عراقي يتلقى العلاج إثر إصابته بالسرطان الناجم عن اليورانيوم المستنفد

*إعداد: أمين شحاته

اليورانيوم المستنفد أحد أسلحة الدمار الشامل التي لم تحظ على الأقل في عالمنا العربي بشهرة الأسلحة الكيمياوية والبيولوجية والنووية المعروفة. ولهذا السلاح قدرة تدميرية ليس على الجماد فقط ولكن على البيئة بكل ما فيها من إنسان ونبات وحيوان، وقد استخدمته الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي وكانت له نتائج كارثية، ويحاول هذا التقرير إلقاء بعض الضوء عليها.

اليورانيوم
اليورانيوم المستنفد هو أحد مشتقات اليورانيوم الطبيعي، ويعبأ به نوع من القنابل تطلق من المدافع أو تلقى من الطائرات المقاتلة، وله قدرة عالية على إذابة المواد الصلبة الخرسانية والمدرعة. وإذا استخدمت قذيفة اليورانيوم المستنفد ضد دبابة مثلا فإنها تمر فيها كما يمر السكين الحاد في قطعة من الزبد وتحولها إلى كتلة من اللهب وتطلق في الهواء أكسيد اليورانيوم الذي يسبب مشاكل صحية تسبب السرطان وأمراضا أخرى كثيرة.

وحين تصطدم قذيفة اليورانيوم المستنفد بالهدف تحترق ذاتيا إلى درجات حرارية بالغة الارتفاع، وفي ثنايا هذه الحرارة ينبعث اليورانيوم في جزيئات متناهية الصغر إلى تراب الغلاف الجوي، وفي تراب الغلاف الجوي يخبز اليورانيوم نفسه في عجينة الجزئيات الميكروسكوبية التي تعلق إلى الأبد بتراب الغلاف الجوي.

لقد استخدم اليورانيوم المستنفد في أنظمة الأسلحة الأميركية والبريطانية والروسية والإسرائيلية لما لا يقل عن 15 عاما وتم تصديره إلى أكثر من 20 دولة، لما يتمتع به هذا المعدن من كثافة عالية تعطيه طاقة حركية عالية بالنسبة لحجمه وخاصية الاشتعال، حيث إنه يشتعل بدرجة عالية وينصهر في الدروع مما يزيد من تأثيرات الاحتراق للذخيرة المصنوعة منه.

فضائح الاستخدام
بدأت فضيحة استخدام اليورانيوم المستنفد في المعارك التي قادتها الولايات المتحدة الأميركية في الخليج عام 1991 وفي البلقان في الأعوام 1994و1995 و1999، وأخيرا في أفغانستان عقب أحداث 11 سبتمبر/ أيلول 2001.

وقد بدأت هذه الفضيحة تأخذ أبعادا جديدة بعدما تصاعدت أعداد الجنود الأميركيين والبريطانيين والأوروبيين المصابين بأعراض الإشعاعات التي تتصاعد من اليورانيوم المستنفد. ويعتقد كثير من علماء الفيزياء والأطباء أن غبار أكسيد اليورانيوم الذي استنشقه أو ابتلعه الجنود خلال حرب الخليج الثانية هو السبب أو العامل المساعد في ما عرف بأعراض الخليج التي يشكو منها أكثر من 130.000 جندي أميركي وأوروبي من أصل 697.000 شاركوا في الحرب. فقد اشتكوا من مشاكل صحية تترواح بين مشاكل في الجهاز التنفسي إلى مشاكل صحية في الكبد والكلية وفقدان الذاكرة والصداع والتعب المستمر والحمى وانخفاض ضغط الدم.

في العراق


تلقى العراق خلال حرب الخليج الثانية نتيجة لقصفه بقذائف اليورانيوم المستنفد ما يعادل سبعة أضعاف القوة التدميرية التي تعرضت لها مدينتا هيروشيما وناغازاكي اليابانيتان بعد قصفهما بالقنابل النووية الأميركية في نهاية الحرب العالمية الثانية
لقد تلقى العراق حسب إحصاءات غربية أطلسية خلال حرب الخليج الثانية 940.000 قذيفة يورانيوم، وهو ما يساوي 350 طنا من اليورانيوم المستنفد هي فقط مخلفات القصف، و14000 قذيفة دبابات، وقصفت المنطقة بحوالي 50.000 صاروخ و88000 طن من القنابل، وهو ما يعادل سبعة أضعاف القوة التدميرية التي تعرضت لها مدينتا هيروشيما وناغازاكي اليابانيتان بعد قصفهما بالقنابل النووية الأميركية في نهاية الحرب العالمية الثانية.

