* قلم لواء أ.ح / صلاح الدين سليم محمد

يتناول اللواء صلاح الدين سليم العلاقات العراقية الأمريكية من جانبها العسكري مشيرا في البداية إلى أن العلاقات بين الدولتين يحكمها عنصر جوهري وهو البترول (مصدر الطاقة الأساسي) الذي يعتبر العراق أحد أهم الدول المنتجة له عالميا. كما أن البعد الاستراتيجي للعراق يجعل من هذه الدولة منطقة اهتمام أمريكي. ويركز اللواء سليم في دراسته على نقاط هي:

الاختراق الأمريكي في الثمانينيات
مهمة دونالد رامسفيلد
حسم الحرب العراقية الإيرانية
علاقات ما بين حربي الخليج

يدير الرئيس جورج بوش الابن حملة ممتدة واسعة النطاق تخدم الهيمنة الأمريكية شبه المطلقة في مناطق المصالح الحيوية للولايات المتحدة بالدرجة الأولى قبل محاربة الإرهاب أو وقف انتشار أسلحة الدمار الشامل أو إسقاط بعض نظم الحكم الديكتاتورية في بعض دولها، وفي مقدمتها إقليم الشرق الأوسط الكبير بوجه عام والمنطقة العربية بصفة خاصة. وهذه النزعة الإمبريالية الأمريكية الجديدة أصبحت تمس صميم مصالح الأمن القومي العربي، وبخاصة في ضوء التقديرات المتنوعة التي تشير إلى خريطة جديدة للشرق الأوسط وضعتها واشنطن وتهدف من خلالها إلى احتلال العراق، وتوطيد الحماية الأمريكية في بعض دول الخليج العربية، وتسوية القضية الفلسطينية وفق المخطط الصهيوني لتهويد القدس ومعظم أراضي الضفة الغربية لنهر الأردن وأجزاء من قطاع غزة في السنوات الست القادمة. بذلك فإن نقطة البداية في الخطة الأمريكية الحالية هي العراق الذي حرصت الولايات المتحدة منذ عقد الخمسينيات في القرن الماضي على استقطابه إلى التحالفات الغربية بدءا من حلف بغداد في أبريل سنة 1955 ثم الحلف المركزي أو الإسلامي الذي استخدم شاه إيران في الترويج له في أواخر ذلك العقد من السنين إلى جانب الأسلوب الأمريكي الذي طبق منذ ستينيات القرن العشرين، وهو الجمع بين الاتفاقيات الثنائية السياسية والعسكرية والتعاهدات الجماعية مع الدول المحورية في الشرق الأدنى وفي سواحل المحيط الهندي. وارتبطت التوجهات الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط بموارد الطاقة منذ عام 1975، فحتى ذلك التاريخ لم تكن مصادر بترول الشرق الأوسط تمثل أهمية حيوية لواشنطن كما كان الحال بالنسبة لأغلب دول غرب أوروبا مثل إيطاليا واليونان وألمانيا، ففي عام 1973 لم تتعد الواردات الأمريكية من بترول المنطقة 7 % من إجمالي استهلاك الطاقة في الولايات المتحدة، ثم قفزت إلى نسبة 34 % في عام 1975. وبغير جدال فقد أصبحت درجة اعتماد الولايات المتحدة المتزايدة على الموارد الأولية والأسواق والتجارة الخارجية منذ ذلك التاريخ تمثل نقطة ضعف في عوامل القوة الشاملة الأمريكية وتجعلها شديدة الاستجابة والانتهازية بصورة مستمرة للتهديدات الفعلية والافتراضية لمصالح الولايات المتحدة في المنطقة العربية، وأصبح تأمين الممرات البحرية فيها مصلحة أمنية أمريكية ذات أسبقية متقدمة، وغدت السيطرة الغربية على خطوط المواصلات في كل من البحر المتوسط والمحيط الهندي جزءا أساسيا من الاستراتيجية البحرية الأمريكية المرتبطة بسياسة الاحتواء الأمريكية، وفكر السيطرة على الدول المحورية العربية أو بناء علاقات التحالف معها. لذلك اهتمت واشنطن في السبعينيات بالضغط على مصر لبناء علاقات خاصة معها ترقى إلى مستوى التعاون الاستراتيجي، وأعطت أهمية فائقة لشبه الجزيرة العربية، المعبر بين إفريقيا وآسيا، والتي تحتوي معظم ثروات الشرق الأدنى والأوسط البترولية، ولبناء علاقات تعاون شامل معها وتحالف عسكري وطيد تمهيدا للتحرك شرقا نحو إيران وأفغانستان، ودول بحر قزوين، ثم آسيا الوسطى كلها والقوقاز الجنوبي.

