنية لأسواق تنافسية.. ولكن كيف يظهر الفساد؟

إن معظم الدول المساهمة في نموذج "احتكار القلة" في السوق العالمية هي "صانعة للسعر" ويفترض أنها تنتج عند مستوى من "جدول الربحية" بحيث لا تولد فائضاً أكبر مما تستوعبه السوق الدولية بعد استيفاء الطلب المحلي، وإذا زاد الفائض عن المستوى المذكور وأصبح لديها فائض عرض فإنه قد يؤدي باقتصادها إلى حالة من الركود (باران،1971)، والمشكلة التي تواجه دول المنظومة الرأسمالية ولاسيما الولايات المتحدة بوصفها الدولة القائدة لمنظومة احتكار القلة (التحالف)، تتمثل في أنها ينبغي أن تحافظ على التوازن المنشود على الصعيد العالمي، والذي يتحقق من خلاله توازن متضمنات سياستها الاقتصادية الكلية على الصعيد المحلي، وبالنظر لارتباطها بالأوضاع التوازنية فإن الوصول إلى تحقيقها مسألة تتسم بالدقة والصعوبة، وبعبارة أخرى يجب أن يتناسب السعر (أسعار الصادرات) مع التكاليف الحدية المحلية للوحدات المنتجة في الدول الأعضاء في التحالف الرأسمالي، وإذا كان السعر أعلى من التكاليف الحدية للسلع المتاجر بها، فإنه بالإمكان التوسع في صادرات هذه السلعة إلى حدود التساوي (أو التقارب) بين أسعارها وتكاليفها الحدية. أما إذا كانت الأسعار المذكورة دون التكاليف الحدية، فقد تضطر هذه الدول في معظم الحالات إلى الاستغناء عن جزء من ناتجها المحلي في صورة "معونات غذائية" أو تقديم معونات للمنتجين لخفض إنتاجها، في محاولة لخفض العرض في السوق العالمي إلى المستوى المذكور (النجفي، 1999)، وهذا بدوره يشكل أعباء اقتصادية عالية ولاسيما في الموازنة العامة، وإلا فإن إطلاق الصادرات الذي يأخذ بالتزايد في الاقتصادات الرأسمالية سيبعد السوق عن مفهوم "احتكار القلة" ويقربه من آلية "المنافسة الاحتكارية"، مما يترتب على تخفيض السعر إلى مستوى أدنى من الحالة الأولى، ويؤدي إلى تدنية أرباح هذه المنظومة الاقتصادية إلى مستوى أقل من نظيراتها في حالة احتكار القلة.

ولكن أين الاستبداد والفساد في هذا التحليل؟ وما علاقة العراق في ذلك؟ وأين يتحدد دوره؟ وما هي الأعباء التي سيتحملها المجتمع العراقي؟

