أهمية هذا الحوار تنبع من جرأة صاحبه على قول ما يؤمن به رغم حساسية الموقف السياسي الذي تعيشه دولته.

الدكتور عجيل جاسم النشمي عميد كلية الشريعة بجامعة الكويت سابقا والأستاذ بنفس الكلية وعضو مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي يؤكد أن التاريخ لن يرحم المتخاذلين الذين يعرضون دماء المسلمين عموما والشعب العراقي على وجه الخصوص للخطر سواء بطريق مباشر أو غير مباشر، ويعتبر أن موالاة بعض حكام المنطقة لغير المسلمين هي خروج عن هدي الإسلام، وأن الحل الأمثل لما أسماه الحرب الصليبية الجديدة التي يواجهها العالم العربي هي إذكاء الروح الإسلامية الجهادية.

قضايا مهمة وموضوعات حساسة تحدث فيها الدكتور النشمي للجزيرة نت على هامش انعقاد مؤتمر مجلس مجمع الفقه الإسلامي في دورته الرابعة عشر (11-16/1/2003) في قطر.

حاوره: شفيق شقير


بحكم تخصصكم في الفقه الإسلامي.. كيف تنظرون إلى الحرب التي تلوح في الأفق ضد العراق؟

يجب أن يضطلع العلماء -فقهاء الشريعة- بدور أساسي في قضايا الأمة الإسلامية، ولا يجوز أن تحول الخطط والحدود السياسية من إبداء الرأي، لأنه ليس رأي أفراد وإنما هو بيان حكم الله وحكم الشرع في ما يحدث على أرض المسلمين.

وبالنسبة للحرب التي تكاد تشعل أميركا واليهود فتيلها ضد العراق، فإن الحكم الشرعي يتلخص في ما يأتي:

إن شعب العراق شعب مسلم، دمه دمنا وهدمه هدمنا ولا يحل لمسلم أن يسهم بدور مباشر أو غير مباشر في تعريض دماء المسلمين للخطر. ولقطرة واحدة لدم مسلم أعظم عند الله من حرمة الكعبة. وكما قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه للكعبة "إني لأعلم أن حرمتك عظيمة عند الله، ولكن دم المسلم أعظم عند الله حرمة منك".


من موقعكم الفقهي ما الذي ينبغي على العلماء فعله تجاه الحرب على العراق، وما الذي يجب أن يبينوه للناس من شأنها؟

إن واجب الفقهاء أن يرفعوا أصواتهم قوية لحكام المسلمين، أن يتقوا الله في دماء المسلمين فإنهم مسؤولون عنها، وهذه الحرب إن وقعت فإنما المقصود بها بلاد المسلمين كلها، وليس العراق وحده، فما يصيبه اليوم يصيبكم غدا.

كما ينبغي كشف الخطط المستورة، فهذه الحرب مرتبطة دينيا بخطط اليهود، فهم الذين يشعلون فتيلها، وهم أول مستثمريها.

إنهم يريدون الدخول من بابل حسب اعتقاداتهم، وقد أوهموا النصارى أن المسلمين يريدون قتل اليهود وطردهم من فلسطين، وأن المسيح لن ينزل إلا على أرض يهود، فلا بد من حماية اليهود. واتهموا بهذا أن حرب النصارى للمسلمين حرب مقدسة، إنها امتداد للحروب الصليبية. وهذه الروح لا تقابل بسياسة المصالح وحدها، وإنما تقابل بإذكاء الروح الإسلامية الجهادية.

واجب الفقهاء المسلمين أن يعلنوا للحكام أن واجب النصرة للمسلمين أيا كانت أرضهم، وأن يعلنوا الولاء لله والبراء من أعداء الإسلام. وأن موالاتهم لغير المسلمين خروج عن هدي الإسلام ووقوف في صف أعدائه قال تعالى "ومن يتولهم منكم فإنه منهم". إن التاريخ لن يرحم المتخاذلين ومن يكون خذلانه عونا لأعداء الإسلام والمسلمين.

ولا يقبل الاعتذار بأننا دول ضعيفة لا نقوى على مواجهة أميركا وأتباعها، بل إن دول المسلمين قوية بدينها وبشعوبها وبخيراتها وبتاريخها، وتملك عصب حياة الغرب والشرق وهو البترول، يستطيع المسلمون لو أخلصوا النية أن تتوحد كلمتهم وتقوى شوكتهم، وما إلى ذلك من سبيل إلا بالعودة إلى هدي الله تبارك وتعالى، وإعلان الرضا والذل والاستسلام لله عز وجل ومصداق ذلك تطبيق شريعة شاملة كاملة. وأول عنوان التوبة والصلح إبطال الربا إذ هو عنوان الحرب قال تعالى "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين، فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله".


من برأيكم الذي يتحمل مسؤولية هذا الوضع المتردي؟

إن الواقع المرير الذي تعيشه حكوماتنا في البعد عن الله هو سبب تعاسة الشعوب وفقرها وجهلها، فهذا بعض وعيد الله عز وجل، قال تعالى "ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا". هذه هي معيشة الضنك المتوعد بها، وإن من ذكر الله شريعته المضيعة. فأنى يكون لحكامنا عزة ولشعوبهم مكانة، ولا هوية لهم، ولا شعارا واضحا يرفعونه! لقد أعزنا الله بالإسلام، فإذا ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله وقد أذلنا فعلا وواقعا.

لقد جربنا كل الشعارات والمبادئ والمذاهب فماذا كانت النتيجة غير الفشل في كل مجال، اقتصاديا وسياسيا وثقافيا وعسكريا.

إن واجب علماء المسلمين أن يوصلوا صوتهم لجماهير المسلمين ليصل إلى حكوماتهم، وإن أصوات العلماء وحدها لن تجدي أثرا. وإنما حاجة رأيهم إلى فهم شعوبهم له كحاجة شعوبهم المسلمة إلى عون العلماء وبيانهم وكشفهم للأحكام الشرعية للقضايا التي يعيشها المسلمون، فإن الإسلام لا يعرف الفصل بين الدين والسياسة، فالسياسة من الدين، ولذا نص فقهاؤنا كالإمام الماوردي وغيره أن مهمة الحاكم هي "سياسة الناس في أمور دينهم ودنياهم" وإن مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي وبقية المجامع الفقهية في العالم الإسلامي معنية بهذه القضايا الكبيرة التي تهم الأمة في حاضرها ومستقبلها، وإن مسؤوليتهم أمام الله عظيمة إن هم كتموا علما أو ستروا باطلا أو والوا ظالما.
_______________
قسم البحوث والدراسات، الجزيرة نت.

المصدر : غير معروف