الاختراق الأمريكي في الثمانينيات


تزايدت أهمية منطقة الخليج العربية بما فيها العراق بوصفها مصدرا رئيسيا للطاقة بالنسبة لأمريكا غداة حرب أكتوبر 1973 وما صاحبها من أزمات نفطية

غداة حرب أكتوبر 1973، والأزمات البترولية التي صاحبتها وتلتها، تزايدت أهمية دول الخليج العربية كمصدر رئيسي للطاقة بالنسبة للغرب بوجه عام، وللولايات المتحدة بصفة خاصة، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية التي يصل احتياطيها المؤكد من البترول إلى 260 مليار برميل حاليا ثم العراق الذي يقدر احتياطيه المرجح بنهاية عام 2002 بنحو 150 – 160 مليار برميل من البترول وزهاء 3100-3200 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي. ويمتاز العراق بثرواته الزراعية والمائية حيث تصل المساحة القابلة للزراعة إلى 12 % من أراضيه، كما بدأ تحوله الصناعي وتوطين التكنولوجيا المتقدمة في ربوعه مع بداية عقد ثمانينيات القرن الماضي. وقد رأت المخابرات المركزية والخارجية الأمريكية معاً أن طموحات النظام الديكتاتوري بقيادة صدام حسين، الذي تولى الحكم في بغداد عام 1979، تهيئ مناخا مناسبا لتعزيز الاختراق الأمريكي للمنطقة العربية عامة ولخليج العرب بصفة خاصة، وأن مد جسور التعاون السياسي والاقتصادي والعسكري بين واشنطن وبغداد متاح حتى لو بدا أن حكومة العراق تجاهر برفض التعاون المصري الأمريكي لأسباب قطرية محضة أو بدعوى معارضة التسويات السياسية على مسارات الصراع العربي الإسرائيلي.
وبنجاح الثورة الإسلامية في إيران، انتهزت الولايات المتحدة الفرصة لإشعال صراع مسلح ممتد بين النظام العلماني العراقي بقيادة صدام حسين والنظام الإسلامي الإيراني، ومحاولة ربطه بالصراع التاريخي القديم بين العرب والفرس الذي بدأ عام 606 قبل الميلاد، وتجدد في القرن السادس عشر الميلادي بين الإمبراطورية الفارسية والدولة العثمانية، وفي القرن التاسع عشر، ثم نشأ في العصر الحديث بسبب مشاكل الحدود في شط العرب والسليمانية، وبعض الخلافات المذهبية بين السنة والشيعة، ورغبة كل من طهران وبغداد في بسط نفوذها على منطقة الخليج العربي ذات الأهمية الجيوبوليتيكية الفائقة بعد الانسحاب البريطاني منها عام 1971 وبدء التغلغل الأمريكي فيها.
ونذكر هنا تواطؤ بريطانيا وصمت الولايات المتحدة إزاء استيلاء إيران عام 1971 على ثلاث جزر في مدخل الخليج العربي هي طنب الصغرى وطنب الكبرى وأبو موسى، ونجاحها في توقيع اتفاقية مع سلطنة عمان خولت لها السيطرة على مدخل الخليج مقابل إرسال قوات إيرانية لقمع ثورة ظفار. ولم يؤد توقيع اتفاقية الجزائر عام 1975 إلى وقف اشتباكات الحدود بين إيران والعراق التي بدأت عام 1972، مع أنها اعتبرت خط منتصف النهر في شط العرب هو خط الحدود بين الدولتين. ولما نجحت ثورة الإمام الخميني وسقط شاه إيران عام 1979، ظن الرئيس العراقي صدام حسين أن الفرصة سانحة للهيمنة الإقليمية على الخليج، واعتقد أن القوة العسكرية الإيرانية قد اهتزت وضعفت وفقدت أبرز قياداتها بعد الثورة، وقرر تحسين علاقاته بدول الخليج العربية وبخاصة السعودية، وبعض دول المشرق العربي الأخرى وفي مقدمتها الأردن، واتجه للغرب يطلب دعمه في إطار التحضير للحرب. وتوافقت مصالح النظام العراقي والولايات المتحدة في مواجهة المد الثوري الخميني ومنعه من تهديد المصالح الأمريكية والعراقية في منطقة الخليج. وبعد إعلان صدام حسين الحرب ضد إيران في سبتمبر 1980 واحتدام معاركها بادر الرئيس الأمريكي رونالد ريغان برفع اسم العراق من قائمة الدول الراعية للإرهاب عام 1982 أي بعد أقل من ثلاثة أعوام من إدراجه فيها لاتهامه بدعم ومساندة بعض جماعات المقاومة الفلسطينية، وبدأت صور عدة للتعاون الاستراتيجي العسكري بين واشنطن وبغداد، وشملت إرسال المعلومات السياسية والعسكرية عبر قنوات المخابرات عن إيران، ومبيعات الأسلحة والمعدات والذخائر الغربية للعراق، وبعضها من طرازات حديثة نسبيا، ثم تشجيع الخبراء الفرنسيين والألمان على مساعدة القيادات العراقية العسكرية في مجالات التخطيط والتدريب والإنتاج الحربي والصيانة والتسليح إلى جانب الخبراء السوفييت والباكستانيين والمصريين. كذلك توقفت الولايات المتحدة عن إمداد إيران بقطع الغيار والذخائر للأسلحة الأمريكية الكثيرة التي كان قد اشتراها شاه إيران لنحو عقدين من السنين قبل الثورة، الأمر الذي انعكس على القوات الجوية بالسلب (وبخاصة طائرات F-14، F-4) وكذا البحرية الإيرانية. ونشير هنا إلى أن إيران قد استوردت من الغرب أسلحة ومعدات بما قيمته 8.7 مليار دولار بين عامي 1974، 1978، ومن بينها معدات وأسلحة أمريكية متطورة قيمتها 6.7 مليار دولار. وخلال عامي 1980، 1981 حصل العراق على حوالي نصف احتياجاته من الأسلحة والمعدات من خارج الكتلة السوفيتية وحوالي ثلثها من غرب أوروبا. وفي عام 1982 استورد العراق أسلحة ومعدات بنحو 4.3 مليار دولار مقابل 1.5 مليار دولار لإيران في نفس العام. وأدى قضاء الإمام الخميني على حزب توده الشيوعي إلى إنهاء علاقات التسليح مع الاتحاد السوفيتي، وكان ذلك في صالح العراق الذي امتلك خيارات تنوع مصادر التسليح.