يقع على عاتق اقتصادات المنظومة الرأسمالية (دول التحالف) أن تعمل على توظيف الممكنات المادية للدول من ضبط سوق "احتكار القلة للصادرات" سواء بالتحكم في الكميات المعروضة التي قد تحملها أعباء مادية لا تتفق وطبيعة النظام الاقتصادي، أو البحث عن مصدر التصرف في فائض العرض، وفي حالة الأوضاع الدولية الراهنة ومناخ العصر فإن الدول الأكثر قوة والمنفردة قادرة على إيجاد أسواق جديدة من خلال إعادة تنظيم السوق الشرق أوسطية (وأقاليم غيرها)، ويعد احتلال العراق جزءاً ومدخلا لتكوينات هذه الأسواق في المدى القصير ومن ثم البعيد، فالحفاظ على معدلات تزايد الإنتاج في الاقتصادات الرأسمالية وفقاً لإيقاعات تتوافق وأهداف النظام السابق ذكرها، هو الذي يجعلنا نعتقد بقدر كبير من الثقة بأن توظيف قوة الدولة ذات القطب الواحد في التحكم وضبط الأسواق في البلدان غير الرأسمالية (النامية) لتوسيع الصادرات مسألة ذات أهمية قصوى لإدامة آليات النظام في المستقبل القريب في أقل تقدير، وإلا فإنه سيواجه قدراً من الركود الاقتصادي. ولا شك أن هذا البناء الاقتصادي للسوق كان أحد أهم أدوات بنية الاقتصاد الرأسمالي واستمرار توسعه عبر الزمن، ويكمن الاستبداد بفرض النفوذ والقوة للهيمنة على أسواق العراق ودول الشرق أوسطية، والعمل على نقل الفائض الاقتصادي المتحقق في هذه البلدان عن طريق التباين الذي تحققه البلدان الرأسمالية بين متوسط التكاليف لسلعها المصدرة إلى هذه البلدان وأسعارها المحددة عن طريق منحنى الطلب المنكسر وفقاً لنموذج احتكار القلة، فتصل من خلال هذا الفرق الذي تفرضه بالسيطرة على الأسواق من خلال الاحتلال على تعظيم أرباحها التي تتجه إلى تزايد معدل تراكم رأس المال، ومن ثم توسيع الإنتاج في بلدان المنظومة المذكورة (النجفي، 2000). وهكذا تأخذ آليات دائرة التراكم الرأسمالي المفرغة فعاليتها عبر زمن في بلد مثل العراق، في حين أن الأسواق الداخلية في الاقتصادات الرأسمالية تقترب من آليات السوق ومزاياها، وفي أسوأ الحالات فإنها تعمل وفقاً للمنافسة الاحتكارية وليس لاحتكار القلة في توزيع مواردها، معتمدة في ذلك الاقتراب من أوضاع "فرصة تكاليف البديلة" في إطار مفاهيم "اقتصاديات الحجم" (Economic of scale)، وللحفاظ على هذه الأوضاع وتنميتها تستخدم القوة من قبل الدولة ذات البعد الواحد والمتفردة في العالم سواء من خلال التحالفات مع بعض الدول النامية (العربية) أو بالسيطرة عليها من خلال الاحتلال للبعض الاخر للاستحواذ على قدر من الفائض الاقتصادي الذي يعد جزءاً منه عوائد للعمل في العراق أو لاستخدامه في بناء وسائل رفاهية أفراد المجتمع العراقي، وهذه الحالة متأتية من الاستبداد الذي يقود إلى الفساد، لاسيما أن الأخير يعرف في أوسع معانيه بأنه إساءة استعمال السلطة العامة لتحقيق منافع خاصة وعندما يكون "مورد النفط" هو الثروة المتنازع عليها في أرض العراق والمتنافس حولها في السوق العالمي، يصبح الاستبداد للاستحواذ على هذه الثروة مسألة تمليها ضرورات النظام الرأسمالي الجديد.

هكذا سيكون مستقبل الاستبداد والفساد في اتجاهاته الرئيسية في العراق. أما من حيث آلياته وأسلوب تنفيذه، فتلك مسألة وحكاية أخرى!!
__________
الهوامش:

(1) إنجيل متى5: 38-42
إنجيل متى26: 52.

(2) أقرت كلمة "منتدب" من قبل الرئيس ويلسون، وهو الشخص الذي يتعهد بتقديم الخدمة إلى آخر بالنسبة إلى الملكية المودعة في يديه لدى الآخرين، وكلمة الآخرون في هذه الحالة يقصد بها عصبة الأمم، في حين أن كلمة "انتداب" هي العقد الذي تقوم الخدمة بموجبه، وأن كلمة "المنتدب" تعني الشخص الذي يمارس تلك السيادة.

"هنري فوستر، 1989، نشأة العراق الحديث، ترجمة سليم طه التكريتي، الجزء الأول، الفجر للنشر والتوزيع، بغداد".

(3) تنحصر المفاهيم النظرية لأسواق "احتكار القلة" في ثلاثة أنماط سوقية رئيسية، يشير الأول إلى "النموذج التقليدي" (Classical Model) والذي يمثله (Augutin Cournot) ونموذج (Edgeworth) ثم نموذج (Sweezy) الذي اعتمد على فكرة جمود الأسعار من خلال منحنى الطلب المنكسر، في حين تتسم الأنماط السوقية الثانية لاحتكار القلة بالاتجاهات التواطئية التي تسعى إلى تعظيم ربح المنشأة وتدنية احتمالات المخاطرة واللايقين، وتعتمد في تحديد الأسعار من خلال تساوي الإيراد الحدي مع التكلفة الحدية في السوق، ويخضع نمط السوق في الحالة الثالثة إلى التواطؤ غير الكامل في صورة قيادة سعرية للدول المصدرة ذات التكلفة الأقل، ومن ثم فإن المصدرين الآخرين يواجهون بمنحنى طلب في السوق يتسم بأنه تام المرونة عند السعر الذي يحدد مقدما من قبل الدول المصدرة ذات التكلفة الأقل.

"هندرسن جيمس وريتشارد كوانت، نظرية اقتصاديات الوحدة: أسلوب رياضي، ترجمة متوكل عباس مهلهل، مراجعة محمد مسلم الراوي، دار ماكجروهيل، القاهرة، 1990، ص258.

سالم توفيق النجفي، هيكل السوق الدولية للقمح: دراسة اقتصادية قياسية، مجلة دراسات، العلوم الإدارية، المجلد 23، العدد 1، الجامعة الأردنية، عمان، 1996، ص61.