التقارير الحكومية العراقية
أما في مستشفيات الولادة والأطفال في البصرة جنوبي العراق فقد تضاعفت حالات السرطان بين الأطفال بعد انتهاء الحرب لما يقارب خمس مرات عنها قبل الحرب.

وتشير التقارير الحكومية العراقية بزيادة قدرها ثلاث مرات في حالات فقدان الجنين قبل الولادة وذلك إذا كان الأب قد شارك في الحرب عنه في الذين لم يشاركوا.

وتقول وزارة الصحة العراقية إن حالات الإصابة بالسرطان ازدادت من 6555 عام 1989 إلى 10931 حالة عام 1991.

ومن ناحية ثانية دعا البروفيسور الألماني سيغ بارهورس غونتر، أول من اكتشف استخدام الأميركيين لهذا النوع من القذائف عام 1991، إلى عزل المنطقة العراقية والكويت والسعودية نتيجة للقصف باستخدام قذائف اليورانيوم المستنفد، وقال إن ما لا يقل عن نصف مليون شخص في المنطقة مصاب بالأمراض الناجمة عن هذه القذائف سواء علموا بذلك أم لم يعلموا.

وأضاف أن عزل المنطقة ضروري لإجراء تجارب على كل الأجسام الموجودة فيها لمعرفة الآثار التي خلفتها الحرب سواء على البشر أو الأرض أو المياه الجوفية أو النباتات وحتى الحيوانات.

تقرير معهد أبحاث الإشعاع البيولوجي
ويؤيد هذه التقارير العراقية ما أجراه معهد أبحاث الإشعاع البيولوجي التابع للقوات المسلحة الأميركية أن السم الكيمياوي في اليورانيوم المستنفد، وليس نشاطه الإشعاعي، قد يسبب ضررا بجهاز المناعة ومشاكل بالجهاز العصبي المركزي وربما يسهم في تطور أنواع معينة من السرطان.

كبير باحثي اليورانيوم المستنفد بالجيش الأميركي
وكان ديفد ماكلين كبير باحثي اليورانيوم المستنفد بالجيش الأميركي قد ذكر عام 1999 أمام لجنة رئاسية للتحقيق في أمراض حرب الخليج أن ثمة دليلا قويا يدعم دراسة تفصيلية عن الإصابة المحتملة بالسرطان الناتج عن استخدام يورانيوم مستنفد.

دراسة معهد لوفليس لأبحاث الجهاز التنفسي
وفي دراسة منفصلة بتمويل من الجيش الأميركي أجراها معهد لوفليس لأبحاث الجهاز التنفسي ثبت أن اليورانيوم المستنفد سبب سرطانا عند زراعته في حيوانات معملية. بينما حذر فليتشر هان، وهو عالم كبير بمعهد لوفليس من أن النتائج تنطبق على البشر، ووصف الدراسة بأنها علامة تحذير تقول إننا ينبغي ألا نتجاهل هذا الموضوع.

تقرير قيادة الأسلحة والذخيرة والأسلحة الكيمياوية الأميركية
وهناك دراسة للجيش الأميركي استبق بها الجدل الدائر حاليا حتى قبل الحرب على العراق. ففي يوليو/تموز 1990 توقع تقرير صادر عن قيادة الأسلحة والذخيرة والأسلحة الكيمياوية الأميركية أنه بعد القتال ربما تصبح حالة أرض المعركة والمخاطر الصحية طويلة المدى على المدنيين والمقاتلين القدامي قضايا لها اعتبارها في قبول الاستمرار في استخدام ذخيرة اليورانيوم المستنفد في التطبيقات العسكرية.

وأضاف التقرير أن اليورانيوم المستنفد يرتبط بالسرطان عندما يكون التعرض له من الداخل.

حلف شمال الأطلسي واستخدام اليورانيوم
كما أن الإدارات الأميركية المتعاقبة كانت المسؤول الأول عن استخدام حلف شمال الأطلسي لليورانيوم في البلقان، حيث اعترف البنتاغون بتفجير 18000 قذيفة يورانيوم على البوسنة وأكثر من 31000 قنبلة وقذيفة في كوسوفو. واعترفت الحكومة البريطانية في هذا الإطار باستخدام الحلف لليورانيوم المستنفد (وفقا لمقال نشرته صحيفة الغارديان في 27 فبراير/ شباط 2001).

