هانز بليكس رئيس لجنة الرصد والتحقق والتفتيش (أنموفيك) يلقي تقريره أمام مجلس الأمن وبجواره المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية محمد البرادعي

قدم رئيس لجنة الرصد والتحقق والتفتيش "أنموفيك" هانز بليكس تقريرا مهما إلى مجلس الأمن الدولي يوم الاثنين 27 يناير/كانون الثاني 2003، بعد شهرين من عمل لجان التفتيش في العراق. وقد حبس العالم أنفاسه في انتظار ما سيقوله بليكس خاصة فيما يتعلق بوجود أسلحة دمار شامل في العراق وتعاونه لتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 1441 الشهير.

وفيما يلي النص الكامل للتقرير مترجما عن الأمم المتحدة، كما أورده موقع وزارة الخارجية الأميركية.

يطلب القرار (2002) 1441 الذي اتخذه مجلس الأمن بشأن العراق في تشرين الثاني/ نوفمبر من العام الماضي، من لجنة الأمم المتحدة للرصد والتحقق والتفتيش ومن الوكالة الدولية للطاقة الذرية، أن تطلعا المجلس على ما استجد من تطورات بعد 60 يوما من استئناف عمليات التفتيش. ويحين موعد ذلك اليوم.

وتشكل الإحاطة بالمستجدات المقدمة اليوم فيما يبدو جزءا من التقييم الذي يجريه المجلس وأعضاؤه للنتائج التي حققتها عمليات التفتيش حتى الآن، ولدورها كوسيلة لتحقيق نزع سلاح يمكن التحقق منه في العراق.

ونظرا لأن جلسة المجلس هـذه مفتوحـة، فقد يكون من الملائم أن أقدم بإيجاز نبذة عامة بغية التوصل إلى تفهم أفضل للوضع الذي نقف فيه اليوم. وهذا هو ما سأفعله الآن بعد إذن المجلس.

أستهل بياني بالتذكير بأن عمليات التفتيش بدأت كجزء من عملية نزع السلاح في العراق في عام 1991، بعد حرب الخليج مباشرة. واستمرت مـدة ثمانيـة أعوام حتى عام 1998، عندما سحب المفتشون. بعد ذلك توقفت عمليات التفتيش لما يقرب من أربعة أعـوام، ولم تستأنف إلا في نهاية تشرين الثاني/ نوفمبر من العام الماضي.

ولئن كان الهدف الأساسي مـن عمليـات التفتيـش في العراق دائما التحقق من نزع السلاح، فإن القـرارات المتعاقبـة التي اتخذها مجلس الأمن عبر السنين كانت متباينـة إلى حـد مـا في التشديد وفي النهج. ففي عام 1991 تضمـن القـرار 687 (1991) الـذي اتخذ بالإجماع كجـزء من عمليــة وقـف إطـلاق النار بعد حرب الخليج، خمســة عنــاصر رئيســــية. وكانت العناصر الثلاثة الأولى منها تتعلق بنـزع السلاح. وقد طلبت من العراق تقديم إعلانات عـن برامجـه الخاصـة بأسـلحة الدمـار الشـامل والقذائـف بعيـدة المـدى؛ والتحقــق مــن تلــك الإعلانـات مـن خـلال لجنـة الأمـم المتحـدة الخاصـــة والوكالــة الدولية للطاقة الذرية؛ وقيام هـاتين المنظمتـين بالإشـراف علـى تدمــير المــواد والــبرامج المحظــــورة أو القضـــاء عليـــها. وبعـــد استكمال عملية نزع السلاح، سـتكون لـدى المجلس السـلطة اللازمـة للمضـي قدمـا في رفـع الجـزاءات، ثم تنتقـــل المنظمتــان القائمتان بعمليات التفتيش إلى مرحلـة رصـد وتحقـق مسـتمرة طويلة الأجل.

وتطلب القرار 687 (1991)، شأنه شأن القرارات اللاحقة التي سأشير إليها، التعاون مـن جـانب العـراق. إلا أن هـــذا التعاون كثيرا ما كـان يحجـب أو يقـدم بـتردد. وخلافـا لما فعلته جنوب أفريقيا التي قررت من جانبها أن تقضــي علـى أسـلحتها النوويـة ورحبـت بـالتفتيش باعتبـاره وسـيلة لكســب الثقـة في عمليـة نـزع سـلاحها، فإن العــراق لم يقبــل بشــكل حقيقي فيما يبدو حتى اليـوم عمليـة نـزع سـلاحه الـتي طلبـت منـه والـتي يتعـين عليـه تنفيذهـا مـــن أجــل كســب ثقــة العــالم والعيش في سلام.

وكمــا نعلــم جميعــا، فــإن العمليــة التــوأم "الإعـــلان والتحقق" الموصوفة في القرار 687 (1991) كثيراً جدا ما تحولت إلى "لعبة الاختباء والبحث" (أو هايد آند سِيك). وبــدلا مــن التحقــق مــن الإعلانــات وتدعيــــم الأدلـــة، فـــإن المنظمتـين القـائمتين بـالتفتيش وجدتـا نفسـيهما منخرطتـــين في جـهود ترمـي إلى تحديـد معـالم برامـج الأسـلحة والبحـث عـــن الأدلـة مـن خـلال عمليـات التفتيـش، والمقـــابلات الشــخصية، والحلقــات الدراســية والتحقيــــق مـــع المورِّديـــن والوكـــالات الاستخبارية. ونتيجة لذلك، لم تستكمل مرحلة نزع السلاح في الفــترة القصــيرة الــتي كــانت متوقعــة. وبقيــت الجــــزاءات بآثارهــا الشــديدة إلى أن قبــل العــراق برنــامج النفــط مقــابل الغــذاء، الــذي أدى التطويــر التدريجــي لــه إلى تخفيـــف آثـــار الجزاءات.

