الحزب الإسلامي العراقي من أكبر تيارات المعارضة السنية وأقدمها حيث مر على تأسيسه ما يزيد عن 42 عاما، يرفض نظام حكم الرئيس صدام حسين ويسعي إلى تغييره ولكن ليس على الطريقة الأميركية ويدعو إلى وصفة جديدة.. فما رؤيته لمدى نجاح أو فشل المحاولات الأميركية عسكريا وسياسيا ولماذا يرفض مشاركتها وكيف ينظر إلى دوره في دعوات التغيير التي تتردد بقوة الآن؟

هذه الأسئلة وغيرها يجيب عليها الأمين العام للحزب إياد السامرائي في الحوار التالي:

*أعد الحوار: محمد عبد العاطي

في البداية لماذا تعارضون نظام حكم الرئيس العراقي صدام حسين؟

لقد مرت بنا ظروف عانينا فيها من محاولات لتهميش دورنا، ولكن الجميع مدرك الآن مدى الخطأ الذي وقع فيه تجاهلنا، سواء على مستوى التقييم أو على مستوى الفعل والممارسة نحن نرفض هذا النظام ونعارضه، لأنه استهدف تيار العاملين للإسلام بمختلف توجهاتهم منذ اليوم الأول لاستلامه السلطة، فلم تنقطع الاعتقالات والتصفيات الجسدية وقد أصاب الحزب الإسلامي من ذلك ما أصاب الآخرين، ويقف الحزب موقف الرفض لهذا النظام، ويعمل من أجل قيام وضع دستوري تعددي ديمقراطي سليم يعطي المجال للشعب في حرية اختيار منهاج حياته والنظام الذي يخضع له وتتنافس القوى السياسية والفكرية بمختلف تياراتها تنافسا حرا في إطاره.

هل نفهم من موقفكم هذا رضاكم عن المحاولات الأميركية الهادفة إلى تغيير هذا النظام بالقوة؟

لا.. فرغم موقف حزبنا الرافض لنظام حكم صدام باعتباره نظاماً استبداديا وشموليا ودعوتنا إلى تغييره إلا أنه من جانب آخر يقف موقف الرفض والاعتراض على المحاولات الأميركية وينطلق في موقفنا هذا من جملة اعتبارات:

  1. أن عملية التغيير ينبغي أن تكون عراقية بحتة، ويجب أن تتم عبر توافق وجهد عراقي من غير تأثير خارجي، وأن الدور الخارجي يجب ألا يتجاوز الدعم والإسناد السياسي والمعنوي.
  2. أن التغيير الأميركي إنما هو لتحقيق المصالح الأميركية وليس من أجل العراق أو شعبه.
  3. إذا تم التغيير من خلال غزو أميركي للعراق فإن ذلك سيترتب عليه فرض التصور الأميركي لطبيعة النظام القادم وأسسه الفكرية وعلاقاته الخارجية ومن ذلك ما قد يتعارض كثيرا مع تطلعات العراقيين وتوجهاتهم.
  4. أن التغيير الأميركي سيتم من خلال الاستعمال الكثيف للقوة. مما سيلحق أضرارا بشرية ومادية كبيرة جدا بالشعب وبالبنية التحتية، كما أن احتمال استعمال الأميركان لقذائف اليورانيوم المنضب كما فعلوا عام 1991 أو استعمال السلاح الكيمياوي سواء من قبل العراق أو أميركا سيؤدي إلى أضرار بالغة لن ينجو منها أي فرد عراقي وأدنى التقديرات تحدد الخسائر البشرية بعشرات الآلاف. وسوف يضاعف الأذى ما تردد عن أن النظام سوف يعمد إلى نشر قواته بين المدنيين وجعل المنشآت المدنية غطاء لعمله.
  5. أن التغيير من خلال غزو خارجي يفتقد الشرعية القانونية ويمثل انتهاكا للقوانين والأعراف الدولية وهو سابقة خطيرة في العلاقات الدولية.

