بقلم/ ماشاء الله شمس الواعظين

الأزمة السياسية التي اجتاحت إيران قبل شهر وعرفت بأزمة الترشيحات ليست الأزمة النهائية بين الإصلاحيين والمحافظين، ولكنها تعتبر الأعنف في الصراع الدائر منذ الانتصار الكاسح للمرشح الإصلاحي الرئيس محمد خاتمي في 23 مايو/ أيار 1997، حيث استطاع الإصلاحيون وهم على أعتاب نهاية الدورة البرلمانية السادسة أن يعطوا انطباعا واضحا لدى الرأي العام الداخلي والأسرة الدولية التي تتابع مسار الحركة الإصلاحية في إيران عن كثب بأن العملية الانتخابية السابعة تفتقد صفة الشرعية، وأن مجلس صيانة الدستور أراد من خلال خلق أزمة الترشيحات أن يحسم الموقف لصالح المحافظين.

من جهة أخرى فتحت أزمة الترشيح صفحة جديدة من ملف الأزمة القائمة منذ سنين حول الصلاحيات الواسعة التي يتمتع بها مجلس صيانة الدستور، والذي يتم تعيين أعضائه من الفقهاء من قبل مرشد الجمهورية آية الله علي خامنئي، خاصة في ما يتعلق بصلاحية المجلس حول تأييد أو رفض أهلية المرشحين لدخول البرلمان الذي يسمى بـ(الإشراف الاستصوابي).

هنا تطرح أسئلة عدة حول آليات الترشح لعضوية البرلمان والآليات والمعايير المتبعة منذ 12 سنة من قبل مجلس صيانة الدستور لقبول أو رفض طلبات الترشح، وما موقف مرشد الجمهورية من الأزمة ومستقبل العلاقة المتأزمة بين الإصلاحيين والمحافظين وتداعيات الأزمات القائمة على مستقبل الديمقراطية في إيران؟

كيف تتم عمليات الترشيح؟


إن عددا كبيرا من الذين تم إقصاؤهم من العملية الانتخابية الحالية كانوا من الذين قد تم تأييد أهليتهم في الانتخابات السابقة
حسب الدستور الإيراني يحق لكل مواطن أن يرشح نفسه للانتخابات البرلمانية إذا ما توفرت فيه مجموعة من الشروط، منها ما هو مرسوم في القوانين المتبعة في الدول الديمقراطية، أي حسن السمعة وعدم تعاطي المخدرات وتوفر الخبرات في المجالات الاقتصادية والسياسية لدى المرشح.

ولكن هناك شروطا أخرى متميزة في قانون الانتخابات الإيرانية الذي أقره مجلس الشورى في نهاية دورته الثالثة وقد تم إقراره من قبل مجلس صيانة الدستور يتم بموجبه التحقيق حول التزامات المرشح بمقولات عدة منها وبل أهمها الالتزام العملي بـ"الإسلام" ومبدأ "ولاية الفقيه".

هذه العملية تبدأ بعد أن تتم قبول طلبات المرشحين من قبل الجهات الرسمية ولجان مختصة في وزارة الداخلية الإيرانية، ويجب على كل مرشح أن يوقع على الاستمارات التي تتضمن كل الشروط ومنها ما يتعلق بمبدأ ولاية الفقيه، وبعد ذلك يتم تسليم هذه الاستمارات المقبولة إلى الجهة المشرفة على الانتخابات التي يتم تعيينها من قبل مجلس صيانة الدستور، وتقوم هذه الجهة بدراسة الطلبات من جديد وتدرس أيضا الشكاوى المقدمة من قبل المرشحين الذين رفض طلبهم من الجهة الأولى، وبعد إقرار الطلبات من قبل مجلس صيانة الدستور بصورة نهائية ترسل لائحة المرشحين إلى وزارة الداخلية المسؤولة عن إجراء الانتخابات لكي يتم إعلان أسماء المرشحين في الدوائر الانتخابية.

هذه الآلية المتبعة منذ 12 سنة هي التي لعبت دورا أساسيا في خلق الأزمات الانتخابية، لأنها كانت تقوم على الاجتهاد الشخصي لعناصر تابعة لمجلس صيانة الدستور الذي يسيطر عليه المحافظون. وهناك مؤشرات تؤكد وجود صلة وعلاقة وطيدة بين المواقف المعلنة للمرشد وما حصل في نهاية المطاف في مجال حسم الموقف لصالح المحافظين دون أن تكون هناك إشارة رسمية أو واضحة من قبل مرشد الجمهورية.

الإصلاحيون في إيران ومنهم المعارضة الوطنية المتمثلة في "حركة تحرير إيران" يشككون في نزاهة واستقلالية الجهات المشرفة والمعينة من قبل مجلس صيانة الدستور في دراسة طلبات الترشيح، خاصة عندما يتعلق الأمر بالمواقف السياسية التي تتخذها المعارضة حيال قضايا داخلية أو خارجية.

ويؤكد التيار الإصلاحي على ضرورة أن تلتزم اللجنة المشرفة على الانتخابات بالأسس القانونية في مجال تأييد أهلية المرشحين، وألا تتجاوز الحد المصرح به في القانون، ويقول إنه يجب الاكتفاء بمبدأ "الإشراف الاستطلاعي" من قبل مجلس صيانة الدستور. ولكن مجلس صيانة الدستور يرفض ذلك ويؤكد على مبدأ "الإشراف الاستصوابي" في كل مراحل عملية الانتخابات ومعناه –حسب رأي المجلس- أنه يحق له أن يؤيد ما يراه صوابا ويرفض ما هو غير صواب.