المختبرات السويسرية
هذا وقد أعلنت المختبرات السويسرية في منتصف فبراير/ شباط من هذا العام وقبلها المختبرات الألمانية عن أنها تمكنت من العثور على آثار من عنصر الراديوم في مخلفات القصف الجوي والمدفعي الذي تعرضت له يوغسلافيا، أثناء تأديب الحلف الأطلسي للنظام الصربي بزعامة ميلوسوفيتش في حرب كوسوفو. وهذا يؤكد استخدام الحلف لقذائف تحتوي على اليورانيوم المستنفد، ولم ينف الأميركيون أو الأطلسيون أساسا أنهم استخدموا هذه القذائف.

مركز معلومات الدفاع
وتشير بعض التقارير الصادرة عن مركز معلومات الدفاع، وهو هيئة بحثية مستقلة من بعض الضباط الأميركيين المتقاعدين، أن قوة ضاربة بما لا يقل عن 500 طن من القنابل الذكية وقذائف كروز، حوالي 6000 قذيفة موجهة وقنبلة، المصنوعة من اليورانيوم المستنفد، استخدمت في الأسابيع الثلاثة الأولى في حرب أفغانستان.

آصف دراكوفيتش
وفي تقرير للدكتور آصف دراكوفيتش، أحد الخبراء البارزين في مجال الأبحاث النووية والرئيس السابق لمعهد أبحاث الأشعة التابع للبنتاغون -في لقاء معه في برنامج بلا حدود بقناة الجزيرة- جاء فيه أنه قام بتحليل 10 عينات من 67 عينة من التربة والماء والبول والدم من المدنيين الأفغان فوجد أنها احتوت على 200 إلى 400 ضعف من اليورانيوم مما وجد في العراق.

ويقول إنه خلال وجوده في أفغانستان كقائد للفريق الأميركي للأبحاث لاحظ قرى في موقع الاختبارات أصبحت أراضي لا تصلح على الإطلاق والأطفال مصابون أضعاف المرات بالنسبة لما تقوله المجلات، أما العراق فيختلف كثيرا عن أفغانستان، فهو بلد مسطح، لا تحيطه الجبال مثل أفغانستان، وحسب رأيه فإن الأسلحة التي استخدمت في حرب الخليج نشرت ذرات اليورانيوم إلى مسافات 50 أو 80 كيلومترا من موقع الانفجار. ولكنها يمكن أن تنتقل إلى مسافات أبعد من ذلك بكثير بفعل الرياح.

والأدلة العلمية تقول إنه في حرب البلقان عندما قُصفت صربيا، وكوسوفو انتقلت الأتربة الإشعاعية إلى اليونان والمجر بفعل الرياح، والمسافة كما نعلم بين اليونان وكوسوفو، والمجر وكوسوفو مئات الأميال. نحن نتحدث عن يوغسلافيا، وكوسوفو، وهي بلاد جبلية، ولكن الخليج والعراق بلاد مسطحة، وفي حال وجود رياح كبيرة، فمن المحتمل جداً أن تنتقل أتربة اليورانيوم إلى الرياض أو إلى البحرين وقد تصل إلى الدوحة، ولكن هذا يعتمد على سرعة الرياح وعلى كمية غبار اليورانيوم المستخدم.

تأثير اليورانيوم على البشر والبيئة
أما عن تأثير هذه الأسلحة على البشر والبيئة فيقول الدكتور آصف إنه عندما كان في كزاخستان في موقع اختبار اليورانيوم هناك وجد أطفالا برأسين وأطفالا بأربعة أرجل وآخرين دون أطراف، ووجد حيوانات من دون رؤوس ودون أبدان، ونفس الشيء قد يحدث لأجيال بعد عشرة أجيال من الآن، لأن المورثات ستحملها من جيل إلى آخر، وهذه كارثة على أي بلد يصاب بذرات هذا السلاح الخبيث.

ومن أعراض الإصابة بهذه الذرات والإشعاعات الناجمة عنها ما يتعلق بتغيرات في الجهاز التنفسي مثل السعال وضيق التنفس، وهناك أمراض في البول وفي الكلى وهناك أمراض تصيب الكبد وضعف المناعة في الجسم.

ويشير الدكتور آصف أنه إذا وجدت كميات اليورانيوم المستنفد أو غير المستنفد في المصابين فإن أعمارهم لن تزيد على سنة واحدة، لأن هناك عوامل كثيرة سوف تؤدي إلى وفاتهم، وهذا واضح من نسبة الوفيات في أفغانستان والعراق.