نفهم من كلامكم أنكم لن تكونوا جزء من قوات المعارضة التي تحاول الولايات المتحدة تجنيدها للمشاركة في بعض العمليات العسكرية القادمة.. فما البديل الذي بوسعكم القيام به إذا بدأت الضربات المتوقعة؟

نعم نحن لن نكون جزءا من عمل أميركي عسكري، وبديل ذلك عندنا هو تجاوب القوى العراقية لما طرحناه خلال السنوات الماضية لإقامة مشروع وطني عراقي للمستقبل يقوم على أساس تغيير النظام الحالي بجهد عراقي خالص يراعي مصالح العراق والعراقيين في المقام الأول وبعيدا عن الروح الفئوية الضيقة أو الارتهان لمصالح قوى خارجية، وكنا نرى أن هذا الطريق رغم أنه يبدو طويلا فهو الأصوب والجدير بالاعتماد.

وإن ما يمكن أن نقدمه من مساعدات يرتبط أساسا بطبيعة المشروع الذي نعمل مع غيرنا من القوى العراقية لتحقيقه ونعتقد أن ما نتمتع به من رصيد داخل العراق يؤهلنا لأداء دور كبير.


احتمال استعمال الأميركان لقذائف اليورانيوم المنضب كما فعلوا عام 1991 أو استعمال السلاح الكيمياوي سواء من قبل العراق أو أميركا سيؤدي إلى أضرار بالغة لن ينجو منها أي فرد عراقي وأدنى التقديرات تحدد الخسائر البشرية بعشرات الآلاف
ما تقديركم لمدى نجاح أو فشل المحاولات الأميركية لتغيير النظام العراقي؟

من الصعب التكهن بمدى فشل أو نجاح المحاولات الأميركية لأن الخطة الأميركية سواء خلال عملية التغيير أو بعده غير واضحة وغامضة وليس معروفا المدى الذي ستصل إليه. والتصريحات الأميركية فيها قدر من التناقض وقدر آخر من الخطورة في ما يتعلق بما سوف يقومون به ولو أخذنا كل التصريحات باعتبارها حقائق فإن ذلك يشير إلى مشاكل كبيرة سوف يتعرض لها العراق في ما بعد عملية التغيير.

إن أميركا وبفعل تفوقها العسكري الهائل تستطيع أن تحسم المعركة العسكرية، لا شك عندنا في ذلك، ولكن ما تستطيع تحقيقه على مستوى الترتيبات السياسية فذلك موضع الشك. الشارع العراقي والقوى العراقية ستكون لها كلمتها بناء على ما يتضح من خطط ونوايا.

هناك قطاع لا بأس به من الشارع العراقي ينظر إلى ما ستقوم به الولايات المتحدة من عمليات عسكرية باعتبارها أمرا واقعا لا يمكن دفعه، ولكن الشارع العراقي كله في تقديري سوف يتحرك ليفرض إرادته السياسية النابعة من إدراكه لمصالحه الوطنية وقناعاته الفكرية، ولا ينبغي أن تغفل الولايات المتحدة عن هذه الحقيقة.

كيف تقرؤون موقفكم السياسي في حال نجاح أو فشل تلك المحاولات؟

موقفنا السياسي يستند في المقام الأول إلى رصيدنا داخل شعبنا، ولا نظن أن هذا الموقع سيتأثر بما سيترتب على العملية الأميركية، والظروف الصعبة في العراق تجعل قطاعات مهمة داخله عاجزة عن أن يكون لها دور واضح في المرحلة الحالية، ولكن الأمر سيختلف بعد التغيير، إذ إن أي وضع جديد لا بد أن يتعامل مع القوى الحقيقية القائمة داخل المجتمع العراقي، التي نرى أننا نتمتع بثقل كبير فيها.

لقد مرت بنا ظروف عانينا فيها من محاولات لتهميش دورنا، ولكن الجميع مدرك الآن مدى الخطأ الذي وقع فيه تجاهلنا، سواء على مستوى التقييم أو على مستوى الفعل والممارسة.