المصادر:

  1. إريك فروم (1972)، الخوف من الحرية، ترجمة مجاهد عبد المنعم مجاهد، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت.
  2. بول باران، بول سويزي، (1971)، رأس المال الاحتكاري، الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر، القاهرة.
  3. ثناء فؤاد عبد الله، (2004) آليات الاستبداد وإعادة إنتاجه في الواقع العربي، مشروع دراسات الديمقراطية في البلدان العربية، (دراسة مقدمة إلى اللقاء السنوي الرابع عشر، جامعة أوكسفورد، لندن).
  4. جون إسبوزيتو (وآخرون)، (2000)، الإسلام والعلمانية في الشرق الأوسط، دار النشر هيرست وشركاه، لندن، "عرض ملخص بواسطة خدمة كامبردج بالإنترنت".
  5. حسين الهنداوي، (1418هـ)، تناقضات التأسيس الأوسطي لمفهوم الاستبداد الآسيوي، "موقع الاستبداد على الإنترنت.
  6. خلدون حسن النقيب، (1996)، الدولة التسلطية في المشرق العربي المعاصر: دراسة بنائية مقارنة، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت.
  7. خير الدين حسيب، (2004)، حوار الملف العراقي، مجلة المستقبل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، (5) (303)، بيروت.
  8. رشاد عبد الله الشامي، (1986)، الشخصية اليهودية والروح العدوانية، عالم المعرفة، "102"، المجلس الوطني للثقافة والآداب، الكويت.
  9. سالم توفيق النجفي، (1999)، أثر المعونات الغذائية في تنظيم سوق احتكار القلة، بحوث اقتصادية عربية، الجمعية العربية للبحوث الاقتصادية، القاهرة.
  10. سالم توفيق النجفي، (2000)، متضمنات النظام الاقتصادي الرأسمالي الجديد، المنهج الاقتصادي للعولمة، مجلة "دراسات اقتصادية"، بيت الحكمة، بغداد.
  11. شاي فليدمان، (1984)، الخيار النووي الإسرائيلي، ترجمة غازي السعدي، دار الجليل للنشر، عمان.
  12. صبحي عبد الحميد، (1983)، أسرار ثورة 14 تموز 1959 في العراق، مطبعة الأديب البغدادية، بغداد.
  13. فاضل العزاوي، (2004)، النار والرماد في رحلة أطول من الأبدية: ربع قرن من المنفى، مجلة العربي، العدد 547، الكويت.
  14. كريم محمد حمزة، (2000)، الاختلالات البنيوية في الكيان الصهيوني: الاختلالات الاجتماعية في الكيان الصهيوني، بيت الحكمة، بغداد.
  15. مجدي خليل، (2002)، الاستبداد في النظام العربي Magdikh@hotmail.com
  16. محمد جابر الأنصاري، (1995)، تكوين العرب السياسي ومغزى الدولة القطرية.. مدخل إلى إعادة فهم الواقع العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت.
  17. محمد جمال طحان، (1999)، الوحدة العربية والرابطة الإسلامية في ظل الحكومات العادلة: دراسة في فكر الكواكبي، مجلة الفكر، العدد السادس، السنة الثانية، اتحاد الكتاب العرب، دمشق.
  18. محمد خاتمي، (2001)، الفكر في شراك الاستبداد: جولة في الفكر السياسي للمسلمين، ترجمة ماجد العرباوي، دار الفكر، دمشق.
  19. محمد هلال الحلفي، (2004)، جذور الاستبداد في الحياة السياسية العربية، مشروع دراسات الديمقراطية في البلدان العربية، (دراسة مقدمة إلى اللقاء السنوي الرابع عشر، جامعة أوكسفورد، لندن).
  20. محمود الدرة، (1987)، ثورة الموصل القومية، "1959": فصل في تاريخ العراق المعاصر، منشورات مكتبة اليقظة العربية، بغداد.
  21. مخلص محجوب، (1418هـ)، الطغيان قديماً وحديثاً: ظاهرة الطغيان في الحكم ضاربة في القدم وموصولة تاريخياً بواقعنا، "ورقة في موقع الطغيان-الإنترنت".
  22. هنري فوستر، (1989)، نشأة العراق الحديث، ترجمة وتعليق سليم طه التكريتي، الجزء الثاني، الفجر للنشر والتوزيع، بغداد.
  23. وميض جمال عمر نظمي، (1985)، ثورة 1920: الجذور السياسية والفكرية والاجتماعية للحركة القومية العربية "الاستقلالية" في العراق، مركز دراسات الوحدة العربية "المكتبة العالمية"، بغداد.

المصدر : أسوشيتد برس