ومــع ذلــــك أدى تنفيـــذ القـــرار 687 (1991) إلى نتائج لا يستهان بها في عملية نزع السلاح. ومن المعـترف بـه أن أسلحة الدمار الشامل التي دمرت بموجب هذا القرار تزيـد على ما دمر خلال حرب الخليج: تم تدمير كميات كبيرة من الأسـلحة الكيميائيـة تحـت إشـراف اللجنـــة الخاصــة قبــل عــام 1994. وبينمـا يدعـي العـراق دون تقـديم أدلـة كافيـة، بأنـــه دمـر كـل أسـلحته البيولوجيـــة بمفــرده عــام 1991، فمــن المؤكـد أن اللجنــة الخاصــة دمــرت المنشــآت الكبــيرة لإنتــاج الأســـلحة البيولوجية عـام 1996. ودمــــرت الهيــــاكل الأساســية النوويــة الكبــيرة وأزيلــت المــواد الانشــطارية مــــن العراق على يد الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

ثمـة ثلاثـة أســـئلة هامــة تواجــهنا اليــوم، أولهــا يتعلــق بكميـة مـا بقـي سـليما قبـل عـام 1991 وربمــــا بعـد ذلـــك دون الإعــلان عنـــه، والســـؤال الثاني يتعلــق بمـــا إذا كـان قـد تم إنتـاج أو شـراء أي شـــيء بشــكل غــير قانونــــي بعــد عــام 1998 عندما غادر المفتشون العراق، والسؤال الثـالث يتعلـق بكيفيــة منــــع إنتـــاج أو شـــراء أي أســـلحة دمـــار شـــامل في المستقبل.

في كــانون الأول/ ديســمبر 1991 -بعــد عــام مــــن توقـف عمليـات التفتيـش في العـــراق– اعتمــد المجلــس القــرار 1284 (1999) ، مـع امتنـاع أربعـة أعضـاء عـن التصويـــت. وهذا القرار باستكماله القرارات الأساسـية الصـادرة عـام 1991 وفي الأعـوام التاليـة، أتـاح للعـراق نهجاً أقـل طموحـــا إلى حـد مـا، مقـــابل التعــاون في جميــع النواحــي لفــترة زمنيــة محـددة، بمـا في ذلـك إحـراز تقـــدم في حســم المــهام الأساســية المتبقيـــة فــــي نزع السلاح، فإنه يفسح المجال لإمكانيـة القيـام لا برفع الجزاءات وإنما بتعليقها.

ولفترة تقرب من ثلاث سـنوات، رفـض العـراق قبـول أي عمليــات تفتيــش تقوم بها لجنــة الأمــم المتحــدة للرصــد والتحقـق والتفتيـش. إلا أنـه بعـد مناشـدات مـن الأمـين العـــام ومن الدول العربية، فضلا عن ضغـوط مـن الولايـات المتحـدة ودول أعضاء أخرى، أعلن العراق في 16 أيلـول/ سـبتمبر مـن العـام المـاضي أنـه سـيقبل مـرة أخـرى عمليـــات التفتيــش دون شروط.

واتخـذ المجلـس القـرار 1441 (2002) في 8 تشـــرين الثاني/ نوفمبر من العام الماضي، وأكد من جديد بشـكل قـاطع طلبه بضرورة تعاون العراق. وطلب أن يتم هذا التعاون فـورا دون شروط وبشكل فعال. وقد تضمن القرار أحكامـا كثـيرة نرحب بها باعتبارهــا تعــزز وتوطــد نظــام التفتيــش. وكــان الإجماع الذي اتخذ به هذا القرار بمثابة رسالة قوية من المجلـس بأنـه يتكلم بصوت واحد في إعطائه فرصــة أخــيرة لنـــزع السـلاح في العـــراق بالوســائل السلمية من خــلال عمليــات التفتيش.

وتشاطر لجنة الأمم المتحدة للرصد والتحقق والتفتيـش المجلس إحساسـه بالطـابع الملـح لاسـتخدام عمليــات التفتيـش كسـبيل لتحقيـق نـزع سـلاح العـــراق، بشــكل يمكــن التحقق منه وفي فترة زمنيـة معقولـة. وبموجـب القـرارات الـتي ذكرتها، سـتعقب تحقيـق نـزع الســـلاح عملية رصد تستمر للفترة التي يراها المجلس ضروريـة. وتشـير القـرارات أيضـا إلى إنشــاء منطقــة خاليــة مــن أسلحة الدمار الشامل في نهاية المطاف.

إن اللجنـة، بوصفـها مـن الهيئـات الفرعيـة للمجلـــس، تدرك تمام الإدراك وتقدر حق التقديـر الاهتمـام الوثيـق الـذي يوليه المجلس لعمليات التفتيش في العراق. وفي حـين أن عمليـة الإحاطـة بالمسـتجدات الـتي نجريـها اليـــوم هــي أمــر متوقــع في القـرار 1441 (2002)، فـإن المجلس بوسـعه أن يطلـــب أيــة إحاطـات إضافيـة كلمـا يـــتراءى لــه ذلــك، وهــو يفعــل هــذا بالفعل. فقد عقدت جلسة إحاطة في 19 كانون الثاني/ ينــاير، ومــن المقـــرر بصفـــة مبدئيـة عقـد جلسـة إحاطـة أخـرى يـوم 14 شباط/ فبراير.

أنتقل الآن إلى المطلب الأساسي بالتعاون مـن جـانب العراق واستجابة العـراق لهـذا المطلـب. فقـد يقـال إن التعـاون أمر يتصل بالمضمون والإجراءات العمليـة. ويبـدو مـن تجربتنـا حتى الآن أن العراق اتخذ قرارا من حيث المبدأ بتقديم التعـاون في مجال الإجراءات العملية، خصوصا من ناحيـة الوصـول إلى المواقـع المطلوبـة. والمطلـــوب قــرار ممــاثل لا غــنى عنــه يتصــل بتقديم التعاون من حيث المضمون، بغية اسـتكمال مهمـة نـزع السلاح من خلال عمليـة التفتيـش السـلمية، ومـن أجـل وضـع مهمـة الرصـد علـى مسـار راسـخ. وثمـة خطـوة مبدئيـة ثانويـــة تتمثل في اعتماد التشريعات التي طال انتظارهـا والـتي تتطلبـها تلك القرارات.

سأتناول أولا التعاون فيما يتصل بالإجراءات العمليـة:
هـذا التعـاون يتعلـق بـالإجراءات والآليـات والهياكل الأساســية والترتيبــــات العمليـــة لمواصلـــة عمليـــات التفتيـــش، والسعي إلى تحقيق نزع السلاح الذي يمكن التحقــق منـه. وفي حين أن عمليات التفتيـش لا تنطلـق مـن توافـر الثقـة، ولكنـها قد تؤدي إلى إيجاد الثقة في حالة نجاحها، فلا بد مع ذلك مـن وجـود قـدر مـن الثقـة المتبادلـة منـذ البدايـة في إجـراء عمليــات التفتيش.

