عاصر الرئيس العراقي صدام حسين على مدى قرابة 24 عاما منذ وصل إلى رئاسة بلاده في يوليو /تموز 1979 وحتى الآن، خمسة رؤساء أميركيين متتابعين اثنان منهم ينتمون للحزب الديمقراطي (كارتر وكلينتون) وثلاثة منهم ينتمون للحزب الجمهوري (ريغان وبوش الأب وبوش الإبن)، ومرت علاقاته بهم بشتى المراحل الموصوفة في أدبيات العلاقات الدولية، من مرحلة العلاقات العادية (أواخر عهد كارتر) مرورا بمرحلة العلاقات المتينة والحليف الإستراتيجي (عهد ريغان بأكمله وبدايات عهد بوش الأب) وانتهاء بمرحلة العداء التام (بقية عهد بوش الأب وعهد كلينتون ثم بوش الابن).

مرحلة العلاقات العادية:

* من مواليد 1937
* اعتنق أفكار حزب البعث العربي الاشتراكي وانتمى إليه في 1956
* اعتقل لمدة ستة أشهر بين عامي 1958-1959 لاتهامه في مقتل أحد رجال السلطة بتكريت
* شارك في تنفيذ محاولة الاغتيال التي تعرض لها عبد الكريم قاسم عام 1959 وفي عام 1960 وأثناء وجوده بمصر صدر بحقه حكما بالإعدام لضلوعه فيها
* انتسب بكلية الحقوق بالقاهرة عام 1961 لكنه لم يكمل تعليمه فيها
* عاد إلى بغداد عقب الانقلاب الذي قاده حزب البعث وعين مشرفا على التنظيم العسكري للحزب
* ألقت أجهزة عبد السلام عارف القبض عليه وحبس عام 1964
* اختارته القيادة البعثية لمنصب أمين سر القيادة القطرية وهو بالسجن عام 1966
* شارك في الإطاحة بحكم عبدالرحمن عارف عام 1968 وعينه الرئيس الجديد أحمد حسن البكر بمنصب نائب رئيس مجلس قيادة الثورة
* أبرم اتفاقية أعادة ترسيم الحدود مع شاه إيران عام 1975 لاقتسام شط العرب
* انتقلت سلطة العراق إليه في أعقاب استقالة أحمد حسن البكر عام 1975

سعى الرئيس صدام حسين منذ بداية توليه الحكم في العراق إلى تقوية علاقاته مع الولايات المتحدة التي رأت فيه الرجل القوي الذي صادف مجيئه إلى الحكم قيام الثورة على الشاه في إيران أقرب حلفائها في المنطقة، إلا أن انشغال الرئيس صدام في تلك الفترة بترتيب بيته الداخلي أو ما أطلق عليه حملة التطهير، وانشغال الرئيس الأميركي كارتر آنذاك ببعض المشاكل الداخلية إضافة إلى أزمة الرهائن في السفارة الأميركية بطهران، والتي أطاحت بآماله في تجديد انتخابه فترة رئاسية ثانية، حال دون توفير المناخ الملائم لتقوية علاقاتهما آنذاك .

مرحلة العلاقات المتينة والحليف الإستراتيجي:

أدرك الرئيس العراقي صدام حسين عقب قيام الثورة الإسلامية في إيران مباشرة، حاجة أميركا له في أن يقف كحائط صد أمام المد الثوري الإيراني الذي أصبح يهدد مصالحها النفطية في منطقة الخليج، والتقى خوف أميركا من هذه الثورة مع خوف صدام من أثر هذه الثورة أيضا على سلطته في البلاد وامتداد أفكارها إلى الشيعة والأكراد داخل العراق، فأعلن الحرب على إيران في عام 1980 استمرت حتى 1988 لاقى خلالها كل الدعم من إدارة الرئيس الأميركي ريغان، بلغت حد قيامها برفع اسم بلاده من قائمة الدول الراعية للإرهاب عام 1982 حتى تستطيع تزويده بالسلاح والعتاد اللازم لمواجهة نفقات هذه الحرب، وحصلت القوات العراقية على معلومات استخباراتية أميركية عن تحركات وحشود القوات الإيرانية كان لها أكبر الأثر في سير العمليات العسكرية أثناء هذه الحرب ورجوح كفتها لصالح بغداد، وبلغ التعاون الأميركي مع العراق في هذه الفترة مبلغه وتخطى الدعم العسكري ليشمل أيضا مساعدات مالية وزراعية وتقنية وعلمية، مقابل حصة كبيرة من البترول العراقي بلغت 60% من إجمالي إنتاج نفط العراق الضخم.