نحن حريصون على أن نقيم وضعا متوازنا في العراق، لا يشعر فيه أي طرف بالغبن، ونريد لغيرنا ما نريد لأنفسنا، ونعتقد أن هذه السياسة التي نعتمدها والمبنية على قناعات كاملة سيكون لها أثر كبير في تعزيز دورنا داخل العراق، وضمن تركيبة القوى السياسية الفاعلة.

هل تعتقد ومن خلال معرفتكم بنبض الشارع العراقي أن البلاد ستشهد في حال الغزو الأميركي مقاومة شعبية كبيرة؟

في الحقيقة ما يمكن قوله هنا هو أن الفرد العراقي يتنازعه الآن عاملان:
الأول: الكره للنظام القائم والرغبة في زواله.
الثاني: الشعور الوطني والتطلع إلى حرية إرادته وازدهار حاضره ومستقبله.

وهو يدرك أن الخيارات المطروحة أمامه كلها مرة، وبالتالي فإن تفاعله مع ما سيحصل سيعتمد إلى حد كبير على طبيعة التطورات وسير العمليات العسكرية، وما سيصحب ذلك من خطاب ودعاية، وستكون تلك عوامل مهمة في تحديد الكيفية التي سيتعامل بها الفرد العراقي.

ولكن من الضروري الإشارة إلى قضية مهمة، على افتراض أن الولايات المتحدة نجحت في عملها وأزالت النظام الحاكم الآن، فإن الشعب سوف يطالب بسرعة رحيل الأميركان عن أراضيه، وسيطالب أميركا بأن تترك للعراقيين إدارة أمورهم، وستكون تلك المطالبة أسرع، إذا سبقها توافق عراقي على ترتيبات المستقبل، ولن نستغرب إذا ما قرر الأميركان تمديد وجودهم في العراق إلى حصول مقاومة شعبية واسعة للوجود الأميركي، ربما أسرع مما يتوقعه الأميركان.

فالشعب العراقي يتمتع بإرث نضالي طويل ثري، وبريطانيا التي احتلت بغداد عام 1917 اضطرت للانسحاب بعد أربع سنوات، وسلمت الحكم للعراقيين. العراق لم يشهد حكما أجنبيا مباشرا لفترة طويلة.

وماذا عن الجيش العراقي هل تتوقع أن يستميت في الدفاع عن النظام؟

الجيش العراقي جيش محترف، لكنه فقد الكثير من قدرته العسكرية وروحه المعنوية، خلال السنوات العشر الماضية، غير أنه من ناحية أخرى يتمتع بروح وطنية ويستشعر دوره في حماية العراق.

على مستوى التوازن العسكري، لا وجه للمقارنة بينه وبين القوات الأميركية، ولكن الكيفية التي سوف يتصرف بها الجيش سوف تعتمد إلى حد بعيد على طبيعة العمليات العسكرية الأميركية، والخطط التي ستعتمدها. ولا نحب التوسع في الافتراضات.

ألا تخشى من اندلاع حرب أهلية إذا غاب عن العراق نظامه القوي؟

لم يشهد العراق في تاريخه حروبا أهلية، وأما ما حصل من نزاعات مسلحة داخلية فهي كانت بين أنظمة متسلطة وقطاعات من الشعب، كما حصل مع الأكراد على مدى عدة سنوات، وكانت إحدى مطالب الأكراد الديمقراطية، لقناعتهم بأنه في ظل حكم ديمقراطي فلن تكون هناك نزاعات مسلحة. وأن عموم العراقيين متفهمون لمطالبهم.

يرى البعض في الانتفاضة التي حدثت عام 1991 مؤشرا على احتمال قيام حرب أهلية، ولكن لا ننسى أن تلك الانتفاضة كانت ضد النظام، وليست حربا بين العراقيين، ولولا جملة من الأخطاء التي وقع بها المنتفضون وغياب التنسيق المسبق بين الأطراف العراقية، ولكون الانتفاضة حصلت كحدث عفوي أكثر من كونها فعلا مخططا، وجملة عوامل أخرى لكان من الممكن أن تكون ذات طابع شمولي جماهيري وعسكري، ولأدت إلى تغيير في نظام الحكم.