مهمة دونالد رامسفيلد


خلال حرب الخليج الأولى كانت واشنطن ترى في استخدام العراق للغازات الحربية نقطة تفوق تكتيكي مقبولة في إدارة معارك الحرب

في مارس عام 1982 بدأ تراجع القوات العراقية بعد عام ونصف عام بين استمرار معاركها الهجومية في عمق الأراضي الإيرانية، ونجحت قوات الخميني في فصل قوات صدام حسين في شمال وجنوب كردستان العراقية. وتنبه الأمريكيون لخطر الثورة الإيرانية التي تنادي بفكرة الجامعة الإسلامية بديلا للجامعة العربية، وتسعى إلي تصدير ثورتها إلى دول الخليج العربية ودول آسيا الوسطى الإسلامية، ومن ثم شجعت واشنطن الروس في ربيع ذلك العام على عقد صفقة سلاح كبرى مع العراق شملت الدبابات ت – 55، ت – 62 والمدفعية الصاروخية ب م – 21 وطائرات الهليوكبتر ي – 24. واعتبارا من سبتمبر 1982 بدا الاتحاد السوفييتي بإمداد العراق بأسلحة أكثر تطورا مثل الدبابة ت – 72 والطائرة ميج – 25 وصواريخ الدفاع الجوي. وكان في نفس المستوى من الأهمية العسكرية استيراد العراق للطائرات الفرنسية ميراج ف-1 عام 1982، وقد زودت بالصاروخ جو / جو ماجيك – 1، وبمعدات إلكترونية تحقق دقة الإصابة بالتسليح جو / أرض. وحصل الطيران العراقي على صواريخ اكسوزيت جو / سطح يمكن إطلاقها من الطائرات الميراج والهليوكبترات سوبرفريلون الفرنسية، وأصبح في مقدوره مهاجمة ناقلات البترول الإيرانية في الخليج دون إنذار، واستطاع أن يعاود القصف الاستراتيجي للأهداف داخل إيران ردا على هجوم صيف 1982 الذي شنته إيران ضد القوات العراقية. وفي عام 1982 أيضا أطلقت العراق لأول مرة صواريخ أرض / أرض سكود – ب على إيران مبتدئة بمدينة ديزفول. وفي يناير 1983 وافقت فرنسا على إمداد العراق بطائرات القتال سوبرانتندارد، ومع أن مدى هذه الطائرات كان حوالي 360-380 ميل بحري، ولا يمكنها الوصول إلى أهداف بحرية في جنوب الخليج العربي، إلا أنها حققت للعراق اعتبارا من أكتوبر 1983 القدرة على تهديد صادرات البترول بمهاجمة ناقلات البترول في المياه القريبة من المنشآت البترولية الإيرانية في جزيرة خرج التي كانت إيران تصدر منها نحو 2 مليون برميل يوميا آنذاك.