ويمكن القول إجمـالا إن العـراق تعـاون بشـكل طيـب إلى حد ما حتى الآن مع لجنة الأمـم المتحـدة للرصـد والتحقـق والتفتيـش في هـذا الميـدان. وأهـم نقطـة يجـب إبرازهـا في هـــذا الصدد هي أن الوصول إلى جميع المواقع التي رغبنا في تفتيشها كان يتم فورا دون إعاقة، باستثناء حالة واحدة. كما حصلنـا على مساعدة كبيرة في بناء الهياكل الأساسية لمكتبنا في بغـداد وللمكتـب الميـداني في الموصـل. وكـانت الترتيبـات والخدمــات التي تقدم لطائرتنا وللطائرات المروحيـة جيـدة. وكـانت البيئـة صالحـة للعمـل فيـها. وشملـت عمليـات التفتيـش الـتي قمنـا بها جامعــات وقواعــد عســكرية ومواقــع رئاســــية ومســـاكن عادية. وأجريت عمليات التفتيـش أيضـا في يـوم الجمعـة وهـو يوم العطلة عند المسلمين؛ وفي يوم عيد الميلاد ويوم رأس السـنة الجديـدة. وقـد جـرت عمليـات التفتيـش تلـك بنفـس الطريقـــة التي أجريت بها عمليات التفتيش الأخـرى. فنحـن نسـعى لأن تكون هذه العمليات صحيحة وفعالة.

وفي هذه الإحاطــة بالمسـتجدات أجـد نفسـي مضطـرا مـع ذلـك لأن أسـجل بعـض المشـاكل الـتي واجـهتنا. المشــكلة الأولى تتعلق بنوعين من العمليات الجوية. ففي حـين أن لدينـا الآن القدرة الفنية علـى إرسـال الطـائرة يـو 2 الـتي وضعـت تحــت تصرفنــا للتصويــر الجــوي وللمراقبــة خــــلال عمليـــات التفتيـش -وقـد أبلغنـا العـراق بنيتنـا تلـك- فـإن العـــراق رفــض ضمـان سـلامة الطـائرة إلا إذا تم اسـتيفاء عـدد مـن الشـــروط. ونظرا إلى أن هذه الشروط قـد تجـاوزت مـا نـص عليـه القـرار 1441 (2002) ومـا مارسـته اللجنـة الخاصـة للأمـم المتحـدة ومارسه العراق في الماضي، نلاحظ أن العـراق لم يمتثـل لطلبنـا حتى الآن. وآمل أن يتغير هذا السلوك.

ثمة مشكلة أخرى تتعلق بالعمليات الجوية -تم حلـها خلال المحادثات الأخيرة التي أجريناها في بغداد- والتي تتعلـق باســتخدام طــائرات الهليوكوبــتر للتحليــق في منــــاطق حظـــر الطـيران. لقـد أصـر العـراق علـى إرسـال طـائرات هليوكوبـــتر تابعة له لمرافقة طائراتنا، الأمر الذي كان سيثير مشكلة أمنية. ولكـن تم حــل هــذه المســألة بجــهد قمنــا بــه لأخــذ المرافقــين العراقيين في طائرات الهليوكوبتر التابعـة لنـا إلى المواقـع، وهـذا ترتيب اتبعته اللجنة الخاصة للأمم المتحدة في الماضي.

وأجـدني مضطـرا إلى التنويـه ببعـض الحـوادث المقلقـــة والمضايقــات الــتي وقعــــت مؤخـــرا. علـــى ســـبيل المثـــال، تم التصريـح علنـا عـن بعـض المزاعـم بـأن الأســـئلة الــتي يطرحــها المفتشون لها طبيعة اسـتخباراتية. ومـع أنـني لا أدافـع عـن كـل سـؤال سـأله المفتشـون، يعلـم العـراق أن المفتشـين لا يخدمـــون أغراضا استخباراتية، وينبغي للعراق ألا يقول ذلك.

وجـرت مظـاهرات في عـدة مناسـبات، أمــام مكاتبنــا وفي مواقع التفتيش. وفي أحـد الأيـام قـام خمسـة مـن المفتشـين بجولــة ترفيهيــة لمشــــاهدة أمـــاكن ســـياحية، وقامــــوا بزيـــارة مسـجد. ولكن تبعتـهم جمـوع غفـيرة مـن الجماهـير الهائجــة بـلا مـبرر. لقـد ذهـــب المفتشــون بــدون أي علامــات للأمــم المتحــدة وتم الــترحيب للقيام بها بالطريقــة الوديــة الــتي هــي سمــــة السلوك العراقي الطبيعي تجاه الأجانب. لقـد خلعـوا أحذيتـهم وتمت مرافقتهم في زيارة المسـجد. وسـألوا أسـئلة بريئـة تمامـا، وعندمـا غـادروا المسـجد وُجـــهت إليــهم دعــوة لزيارتــه مــرة أخـرى. وبعـد ذلـــك بوقــت قصــير، تلقينــا احتجاجــات مــن السلطات العراقية بشـأن عمليـة تفتيـش لم يعلن عنها وبشـأن أسـئلة لا صلـــة لهــا بأســلحة الدمــار الشــامل. نعــم، لم تكــن للأسئلة صلة بأسلحة الدمار الشامل.

إن المظاهرات والتجمعات الهائجة من هذا النوع مـن غير المحتمل أن تخرج في العـراق بـدون مبـادرة أو تشـجيع مـن السـلطات. ولا بـد أن نسـأل أنفسـنا عـن الدوافـــع وراء تلــك الأحـداث. لأنها لا تيسر أداء مهمـة هـي صعبـة حقـــا، ونحــن نحـاول أداءهـــا بفعاليــة وبــروح مهنيــة وبطريقــة صحيحــة في الوقــت نفســه. فــإذا كــانت لــدى نظرائنــا العراقيــين بعــــض الشـكاوى، فبإمكـــانهم أن يفصحــوا عنــها بهدوء لا بأســلوب مكدّر.

ويتعلـق التعـاون الموضوعـي المطلـوب قبـل كـل شـــيء بـالتزام العـراق بـأن يعلـن عـــن جميــع برامجــه لأســلحة الدمــار الشـامل، وأن يقـدم إمـا الأشـياء والأنشـطة لتصفيتـها أو الدليـل الذي يثبت النتيجة النهائية بأنه لم يبق شيء محظور.