وأعتقد أن العراقيين أصبحوا أكثر تجربة، وتعلموا من أخطائهم وأدركوا أهمية التوافق الوطني قبل الإقدام على أي عمل كبير.

إن حدة التوترات التي صنعها النظام داخل المجتمع العراقي تدفع البعض إلى تصور احتمالات الحرب الأهلية، ونحن لا نغفل وجود قوى تدفع في هذا الأتجاه، ولكن نقدر أن التيار الغالب وسط العراقيين هو التيار المتعقل والمدرك لأهمية التفاهم.


إذا تم التغيير من خلال غزو أميركي للعراق فإن ذلك سيترتب عليه فرض التصور الأميركي لطبيعة النظام القادم وأسسه الفكرية وعلاقاته الخارجية ومن ذلك ما قد يتعارض كثيرا مع تطلعات العراقيين وتوجهاتهم
برأيكم ما شكل وطبيعة نظام الحكم القادم؟

نحن ندرك أن هناك مجموعة عوامل بدأت تفرض نفسها على الواقع العراقي، بينها قدر من التفاهم وكثير من التعارض، هذه العوامل يمكن تلخيصها بأمور:

  1. جهد أميركي لإقامة نظام حكم موال لهم، علماني في توجهاته وقناعاته، وسيكون الغزو الأميركي عنصرا ضاغطا في هذا الأتجاه.
  2. تيارات إسلامية قوية تستند إلى قاعدة جماهيرية واسعة، تريد أن ترى للإسلام موقعا مهما في شؤون الحكم على مستوى التشريع والممارسة.
  3. مطالبات قومية متعددة للأكراد والتركمان والآشوريين، بعضها موضع اتفاق بين العراقيين وبعضها الآخر لازال موضع جدل.
  4. ضرورة إقامة توازن داخل نظام الحكم بين المكونات العراقية.
  5. الدور التقليدي الذي تمتع به الجيش داخل منظومة السلطة.

كل هذه العوامل سيكون لها تأثيرها في طبيعة نظام الحكم، وأجد أن عوامل النجاح ستعتمد على كم يمكن التوفيق بين هذه العوامل ودرجة النظر الواقعي للأمور.

نحن نقدر أهمية أن يكون هناك استقرار وفرصة حقيقية للشعب للتعبير عن توجهاته، وأن يكون هناك حرص على التوافق الوطني، كطريقة وحيدة للحد من الطموحات الخارجية في التأثير على سياسات العراق.

لذلك من الضروري أن تكون هناك فترة انتقالية تمتد إلى سنتين، وسعي جاد لإقامة أوضاع دستورية وقانونية سليمة، تسمح بإجراء انتخابات حرة، وتمثيل حقيقي لجميع مكونات المجتمع العراقي.

نحن لا نستبعد أن تقوم الولايات المتحدة أو غيرها وبسوء تقدير منها، للواقع العراقي إلى محاولات لفرض تصورات مسبقة، وهذا إن وقع يمكن أن يؤدي إلى مشاكل داخلية كثيرة.

مدى قدرة النظام البديل على إدارة شؤون العراق والمحافظة على ثرواته ووحده أراضيه؟

يتمتع العراق بميزات..

  • طبقة مثقفة وتكنوقراطية جيدة.
  • شريحة واسعة هاجرت إلى الخارج ومستعدة للمساهمة في إعمار البلد، وقد اكتسبت خبرات جيدة.
  • ثروة نفطية تؤمن مصادر مالية جيدة.
  • إمكانات نمو اقتصادي.

كل هذه الميزات ستكون عناصر مساعدة في نجاح النظام القادم، في إدارة البلد وبشكل أفضل من النظام السابق. والقضية تكمن في الجانب السياسي وكم يستطيع النظام الجديد الالتزام بقاعدة التوافق الوطني.
______________
قسم البحوث والدراسات -الجزيرة نت

المصدر : غير معروف