وفي نفس العام (1983) بدأت العراق في استخدام الصواريخ والغازات الحربية ضد الأهداف الإيرانية لكنها لم تستطع أن توظفها لصالح عمليات حربية حاسمة ولم تنجح في تحويل مثل تلك العمليات من سمة الإزعاج إلى الطابع الاستراتيجي المؤثر. وفي الوقت ذاته بدأ العراق يزيد من أعماله التعرضية ضد ناقلات البترول في إطار جذب دول الخليج العربية والقوى العظمى والكبرى إلى دائرة الحرب. وكان رد الفعل الإيراني هو استخدام الصواريخ الموجهة المضادة للسفن، والمدافع 120 ملم المنصوبة في الجزر الإيرانية، والألغام البحرية في إغراق السفن، كما دعمت القوات الإيرانية وسائل الدفاع الجوي في طنب الكبرى وطنب الصغرى وغيرها من جزر الخليج. وخلال شهر نوفمبر 1983 استخدم العراقيون غازات الحرب في صد عملية الهجوم الإيراني " في الفجر-4 " في كردستان العراقية التي حققت اختراقا بعمق 20-25 كم داخل المناطق الجبلية العراقية. ولجأت الولايات المتحدة الأمريكية إلى دعم قواتها البحرية في الخليج وحذرت إيران من محاولة إغلاق مضيق هرمز، وأوفد الرئيس الأمريكي رونالد ريغان مبعوثا شخصيا له إلى بغداد في ديسمبر 1983 هو دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الحالي في إدارة جورج بوش الابن بهدف التقويم المشترك لمسار الحرب العراقية/الإيرانية ودعم قدرات العراق في إنتاج واستخدام الغازات الحربية بمساعدة مباشرة من CIA وبخاصة لإنتاج غاز الأعصاب "التابون"، وكذا لتحديد الدعم الإداري الممكن من جانب الولايات المتحدة للقوات المسلحة العراقية، ومطالب الذخائر والمعدات العسكرية من خلال وسيط سواء كان دولة أخرى (القنابل العنقودية للطيران من شيلي)، أو شركات سلاح خاصة. وأكد دونالد رامسفليد للرئيس العراقي صدام حسين أن البنتاجون يرى في استخدامه للغازات الحربية نقطة تفوق تكتيكي مقبولة في إدارة معارك الحرب.
وبعد امتصاص الضربات الإيرانية ضد القوات العراقية، وبخاصة في جنوب العراق، خلال الشهور الأولى من عام 1984، وتحول الحرب بين طهران وبغداد إلى حرب استنزاف طويلة الأمد امتدت من أبريل 1984 إلى يناير 1986، استغل العراق الفرصة لتطوير قدراته النيرانية وتحقيق التفوق في الميزان الاستراتيجي العسكري مع إيران. وبينما تمكنت طهران من استيراد أسلحة ومعدات قيمتها 3.9 مليار دولار خلال عامي 84، 1985، استطاعت بغداد من خلال الدعم المالي من دول الخليج العربية والدور الأمريكي في تسهيل تعاقدات السلاح لصالح العراق أن تستورد ما قيمته 18.1 مليار دولار من الأسلحة والمعدات المتطورة الشرقية والغربية. ومن أهم طرازات هذه الأسلحة الغربية عدد 45 طائرة ميراج، 5 طائرات سوبرانتندارد، وصواريخ الدفاع الجوي رولاند.
وعندما بدأت حرب الناقلات فعلا في 4 فبراير 1984 نسقت الولايات المتحدة مع المملكة العربية السعودية وتم تحديد منطقة اعتراض جوية سميت بخط " فهد " خارج حدود المياه الإقليمية السعودية، وأعلنت الرياض أن طائراتها F-15 ، التي توجهها طائرات الأواكس وتعاونها طائرات إمداد جوي أمريكية، سوف تشتبك مع أية طائرة تهدد الملاحة في هذه المنطقة، وبالفعل أسقطت طائرة قتال إيرانية يوم 5 يونيو فوق المياه الإقليمية السعودية وتراجعت طهران عن التدخل المؤثر ضد الناقلات في نطاق خط " فهد ". وقدم الأمريكيون للعراق الخبرة الفنية في استخدام الغازات الحربية في صد الهجوم الإيراني ضد جزر مجنون في 19 مارس 1985، ولقي خمسة آلاف إيراني مصرعهم رغم أن معظمهم استخدم الأقنعة الواقية من الغاز، والسبب على الأرجح هو استمرار القوات الإيرانية في المناطق الملوثة لفترات طويلة من ناحية، وعدم وجود أردية واقية مع بعضهم في ظل استخدام غازات تؤثر على جلد الإنسان من ناحية أخرى.

حسم الحرب العراقية الإيرانية

استولت القوات الإيرانية على شبه جزيرة الفاو في فبراير 1986 بهدف قطع كل الأراضي العراقية عن الخليج، وسيطرت على خور عبد الله ذلك الممر المائي المواجه للكويت، ولم تنجح الهجمات المضادة المتكررة للقوات العراقية في استعادة الفاو على الرغم من استخدام قنابل الطائرات ودانات المدفعية الكيميائية في معاونة الهجوم المضاد الذي تم في 24 فبراير وأدى إلى إصابة 1800 جندي إيراني بالغازات الحربية إلا أن سوء التخطيط والأحوال الجوية أثرا سلبا على كفاءة السلاح الكيميائي في تلك المعركة بالتحديد. لكن القوات العراقية تمكنت من احتواء القوات الإيرانية في الجنوب، ومن إيقاف تقدم القوات الإيرانية والمقاومة الكردية في شمال الجبهة في ربيع 1986. ثم عاودت إيران الهجوم في صيف 1986 ولجأت إلى استخدام الغازات الحربية بدورها في العملية "كربلاء – 1" حول مهران، وتبادل الجانبان قصف الأهداف المدنية وبخاصة البترولية. ومع تصاعد الهجوم الإيراني اتجه العراقيون إلى استكمال فيالقهم السبعة إلى مرتب الحرب، ونشر تشكيلاتها على مواجهة 1100كم مع إيران، ووصل عدد الفرق العراقية إلى 46 فرقة، وإن كانت الفرقة العراقية في حجم أفرادها وتسليحها تعادل مجموعة لواء في العقيدة الغربية. وزاد صدام حسين قوات الحرس الجمهوري من ستة لواءات إلى 17 لواء مشاة ميكانيكي ومدرع، وسلحها بالدبابات ت-72 الروسية. وبدأت العراق بفضل عدد من الخبراء الغربيين تغير من عقيدة الدفاع الثابت تدريجيا خلال عام 1986 بكامله.