وتنـص الفقـرة 9 مـن القـــرار 1441 (2002) علــى أن يتعــاون العــراق" بنشاط"، إن فتــح الأبــواب ليــس كافيـــا. التفتيـش ليـس لعبـة"إمسـك إن اسـتطعت أن تمسـك." وإنمــا حسبما قلت، عمليـة تحقـق بغـرض إيجـاد الثقـة. إنـه لا يسـتند إلى افـتراض الثقـة. إنـه وبـالأحرى، مصمـم كي ما يـــؤدي إلى الثقة، إذا توفر الانفتاح للمفتشين والعمل لتقـديم الأشـياء لهـم كـي يحطموهـا، أو لتقـديم دليـل يعـول عليـه بعـدم وجـود تلــك الأشياء.

في 7 كـــانون الأول/ ديســـمبر 2002، قـــدم العــــراق إعلانا يتألف من زهـاء 12 ألف صفحـة اسـتجابة للفقـرة 3 من القرار 1441 (2002)، وفي حـدود الإطـار الزمـني الـذي حـدده مجلـس الأمـن. ويتضمـن الإعـــلان -في ميــداني القذائــف والتكنولوجيـا البيولوجيـة- قـدرا كبـيرا مـن المـواد والمعلومـــات الجديدة التي تغطـي الفـترة مـن عـام 1998 ومـا بعـده، ونحـن نرحب بذلك.

وكـان المـــرء يتوقــع أن يحــاول العــراق لــدى إعــداد الإعلان، أن يجيب وأن يوضح وأن يقـدم الدليـل الداعـم فيمـا يتصـل بقضايـا نـزع السـلاح الكثـــيرة المعلقــة، الــتي ينبغــي أن يكون الجانب العراقي على اطلاع حسن بها، من وثيقة اللجنـة الخاصـة للأمـــم المتحــدة S/1999/94 والتقريــر المســمى تقريــر إموريم S/1999/356 الصادر في آذار/ مـارس 1999. وهـذه أسـئلة كثـيرا مـــا أشــارت إليــها لجنــة الأمــم المتحــدة للرصــد والتحقق والتفتيش والحكومات والمعلقون المستقلون.

ولئـن كـانت لجنـــة الأمــم المتحــدة للرصــد والتحقــق والتفتيـش تعد قائمتـها بالقضايـا الحاليـة لـنزع السـلاح الــتي لم تحسـم، ومـهام نـزع السـلاح الحاسمـة الأهميـــة المتبقيــة اســتجابة لمتطلبـات القـرار 1284 (1999)، نجـد أن التنويـــه بالقضايــا المدرجـة في التقريريــن اللذيــن أشــرت إليــهما بأنها قضايــا لم تحسم، أمــــر لـــه ما يبرره من الناحية الفنيـة. هـذان التقريـران لا يؤكـدان أن أسـلحة الدمـار الشـامل مـا زالـت موجـــودة في العـراق، كمـا أنهما لا يلغيـان ذلـك الاحتمـال. إنهما مـا يشــيران إلى الافتقـار إلى دليـل وإلى وجـود تباينـات، الأمـر الـــذي يثــير علامات اســتفهام لا بـد مـن الإجابـة عنها، إذا أريـد لملفـات الأسلحة أن تغلق وإذا أريد للثقة أن تُبنى.

ويتعين على العراق أن يعالج هذه القضايا بجدية، بـدلا مـن النظـر إليـها بـلا مبـالاة باعتبارهـا مكـائد شـريرة حاكتـــها اللجنــة الخاصــة للأمــم المتحــدة. ومــن دواعــي الأســــف، أن الإعـــلان الـــذي يتـــألف مـــن 12 ألف صفحـــة، معظمــــها صفحات أعيدت طباعتها من وثائق سابقة، لا يتضمـن فيمـا يبـدو أي دليـل جديـد يزيـل الأسـئلة أو يقلـل عددهـا. وحـتى الرسالة التي بعث بها العـراق إلى رئيـس مجلـس الأمـن في 24 كانون الثاني/ ينايـــــر استجابــــــة لمناقشاتنا مؤخـرا في بغـداد، لا تقودنا إلى حلول لهذه القضايا.

ســـأتطرق إلى بعـــض الأمثلـــة فقـــط علـــى القضايــــا والأسئلة التي يتعين الإجابة عنها، وأبدأ أولا بقطـاع الأسـلحة الكيميائية:

غـاز الأعصـاب "في إكـس" (VX) واحـد مـن أشــد الغازات سمية التي طورت على الإطلاق. لقد أعلن العراق أنـه أنتج غاز "في أكس" علـى نطـاق تجريـبي فقـط، عـدة أطنـان فقـط، وكـانت نوعيتـــه رديئــة والمنتــج غــير مســتقر. ونتيجــة لذلك، قيل إن الغاز لم يسـتخدم في الأسـلحة علـى الإطـلاق. وقال العراق إن الكمية الضئيلـة المتبقيـة بعـد حـرب الخليـج تم تدميرها من جانب واحد في صيف عام 1991.

بيـد أن لـدى لجنـــة الأمــم المتحــدة للرصــد والتحقــق والتفتيـش معلومـات تتعـارض مـع مـا ذكـــره العــراق. وهنــاك مؤشرات تفيد بأن العراق قـد عمـل علـى التوصـل إلى حلـول لمشكلتي النقاء والاستقرار، وأنه حقق أكثر مما أعلن عنـه. بـل إن إحـدى الوثـائق الـتي قدمـها العـراق توضـح في الواقـــع بــأن نقـاء الغـاز -علـى الأقـل في إنتـاج المختـبرات- كـان أعلـــى ممــا أُعلن عنه. وهناك مؤشرات تفيد أيضا بـأن الغـاز اسـتخدم في الأسلحة.

وإضافـة إلى ذلـك، هنـاك أسـئلة يتعـين الإجابـة عنها تتصـل بمصـير الســـلائف الكيميائيــة لغاز "ف ي أكس"، الــتي صرح العراق بأنها فُقـدت أثنـاء القصـف في حـرب الخليـج أو التي دمرها العراق من جانب واحد.

