*محمد عبد العاطي

عادية أم طارئة؟ طارئة أم عاجلة؟ عاجلة أم استثنائية؟ الثاني والعشرون من فبراير/ شباط أم الثامن والعشرون أم الأول من مارس/ آذار...؟

اضطراب تصريحات واختلاف في "الشكل" قبل الانقسام على "المضمون"، ذلك الذي ميز التعامل العربي مع مشكلة بحجم وخطورة الحرب المحتمل شنها على العراق، وتداعياتها الشديدة على العالم العربي ومنطقة الشرق الأوسط بأكملها.

لم يكن السبب عائدا إلى وسائل الإعلام التي حاول بعض المسؤولين بجامعة الدول العربية تحميلها مسؤولية البلبلة التي حدثت إزاء إمكانية وموعد عقد القمة الطارئة. فقد بُح صوت الشارع العربي منذ أسابيع عدة لعقد قمة عربية تبحث التهديدات الأميركية للعراق. وقد كان ذلك ممكنا قبل مجيء جحافل القوات العسكرية الأميركية التي كادت تحجب بطائراتها وبوارجها الحربية شمس الخليج الساطعة، لكن كيف كانت الاستجابة؟

تأخر واضح في الدعوة للقمة اعتبره المراقبون تشكيكا في شعور الدول العربية بالمسؤولية التاريخية الملقاة على عاتقها، وعجز -رآه الكثير غير مبرر- في التعامل مع هذه الأزمة ازداد يوما بعد يوم.

لغز التوقيت
أخذت مسألة توقيت انعقاد القمة جدلا كبيرا، وتكاثفت حولها سحب من الضباب حتى بدأ اليأس من انعقادها يتسرب إلى القلوب، ثم فجأة ودون سابق إنذار جاءت الدعوة إلى الانعقاد، وربما عاد ذلك إلى الأسباب التالية:

  • الوضع الحرج الذي وجدت فيه الأنظمة العربية نفسها بسبب تنامي الرأي العام العالمي المعارض لشن الحرب، خاصة في أعقاب التظاهرات التي اندلعت في معظم دول العالم بما فيها الولايات المتحدة وبريطانيا.
  • التعامل الجدي من قبل العديد من دول الاتحاد الأوروبي ولا سيما فرنسا وألمانيا وبلجيكا ومعها روسيا والصين.
  • تنامي الغضب ولو بصورة مكتومة للشعوب العربية، وتنظيم بعض المظاهرات ولو على استحياء وخوف من بطش الأجهزة الأمنية في بعض العواصم العربية.
  • تحذيرات البعض من أن مثل هذا العجز من شأنه أن يزيد خصوبة التربة التي يبذر فيها تنظيم القاعدة أفكاره والتي تصل إلى حد تكفير هذه الأنظمة نفسها كما ورد ذلك صراحة في خطبة بن لادن الأخيرة.
  • ما تردد بين أوساط غير رسمية من تكهنات بشأن اتصالات سرية ربما تكون قد تمت بين جهات فاعلة في النظام العربي وبين الإدارة الأميركية لترتيب موقف عربي ما يخدم في "تراخيه وليونته" مصالح هذه الإدارة ويعزز موقفها بعد المواجهات الدبلوماسية التي تمت خلال الأسبوعين المنصرمين في مجلس الأمن الدولي وفي اجتماعات حلف الناتو واجتماعات الاتحاد الأوروبي.

بسبب ذلك كله -وربما لأسباب أخرى لا تزال غير معلنة- هلّ بعض كبار المسؤولين العرب عبر وسائل الإعلام معلنين أن الفرج قد جاء وأن القمة الطارئة التي حلمت بها شعوبهم "المتعجلة" قد حان.

وفي الثاني والعشرين من فبراير/ شباط الجاري وجهت الدعوة إلى الملوك والرؤساء والأمراء العرب للاجتماع في شرم الشيخ بمصر للتوصل إلى "اتفاق عربي موحد لحل الأزمة العراقية سلميا" بعد أن استعصى حلها على دول كبرى في العالم.

القمة والشارع العربي
اختلف رأي الشارع العربي إزاء هذه الدعوة -كما أشار إلى ذلك على سبيل المثال استطلاع الجزيرة نت عن طرق تفعيل القمة الطارئة- بين:

  • أغلبية: لم تتوقع شيئا مفيدا من هذه القمة، سواء أكانت طارئة كما أعلن أم عادية.
  • وأقليتان: إحداهما توجست خيفة من هذه الدعوة "المفاجئة" وتشككت في أهدافها ومراميها، وتساءلت عن علاقاتها بالمواجهات الدبلوماسية التي كادت تنهزم فيها الولايات المتحدة ولم تنفعها لا أدلة كولن باول عن علاقة العراق بتنظيم القاعدة في مجلس الأمن، ولا تقارير بليكس والبرادعي التي جاءت إلى حد كبير على غير هوى الإدارة الأميركية.
    أما الأقلية الأخرى في الشارع العربي فقد كانت حسنة النية وتفاءلت بإمكانية توصل من تنادوا لهذه القمة إلى الاتفاق على حد أدنى يجنب المنطقة العربية والشعب العراقي زلزالا عنيفا لا يعرف غير الله مدى ما سيسفر عنه من دمار.