ثم كانت فضيحة إيران-غيت إذ أمدت الولايات المتحدة إيران بصفقة أسلحة، عاونتها فيها إسرائيل، وشملت صواريخ موجهة مضادة للطائرات من طراز هوك، وصواريخ مضادة للدبابات من نوع تاو Tow، واستغل العراق انكشاف الفضيحة لدعم قدراته الجوية من الطائرات الفرنسية ميراج F–1، والحصول على طائرات إمداد وقود بالجو مثلما طور 10 طائرات البوشن – 12 سوفيتية لاستخدامها كطائرات إمداد بالوقود جواً، واستخدم نظاما فرنسيا لتموين طائرات الميراج جوا بالوقود.
واستطاع العراق صد الهجوم الإيراني النهائي على البصرة في يناير 1987 الذي كان يهدف إلى الاستيلاء على المدينة واتخاذها عاصمة للعراق في الجنوب وإسقاط عناصر حزب البعث العراقي في محافظاته، ثم التقدم شمالا إلى كربلاء والنجف المدينتين الشيعيتين المقدستين، ووظف العراقيون قواتهم الجوية بكفاءة في القتال وارتفع معدل الطلعات إلى خمسمائة يوميا، وإن فقدوا 50 طائرة تمثل 10 % من طائرات قتالهم. وتزايدت خسائر الطائرات عندما تجددت حرب المدن في يناير وفبراير 1987 وفيها خسر العراق 41 طائرة أخرى. واستمرت المبادأة الإيرانية في الجبهة الوسطى في مارس وأبريل التاليين لكن طهران فقدت الأمل في كسب الحرب بواسطة هجوم عام نهائي أو تحقيق اختراق استراتيجي رئيسي، وتحول طابع العمليات إلى حرب استنزاف من جديد بين الطرفين، وتبادل قصف الأهداف البترولية، وناقلات البترول عبر الخليج. وكنتيجة لذلك بدأت أساطيل الغرب والسوفييت في التدخل في مسرح الحرب. وبينما أرسلت موسكو فرقاطة صواريخ لمرافقة السفن السوفييتية التي تحمل الأسلحة والمعدات إلى العراق ابتداء من المضايق الكويتية، زادت واشنطن من دورها في حرب الخليج الأولى ودعمت قواتها البحرية في المحيط الهندي فوصلت إلى مجموعة حاملة الطائرات كيتي هوك (85 ألف طن) وإحدى عشرة قطعة مرافقة وحماية، وفتحت هذه القوة الضاربة شرق مصيرة في عمان مباشرة، كذلك زادت انجلترا وفرنسا من عدد سفنها الحربية في الخليج مما أضعف من تأثير الصواريخ الصينية الصنع سيلك دورم التي حصلت عليها إيران من الصين في صيف عام 1986. وبادرت واشنطن إلى رفع العلم الأمريكي على السفن الكويتية مما أدى إلى تدويل الصراع البحري في الخليج. وارتفعت المبيعات العسكرية الأمريكية للعراق إلى 1.5 مليار دولار في الفترة بين عامي 84، 1987، وشملت معدات متقدمة لمنظومة القيادة والسيطرة والاتصالات والاستخبارات، ومن بينها وسائل قراءة وتحليل صور الأقمار الصناعية. وتم إرسال أسلحة ومعدات أمريكية للعراق عبر أو من خلال مصر والسعودية والأردن والكويت ومن بينها الطائرات العمودية سواء المسلحة أم النقل، وقنابل ومستودعات الطائرات، وبعض مستشعرات طائرات الاستطلاع.