وأتطــرق الآن إلى الوثيقــة المســــماة بوثيقـــة القـــوات الجوية التي ناقشـتها مـع المجلس مـن قبـل. لقـد عـثرت مفتشـة للجنـة الأمـم المتحـدة للرصـد والتحقـق والتفتيـــش علــى هــذه الوثيقة أصلا في خزانة في مقر القوات الجويـة العراقيـة عـام 1988، وأخذهــا منــها المرافقــون العراقيــون. وتقــــدم هـــذه الوثيقـــة ســـردا للنفقـــات علـــى القنـــابل، بمـــا فيـــها القنــــابل الكيميائيــة، الــتي تكبدهــا العــــراق أثنـــاء الحـــرب العراقيـــة الإيرانية. وأشعر بالتشجيع لأن العراق قـدم الآن هـذه الوثيقـة إلى لجنة الأمم المتحدة للرصد والتحقق والتفتيش.

وتوضــح الوثيقــة أن القــوات الجويــة العراقيــة ألقـــت 13 ألف قنبلــــــة كيميائيـــــة في الفترة ما بين عـامي 1983 و1988، في حين صرح العراق بأنه تم اسـتخدام 19500 قنبلة خلال تلك الفترة. وهكـذا هنـاك فـارق قـدره 6500 قنبلـة. وتصـل كميـــة العنصــر الكيميــائي في هــذه القنــابل إلى زهـاء ألف طـن. وإذا لم نحصـل علـى دليـل ينـاقض ذلــك، يتعــين علينــا أن نفــــترض بـــأن تلـــك الكميـــات لا يعــــــرف مصيرها.

وأعلن علـى نطـاق واســـع عــن اكتشــاف عــدد مــن الصواريـخ الكيميائيـة ذات الـرؤوس الحربيـــة مــن عيــار 122 ملم في خندق بمستودع يقع على بعـد 170 كلم إلى الجنوب الغربي من بغداد. وكـان هـذا الخنـدق جديـدا نسـبيا، ولذلك لا بد أن تكون الصواريخ قد نقلت إليه في السنوات القليلـة الماضيـة، في وقـت لا يجـوز للعـراق فيـه أن تكـون لديــه هذه الذخيرة.

وما زالت التحقيقات جاريـة بشـأن هـذه الصواريـخ. ويقول العراق إنـه غفـل عنـها منـذ عـام 1991، لأنها كـانت ضمن مجموعة صواريخ بلغ عددها زهاء 2000 صـاروخ تم تخزينها هناك أثناء حرب الخليـج. قـد يكـون هـذا هـو الحـال. ولكن قد تكون هذه الصواريخ أيضا مجـرد غيـض مـن فيـض. إن اكتشـاف عـدد قليـل مـن الصواريـخ لا يحسـم، وإنمـا يؤكـــد قضيـة كـون عـدة آلاف مـن الصواريـخ الكيميائيـــة لا يعــرف مصيرها.

إن اكتشـاف هـذه الصواريـخ يبـين أن العـراق بحاجـــة إلى بذل المزيد من الجهود ليكفل أن إعلانه صحيح في الوقـت الراهن. وخلال مناقشاتي مؤخـرا في بغـداد، أعلـن العـراق أنـه ســيبذل جــهودا جديــدة في هــذا الصــــدد وأنـــه أنشـــأ لجنـــة للتحقيـق. ومنـذ ذلـك الحـين أفـاد العـراق بأنـه اكتشـف أربعــة صواريخ كيميائية أخرى بمستودع في التاجي.

وأذكـر كذلـك أن المفتشـــين وجــدوا في موقــع آخــر كميــة مختبريــة مــن ثنــائي ثيــو غليكــول، مــن ســلائف غـــاز الخردل.

وبصدد تناولي للقضايا الكيميائية، ينبغي لي أن أذكـر مسـألة أبلغـتُ عنـها في 19 كـانون الأول/ ديســـمبر 2002، تتعلق بمعدات في مصنع أهلـي للمـواد الكيميائيـة في الفلوجـة. لقـد أعلـن العـراق أنـــه قــام بــإصلاح معــدات لتجــهيز المــواد الكيميائيـة، دُمـرت فيمـا ســـبق تحــت إشــراف اللجنــة الخاصــة للأمم المتحدة ونصبـها في الفلوجـة لإنتـاج الكلـور والفينـول. لقـد قمنـا بـالتفتيش علـى هـذه المعـدات، ونقـوم حاليـــا بــإجراء فحص تقني مفصل لها. وعند اكتمال الفحـص سـنقرر مـا إذا كان ينبغــي تدمــير هــذه المعــدات ومعــدات أخــرى قــــام العـــراق بإصلاحها.

أنتقل الآن إلى الأسلحة البيولوجيـة. لقـد تطرقـت إلى قضيـة الجمـرة الخبيثـة (الإنـثراكس) أمـام المجلس في مناســـبات سابقة، وأعود إليها الآن لأنها قضيـة هامـة. لقـد أعلـن العـراق بأنه أنتج زهاء 8500 لتر من عامل الحرب البيولوجية هـذا، وصـرح بأنـه قـام بتدميرهـا مـن جـانب واحـد في صيـف عــام 1991.

وقـدم العـراق أدلـة قليلـة بشـأن ذلـك الإنتـــاج، ولم يقــدم أدلــة مقنعة فيما يتعلق بتدميره.

وهنـــاك مؤشـــرات قويـــة إلى أن العـــراق أنتـــج مــــن إنثراكس أكثر مما أعلن عنـه، وأن بعـض هـذه الكميـات علـى الأقـل قـد احتفـظ بها بعـد موعـد التدمـير المعلـــن عنــه. ولربمــا لا تزال هذه الكميات موجودة. فإما أنـه يتعـين العثـور عليـها وتدميرها تحت إشراف بعثة الأمم المتحدة، أو أنه ينبغي تقديم أدلة مقنعة على أنها دمرت فعلا عام 1991.

وكمـا أبلغـت المجلس في 19 كـــانون الأول/ ديســمبر مـن العـام المـاضي، لم يعلـن العـراق عـن كميـة كبـيرة "حـــوالي 650 كلغ" مـن عنـاصر النمـو الجرثومـي الـتي اعــترف العـراق بوجودهـا، كمـــا ورد في تقريــره إلى فريــق أمــوريم في شـباط/ فـبراير 1999. وكجـزء مـن إعـلان 7 كـــانون الأول/ديســمبر 2002، أعــاد العــراق تقــديم وثيقــة فريــق أمـــوريم، ولكنـه لم يضمنـها الجـدول الـذي يبـين اسـتيراد هـذه العنـــاصر بـالذات. وغيـاب هـذا الجـدول قـد يبـدو وكأنـه متعمـــد، لأن صفحات الوثيقة المعاد تقديمها قد أعيد ترقيمها.

