أعاد البيان الرئاسي الصادر عن مجلس الأمن بشأن القرار رقم 1559 الجدل حول شرعية الوجود السوري في لبنان إلى دائرة الضوء من جديد, وهو جدل لم ينقطع منذ نحو ربع قرن تحت عناوين مختلفة قسمت اللبنانيين إلى ثلاثة تيارات توزعت بين الرفض والتأييد والتحفظ على أساس شرعية أو عدم شرعية هذا الوجود.
 
فقد كان أول دخول للقوات السورية في لبنان مع احتدام الحرب الأهلية هناك عام 1976 وبطلب من السلطات اللبنانية الشرعية لوقف الحرب وحصر الخطر الذي يتهدد كيان الدولة اللبنانية.
 
وانقسم اللبنانيون إزاء هذا التطور 
"
منذ نحو ربع قرن والجدل حول الوجود السوري لم يتوقف, وانقسم اللبنانيون بين الرفض والتأييد والتحفظ على أساس شرعية أو عدم شرعية هذا الوجود
"
الجديد إلى ثلاث فرق, فالفرقة الأولى ترى أن الوجود السوري يساعد على الحفاظ على هوية لبنان العربية ويدعم استقلاله وحمايته من إسرائيل كما أنه يحافظ على السلم الاجتماعي, ويتشكل هذا الفريق من مجموعات من السنة والدروز وبعض المسيحيين.
 
أما الفرقة الثانية وهي التي ترفض الوجود السوري وتتشكل من الليبراليين وبعض المسيحيين والمستقلين, فهي لاتقف عند حد رفض هذا الوجود بل تسعى لإقامة تحالفات دولية لإخراج سوريا من لبنان كما فعل ميشيل عون مؤخرا في دعم قانون محاسبة سوريا.
 
أما الفرقة الثالثة والتي تضم شخصيات وقوى وطنية فهي تعتنق عقيدة ممزوجة باستقلال لبنان مع الاعتراف بالعمق السوري وترى أن المقاومة هي السبيل لاستقلال لبنان كما أن الديمقراطية هي السبيل كذلك.
 
على أن هذا الوجود ليس استثناء في تاريخ العلاقات بين البلدين, فمنذ استقلال لبنان عام 1943 وسوريا تبدي اهتماما بالغا بلبنان باعتباره "جزءا منها", كما أن السلطات السورية كانت تخشى دائما من تأثير الأحداث اللبنانية عليها أو استخدام لبنان من قبل قوة أجنبية لإلحاق الضرر بها.
 
وتعزز هذا الدور أكثر بعد قيام دولة إسرائيل عام 1948 وأخذ في التصاعد المستمر منذ منتصف السبعينات بسبب تعقد الأوضاع الداخلية في لبنان حتى صار من المستحيل أن يصل رئيس لبناني إلى الحكم من دون أن يتوفر له الدعم السوري.
 
ومع الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982 وخروج المقاومة الفلسطينية وجدت القوات السورية نفسها في مواجهة مع المليشيات المارونية وقوات العماد عون بعد ذلك, وإذا كانت قمة الرياض عام 1976 قد وفرت غطاء شرعيا للتدخل السوري في لبنان فإن قمة الطائف عام 1989 قد عززت هذا الغطاء بما نصت عليه من بنود وآليات جعلت هذا التواجد شرعيا وبالتراضي بين البلدين.
 
وفي هذا الصدد قال النائب البرلماني ناصر قنديل لـ"الجزيرة نت" إن الوجود السوري في لبنان يستند إلى اتفاق الطائف المكرس بقرار من مجلس الأمن رقم 587 الصادر في أكتوبر/ تشرين الأول 1989 والمترجم باتفاقية بين الحكومتين اللبنانية والسورية والمصادق عليه من برلماني البلدين.
 