واستغلت حكومة صدام حسين هدوء القتال البري لضرب التمرد الكردي في الشمال، واستخدمت غازات الحرب ضد بعض القرى الكردية ومعسكرات الأكراد قرب الحدود الإيرانية / العراقية المشتركة خلال عامي 87، 1988، وبخاصة ضد حلبجة، ولم تبد واشنطن آنذاك اعتراضا علنيا على استخدام الغازات الحربية في قمع حركة تمرد انفصالي داخلية. إلا أن ارتكاب الطيران العراقي خطأ الهجوم على الفرقاطة الأمريكية "ستارك" التي كانت على مسافة 85 ميلا شمال شرق البحرين بواسطة 2 صاروخ اكسوزيت في17 مايو 1987، ومقتل عدد من أفراد طاقمها، قد أدى إلى توتر أمريكي عراقي، ومن ثم قللت القوات الجوية العراقية من هجماتها في مياه الخليج وضد الأهداف البترولية الإيرانية خشية أن تفقد بغداد تأييد واشنطن التي أصبحت تميل لوقف إطلاق النيران في الخليج، واستخدمت طائرات الأواكس لمد نطاق الإنذار والاستطلاع فوق مياهه. وبدأت واشنطن في ضغوطها لفرض تنفيذ قرار الأمم المتحدة رقم 582 لعام 1986 والخاص بإيقاف إطلاق النار. لكن إيران استمرت في هجماتها البرية ضد العراق، ولم يثنها عن الاستمرار في القتال صدور القرار 598 في 20 يوليو 1987 من الأمم المتحدة والذي طالب طرفي الحرب بوقف إطلاق النار مثلما ناشد كل الدول الأخرى الامتناع عن تصعيد الصراع. وقد تدخلت الولايات المتحدة في صياغة القرار ليطالب إيران بكثير من التنازلات مقابل التزامات أقل من الجانب العراقي فيما عدا الاعتراف بالحدود الدولية مما يعني التسليم بحقوق إيران في شط العرب التي حصلت عليها في اتفاقية الجزائر عام 1975، والتي أبرمها صدام حسين نفسه. وقد رفضت طهران انسحاب القوات الإيرانية من الأراضي العراقية، واتهمت القرار بأنه يحابي العراق وطالبت بتحميل صدام حسين مسئولية بدء الحرب قبل وقف النيران. وكان الرد الأمريكي عمليا، ففي 21 يوليو 1987 بدأ رفع العلم الأمريكي فوق ناقلات البترول الكويتية، وتولت البحرية الأمريكية حراسة قوافل الناقلات في الخليج بواسطة مدمرة وطرادين وأربع فرقاطات تعاونها مدمرة وفرقاطة بريطانيتان، ومدمرتان فرنسيتان. وتلا ذلك تطهير الممرات البحرية عبر الخليج من الألغام بالاستناد إلى تسهيلات بحرية كويتية وسعودية. وبدأ دور أوروبا في النمو في الخليج بضغط أمريكي مباشر على بلجيكا وإيطاليا وهولندا، وأرسلت كل من هولندا وبلجيكا عدد 2 كاسحة ألغام إلى الخليج في سبتمبر 1987 بينما أرسلت إيطاليا ثماني سفن حربية من بينها ثلاث كاسحات ألغام وفرقاطة لوبو، وفرقاطتين ميسترال. وفي نفس الشهر أرسلت واشنطن وحدة من القوات الخاصة إلى الخليج، وبدأت متابعة أية سفينة إيرانية ترص الألغام باستخدام الأقمار الصناعية وطائرات الاستطلاع SR-71 والهليوكبترات، واستولت على السفينة الإيرانية Iran Air وأسرت طاقمها ثم أغرقتها، وتصاعدت المواجهة الإيرانية الأمريكية في الخليج التي أفاد منها العراق عمليا، فقد قصفت سفن السطح الأمريكية منصة بترول إيرانية في جنوب الخليج في أكتوبر 1987، ودمر كوماندوز البحرية الأمريكية منصة أخرى.
وفي القتال البري احتفظت إيران بالمبادأة في معظم المعارك التي دارت سنة 1987، لكن مسار الحرب تغير جذريا في ربيع 1988 لصالح العراق بفضل الدعم الغربي عامة والأمريكي خاصة في مجالات المعلومات والتسليح وتقنية الدفاع، والتدخل المباشر ضد إيران في مياه الخليج، ونتيجة تزايد الخسائر البشرية الإيرانية، وتورط طهران في مواجهة بحرية مستمرة مع الولايات المتحدة واستمرارها في رفض الإيقاف الشامل للنيران والإصرار على الإيقاف الجزئي له في البحر فقط. وطورت العراق وسائل الردع الاستراتيجي واستخدمت في 29 فبراير 1988 الصواريخ أرض/أرض من طراز الحسين ضد بعض المدن الإيرانية في العمق ومن بينها طهران، وبمدى أكبر من مدى الصاروخ سكود – ب بعد أن تم تقليل وزن الرأس المدمر، وزادت من ضرباتها الصاروخية في مارس (106 صاروخ) وأبريل (140 صاروخ). وفي 17 أبريل 1988 استخدمت العراق قوات الفيلقين الثالث والسابع ووحدات من الحرس الجمهوري في تحرير شبه جزيرة الفاو في معركة استمرت 35 ساعة، واستخدمت فيها غازات الأعصاب والغازات الكاوية بواسطة الطيران والمدفعية ضد مراكز القيادة والسيطرة والاتصالات والمدفعيات والأهداف الإدارية. وقد تلقت العراق معاونات مؤثرة من جانب خبراء من إحدى الدول العربية في التخطيط للعملية والإعداد لها وإدارتها، كما سمحت الكويت لعناصر من القوات العراقية باستخدام جزيرة بوبيان كقاعدة للهجوم من خلالها، وشاركت الهليوكبترات المسلحة الأمريكية في قصف المواقع الإيرانية في الفاو. ثم استعادت القوات العراقية المناطق المحيطة بالبصرة في مايو 1988، ومعظم الأراضي التي فقدتها في شمال العراق، ثم مدينة مهران ومنطقة مجنون في يونيو التالي، وتابعت ضغطها على القوات الإيرانية في المنطقة الوسطى من جبهة القتال. واضطرت إيران إلى طلب وقف إطلاق النار في 17 يوليو، وماطل صدام حسين في الاستجابة حتى 24 أغسطس 1988 حين أمكن للأمم المتحدة تنفيذ معظم شروط وقف إطلاق النار لتنتهي حرب الخليج الأولى عمليا.