ولقد قال وزير خارجيـة العـراق في رسـالة إلى رئيـس مجلس الأمن بتاريخ 24 كانون الثاني/ يناير من هذا العام "إن كــل الكميــات المســتوردة مــــن عنـــاصر النمـــو تم الإفصـــاح عنها"، وهذا ليس دليلا. وأقول إن كميـة العنـاصر المذكـورة مـن شـأنها أن تكفـي مثـلا، لإنتـاج حـوالي 5000 لـــتر مــن الإنثراكس المركز.

أنتقـل الآن إلى قطـاع القذائـف. لا تـزال هنـاك أسـئلة كبـيرة عمـا إذا اسـتبقى العـراق قذائـف مـن نـوع سـكود بعــد حـرب الخليـج. وقـد أعلـــن العــراق عــن اســتهلاك عــدد مــن قذائف سكود كــأهداف في إطـار تطويـر نظـام دفـاعي مضـاد للقذائـف التسـيارية خـــلال الثمانينيــات. إلا أنــه لم تقــدم أي

معلومـات فنيـة عـن ذلـك البرنـامج ولا بيانـات عـن اســـتهلاك القذائف.

وحدثـت مجموعـة مـن التطـورات في ميـدان القذائــف خـلال السـنوات الأربـع الماضيـــة، قدمــها العــراق في الإعــلان باعتبارهـا أنشـطة غـير محظـورة. ونحـن نحـــاول أن نتوصــل إلى فــهم واضــح لتلــك الأنشــطة مــن خــلال عمليــات التفتيـــش والمناقشات في الموقع.

وهناك مشروعان يبرزان بصفـة خاصـة، وهمـا تطويـر قذائـف تعمـل بـالوقود السـائل تسـمى الصمـود 2، وقذائــف تعمـل بـالوقود الصلـب تسـمى الفتـح. وقـد جربـت قذيفتــان إلى مــدى تجــاوز الـــ 150 كلم المســموح بها، حيـــث جربـت قذيفـة الصمـود 2 إلى مـدى 183 كلم والفتــح إلى مــدى 161 كلم وقـــد زودت القـــوات المســـلحة العراقية ببعض القذائف من هذيـن النوعـين بـالفعل، حـتى وإن ذكر أنها لا تزال قيد التطوير.

بالنسـبة إلى قطـر قذيفـة الصمـود، فقـد تمت زيادتها عــن نمــوذج مبكــر إلى النمــوذج الحــالي الــذي يبلــغ قطــــره 760 ملم. وأجري هذا التعديل، رغم أن هناك رسـالة من الرئيس التنفيذي للجنة الخاصـة للأمـم المتحـدة صـادرة عـام 1994، توجـه العـراق إلى الحـد مـن قطـر قذائفـه إلى أقـــل من 600 ملم. علاوة على ذلـك، ففـي رسـالة صـادرة في تشـرين الثـــاني/ نوفمــبر 1997 مــن الرئيــس التنفيــذي للبعثــة الخاصة للأمم المتحـدة إلى العـراق، حظـر اسـتخدام المحركـات مـــن قذائـــف أرض/ جـــو معينـــة لاســـتخدامها في القذائـــــف التسيارية.

وخـلال اجتمـــاعي الأخــير في العــراق، أحطنــا علمــا بالبرنـامجين. وقيـل لنـا إن المـدى النـهائي لهذيـن النظــامين سيكون أقل من الـ 150 كلم المسموح بها.

ويبـدو للوهلـــة الأولى أن هــذه القذائــف تمثــل جيــدا حالات للنظم المحظورة. فمدى التجارب الـذي يتعـدى 150 كلم يتصـف بالأهميــة، وإن كنــا في حاجــة إلى النظــر في بعـض الاعتبـــارات التقنيــة الأخــرى قبــل التوصــل إلى نتيجــة بشـأن هـذه المسـألة. وفي غضـون ذلـك، طلبنـا مـن العــراق أن يوقف التجارب التي يجريها على كلا النوعين.

وبالإضافـة إلى ذلـك، عمـل العـراق علـى تجديـد بنيتــه الأساسـية الخاصـة بإنتـاج القذائـف. فقـد عـاود علـى الأخــص بنـاء عـــدد مــن حجــرات الســبك الــتي ســبق تدميرهــا تحــت إشـــراف اللجنـــة الخاصـــة للأمـــم المتحـــدة. وكـــانت تلـــــك الحجـرات تســـتخدم في إنتــاج القذائــف الــتي تعمــل بــالوقود الصلب. وأيا كانت نظم القذائـف الـتي يُزمع اسـتخدام تلـك الحجـر في إنتاجـــها، فإنهــا يمكــن أن تنتــج محركــات لقذائــف قادرة على الوصول إلى مدى يتجاوز 150 كلم بكثير.

ومــن التطــورات المرتبطــة بهذه القذائــف، مــا يتعلـــق باستيراد عدد من المواد خلال السنوات القليلـة الماضيـة -رغـم عمليـات الحظـر المفروضـة عليـها- اسـتمر حـتى كــانون الأول/ديســــمبر 2002. وكــــان أبرزهــــا اســــــتيراد 300 محـــــرك صاروخي قد تستخدم للصمود 2.

وقـد أعلـن العـراق أيضـا عـن اســـتيراده مؤخــرا لمــواد كيميائيــة تســتخدم في محركــات الدفــــع، وأدوات التجـــارب والتوجيه ونظم التحكم. وهــذه المـواد ربمـا تسـتعمل لأغـراض محظورة، الأمر الذي لم يحسـم بعـد. ومـا هـو واضـح أن هـذه المواد قد جلبت للعراق بشكل غير قانوني، أي أن العـراق أو بعـض الشـركات في العـــراق قــد تحــايلت علــى القيــود الــتي تفرضها قرارات عديدة.

