العلاقات الاقتصادية والسياسية تلقيان الضوء على طبيعة التوجهات الاستراتيجية لهذه الدولة أو تلك، وهو ما يتجلى بوضوح في النموذج العراقي الأميركي.

فقبل عام 1979 وهو العام الذي تولي فيه الرئيس صدام حسين الحكم في العراق رسميا لم تكن لواشنطن علاقات اقتصادية أو سياسية متينة مع بغداد. ثم فجأة لوحظ تنامي مطرد في هذه العلاقة عكس تحالفا استراتيجيا جديدا في هذا الجزء من العالم، تواكبت هذه التوجهات الاستراتيجية الجديدة مع اندلاع الحرب العراقية الإيرانية طوال الفترة من 1980 حتى 1988 من جهة، ومن جهة ثانية رغبة من الولايات المتحدة في الحصول على النفط العراقي بالأسعار وبالكميات التي ترضيها بعد هروب الشاه الذي كان يحكم دولة نفطية غنية كإيران اعتبرت لعقود طويلة صديقا حميما للولايات المتحدة.

واتخذت العلاقة الجديدة بين العراق والولايات المتحدة خلال عقد الثمانينيات أشكالا مختلفة من التأييد السياسي والدعم الاقتصادي والعسكرية حتى أضحت نموذجا لمتانة العلاقة وحرارة التعاون بين دولتين.

ثم تغيرت التوجهات وقطعت الصلات وتحول الأمر برمته إلى عداء صارخ حتى أصبح الشغل الشاغل للإدارة الأميركية ليل نهار هو العمل على الإطاحة بنظام حكم الرئيس العراقي صدام حسين، وكان السبب في ذلك التحول الكبير شيئان:

الأول: ضعف الأهمية الاستراتيجية التي كان يمثلها النظام العراقي للولايات المتحدة بعد أن خرجت طهران منهزمة في حربها مع بغداد.

والثاني: تجاوز العراق لكل الخطوط الحمراء بالنسبة للإدارة الأميركية حينما اتخذ قراره بغزو الكويت وتهديد بقية الدول الخليجية الغنية بالنفط الذي يمثل السلعة الحيوية التي يعد المساس بها مساسا بالأمن القومي الأميركي.

هذه هي الخلفية التي يمكن من خلالها فهم أسرار العلاقات الاقتصادية بين النظام العراقي والإدارات الأميركية المختلفة، والتي تكشف النقاط التالية بعض خفاياها:

أولا: التعاون الاقتصادي عام 1979

1979:
أ- الصادرات النفطية

في عام 1979 بلغ إجمالي الصادرات النفطية العراقية ككل 160 مليون طن، كان نصيب ما تم تصديره منها إلى الولايات المتحدة 4.5 مليون طن أي ما نسبته 2.8 % فقط من إجمالي هذه الصادرات.

ب- الاستيرادات العراقية

أما الاستيرادات العراقية المدنية من الولايات المتحدة في العام نفسه (1979)، فقد بلغت ما قيمته 486 مليون دولار من جملة الاستيرادات المدنية العراقية في العام المذكور والتي بلغت قيمتها 8984 مليون دولار، أي أن نسبة استيراد العراق من الولايات المتحدة في هذا العام بلغت 5.4 % فقط من جملة استيرادها.

ثانيا: التعاون الاقتصادي بعد عام 1979
(عقد الثمانينيات)

1982:
أ- نموذج المحاصيل الزراعية
بعد عامين فقط من اندلاع الحرب العراقية الإيرانية أي في عام 1982 اتخذت إدارة الرئيس رونالد ريغان قرارا بزيادة حجم التعاون الاقتصادي بينها وبين نظام حكم الرئيس صدام حسين، فقدمت مساعدات -على سبيل المثال- في بند واحد فط هو بند المحاصيل الزراعية بلغت قيمتها خمسة مليارات دولار (كل الاستيرادات العراقية عام 1979 من الولايات المتحدة بلغت 486 مليون دولار فقط).

1987:
ب- اتفاق الروابط التجارية والتقنية
وفي أغسطس/ آب عام 1987، تم إبرام اتفاق رئيسي بين البلدين وقعه وزيري تجارة البلدين لغرض توسيع الروابط التجارية والتقنية، ونشطت لذلك حقول التجارة والصناعة والتمويل والزراعة والطاقة ونقل التقنية والصحة والنقل.