واستنادا لهذا المبدأ قام مجلس صيانة الدستور برفض طلبات الترشيح التي تقدم بها الإصلاحيون وتم إقرار عدم أهلية العشرات وبل المئات منهم للدورة المقبلة من الانتخابات. في حال أن عددا كبيرا من الذين تم إقصاؤهم من العملية الانتخابية المقبلة أنفسهم هم الذين قد تم تأييد أهليتهم في الانتخابات السابقة للدورة البرلمانية الحالية.

أين موقع المرشد من هذا؟


هناك مؤشرات تؤكد وجود علاقة وطيدة بين المواقف المعلنة للمرشد وحسم الموقف لصالح المحافظين
مرشد الجمهورية آية الله علي خامنئي تجنب الدخول في هذا الصراع في البداية وحسم الموقف، وهناك تفسيرات مختلفة حول موقف المرشد من هذه الأزمة، منها أنه يأتي حفاظا على موقع القيادة العليا حتى لا "يستهلك" في الصراعات الدائرة. ولكن السؤال هو هل كان بإمكان المرشد أن يتخذ موقفا حاسما لحسم الأزمة حفاظا على الشرعية أولا ونزاهة العملية الانتخابية ثانيا؟

يبدو أن هناك صعوبة في الإجابة على هذا السؤال، ولكن أحاول هنا أن ألقي الضوء على ما هو موجود فعلا في العلاقة القائمة بين المرشد من جهة والتيارات المختلفة على المسرح السياسي الإيراني.

في الحقيقة أن المرشد لم يكن يتصور يوما أن الأزمة الدائرة بين "المؤسسات المنتخبة" و"المؤسسات المعينة" قد تصل إلى الحد الذي وصلت إليه في هذه المرحلة، لأن المسألة تتعلق بمؤسسات معينة يشرف عليها المرشد نفسه، وعند قيام أي نزاع بين هذه المؤسسات والمؤسسات المنتخبة مثل البرلمان سيكون الموقف حرجا بالنسبة للمرشد.

لذلك أعتقد أنه لو أراد المرشد اتخاذ موقف حاسم لصالح الإصلاحيين فإنه سيكون بداية لما قد يشكل خطرا على مستقبل مكانة المؤسسات المعينة، خاصة أن الإصلاحيين كانوا يطالبون بالمزيد من التنازلات. وفي هذه الحالة فإن المحافظين يشككون في صلابة وقدرة المرشد على لجم المزايدات التي يطرحها الإصلاحيون.

وإذا كان المرشد يتجه نحو اتخاذ موقف حاسم لصالح المحافظين بصورة علنية، فإن الموقف هذا كان سيفسر وكأنه يتعارض بصورة رسمية مع "مبدأ الانتخاب" في ما يتعلق بمجلس الشورى وهذا مغاير للدستور الإيراني.

مستقبل البرلمان والديمقراطية في إيران


يحاول هاشمي رفسنجاني إحلال مجلس تشخيص مصلحة النظام بالتدريج محل السلطة التشريعية، وبالتالي جعل البرلمان الإيراني عمليا مجلسا استشاريا
هناك رؤيتان حول مكانة البرلمان في الدستور الإيراني خاصة النسخة المعدلة منه بعد وفاة آية الله الخميني 1989، الرؤية الأولى تؤكد على مكانة البرلمان وهو السلطة العليا الوحيدة والمنتخبة التي تعبر عن إرادة الشعب. والرؤية الثانية تؤكد على أن السلطات الثلاث هي عبارة عن أذرع لولاية الفقيه لا أكثر يتم من خلالها تنفيذ ما يتم إقراره من قبل السلطة العليا وهي ولاية الفقيه.

وهذه الرؤية الأخيرة هي التي تحكم مجمل المؤسسات المحافظة في إيران، خاصة أن البرلمان السادس الذي سيطر عليه الإصلاحيون بصورة شبه مطلقة حاول إقرار قوانين تقلص من صلاحيات المؤسسات المعينة، وقام بمحاولات متكررة للحؤول دون الاستفراد بالسلطة، ما أعطى مؤشرا بأنه ستكون هناك مخاطر في المستقبل على النظام السياسي إذا لم تعالج الأزمة الحالية من جذورها، خاصة في ما يتعلق بموقع البرلمان الإيراني في تركيبة النظام السياسي.

وهذا ما يفسر محاولات حثيثة يقوم بها الرئيس السابق هاشمي رفسنجاني لجعل مجلس تشخيص مصلحة النظام يحل بالتدريج محل السلطة التشريعية وجعله مجلسا للشيوخ كما هو موجود في بعض الدول، وأن يتم عمليا مشروع جعل البرلمان الإيراني مجلسا استشاريا لكي لا يشكل خطرا على أمن النظام في المستقبل -عن طريق "تسلل" عناصر إصلاحية أو كما يعبر عنه المحافظون "عناصر معادية"- وكي لا يبلغ تطوره مبلغا يمكنه من ضرب المؤسسات المعينة، ومن ثم تقليص صلاحيات واسعة تتمتع به الجهات المرتبطة بالمؤسسة الدينية والقيادة العليا.

هذا أحد السيناريوهات المستقبلية للمحافظين والتي لوح بها مؤخرا الرئيس السابق هاشمي رفسنجاني عند حديثه عن مكانة مجلس تشخيص مصلحة النظام في مقابلة مع القناة الرابعة بالتلفزيون الإيراني، وهذا أيضا ما يفسر اللاموقف الذي اتسم به سلوك مرشد الجمهورية حيال الأزمة الأخيرة، وهذا هو العنوان الأبرز في النزاع المستقبلي الذي ستشهده إيران فور الانتهاء من اللعبة الانتخابية السابعة، وهذا ما سيضع مستقبل الديمقراطية في إيران في محك التحديات الجديدة.
______________
باحث وناشط حقوقي

المصدر : صحيفة برلنفسكي الدانماركية