لقد تناولت بعض المسائل المتعلقة بـنزع السـلاح الـتي لا تزال مفتوحة، والتي تحتاج إلى الرد عليها إذا أردنـا أن نقفـل الملفات وأن نبني الثقة. فما هي الوسـائل المتاحـة للعـراق للـرد على هذه الأسئلة؟ لقد أشرت إلى بعضها خلال عرضـي لهـذه المسـائل. واسمحـوا لي أن أكـون أكـثر دقـة بعـــض الشــيء. إن نظراءنـا العراقيـين مغرمـون بـالقول إنـه ليـــس هنــاك أي مــواد محظورة، وإذا لم تقدم أدلـة خلافـا لذلـك، فـلا بـد مـن تـأويل الشـك لصالحـهم، أي أن يُفترض أنهـــم أبريــاء. ولجنــة الأمــم المتحـدة للرصـد والتحقـق والتفتيـش مـن جانبـها، لا تفـــترض بـــأن هنـــاك مـــواد أو أنشـــطة محظـــورة في العـــراق، ولكـــــن لا يمكنها ولا يمكن لأي جهة أخرى -بعد عمليـات التفتيـش التي تمت في الفـترة بـين عـامي 1991 و 1998- أن تفـترض العكــس، أي لا توجــد مــواد وأنشــطة مــن هــذا القبيـــل في العــراق. والافتراضــات لا تحــل المشــكلة. فالأدلــة والشـــفافية الكاملة قد تساعدان. وسأكون أكثر دقة فيما سأقوله.

إن المعلومـات الـتي قدمتـها الـدول الأعضـاء تبلغنـا بمــا حـــدث، بالنســـبة لتحريـــــك وإخفــــاء القذائــــف والأســــلحة الكيميائية والوحدات المتحركـة لإنتـاج الأسـلحة البيولوجيـة. ونحـن بالتـأكيد ســـنتابع أي أدلــة ذات مصداقيــة تقــدم إلينــا، وسـنقدم تقريـرا عـن أي نتـائج قـد نتوصـل إليـها، وأيضـا عــن حرماننا من إمكانية الوصول إليها.

وحتى الآن، قدمنا تقريرا عما عثرنا عليـه مؤخـرا مـن عــدد صغــير مــن الــرؤوس الحربيــة الفارغــة مــن عيـــار 122 ملم لحمل أسـلحة كيميائيـة. وقـد أعلـن العـراق أنـه أنشـأ لجنـة تحقيـق للبحـث عمـا إذا كـان هنـاك المزيـد منـها. حســنا، لمـاذا لا يتـم توسـيع البحـث ليشـمل مــواد أخــرى، والإعــلان عما قد يعثر عليه، وتدميره تحت إشرافنا؟

وعندما قمنا بحث نظرائنا العراقيين علـى تقـديم مزيـد مـن الأدلـة، كثـيرا مـا كـان يأتينـا الـرد بأنـه لم يعـــد هنــاك أي وثائق أخرى. فكل الوثائق ذات الصلـة الموجـودة تم تقديمـها، كما كان يقـال لنـا. وكـل الوثـائق المتعلقـة ببرنـامج الأسـلحة البيولوجية قد دمرت مع الأسلحة.

ومـع ذلـك، فـإن لـدى العـراق كـل ملفـات الحكومـــة وإدارتها ومؤسساتها وآلياتها المختلفـة. وينبغـي أن تكـون لديـه وثائق الميزنة وطلبات اعتماد الأموال والتقارير المتعلقة بكيفيـة اســتخدامها. وينبغــــي أن يكـــون لديـــه خطابـــات الاعتمـــاد وبوالص الشحن وتقارير الإنتاج والمفقود من المواد.

واستجابة لطلب لجنة الأمم المتحدة للرصـد والتحقـق والتفتيـش مؤخـرا لعـدد مـن الوثـــائق المحــددة، تمثلــت الوثــائق الجديــدة الوحيــدة الــتي قدمــها العــراق في ســجل مـــن 193 صفحة، ذكر فيه العراق كل الواردات التي تمت في الفترة مـن عام 1983 إلى عام 1990 عن طريق شعبة الواردات التقنية والعلميـة، وهـي الهيئـة المختصـة باســـتيراد احتياجــات برنــامج الأسلحة البيولوجية. ومن المحتمل أن يساعد ذلـك في توضيـح بعض القضايا المعلقة.

إن مــا عــثر عليــه في إطــار عمليــة التفتيــش الأخـــيرة للمسـكن الخـاص لأحـد العلمـــاء مــن صنــدوق يحتــوي علــى حــوالي 3000 صفحــة مــن الوثــائق، يتعلــــق الكثـــير منـــها بتخصيـب اليورانيـوم بـالليزر، يدعـم الشـك القـائم منـــذ فــترة طويلـة في أنـه تم توزيـع الوثـائق علـــى منــازل أفــراد خــاصين. ويدحض الجانب العراقي هذا التأويل، حيث يدعـي أن طـاقم التفتيـش قـد يحمـل معـه إلى المـنزل أوراقـا مـن أمـــاكن العمــل.

ونحن مــن جانبنـا، لا يسـعنا إلا أن نظـن بـأن هـذه الحالـة قـد لا تكون منعزلة، وأن توزيع الوثـائق علـى هـذا النحـو متعمـد لجعل اكتشاف أمرها صعبـا، ومحاولـة حمايـة الوثـائق بوضعـها في مساكن خاصة.

إن أي بـادرة أخـــرى لإخفــاء الوثــائق مــن شــأنها أن تكـون أمـرا خطـيرا. وقـد الـتزم الجـــانب العراقــي في محادثاتنــا الأخيرة بتشجيع الأشـخاص علـى قبـول إمكانيـة الوصـول إلى المواقــع الخاصــة أيضــا. ولا يمكــن أن يكــون هنــاك مـــلاذات للمــواد أو الأنشــــطة أو الوثـــائق المحظـــورة، ومنـــع الوصـــول الفوري إلى أي موقع سيكون أمرا خطيرا جدا.

وعندما يدعي العــراق بأنـه لا تتوفـر أدلـة ملموسـة في شــكل وثــائق، ينبغــي لــه علــى الأقــل أن يوفــــر الأشـــخاص والمهندســين والعلمــــاء والمـــديرين لـــلإدلاء بشـــهاداتهم بشـــأن تجـاربهم. فــبرامج الأســلحة الكبــيرة يحركــها ويديرهــا بشــر. والمقـابلات مـع الأفـراد الذيـن ربمـا سـبق لهـــم العمــل في هــذه البرامج يمكن أن تسد الثغرات في معرفتنا وفهمنا. وقد يكـون مـن المفيـد أيضـا أن نعـرف أنهم يعملــون حاليــا في قطاعــات سلمية. وهذه هي الأسباب التي دعت لجنة الأمم المتحـدة إلى طلب قائمة بأسماء هؤلاء الأشـخاص، بموجـب القـرار 1441 (2002).

