فالح خطاب
بصدور بيان مجلس الأمن الدولي الأخير القاضي بضرورة تنفيذ سوريا للقرار رقم 1559 وسحب قواتها من لبنان, عادت الأضواء من جديد لتتركز على الدور الذي تقوم به الأمم المتحدة على الصعيد العالمي وعلاقة هذا الدور بسياسات الدول الكبرى.

فالدور الذي تمارسه الأمم المتحدة وعلى وجه الخصوص مجلس الأمن التابع لها وبعض وكالاتها الحساسة كالوكالة الدولية للطاقة الذرية, يشير إلى دخول هذه المنظمة على خط الأحداث الدولية بقوة بعد تغييب طويل فرضه توازن القوى في سنوات الحرب الباردة.
 
وبمجرد انتهاء تلك الحرب وتفكك الاتحاد السوفياتي فرضت الولايات المتحدة, برنامجا إستراتيجيا للعودة للأمم المتحدة يتيح لواشنطن الاستفادة من هذه المنظمة الدولية الكبيرة.
 
"
بعد انتهاء الحرب الباردة وتفكك الاتحاد السوفياتي السابق فرضت أميركا برنامجا إستراتيجيا لعودة الأمم المتحدة يتيح لها الاستفادة من هذه المنظمة الدولية الكبيرة
"
يعبرعن ذلك السفير الأميركي السابق في الأمم المتحدة جون نيغروبونتي بالقول "نحن نعي تماما أن الأمم المتحدة باعتبارها المنظمة الدولية الأكبر في العالم تضطلع بمهام تؤثر على المصالح القومية الأميركية في جميع أنحاء العالم وعلى مختلف الصعد. لذلك ومن أجل مواجهة هذه الأمور وغيرها من الأولويات فإن وجود قيادة أميركية فعالة ومشاركة قوية من الأمم المتحدة تمكننا من زيادة حجم تأثيرنا ووسائلنا والاستفادة من قدرات المنظمة الدولية على تنسيق العمل الدولي وتعزيز السلام والأمن الدوليين".
 
وكانت أزمة الخليج عام 1990 بداية لتلك العودة التي انتهجت نمطا جديدا يطوي صفحة الحرب الباردة ويغلب لغة المصالح لأعضاء المجلس الخمسة الكبار.
 
تلك الأزمة أرست أساسا راسخا لتعاون فعال بين الأعضاء الدائمين يؤمن الحد الأدنى من المصالح الكبرى لدول المجلس, وتجلى في أسلوب إدارة الأزمة العراقية لأكثر من 12 عاما فرض خلالها حصار قاس وعمليات تفتيش وانتهت بغزو واحتلال العراق.

ورغم وجود الحد الأدنى من التفاهم بين الخمسة الكبار, إلا أن تعارض المصالح بينهم قاد في بعض الأحيان إلى سلوك سياسات أدت إلى تهميش دور المنظمة الدولية, كما جرى في شن الحرب على العراق, قبل أن يعود مجلس الأمن ليوافق على التعامل مع الاحتلال الأميركي البريطاني لذلك البلد كأمر واقع وذلك بإصداره للقرار رقم 1538. كما جرى تجاهل الأمم المتحدة في شن الولايات المتحدة الحرب على يوغسلافيا من دون أي تفويض.

تضارب المصالح هذا وتبادل الأدوار ما بين التهميش أو التفعيل لأدوار مجلس الأمن, أدى للتشكيك بمصداقية تمثيل قرارات الأمم المتحدة للمجتمع الدولي من جهة والقانون الدولي من جهة أخرى.
 
ويرى ستيفن زونس الأستاذ في جامعة سان فرانسيسكو أن هناك خروجا كبيرا على قرارات المجتمع الدولي يتم في الغالب من دون عقاب.
 
ويقول إنه جرى خرق لقرارات الأمم المتحدة 91 مرة كان لإسرائيل قصب السبق فيها, حيث تجاهلت تل أبيب منذ العام 1968 قرارات لمجلس الأمن بلغت 32 قرارا.
 
كما أن القرار 425 الخاص بلبنان, بقي معلقا لأكثر من ربع قرن عاش خلالها لبنان سلسلة من الحروب الإسرائيلية، ولم يطبق القسم الأكبر من ذلك القرار إلا بعد اشتداد المقاومة هناك.

وبدوره يرى الدكتور عبد الله الأشعل المساعد الأسبق لوزير الخارجية المصري أن الولايات المتحدة تمنع وصول أي قضية عربية أو إسلامية إلى مجلس الأمن في حين أنها لا تمانع في ذلك إذا كان الأمر سيحال إلى الجمعية العامة التي لا تملك قراراتها صفة الإلزام.
 
"
أميركا تمنع وصول أي قضية عربية أو إسلامية إلى مجلس الأمن, في حين لا تمانع في ذلك إذا كان الأمر سيحال إلى الجمعية العامة التي لا تملك قراراتها صفة الإلزام
"
ويؤكد الأشعل في تصريحات لـ"لجزيرة نت" أن القرارات الأخيرة للمجلس بخصوص سوريا من جهة والسودان من جهة أخرى أنما يمثلان تدخلا مرفوضا في السيادة الداخلية للدول كما يشيران إلى خروج المجلس عن ميثاق الأمم المتحدة الذي لا يجيز مثل هذا التدخل في الشؤون الداخلية للدول المستقلة.
 
ويرى أن التدخل الأخير في الشأن السوري اللبناني غير مبرر لأنه يتعلق بالعلاقات بين بلدين مستقلين.

أما في دارفور فقد استند قرار مجلس الأمن رقم 1556 إلى ذريعة التدخل الإنساني، رغم أن هناك ملابسات صاحبت إصدار القرار من شأنها التشكيك في غاياته.
 
فالقرار بدا وكأنه ألغى الاتفاق الذي توصل إليه الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان مع الحكومة السودانية، وهو ما أعاد إلى الأذهان أسلوب تعامل واشنطن مع المجلس قبل غزو واحتلال العراق.
 
فالاتفاق الذي تم مع الأمين العام في الثالث من يوليو/ تموز الماضي منح حكومة السودان 90 يوما من أجل نزع أسلحة ميليشيا الجنجويد وإتاحة وصول المساعدات الإنسانية إلى المناطق المنكوبة, بينما نص القرار الصادر من مجلس الأمن على مهلة 30 يوما مما اعتبر أمرا تعجيزيا وتكثيفا غير مبرر للضغوط.

وفي مفارقة واضحة تطالب الولايات المتحدة, التي تحتل جيوشها العراق الآن, سوريا بالانسحاب من لبنان, مع الفارق الكبير بين طبيعة الاحتلال الأميركي للعراق والوجود السوري في لبنان, والذي يعتبره الدكتور الأشعل, قوة معنوية كبيرة تمنع تحول ذلك البلد إلى ساحة مفتوحة للفوضى يمكن لإسرائيل الدخول منها لتوجيه ضربة قوية لسوريا ولبنان معا.



ــــــــــــــــ
الجزيرة نت

المصدر : غير معروف