علاقات ما بين حربي الخليج


من عوامل القطيعة بين أمريكا والعراق الضغط الإسرائيلي على واشنطن ومطامع صدام حسين في الهيمنة الإقليمية على الخليج

في 2 أكتوبر 1989، بعد أكثر من عام من انتهاء حرب الخليج الأولى (1980-1988) أصدر الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب توجيها رئاسيا تضمن ضرورة تقديم التأييد السياسي والمعاونة الاقتصادية للعراق من أجل دعم النفوذ الأمريكي فيه وضبط توجهاته السياسية، وإتاحة الفرصة للشركات الأمريكية للقيام بدور رئيسي في إعمار العراق، وللاستئثار بالاستثمارات البترولية الجديدة، وإيجاد علاقات عسكرية متدرجة مع القوات المسلحة العراقية. وكان واضحا أن الولايات المتحدة ترفض أن يرتفع سعر برميل البترول من جديد، وبخاصة بعد أن وصل عام 1982 إلى ذرة غير مسبوقة فبلغ 53.39 دولار، أو أن تتحمل أعباء حرب ناقلات بترول جديدة كتلك التي استمرت أكثر من ثلاث سنوات (1984-1987) في الخليج، وبخاصة بعد أن تزايدت صادرات البترول العراقي إلى الولايات المتحدة تباعا حتى بلغت 50-60 % من الإنتاج خلال المدة من عام 1988 إلى صيف 1990.
ولقد أساء صدام حسين فهم التوجيه الرئاسي الأمريكي، وتصور أن بإمكانه بناء علاقة تحالف استراتيجي مع الولايات المتحدة نتيجة استمرار المبيعات العسكرية الأمريكية للعراق خلال عامي 1989، 1990، وتنامي التعاون في مجال التدريب العسكري للقوات المسلحة العراقية، وكذلك تطور العلاقات الاقتصادية المتواصل التزاما بالاتفاق التجاري والتكنولوجي المبرم بين واشنطن وبغداد في أغسطس 1987 إلى حد اكتفاء وزارة التجارة في إدارة جورج بوش بتعهد عراقي بعدم استخدام الواردات الأمريكية ذات الاستخدام المزدوج المدني والحربي في الأغراض العسكرية لتجنب وضع قيود على تنامي الصادرات الأمريكية للعراق.
وصدام، كما نعلم، لم يفهم جيدا ولم يدرك أبعاد تزامن حرب الخليج الأولى مع نهاية عصر الحرب الباردة وقرب انحلال الاتحاد السوفييتي، وانهيار توازن القوى والمصالح بينه وبين الولايات المتحدة في الشرق الأوسط وفي أوروبا، ولم يتنبه إلى بداية عصر الجيو- اقتصادية Geo-economics الذي يتمحور حول حدة التنافس الاقتصادي، وبخاصة للسيطرة على مصادر الطاقة وتدفقات المدخرات والأسواق التجارية، أو إلى أن الربط بين الهيمنة العسكرية والنفوذ السياسي ومحاولة احتكار أو التحكم في الموارد الطبيعية فائقة الأهمية كالبترول والممرات والمضايق المائية يعني أن عصرا إمبرياليا جديدا يشهد ميلاده وسيتعزز في بدايات القرن الحادي والعشرين الميلادي. وقد تجاهل صدام حسين أن واشنطن لا تريد قيام قوة إقليمية ذات قدرات عسكرية واقتصادية وتكنولوجية في العالم العربي بوجه عام أو في منطقة الخليج بصفة خاصة، وهي حريصة على أمن إسرائيل والقضاء المسبق على أي تهديد افتراضي ضدها يأتي من الجبهتين الشمالية أو الشرقية للدولة الصهيونية. ولم يقدر صدام أن الولايات المتحدة تريد تقليص قدرات الصناعات الحربية العراقية، ووقف برامج إنتاج أسلحة الدمار الشامل لديه، وبخاصة لأن المخابرات المركزية الأمريكية قد أكدت في عام 1988 أن ثلاث دول قد اقتربت من العتبة الذرية، وينتظر أن تجري تجاربها النووية في الفترة بين عامي 1996، 1998 وهي باكستان والعراق كوريا الشمالية. وحذرت CIA في تقرير تال في بداية 1990 من تنامي قدرات العراق الصاروخية والكيميائية التي يمكن أن تمثل تهديدا استراتيجيا لإسرائيل. لكن صدام حسين لم يحسن التقدير، ولم يتفهم أبعاد الخداع الاستراتيجي الشامل الذي بدأت واشنطن تمارسه مع نظامه، ففي 12 فبراير 1990 تم لقاؤه المهم مع جون كيلي مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأدنى الذي استمع منه إلى