وقـد قـدم الجـانب العراقـي حـوالي 400 اســـم بشــأن جميع برامج الأسلحة البيولوجية والكيميائية، وكذلك البرامج المتعلقة بالقذائف. ويمكن مقارنة هذا بأكثر من 3500 اسم لأشخاص ارتبطوا في المـاضي بـبرامج الأسـلحة تلـك، والذيـن إما أجرت لجنة الأمـم المتحـدة مقـابلات معـهم في التسـعينيات أو أنها عرفت عنـــهم مـــن الوثـائق ومصادر أخـــرى. وفي اجتماعي الأخير في بغـداد، الـتزم الجـانب العراقـي باسـتكمال القائمة، وقدم حوالي 80 اسما إضافيا.

في الماضي، كنا نسـتخلص مـن المقـابلات الكثـير مـن المعلومـات القيمـة. وكـانت هنـاك أيضـا حـالات تعـرض فيــها من تمت مقابلتهم للتخويف، بسبب حضور مسؤولين عراقيـين هـذه المقـابلات أو مقاطعتـهم لهـا. كـانت هــذه خلفيــة تنفيــذ الحكـم الـوارد في القـرار 1441 (2002)، والـــذي ينــص علــى حق لجنة الأمم المتحدة للرصد والتحقـق والتفتيـش والوكالـة الدوليــة للطاقــة الذريــة، في إجــراء مقــابلات خاصــة "بــــأي طريقـــة وفي أي مكـــان" نختــــاره، داخــــل بغــــداد أو حــــتى خارجها.

وحـتى هـذا التـاريخ، طلبنـا إجـراء مقـــابلات مــع 11 شخصا في بغداد. وكـانت الـردود تفيـد دائمـا بـأن الشـخص المطلـوب لـن يتكلـم إلا في مديريـة المراقبـة العراقيـــة، أو بــأي حـال مـن الأحـوال في حضـور مسـؤول عراقـي. وقـد يكــون هذا راجعا إلى رغبة الأشخاص المدعوين في أن يكـون لديـهم الدليل على أنهم لم يذكـروا أي شـيء لا ترغـب السـلطات في الإفصاح عنه. وفي محادثاتنا الأخـيرة في بغـداد، تعـهد الجـانب العراقـي بـــأن يلــتزم بتشــجيع الأشــخاص علــى قبــول إجــراء مقابلات "خاصة" أي أن يجروها معنا بمفردهـم. وبـالرغم مــن ذلــك، فــإن النمــط لم يتغــير. لكننــا نــأمل في أن يكــون بالإمكان -مع زيادة التشجيع من جانب المسـؤولين- أن يقبـل العالمون ببواطن الأمور إجراء مقابلات خاصة داخل بغداد أو خارجها.

ولا يمكنني أن أختتم هذا البيان المستكمل بدون ذكر بعـض النبـذات، حـول القـــدرة المتناميــة للجنــة الأمــم المتحــدة للرصد والتحقق والتفتيش.

في الشـهرين الماضيين عززت اللجنة من قدراتها في العراق، مـن لا شـيء إلى 260 موظفا مـن 60 بلدا. وهي تتضمن حوالي 100 مفتش جديد للجنة، و 60 موظفـــا للعمليــات الجوية، إلى جنب موظفــي الأمــن والاتصالات والترجمــة التحريريــة والشفوية، والدعم الطبي والخدمات الأخـرى في مكتبنـا في بغـداد، والمكتب الميداني في الموصل. وهــم جميعا يخدمون الأمم المتحدة، ولا يرفعون التقارير لسـواها. وفضـلا عـن ذلـــك، فــإن قائمتنــا الخاصــة بالمفتشــين ستظل تتنامى مع مواصلـة برنامجنـا التدريـبي، فحـتى في هـذه اللحظـة لدينـا دورة تدريبيـة تنعقـــد في فيينــا. وفي نهاية تلك الدورة التدريبية، سيكون لدينا قائمـة تضـم حـوالي 350 مـن الخبراء المؤهلين لنختار منها مفتشينا.

وهناك فريق وفرتـه الحكومـة السويسـرية، يقـوم حاليـا بتجديد مكتبنا في بغداد الذي ظل خاليا طـوال أربعـة أعـوام. كما ساهمت حكومة نيوزيلندا بفريق طـبي وفريـق اتصـالات. وستساهم الحكومة الألمانية بطائرات استطلاع بدون طيـارين، ومجموعة من المتخصصين لتشـغيلها لنـا من داخل العراق. وتكرمت حكومة قبرص بالسماح لنا بإنشـاء مكتـب ميداني في لارناكا. وكل هـذه المسـاهمات سـاعدتنا علـى بـدء عمليات التفتيش على وجه السرعة، وتعزيز قدراتنا. وكذلك كانت المساعدة المقدمة من الأمــم المتحـدة في نيويـورك، ومـن المنظمات الشقيقة في بغداد.

وفي الشهرين الماضيين اللذين قمنـا خلالهما بتعزيز حضورنا في العراق، أجرينا حـوالي 300 عملية تفتيش لما يزيد على 230 موقعا مختلفا. ومن بينها كان هناك أكثر مـن 20 موقعا لم يكن قد تم تفتيشها من قبل. ومع نهاية شـهر كـانون الأول/ ديسمبر، بدأت لجنة الأمم المتحدة للرصـد والتحقق والتفتيش في استخدام الطـائرات المروحيـة، سـواء في نقل المفتشين أو في أعمال التفتيـش الفعلـي، ولدينـا الآن ثمـاني طائرات مروحية. وقد ثبت بالفعل أنها قيمة في المساعدة على "تجميد" المواقع الكبيرة من خلال مراقبتـها لحركـة المـرور في المنطقة وحولها.

كما أن إنشاء المكتب الميداني في الموصل يسـر إجـراء عمليات تفتيـش سـريعة لمواقـــع في شمــالي العــراق. ونعــتزم أن ننشــئ في القريــب العــاجل مكتبا ميدانيا ثانيا في منطقة البصرة، حيث قمنا بالفعل بالتفتيش على عدد من المواقع.

ولدينا الآن جهاز للتفتيـش يسـمح لنـا بإرسـال فرق تفتيش متعددة يوميا في جميع أنحاء العراق، بـرا أو جـوا. وأود أن أنهي بياني بمجرد التنويه بأن تلك القـدرة الـتي تم بناؤهـا في وقت قصير والتي بدأ تشـغيلها الآن، موجـودة تحت تصرف مجلس الأمن.

المصدر : غير معروف