قدرت كمية اليورانيوم المستنفد الذي استخدم في حرب الخليج عام 1991 بما يقارب 100 ضعف الكمية المستخدمة بكوسوفو وأدت إلى انتشار وباء سرطان الأنسجة جنوبي العراق

تأثيره في مستخدميه
لم يفرق هذا السلاح بين الضحية والمعتدي فقد أثبتت بعض التقارير زيادة أعداد المصابين بين صفوف الجنود الأوروبيين الذين شاركوا في الحرب التي قادها حلف شمال الأطلسي في البلقان وأصيبوا بأمراض مزمنة أدت إلى وفاة العديد منهم لاحقا. إذ تم تسجيل 17 حالة سرطان الدم (اللوكيميا) بين الجنود الهولنديين، إضافة إلى حالتي وفاة، كان أحدهما قد خدم في البوسنة والآخر في كوسفو، كما توفي خمسة جنود بلجيكيين وبرتغالي واحد وسويسري.

أما في إيطاليا فقد أعلنت السلطات هناك عن وفاة سبعة من جنودها إثر إصابتهم بسرطان الدم وأعلنت وكالة رويترز للأنباء أن أربعة جنود فرنسيين أصيبوا بالمرض نفسه. وفي إسبانيا يعاني الآن ثمانية جنود من السرطان، وسجلت حالة وفاة واحدة بينهم.

قدرت كمية اليورانيوم المستنفد الذي استخدم في حرب الخليج عام 1991 بما يقارب 100 ضعف الكمية المستخدمة في كوسوفو وأدت إلى انتشار وباء سرطان الأنسجة جنوبي العراق.

وتشير تقارير إلى إطلاق الولايات المتحدة 10800 قذيفة في البوسنة خلال الحملة الجوية عام 1994 و1995. ونتيجة لذلك تضاعف معدل الإصابة بمرض سرطان الدم (اللوكيميا) إلى ثلاث مرات خلال السنوات الخمس الأخيرة.

أما في حرب كوسوفو التي استغرقت 78 يوما عام 1999، فقد أطلقت الولايات المتحدة 31000 قذيفة مصنوعة من اليورانيوم المستنفد على المدرعات والدبابات اليوغسلافية، أي ما يقارب 10 أطنان من اليورانيوم المستنفد وحوالي 3% مما استخدم في العراق. وبدأت أعراض البلقان تجتاح أوروبا بعد اكتشاف حالات سرطانية بالقرب من مناطق القصف.

إسرائيل واليورانيوم
ويؤكد تقرير صادر عن معهد سياسة البيئة التابع للجيش الأميركي عام 1995 أن إسرائيل هي إحدى الدول التي يوجد في ترسانتها يورانيوم مستنفد. وباعتبار برنامجها النووي وصناعتها الحربية المتقدمة، يشير تقرير آخر أعده مركز العمل الدولي International Action Center أن هناك احتمالا كبيرا بأن إسرائيل تقوم بتصنيع ذخيرة اليورانيوم المستنفد وأنها استخدمتها في قمع الانتفاضة في الأراضي الفلسطينية وتدمير أهداف فلسطينية.

كما تشير تقارير أخرى إلى استخدام إسرائيل لقذائف اليورانيوم المستنفد ضد المصريين في حرب أكتوبر/ تشرين الأول 1973. كذلك يتهم اللبنانيون الإسرائيليين باستخدام هذه القذائف ضدهم. وحتى إن لم تكن إسرائيل قد استخدمت هذا السلاح، فإنها تستورد أسلحة اليورانيوم المستنفد من الولايات المتحدة. وهذه الأسلحة تشمل الدبابات أبرامز إم 1 التي تطلق قذائف اليورانيوم المستنفد، كما أن طائرات أباتشي وكوبرا العمودية التي تستخدمها القوات المسلحة الإسرائيلية مجهزة لإطلاق قذائف اليورانيوم المستنفد.

إن الأثر التدميري الشامل لليورانيوم المستنفد على حياة البشر والبشرية وكل معاني الحياة والأحياء من حيوان ونبات يأتي مما فيه من بقايا إشعاع الأمر الذي يجعل كل ذي ضمير حي يتحرك لتنظيف البيئة من آثار هذا السلاح الفتاك.
_______________
* قسم البحوث والدراسات
المصادر:
1- http://www.araburnium.com
2- سري للغاية: عاصفة اليورانيوم
3- بلا حدود: الآثار المدمرة لليورانيوم المنضب

المصدر : غير معروف