بين الموعد والوجاهة السياسية
تصادمت دعوة مصر لعقد القمة الطارئة واقتراح الثاني والعشرين من فبراير/ شباط الجاري موعدا لها، مع رغبات بعض الدول العربية الراغبة في استعادة بعض وجاهتها السياسية التي شعرت بانتقاصها نتيجة لعدم التحمس الذي كانت تأمله حينما دعت هي لقمة طارئة قبل عدة أسابيع لمناقشة الأزمة في العراق ولم تتم الاستجابة لدعوتها بالشكل الذي يرضيها. ومن هنا اختلفت ردود أفعال هذه الدول إزاء الدعوة. ورغم اختلافها في الشكل فإنها في معظمها تصب في خانة الرغبة في عدم انعقادها، وكانت مبرراتها في ذلك على النحو التالي:

  • رأت بعض الدول أنه لا داعي لهذه القمة من الأساس خوفا من آثار فشلها، كما جاء على لسان وزير الخارجية السعودي "لا داعي لقمة طارئة بعد الاجتماع الطارئ لوزراء الخارجية العرب". ورأى أن عقد هذه القمة من دون الخروج بقرار توافق عليه جميع الدول العربية فيما يتعلق بالأزمة العراقية "قد يزيد الأمر سوءا".
  • والبعض الآخر لم يتحرج من إبداء امتعاضه من تراخي القاهرة وبعض العواصم العربية الأخرى ذات الثقل في الاستجابة لمطلبهم بعقد قمة طارئة، فأعلن أن الموعد المفاجئ لهذه القمة دون مزيد من التشاور معه مبرر كاف للقول إنها قمة قليلة الأهمية خاصة مع اقتراب موعدها من موعد القمة العادية.
  • في حين تعذر البعض الآخر بارتباطاته المسبقة بحضور قمم إقليمية أخرى رتب لها من قبل مثل قمة دول عدم الانحياز والقمة الأفريقية الفرنسية.

وأيا كانت مبررات الخلاف فإن كل ما سبق يعتبر عند كثير من المحللين ترف خلاف في زمن الخطر لا يحتمله سياق الأحداث المتسارعة يوما بعد يوم.

القمة وغياب ضابط الإيقاع
ورغم كثرة المبررات والحجج السابقة فإن من ينظر بعيدا عن السطح يلحظ أن هناك أسبابا جوهرية تقف وراء ما حدث تعود في أغلبها إلى التغييرات الجذرية التي طرأت على بنية النظام العربي نفسه نتيجة تراجع المد القومي بعد أفول نجم عقدي الخمسينيات والستينيات اللذين شهدا ذروة هذا المد.

هذه التغييرات يكشفها غياب ما أسماه بعض علماء السياسة "ضابط الإيقاع" وهو تعبير مستعار من عالم الموسيقى، والمقصود به عازف آلة الإيقاع الذي تضبط بقية الفرقة عزفها على إيقاعاته.

فالنظام العربي حاليا يعاني -في جملة ما يعانيه- من غياب ضابط الإيقاع هذا، فلم تعد مصر كما كانت في العهد الناصري تمارس هذا الدور بفاعلية. وربما يعزى أحد أسباب تآكل دورها القيادي في المنطقة العربية إلى التغييرات التي حدثت في توجهات السياسة المصرية بعد حرب أكتوبر/ تشرين الأول 1973، والتوجه إلى التحالف الإستراتيجي مع الولايات المتحدة والإعلان عن السلام مع إسرائيل خيارا إستراتيجيا وحيدا للتعامل معها ومع القضية الفلسطينية.

هذا التوجه أثار هواجس كبيرة لدى العديد من الأنظمة العربية بشأن التحركات الدبلوماسية المصرية، كان أحد الأوصاف التي قيلت عن هذا الدور ما ذكره ماجد نعمة رئيس تحرير مجلة آسيا وأفريقيا التي تصدر في باريس أمس (21/2/2003) على شاشة الجزيرة حينما فسر الدور المصري في المرحلة الحالية ومساعيها الدبلوماسية سواء في القمة الطارئة التي حاولت الدعوة إليها أو في القمة العادية التي ربما تنعقد في مارس/ آذار المقبل بدور "السمسار".

معالجة الخلاف على الموعد
تخفيفا من وقع الصدمة خرج المسؤولون بالجامعة العربية قائلين إنه ليس المهم "المسمى" طارئة أم عادية، ولكن المهم هو أن تنعقد قمة، فقط تنعقد قمة، يلتئم تمثيل عربي في "شكل" قمة، وهذا ما سنحاول أن "ننجح" في "إنجازه" في الأول من مارس/ آذار المقبل.

أما ما الذي ستبحثه هذه القمة، وهل ستتوصل في نهاية اجتماعاتها إلى حل يجنب العالم العربي فوضى الدخول إلى عالم مجهول مخيف؟ فهذا كله لا يزال مخبوءا بين ركام واقع عربي راكد، ومسطورا داخل مظروف ربما استبان من عنوانه أثناء الإعلان عن موعد لعقد/وإلغاء القمة العربية الطارئة.
_______________
قسم البحوث والدراسات، الجزيرة نت.

المصدر : غير معروف