نهاية التعاون وبداية مرحلة العداء التام:

حافظ الرئيس العراقي على علاقات بلاده مع إدارة جورج بوش الأب الذي ترأس عام 1989، والذي ساهم سابقا في بناء هذه العلاقة من موقعه كنائب الرئيس في إدارة سلفه ريغان، لكن هذه الفترة شهدت بداية النهاية في مرحلة التعاون العراقي الأميركي عندما اتخذ الرئيس صدام حسين عدد من الإجراءات التي فسرتها الإدارة الأميركية على أنها تعد للخطوط الحمراء الماسة بمنظومة الأمن القومي الأميركي، كان أشدها قيام الرئيس العراقي بغزو جارته الكويت، إحدى الدول الخليجية النفطية المهمة لأميركا، وتهديد السعودية، وهما أكبر دولتان منتجتان للنفط في الخليج، الأمر الذي أدى في النهاية إلى حشد تحالف دولي قادته أميركا لشن حرب على العراق أخرجته من الكويت وأخرجت نظامه الحاكم من كنفها إلى الأبد، وبدأت مرحلة العداء التام (الأزمة) مع النظام العراقي الحاكم بقيادة صدام حسين الذي لم يجد بدا من الانصياع للأوامر والقرارات الدولية التي ساهمت أميركا بقوة في إصدارها عبر الأمم المتحدة، قضت عليه بنزع سلاحه وخضوعه للتفتيش الدولي والحصار الاقتصادي، وتحجيم سلطته لأبعد مدى تمهيدا لإقصائه كلية عن الحكم.

تعامل الرئيس العراقي في مرحلة الأزمة :

أعلن الرئيس العراقي صدام حسين أمام شعبه انتصار بلاده في معركة الخليج الثانية التي أطلق عليها اسم أم المعارك، إلا انه تعامل مع الولايات المتحدة في بداية الأمر واقعيا من موقع المهزوم الذي سعى مقهورا لتطبيق القرارات الدولية التي تشرف عليها وتراقبها العين الأميركية الثاقبة، والتي باتت تنتظر مجرد الإشارة لنية بغداد عدم المضي قدما في تنفيذ تلك القرارات حتى تجبره بالقوة ليعدل عن نيته، وقد حدث أن تعرضت بغداد لثلاث حملات عسكرية في عهد الرئيس كلينتون (1993-2001) الذي خلف بوش الأب، كان أشدها قوة الحملة التي عرفت باسم عملية (ثعلب الصحراء) عام 1998 والتي أعقبت قيام الرئيس العراقي بطرد لجنة المفتشين الدوليين (لجنة يونسكوم) من أراضيه بعد اتهامهم بالتجسس لصالح الولايات المتحدة وإسرائيل.

إلا أن تعامل الرئيس العراقي مع الأزمة في أعقاب هذه الحملة العسكرية، قد اختلف بعض الشيء عندما أصر على عدم عودة المفتشين الدوليين مرة أخرى إلى أراضي بلاده، ومثل ذلك بداية شعوره بالحرية في اتخاذ القرارات من جديد خاصة وأن أصوات دولية عدة بدأت تتصاعد في المجتمع الدولي مطالبة بإنهاء الحصار والتفتيش الذي أنهك العراق والعراقيين وبلغ فيهم مبلغه على مدى ست سنوات.

ظل صدام على موقفه حتى جاءت إدارة الرئيس الأميركي الحالي جورج بوش الإبن عام 2001 وبدأت الأحداث بالتسارع عندما أعلن الأخير ثبات سياسة العداء الأميركية تجاه النظام الحاكم في بغداد، ووضع نزع أسلحة العراق التي ادعت إدارته أن بغداد قد استأنفت بناءها أثناء الثلاث سنوات التي أعقبت خروج المفتشين الدوليين من بغداد عام 1998، ضمن أولويات سياسته الخارجية، إضافة إلى إعلانه عزمه الإطاحة بنظام الرئيس العراقي صدام حسين لما يمثله من خطر على بلاده وعلى العالم على حد زعمه.

صدام حسين وما بعد 11 سبتمبر 2001:
جاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 لتمثل نقلة نوعية في سير العلاقات العراقية الأميركية المستقرة عند حد العداء التام من كلا الجانبين تجاه الآخر، وكان على الرئيس العراقي أن يتعامل مع هذه النقلة التي بدت فيها الإدارة الأميركية الحالية بقيادة بوش الإبن مصممة على إقصاء نظامه بالقوة العسكرية، بطريقة تغاير طريقة تعامله السابقة، فأخذ على عاتقه البدء في تنفيذ سياسة المهادنة والهدوء التام والتماشي مع القرارات الدولية والانصياع لها، في مواجهة التصعيد الأميركي الذي بدأ أولا بالإصرار على عودة المفتشين الدوليين إلى بغداد بغية نزع أسلحة الدمار الشامل التي ادعى أنها يملكها، مرورا بمحاولة إدراجه ضمن الداعمين للإرهاب الدولي الذي تسبب في أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وانتهاءً بمرحلة التحرك العسكري الفعلي للتمركز في منطقة الخليج القريبة من بغداد تمهيدا للقيام بعمل عسكري ضخم يقصي الرئيس العراقي ونظامه الحاكم من الحكم في العراق.

