شفيق شقير

عادت سوريا مرة أخرى لتكون في بؤرة الأحداث الدولية، فبعد صدورالقرار 1559 عن مجلس الأمن الدولي في 2 سبتمبر/ أيلول، الذي يدعو سوريا لسحب قواتها من لبنان وتفكيك المليشيات اللبنانية وغير اللبنانية ونزع أسلحتها، صدر بيان رئاسي عن الأمم المتحدة يؤكد على مضمون القرار الآنف الذكر ويدعو الأطراف المعنية إلى تطبيقه.

البيان الحدث

"
أشار المحللون إلى أنه يصعب على باكستان والجزائر أن تعرقل صدور البيان الرئاسي الأممي لأن أوضاعهما الداخلية وموقعهما الدولي لا يسمح لهما ذلك
"
فقد تمخضت جلسة مجلس الأمن التي عقدت يوم الثلاثاء 19 أكتوبر/ تشرين الأول عن صدور بيان رئاسي أكد على مضمون القرار 1559 واكتفى بحض "الأطراف المعنية" على تنفيذه، دون أن يسمي سوريا وقواتها المتواجدة في لبنان بالاسم، ونص على أن يقوم الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان بتقديم تقارير دورية بشأن تطبيق القرار كل 6 أشهر.

واستمرت الجلسة أقل من نصف ساعة وبعد مشاورات مكثفة بين الدول الأعضاء، وجاء البيان بديلا عن قرار جديد حاولت استصداره باريس وواشنطن راعيتا القرار 1559، ولكنهما أحجمتا عن ذلك بعد أن فشلتا في تأمين الأصوات اللازمة له وهي تسعة أصوات، فيما يتطلب البيان الرئاسي الأممي إجماع الدول الأعضاء البالغ عددهم 15 عضوا.

ومن اللافت موافقة الجزائر وباكستان على نص البيان، ولكن مصادر دبلوماسية في الأمم المتحدة قالت إن موافقة البلدين جاءت بعد أن مددت فترة المتابعة الدورية من 3 أشهر إلى 6 أشهر، كما أشار المحللون إلى أنه يصعب على الدولتين عرقلة البيان لأن أوضاعهما الداخلية وموقعهما الدولي لا يسمح لهما بذلك.

وتبريرا لعدم تسمية البيان القوات السورية بالاسم، قال الناطق باسم وزارة الخارجية الأميركية ريتشارد باوتشر إن ذلك جاء لتأمين الإجماع الدولي في مجلس الأمن، وإنه "واضح للجميع أن القوات الأجنبية في لبنان هي القوات السورية".

وقع الحدث
وقد رفضت دمشق وبيروت البيان واعتبرتاه تدخلا غير شرعي في شؤون البلدين، حتى إن وزير الخارجية السوري فاروق الشرع وصفه بـ"التافه" وغير المهم، إلا أن المراقبين يرون أن الموقف اللبناني والسوري لا يكفي لدرء مخاطر وتداعيات البيان الأممي والقرار الذي يستند إليه، وأن سوريا ارتكبت عدة أخطاء أوصلتها إلى مواجهة مع مجلس الأمن.

ومن أبرز هذه الأخطاء "دعمها" تعديل الدستور بما يسمح بالتمديد ثلاث سنوات لولاية الرئيس أميل لحود، وهو ما كان يلقى معارضة من قبل أطراف فاعلة داخليا وخارجيا، ما تسبب بإثارة فرنسا الحليف الدائم للقضايا العربية كما توصف في المعادلات الدولية، كما شق صف الموالين في لبنان لسوريا ما أسهم في إنعاش المعارضة المسيحية التي كان يعتقد على نطاق واسع أنها آيلة للزوال، وأسهم هذا الإجراء في صياغة معارضة لبنانية جديدة تتضمن زعامات تقليدية مسيحية وإسلامية إضافة إلى جزء لا بأس به من اليسار.

"
في أغسطس/ آب الماضي تحدثت مصادر دبلوماسية عن تحركات فرنسية لإقناع واشنطن بالضغط على سوريا واستصدار قرار من مجلس الأمن يدعوها لسحب قواتها من لبنان استباقا لعملية التمديد للرئيس لحود
"
وتذهب المعارضة المستجدة وعلى رأسها النائب وليد جنبلاط إلى أن المواجهة مع مجلس الأمن تسبب بها الفريق الذي روج وعمل على التمديد للرئيس لحود، واعتبر أن هناك تضحية "بالقوى الوطنية" لصالح شخص، فيما دعا أكثر من مرة لتصحيح العلاقات اللبنانية السورية وكف يد المخابرات عن التدخل في الشؤون السياسية.

من جهة أخرى تقول الأطراف الموالية لسوريا إن القرار 1559 يستهدف معاقبة سوريا لوقوفها إلى جانب المقاومة اللبنانية "المتمثلة بحزب الله "والمقاومة الفلسطينية" التي من أبرز فصائلها حركة المقاومة الإسلامية حماس والجهاد الإسلامي، وبسبب موقفها الرافض للاحتلال الأميركي للعراق.

وكان الرئيس السوري بشار الأسد قد أوضح في خطاب له يوم 9 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي أن القرار 1559 "لم يأتِ كما اعتقد البعض نتيجة للتمديد للرئيس أميل لحود، فالقرار بمضمونه كان جاهزا قبل فترة ليست بقصيرة" وأنه يستهدف "تدويل الوضع الداخلي اللبناني" وطبيعة العلاقات القائمة بين البلدين.

وتجدر الإشارة إلى أنه في أغسطس/ آب الماضي كانت  مصادر دبلوماسية في واشنطن تحدثت عن تحركات فرنسية لإقناع الرئيس الأميركي جورج بوش بالضغط على سوريا واستصدار قرار من مجلس الأمن يدعوها لسحب قواتها من لبنان تطبيقا لاتفاق الطائف، استباقا لعملية التمديد للرئيس لحود.

تداعيات ومخاوف
استقال رئيس الحكومة اللبنانية رفيق الحريري بعد صدور البيان الرئاسي الأممي، وتحدث المراقبون عن اطمئنان سوري خلال الأشهر الستة القادمة التي تفصل عن الموعد التالي لمتابعة القرار 1559، وأن هناك فسحة أمام سوريا لتعمل على إزالة الكثير من العقبات التي تعترض طريقها، أقلها الاستعاضة عن الوجود العسكري في لبنان بتعزيز نفوذها السياسي، وبتوسيع هامش مشاركة الموالين لها في الحياة السياسية اللبنانية في مقابل التضييق على المعارضين لها.

ومن المتوقع أن تشهد الأشهر المقبلة ضغوطا أميركية وفرنسية متواصلة، حيث إن باريس قد ترفع دعمها المعنوي والمادي للاقتصاد اللبناني حيث كانت سابقا قد رعت مؤتمرين اقتصاديين لدعم لبنان (باريس 1 و2)، في حين أن واشنطن ستترأس مجلس الأمن الدولي في الشهر القادم ولن تدخر جهدا في متابعة قرار الأمم المتحدة، فضلا عن تلويحها بفرض عقوبات إضافية على دمشق في سياق "قانون محاسبة سوريا".
_______________
الجزيرة نت.

 

المصدر : غير معروف