تقديم

فيما تعم المظاهرات ضد الحرب على العراق أنحاء العالم لتبرهن على إدراك لمخاطرها، فإن ثمة غيابا واضحا للتفصيلات بشأن الآثار التدميرية التي ستلحقها هذه الحرب بالعراق، وبصفة أساسية بالعراقيين البشر.

قيمة الوثيقة التي تقدم المستقبل العربي هنا ترجمة عربية لنصها أنها تعوض هذا النقص. فموضوعها الرئيس هو ما سيلحق بالإنسان العراقي من مآس ومعاناة نتيجة الحرب الأميركية عليه. وقد وضعت أصلا كتقرير سري لا يطلع عليه سوى كبار المسؤولين في الأمم المتحدة - وهؤلاء يحددهم الأمين العام بنفسه كما تقضى القواعد المرعية. وهي بمثابة دراسة للآثار المتوقعة، وتعتمد لغة الأرقام أساسا. وأهم ما تؤسس عليه هذه الوثيقة هو مقدمة تبرهن على خطأ الافتراضات التي تتوقع أن تماثل هذه الحرب في آثارها حرب الخليج عام 1991. إن هذه الاقتراضات تغفل أمرين: أولهما أن الضربات التي ستوجهها الآلة العسكرية الأميركية إلى العراق ستكون أعنف وأوسع نطاقا مما كانت عليه هجمات عام 1991. وثانيهما أن الآثار المرتقبة ستضيف إلى الآثار المدمرة الرهيبة التي ألحقها نظام العقوبات على مدى 12 عاما متصلة بقدرات العراق البشرية والمادية ومصادره وإنجازاته وبنيته التحتية.

ما تؤكده هذه الوثيقة السرية للأمم المتحدة هو أن الحرب الأميركية على العراق ستكون بمثابة اجتياح عسكري بالغ الضراوة يعقب وباء واسع النطاق.

مقدمة

  1. ليس من المفترض في الورقة الحالية أن تكون الحرب محتومة. مع ذلك، ولأغراض التخطيط وكما طلبتم، فإن افتراضات معينة قد وضعت عند إعدادها تحسبا لوقوع أعمال حرب. وخلافا لسير التدخل العسكري في عام 1991، فإن مواجهة تتم في المستقبل من المتوقع أن تتطور على نحو يتجاوز القذف الجوي بالقنابل التمهيدي والقصير نسبيا ضد البنية التحتية والبلدات والمدن، إلى هجوم بري يمكن أن يكون واسع النطاق وطويل الأمد، يدعمه قذف بالقنابل جوي وتقليدي. وسيكون التدمير الناتج عن ذلك كبيرا بغير شك. ومبدئيا فإن الوصول إلى أولئك الذين سيصبحون في حاجة ما سيمنع من جانب واحد أو آخر من المتحاربين أو سيعرقله بصورة قاسية هموم الأمن والسلامة. وبالإضافة إلى هذا فإن النواحي اللوجيستية، وخاصة القدرة على الحركة بدرجة من الحرية ستكون عائقا رئيسيا.
  2. ثمة ما يغري بعض الدوائر بمعادلة الوضع في أعقاب تدخل عسكري في العراق مستقبلا، وقدرة السكان على الصمود في عام 1991. ومثل هذه المقارنات غير سليمة، ذلك أن غالبية كبرى من السكان - قبيل أحداث 1991 مباشرة - كانت في حالة توظف تام وكان لديها من المال السائل والأصول المادية ما هو متاح لها للتعامل مع الأزمة. وبغض النظر عن أنهم الآن غير مشتغلين على نحو يدر عليهم كسبا منذ بعض الوقت، فإن الجميع في فترة التدخل - باستثناء من هم الأكثر تميرا - قد استنفدوا تماما أصولهم السائلة، بل باعوا في معظم الأحوال أصولهم المادية. وتبعا لهذا فإن أغلب السكان يعتمدون الآن اعتمادا كليا على حكومة العراق للحصول على معظم - إن لم يكن كل - حاجاتهم الأساسية، وخلافا لما كان عليه الوضع في عام 1991، ليست لديهم سبل للصمود إذا لم تكن لدينهم وسيلة لبلوغها: فقد أدى نظام العقوبات دوره - أكثر مما أداه في أي مجال آخر - في زيادة الاعتماد على الحكومة باعتبارها المانح الأوحد.
  3. كذلك فإن هناك ما يغري على إجراء مقارنات بين الوضع في أفغانستان في أعقاب التدخل العسكري في 2001/2002، والوضع الذي يرجح أن يواجهه العراق في سيناريو ما بعد الحرب. ففيما عدا التماثل في أعداد السكان - نحو 26 مليون نسمة في أفغانستان، وقرابة 26.5 مليون نسمة في العراق - فإن هذه المقارنات غير صحيحة بالمرة. فالسكان في أفغانستان ريفيون في السواد الأعظم. بالإضافة إلى هذا فإن السكان الأفغان - مع مرور الوقت - كانوا قد أصبحوا معتادين على التعويل بدرجة أقل على الدولة، وذلك لأنه لم يكن هناك "جهاز دولة" شامل في أفغانستان، ولهذا فإن الأفغان هم أكثر اعتمادا على الذات. أما الوضع في العراق فهو على العكس: سكان اكتسبوا الطابع الحضري نسبيا، ولديهم دولة توفر الاحتياجات الأساسية للسكان باعتبار هذا مسألة سياسة حكومية. ونظرا لأن الأسر أصبحت أفقر بشكل عام خلال مسار نظام العقوبات فقد أصبح الشعب العراقي حتى أكثر تعويلا من ذلك على الدولة لتلبية حاجاته الأساسية.
  4. علاوة على هذا، وبغض النظر عن نظام العقوبات فإن الشعب العراقي أكثر تقدما نسبيا في احتياجاته. وببساطة تامة فإن المجتمع العراقي أصبح معتادا على مستوى معقول من الخدمات التي توفر له برعاية مباشرة أو غير مباشرة من الدولة. مع ذلك، وفي ضوء التدهور المنتظر في البنية التحتية بوجه عام، وفي قطاع الكهرباء بوجه خاص - وهو القطاع الذي يعتمد عليه توفير الخدمات المعنية اعتمادا شديدا - فإن كثيرا من الخدمات لن يكون متاحا على الأرجح في أعقاب حرب.
  5. تبعا لذلك، وعند تقدير الاحتياجات الإنسانية الأرجح للشعب العراقي أثناء وضع ما بعد الحرب فإن الافتراضات التالية ستبدو مبررة:

أ. ستكون شبكة الكهرباء قد تدهورت بصورة خطيرة بسبب تدمير محطات التوليد وشبكات النقل والتوزيع. كذلك فإن تدمير الشبكة الكهربائية سيؤدي إلى تدهور مصاحب في قدرة القطاعات كافة، وبالأخص المياه والنظافة والصحة بالمثل.

ب. سيكون ميناء "أم قصر" غير متاح إلى حد كبير، لأنه - في كل الاحتمالات - إما سيكون محاصرا أو يعاني دمارا كبيرا في المراحل الأولية من أية عمليات حربية. وتبعا لهذا لا يمكن التنبؤ بدرجة يعول عليها بما إذا كان الميناء سيصبح متاحا - بأي قدرة من قدرته - للنشاطات الإنسانية.

ج. ستتدهور شبكة السكك الحديدية بدرجة كبيرة نتيجة لتدمير الجسور وشبكات الأسلاك تحت الأرض وخطوط القضبان.

د. ستعاني عربات ومستودعات النقل البري دمارا وساعا، ونتيجة لهذا سيكون تدهور شديد في شبكة النقل الضعيفة أصلا.

هـ. وحيث أن العراق محدود بنظامين نهريين رئيسيين يتدفقان من الشمال إلى الجنوب، وحيث أن معظم الجسور الرئيسية - إن لم يكن كلها - سيدمر أو يصاب بأضرار، فإن حركة البضائع والناس بين الشرق والغرب سيتجري على أساس محدود للغاية, وعلاوة على هذا فإن عمق النهرين لا يسمح بشق روافد، وهناك غياب شبه تام للصنادل والمعديات وما شابهها.

و. ستؤدي الأضرار التي ستلحق بشبكة الكهرباء إلى انخفاضات مصاحبة في كافة القطاعات، وخاصة المياه والنظافة وبالمثل الصحة.

ز. يمكن أن تحدث أضرار كبيرة بمخزونات الحكومة من السلع كافة.

ح. قد يتوقف إنتاج النفط الخام وتصديره، وكذلك إنتاج المشتقات البترولية لأغراض الاستهلاك المحلي غالبا، وقد تصاب المنشآت القائمة التي تحتوي على مخزونات الاحتياطي بأضرار واسعة.