قرار وقف ضخ النفط:
ورغم هذه المؤشرات السلبية التي وجهتها الإدارة الأميركية لنظامه الحاكم، لم يتردد الرئيس العراقي في التلويح باستخدام سلاح النفط بعدما استشعر الانحياز الأميركي الواضح لجانب إسرائيل في أعقاب قيام الأخيرة باقتحام وتدمير مخيم جنين فوق رؤوس لاجئيه، وحصار الرئيس الفلسطيني عرفات في مقره برام الله، فأصدر قرارا في الثامن من أبريل /نيسان 2002 قضى بموجبه بوقف تصدير النفط العراقي الخام مدة شهر كامل ودعا القادة العرب ومنتجي النفط أن يحذوا حذوه للضغط على أميركا في سبيل وقف العدوان الإسرائيلي على الفلسطينيين.

قبول عودة المفتشين الدوليين:
اضطر الرئيس العراقي في سبتمبر /أيلول 2002 أن يعلن موافقة بلاده غير المشروطة على عودة المفتشين الدوليين إلى أراضيه مرة أخرى بعد سلسلة من المباحثات مع الأمم المتحدة، كما أوفد كبار مسؤوليه في رحلات مكوكية جالت العديد من العواصم العربية والأوروبية لقطع الطريق أمام التحالف الدولي الذي تسعى أميركا لحشده تمهيدا لإقصائه، وأرسل عددا من المؤشرات الإيجابية على طريق المصالحة العربية فوافق على إعادة الأرشيف الوطني الكويتي الذي استولت قواته عليه إبان غزوها الكويت، وعلى إحياء مناقشة ملف الأسرى والمفقودين الكويتيين والسعوديين.

قبول القرار 1441:
وأمام إصرار الإدارة الأميركية على ضرورة استصدار قرار جديد من الأمم المتحدة بشأن الأزمة العراقية، وافق صدام في نوفمبر /تشرين الثاني 2002 على قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1441 والذي يعد من أشد القرارات قسوة في تاريخ المنظمة الدولية حيث أباح العراق بكامله للمفتشين الدوليين .

تدمير صواريخ الصمود 2:
كما أعلن تباعا تعاونه الكامل مع لجنة التفتيش الجديدة "أنموفيك" بقيادة السويدي هانز بليكس، والهيئة الدولية للطاقة الذرية، إلى أن قام مؤخرا بالبدء في التخلص من صواريخ الصمود/2 بغرض عدم إعطاء أي ذريعة لهجوم أميركي منفرد ضد بلاده.

نتاج السياسة العراقية:
وكان من نتاج هذه السياسة التي وصفت بالدبلوماسية الناجحة للرئيس العراقي صدام حسين في تعامله مع الأزمة أن :
1- حصل العراق على تأييد كامل من الجامعة العربية بمعارضة أي عمل عسكري تقوده واشنطن ضد بغداد مرتين:
الأولى في سبتمبر /أيلول 2002، حيث ألزمت الجامعة العربية الدول الأعضاء بعدم تقديم أي مساعدات لوجستية أو عسكرية للولايات المتحدة في حال قيامها منفردة بالعدوان.
والثانية في أعقاب القمة العربية الخامسة عشرة التي عقدت مؤخرا في أول مارس /آذار 2003 بشرم الشيخ، والتي أجمع فيها الزعماء العرب في بيانهم الختامي على رفضهم المطلق للعدوان الأميركي على العراق وعدم تقديم التسهيلات لتنفيذه.

2- وجدت أميركا نفسها في مأزق دبلوماسي شديد، إذ ووجهت باعتراضات قوية من قبل روسيا وألمانيا وفرنسا والصين، كما تنامى الغضب الشعبي العالمي ضد السياسة الأميركية المتجهة نحو الحرب.

وما يزال الرئيس العراقي صدام حسين يتعامل مع الأزمة الحالية التي باتت مراحلها الحرجة أقرب من أي وقت مضى، متخذا ، وفق أراء المحللين، سبيل التعاون التام مع القرارات الدولية والمفتشين الدوليين للحيلولة دون إعطاء ذريعة تساعد في اندلاع عمل عسكري أميركي ضده يحيل مصير المنطقة بكاملها ومستقبلها إلى المجهول.
_______________
الجزيرة نت

المصدر : صحيفة برلنفسكي الدانماركية