محمد عبد العاطي

تيسير علوني
قد يعيش المرء زمنا طويلا وهو لا يدري أن حياته الشخصية يمكن أن تتغير بين طرفة عين وانتباهتها رأسا على عقب بسبب حدث على المسرح الدولي، وهذا ما حدث مع تيسير علوني مراسل قناة الجزيرة السابق في أفغانستان والعراق.

فبعد اصطدام الطائرتين المدنيتين ببرجي مركز التجارة العالمي في نيويورك عام 2001 وقرار الولايات المتحدة شن الحرب على أفغانستان انتقاما من تنظيم القاعدة وزعيمه أسامة بن لادن وحكومة طالبان التي رفضت تسليمه قبل تقديم أدلة تثبت ضلوعه في ما حدث، تغيرت حياة تيسير علوني بصورة تامة.

فقد أصبح هذا الصحفي الذي كان يعمل مترجما في القسم العربي لوكالة الأنباء الإسبانية هو الصحفي الوحيد المتواجد في كابل ينقل بصوته ومن خلال كاميرا الجزيرة للعالم فظائع الآلة العسكرية الأميركية وهي تدك بلدا يصنف على أنه الأفقر بين دول العالم، بحجة تفكيك خلايا القاعدة.

ولا تزال صور القتلى المدنيين في قرى أفغانستان المعدمة وأحياء كابل البئيسة ولا سيما حي مكروريان ماثلة في ذاكرة المشاهدين، وهي كلها صور انفرد بنقلها تيسير علوني، ما ساهم في إثارة الرأي العالم العالمي ضد الولايات المتحدة وما تفعله في أفغانستان.

آثار قنبلة أميركية على مكتب قناة الجزيرة الفضائية بكابل (أرشيف)
ولم تكن الصور والتقارير التي كان يرسلها تيسير علوني من أفغانستان أقل إثارة مما حدث له بعد ذلك، فقد قصفت الطائرات الأميركية مكتب قناة الجزيرة في كابل، وكان في حكم المؤكد أن يلقى علوني حتفه في تلك الغارة حيث كان يتخذ من هذا المكتب مقرا لعمله ومكانا لإقامته، ولكنه نجا.

وتصل الإثارة في حياة علوني المهنية بين جبال أفغانستان وطرقها الوعرة إلى قمتها وذلك في فصل درامي من فصول الحياة المتقلبة، ففي ساعات قررت حركة طالبان مغادرة كابل والفرار إلى أماكن يصعب على الطائرات الأميركية اصطيادهم فيها. وهنا كانت حياة علوني على وشك النهاية إذا قدر أن يقع في أيدي قوات تحالف الشمال المدعومة أميركيا. فقرر هو الآخر الفرار من كابل إلى ولاية بكتيا على الحدود الباكستانية.

وكانت قصة هربه وما رآه من مآسي الحرب على طول الطريق قصة مثيرة، يقول علوني "الحقيقة تجربتي الأخيرة كانت مريرة، منذ ثلاث ليال رأيت أشياء لا أحلم برؤيتها... الذي رأيته يفوق الوصف، لا أريد الحديث عما حدث، أنا مصاب بصدمة نفسية من كل ما رأيته في الليالي الثلاث، حياتي في خطر كبير جدا".

في الدوحة
عاد تيسير إلى الدوحة محملا بذكريات مختلطة من الألم والرضا، ألم لما رآه من أضرار لحقت بالمدنيين الأفغان ولحرية الصحافة التي تعرضت لطعنة على يد القوات الأميركية تركت ما يدل عليها أطلالا وبقايا من مكتب القناة في كابل. ورضا لما حققه على المستوى المهني من تميز في تغطيته للحرب جعلته محط أنظار العالم. وقد يكون هذا الشعور وما لقيه من حب زملائه وتقديرهم له هو ما خفف عليه آلام العملية الجراحية التي أجراها في الدوحة عقب عودته.

إلى العراق
ويبدو أنه كما للألم مرارة فإن له حلاوة لا يستطيع الصحفي المحب لمهنته أن يقاومها. فما إن أهلَّ الأسبوع الثاني من الحرب الأميركية على العراق حتى قرر تيسير علوني أن يستجيب لنداء الصحفي في أعماقه رغم معاناته الصحية، فتحرك صوب بغداد رغم خطورة الطريق إليها. وهناك كان على موعد آخر مع القدر. فنجا من الموت بعد أن ضاقت القوات الأميركية ذرعا بقناة الجزيرة وفريقها في العراق وقررت إسكات هذا الصوت قبل دخولها بغداد، وراح ضحية هذه العملية زميل آخر له هو الشهيد طارق أيوب. وكان تيسير أحد الذين حملوا جثة هذا الزميل.

وراء القضبان
ظن علوني أن جواز سفره الإسباني قد يجنبه المضايقات ويعزز تنقلاته، لكن يبدو أنه بعد أحداث سبتمبر/ أيلول لم تعد مثل هذه الوثائق تجدي نفعا، فقررت السلطات الإسبانية اعتقاله بذريعة "إساءة استغلال السلطة التي تمنحه إياها صفته الصحافية لإجراء مقابلة مع أسامة بن لادن، وزعيم تنظيم القاعدة، في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2001، والتي دعا فيها إلى الجهاد." كما جاء في عريضة الاتهام التي ترجمت بعضها زوجته في لقائها مع الجزيرة.

لم يكن اعتقال علوني ترويعا لزوجته ولأبنائه الأربعة فحسب، بل كان محاولة لترويع مراسلي قناة اشتهرت بأنها الأكثر دفعا لضريبة حرية الكلمة، وهي ضريبة باتت تدفعها من دم أبنائها وحريتهم الشخصية.
____________
الجزيرة نت

المصدر : غير معروف