(البنود 6، 7، 8، 9، 10 محظورة وغير منشورة بطلب من الأمم المتحدة)

تقدير الحاجات

11. كما ذكرنا سالفا في الفقرة 2 أعلاه فإن نسبة 60 بالمئة تقريبا من السكان - أي 16 مليون نسمة - يعتمدون بدرجة عالية على "سلة الطعام" الشهرية - وهم "يستهلكون" كل السلع المتوفرة لهم (باستهلاك أو بيع جزء منها لتخفيف احتياجات أخرى)، نظرا لأنهم لا يملكون وسائل أخرى يمكن بها توفير متطلبات أخرى جوهرية.

12. ستكون هناك حاجة فورية - في محافطات الشمال الثلاث - لإقامة مصدر بديل لإمداد المواد التي تتوفر في "سلة الطعام" لعدد كامل من السكان يربو على 3.7 مليون نسمة: هم سكان محافظات الشمال الثلاث. وإذا أخذنا في الحسبان المسار المحتمل للحرب فإن شبكة التسليم القائمة الراهنة للمواد الغذائية والضروريات من الموصل إلى كركوك لا يرجح أن تكون متاحة من بداية العمليات الحربية بسبب موقعها إلى الجنوب من خط التقسيم. ومن بين مجموع السكان في المحافظات الشمالية الثلاث، فإن قرابة 2.2 مليون نسمة سيكونون معتمدين بدرجة عالية على نظام توزيع الطعام.

13. ينبغي أن لا يؤدي فقدان الكهرباء بالنسبة لدهوك - على الرغم من عواقب كبيرة سيحدثها على مستوى المساكن الأسرية - إلى تأثير فوري على توفير الخدمات الإنسانية. فإذا افترضنا مستوى منخفضا للصراع في جميع أنحاء محافظات الشمال، وبناء على ملاحظات الأمم المتحدة الأخيرة عن مولدات كهرباء صغيرة ومتوسطة الحجم ومولدات بقوة 29 ميغاوات في كل من محافظات الشمال الثلاث، يبدو أن هناك قدرة كافية متاحة، يردفها خط تسليم مولدات إضافية بمقتضى عقود تمت الموافقة عليها بالفعل لتوفير إمدادات كهربائية مساندة لمنشآت "الطوارئ". وهذا عامل سيؤخذ بعين الاعتبار عند تحديد الوضع النهائي للمولدات الصغيرة والمتوسطة التي أصبحت بالفعل متاحة بمقتضى البرنامج الإنساني.

14. مع ذلك سيكون ضروريا أن يقام خط إمدادات للوقود، فإن من المقدر أن تكون متطلبات الوقود في محافظات الشمال الثلاث شهريا (1) قرابة 30 مليون لتر من البنزين، وقرابة 30 مليون لتر من وقود الديزل ونحو 40 مليون لتر من الكاز (الكيروسين)، ونحو 10 آلاف طن من غاز الطبخ. مع ذلك فإنه توجد قدرة تخزين محدودة جدا في المحافظات الشمالية الثلاث، وستكون قدرة التكرير المتاحة بلا أهمية تذكر.

15. في مناطق البلد الأخرى - وبنوع خاص في "المنطقة الوسطى" و "بغداد"، ونظرا للكثافة المرجحة لأي حرب، وبصفة خاصة في المراحل التمهيدية والأولية - من المحتمل أن تصاب البنية التحتية بأضرار بالغة نتيجة لقذف القنابل جوا وبرا أو بفعل انسحاب القوات الحكومية. إذ يمكن أن نتوقع أن تضرب بشدة بنوع خاص البنية التحتية، وخاصة تلك المتعلقة بالإنتاج النفطي: النقل، أي العربات والمستودعات، الموانئ، السكك الحديدية، الطرق والجسور، وإنتاج الكهرباء. ونتجة لهذا فإن توفر مياه الشرب سينكمش على الأرجح بدرجة هائلة. كذلك فإن الحكومة قد تلجأ إلى تخصيص البنية التحتية، بما فيها العربات الخاصة والتجارية، التي لاى تزال متاحة، لأغراض أخرى غير الأغراض الإنسانية. وعلى أي ألأحوال فإن الجوانب اللوجيستية من الاستجابة في المجال الإنساني ستتطلب قدرا معتبرا من أصول متخصصة، ومن المختمل أن يؤدي غياب مثل هذه الأصول بكميات كافية إلى اختناقات رئيسة، على أن تتم إعادتها بدرجة ما، ولو بصورة مؤقتة. وفي أسؤأ الأوال فإنه قد يصبح من الضروري استيراد الوقود.

____________________
(1) على أساس آخر تقديرات طواقم أفراد الأمم المتحدة العالمين في محافظات الشمال الثلاث.

المصدر : غير معروف