وأضاف النائب البرلماني أن معاهدة "الأخوة والتعاون والتنسيق" التي تم التوقيع عليها في 22 مايو/ آيار 1999 تحول بموجبها العنوان المبدئي لإعادة الانتشار إلى نصوص وخرائط تفصيلية حول أشكال التعاون العسكري والأمني بين الدولتين وآليات الاستعانة بالمساعدة العسكرية السورية من قبل القيادة اللبنانية عند الضرورة, ورسمت على الجغرافيا خط إعادة الانتشار المسمى (عين دارة - المديرج - حمانه) أي الخط الجدلي الذي يفصل بيروت عن وادي البقاع لتبقى خلفه القوات السورية بعد إعادة الانتشار.
 
ويؤكد قنديل ضرورة بقاء القوات السورية إلى أن يتحقق السلام الشامل في المنطقة مستشهدا بكلمة الرئيس الفرنسي جاك شيراك أمام البرلمان اللبناني في أكتوبر/ تشرين الأول قبل أن يغير رأيه والتي قال فيها: إن خطوات إعادة الانتشار وفقا لاتفاق الطائف ومرجعيته الدولية تعني أن الانسحاب العسكري السوري غير ممكن بأي صورة قبل تحقيق السلام الشامل في المنطقة.
 
فى مقابل ذلك يعتبر جبران توينى المحلل السياسي وعضو قرنة شهوان فى تصريحات  لـ"الجزيرة نت" أن الوجود السوري يؤثر مباشرة على استقلالية القرار اللبناني ويؤثر كذلك على استقلالية لبنان وحريته.
 
ويقول توينى الذي يعبر عن وجهة النظر الرافضة للوجود السوري في لبنان إن الأداء السوري في لبنان لا يتلاءم مع الأداء بين دولتين مستقلتين علاقتهما مبنية على الاحترام المتبادل, ويرى أن سوريا تتعاطى مع لبنان كأنه دولة تابعة.
 
وطالب توينى بضرورة أن يكون الأداء السوري في لبنان مبني على إعادة الثقة بين اللبنانيين والسوريين لخدمة البلدين والعلاقات الثنائية بينهما وتمنى أن يتم الانسحاب السوري بالاتفاق مع الشعب اللبناني وأن يتم وضع حد "لتدخل المخابرات السورية في الشؤون الأمنية للبنان" مشيرا بذلك إلى التصريحات الأخيرة للنائب وليد جنبلاط التي يدعو فيها سوريا إلى الكف عن التدخل فى الشؤون اللبنانية.
 
ومع انقسام خريطة المجتمع اللبنانى إزاء الوجود السوري في لبنان 
"
دخول أميركا على خط المطالبة بالانسحاب السوري من لبنان واستخدام الأمم المتحدة وسيلة لذلك, وضع سوريا في مأزق صعب واستحقاقات جديدة
"
فشلت دمشق في حشد صفوف المؤيدين لها من الفريقين الأول والثالث, وبدأت الأصوات تعلو منذ عام 2000 بالمطالبة بتنفيذ معاهدة الأخوة والتعاون والتنسيق, وجسد هذا الموقف البطريرك المارونى نصرالله صفير الذي طالب بخروج القوات السورية.
 
وتزامنا مع هذه التصريحات أصدرت الطوائف المسيحية بيانا أكدت فيه أن الوجود العسكري في لبنان لا يحمى أي مصلحة لبنانية ولا يمنع عن لبنان أي خطر.
 
فى مقابل ذلك أعلن مفتى لبنان محمد رشيد قبانى الذي يمثل الطوائف المسلمة أن الوجود السوري في لبنان شرعي وضروري مادامت إسرائيل تحتل مزارع شبعا والجولان وترفض منح اللاجئين الفلسطينيين حق العودة.
 
وفي محاولة للحد من حالة الاستقطاب بين اللبنانين أصدر بعض المسؤولين العديد من التصريحات التي ترضي الطرفين من نوع أن الوجود السوري في لبنان ضروري وشرعي لكنه مؤقت وليس أبديا.
 
غير أن دخول أميركا على خط المطالبة بالانسحاب السوري من لبنان واستخدام الأمم المتحدة وسيلة لذلك وضع سوريا في مأزق صعب لن تجدي معه السياسات القديمة في التهرب والمراهنة على كسب الوقت.
ــــــــــــــــ
الجزيرة نت


المصدر : الجزيرة