واستنادا لذلك، صار العراق واحدا من الأقطار الرئيسية المستوردة للمواد الزراعية الأميركية، حيث أصبح يستلم نحو 20 في المائة من صادرات الأرز الأميركي، بينما أضحت 60 في المائة من صادراته النفطية تذهب إلى الولايات المتحدة الأميركية وحدها.

ج- مساعدات مالية غير قانونية (فضيحة لافورو)
استمر التعاون الوثيق بين الولايات المتحدة ونظام حكم الرئيس العراقي صدام حسين خلال عقد الثمانينيات، ولم يكن الالتزام بالقانون أو الأخلاق عائقا أمام استمرار هذه العلاقة، وكان الكشف عن أسرار فضيحة لافورو مثالا صارخا على ذلك.

قصة لافورو باختصار تتمثل في غض الإدارة الأميركية في عام 1987 الطرف عن عملية تزوير في خطابات اعتماد بمبلغ خمسة مليارات دولار قام بها كريستوفر درغول مدير فرع بنك لافورو الإيطالي في أطلنطا عاصمة ولاية فرجينيا بدون إذن المقر العام للبنك في روما وبدون إذن رئاسة شبكة الفروع الأميركية للمصرف المذكور في نيويورك وكذلك بعيدا عن أعين السلطات المصرفقية الأمريكية.

وكان العراق في حاجة إلى خطابات الاعتماد هذه لاستيراد أجهزة ومعدات عسكرية بعضها كانت تعرف الإدارة الأمريكية أن بالإمكان استخدامه في في البرنامج النووي العراقي.

اكتشف أمر التزوير عام 1989 وقدم درغول إلى المحاكمة ووجهت إليه لائحة اتهامات شملت 347 تهمة، فاعترف درغول أن كل ما قام به كانت الإدارة الأميركية ووكالة الاستخبارات السي آي أي على علم تام به، وهدد بكشف كل ما لديه إذا لم تتم تسوية الموضوع.

وكانت المفاجأة.. قررت الأجهزة الأميركية المختصة إلغاء المحاكمة في سبتمبر/أيلول 1993، بعد أن تم تخفيض لائحة الاتهامات من 347 تهمة إلى ثلاثة تهم فقط، تتعلق كلها ببعض المخالفات للأنظمة المصرفية وتلاعب في البرقيات، اعترف هو بها ضمن صفقة أبرمت معه فتم بذلك احتواء الفضيحة وإلغاء المحاكمة.

1990:
د- جنرال موتورز في بغداد
ظل التعاون الاقتصادي للولايات المتحدة وثيق الصلة بنظام حكم الرئيس صدام حسين حتى قبيل غزوه للكويت.

ففي الأشهر الأولى من عام 1990 تقرر قيام مؤسسة "جنرال موتورز" الأميركية (أكبر مؤسسة لصناعة السيارات في العالم) بإنشاء مصنع لتجميع السيارات قرب العاصمة، بغداد.

وكان مقرراً أن تبلغ قدرة المصنع الإنتاجية 90 ألف عربة سنوياً من طراز "أولدز موبيل"، مع بدء الإنتاج في العام 1992، في حين خمنت القيمة السنوية لمبيعات المصنع عند مليار ونصف المليار دولار لكن كل هذا توقف بسبب الاجتياح العراقي للكويت.

التسعينيات.. الانعطاف الكبير

شهدت العلاقة بين البلدين منذ العام الأول لعقد التسعينيات منعطفا حادا وخطيرا انتهت معه العلاقات الودية وانعكاساتها الإيجابية على التعاون الاقتصادي بينهما.

فضت الولايات المتحدة تحالفها الاستراتيجي مع نظام حكم الرئيس العراقي بعد أن اعتبرته متجاوزا للخطوط الحمراء حينما غزا بقواته دولة الكويت وهدد بذلك كل جيرانه الخليجيين.

وبالرغم من أن الولايات المتحدة اعتبرت الرئيس العراقي عدوا يجب الإطاحة به، وهو ما انعكس على طبيعة العلاقات الاقتصادية خلال الفترة من 1991 حتى 1996 غير أن الأمر لم يخلو من أسرار مثيرة كشفتها تعاملات اقتصادية معينة تمت بين البلدين منذ عام 1997 حتى الشهور السبعة الأولى من عام 2002 كما سيتضح في النقاط التالية:

1991-1996
انحسار العلاقات الاقتصادية
بعد غزو قوات صدام حسين للكويت عام 1990 توقفت أشكال التعاون الاقتصادي بينهما وكانت النقاط التالية علامات بارزة خلال تلك الفترة:

  • أصدرت إدارة الرئيس جورج بوش (الأب) قي نفس يوم غزو العراق للكويت (2 أغسطس/آب 1990) قرارات صارمة ضد بغداد حظرت بموجبها أية استيرادات نفطية من العراق (والكويت المحتل).
  • جمدت الإدارة الأميركية جميع الأرصدة المالية العراقية والكويتية داخل الولايات المتحدة.
  • أكد جورج بوش في 5 أغسطس/ آب 1990 أن غزو الكويت أمر لا يمكن القبول به، مقترحا مجموعة من قرارات المقاطعة الدولية الشاملة والموجعة ضد العراق.
  • من وحي الدعوة الأميركية السابقة أصدر مجلس الأمن الدولي بالإجماع قراراه رقم 661 في 6 أغسطس/آب 199 بموجبه تم فرض حظر شامل على تجارة العراق (والكويت المحتل) والاستثمار فيهما، حيث شمل ذلك قطاع النفط الحيوي.
  • فرض على العراق حصارا اقتصاديا شاملا كانت له عواقب وخيمة على كل قطاعات الحياة في البلاد، وفي محاولة لتخفيف حدة هذا الأمر على المدنيين أصدر مجلس الأمن الدولي قراريه المرقمين 706 و 712 عام 1991 اللذين أعطيا الحق للحكومة العراقية لتصدير ما قيمته 1.6 مليار دولار من النفط الخام كل ستة أشهر لأغراض المشتريات الإنسانية، مع إمكان تجديد العمل بهذه البنود.
  • وفي عام 1995 عاد مجلس الأمن الدولي وأصدر قراره رقم 986 الذي تمخض عن ما يعرف ببرنامج النفط مقابل الغذاء والذي بدأ العمل به أواخر عام 1996، وبموجبه يباع ثلثث النفط العراقي إلى الشركات الروسية والبقية إلى تشكيلات واسعة من الشركات الأخرى.

1996-2002
بعض خفايا الصورة
بعد قرار مجلس الأمن بالسماح رسميا بمبادلة بعض انتاج النفط العراقي بالمواد الغذائية وهو ما أقره مجلس الأمن في قراره رقم 986 والذي عرف ببرنامج النفط مقابل الغذاء، بدأت ملامح صورةالمقاطعة الشاملة تختلف شيئا ما، معها تكشفت بعض الأضواء الغريبة في عالم المال والأسواق الأميركية.

  • الحصة الأكبر من النفط العراقي تذهب إلى الولايات المتحدة عبر شركاء ووسطاء عديدون.
  • كشفت الأرقام أن 80 % من انتاج خام نفط البصرة الخفيف خلال عام 2001 وصل إلى الولايات المتحدة.
  • 30 % من خام نفط حقول كركوك اشترته مؤسسات النفط الأميركية العملاقة مثل أكسون موبيل، شيفرون، ماراثون، كوتش، بمكور.
  • أبرمت الحكومة العراقية 45 عقدا بقيمة 227 مليون دولار لاستيراد الأغذية والمواد الطبية والسلع الإنسانة وقطع غيار محطات توليد كهرباء من الولايات المتحدة الأميركية.
  • في أوائل عام 2002 تمت المصادقة على عقد بقيمة 200 مليون دولار لتجهيز 10 آلاف عربة نقل خصة و200 سيارة إسعاف من قبل شركات أميركية.
  • كان متوسط ما استوردته الولايات المتحدة من نفط العراق خلال الشهور السبعة الأولى من عام 2002 حوالي 566 ألف برميل يوميا.

كانت رحلة العلاقات الاقتصادية بين الولايات المتحدة والنظام العراقي طويلة (1979 - 2002) عكست في مسيرتها التوجهات الاستراتيجية، وكشفت في بعض تفصيلاتها عن أسرار تعامل القوى الكبرى مع حلفائها في أوقات الود ثم أساليب وحدود التعامل معها في أوقات الصدامات والأزمات، وهو ما يؤكد على أنه لا يوجد في عالم السياسية أصدقاء إلى الأبد أو أعداء إلى الأبد.

المصدر : غير معروف