رغبة الولايات المتحدة في إقامة أوثق العلاقات مع العراق باعتباره قوة اعتدال في المنطقة. وفي مارس التالي رفض الرئيس الأمريكي بوش محاولة إصدار قرار من الكونجرس يدين النظام الحاكم في العراق لخرقه الفاضح لحقوق الإنسان. وحين زعم الرئيس العراقي، خلال القمة العربية في بغداد في مايو 1990 وقبلها في خطابه أمام قيادات القوات المسلحة في 2 أبريل 1990، أنه يستطيع حرق نصف إسرائيل إذا هاجمت العراق محاولا أن يدرأ عن نظامه حقيقة السلبية شبه المطلقة من جانبه في دعم الانتفاضة الفلسطينية الأولى التي بدأت عام 1987، ثم المسئولية المباشرة في كارثة تدمير المفاعل النووي العراقي تموز – 1 في مركز التويثة النووي عام 1981، اكتفت الخارجية الأمريكية بمجرد صياغة خطة مقترحة لفرض عقوبات اقتصادية على العراق تضمنت رفض منح القروض الميسرة لبنك العراق للتصدير والاستيراد، وإلغاء برنامج القروض الخاص بمشتريات القمح الأمريكي ومنع استيراد العراق للسلع التي يمكن استخدامها عسكريا. إلا أن خطة العقوبات ما لبثت أن تبخرت مؤقتا، وبقيت حبرا على ورق في إطار الخداع الاستراتيجي الشامل للعراق لتوريطه في خطأ استراتيجي فادح يمكن استثماره في تحقيق الهيمنة الأمريكية على الخليج العربي وتدمير قدرات العراق العسكرية والتكنولوجية وبنيته الأساسية ما أمكن ذلك. وفي 25 أبريل 1990 وجه جورج بوش الأب رسالة صداقة وتهنئة للرئيس صدام حسين بمناسبة حلول شهر رمضان يأمل فيها أن تساهم الروابط بين الولايات المتحدة والعراق في تحقيق سلام الشرق الأوسط وتعزيز استقراره. وفي بداية مايو 1990 رفعت CIA تقريرها إلى البيت الأبيض الذي أشارت فيه إلى أن هجوما عراقيا على الكويت أصبح محتملا ووشيكا، وتحذر فيه من جهل صدام بعلوم الصراع الدولي وحدوده، ومن ديكتاتوريته التي لا تجعله يستمع بالمرة لقلة من المتعقلين في حكومته مثل نزار حمدون مثلا. ومن جهة أخرى فقد خان التوفيق صدام حسين في اجتماع القمة العربية في 28 مايو 1990 حين هاجم في جلسة مغلقة تزايد معدلات إنتاج البترول في الكويت والإمارات مما انعكس بالسلب على أسعار التسويق، وحذر البلدين من العواقب الوخيمة التي تترتب على هذه السياسة البترولية، مثلما طلب إعفاء العراق من 30 مليار دولار هي ديونه للكويت والإمارات العربية المتحدة والسعودية. ومن ثم توقعت عدة دول عربية عدوانا عراقيا على الكويت كما بدأت الأخيرة في مطالبة الولايات المتحدة بالاستعداد لدعمها في مواجهة اعتداء عراقي قريب. وفي خطابه في ذكرى الثورة العراقية في 17 يوليو 1990، أعلن صدام أن الإمبرياليين لن يستطيعوا خوض معركة عسكرية مع العراق ويكتفون بخوض حرب استنزاف اقتصادي بمساعدة بعض عملائهم من حكام الخليج، وكان ذلك تحديا غير محسوب للقوة العسكرية الأمريكية. وفي اليوم التالي بدأ تحرك وحدات المدرعات والمشاة الميكانيكية العراقية في اتجاه الحدود المشتركة مع الكويت، واكتملت إلى فرقتين عراقيتين في 24 يوليو طبقا لتقارير المخابرات المركزية الأمريكية. وكانت ذروة الخداع الاستراتيجي الأمريكي في 25 يوليو في لقاء صدام حسين بالسفيرة الأمريكية أبريل جلاسبي التي أبلغت صدام حسين أن الولايات المتحدة غير معنية بالخلافات الحدودية بين العراق والكويت، ثم أن دولة الكويت ليست تحت مظلة أمنية أمريكية مباشرة بينما يختلف الأمر تماما بالنسبة للمملكة العربية السعودية. وفي 27 يوليو نقلت CIA إلى البيت الأبيض صورا جوية تؤكد استمرار الحشد العراقي على حدود الكويت، وأبلغت واشنطن التفاصيل في الحال للكويت والرياض، ورجح ويليام وبستر مدير CIA أن تغزو القوات العراقية جزءا من أراضي الكويت. وفي 30 يوليو أعلن جون كيلي أمام اللجنة الفرعية للشرق الأوسط التابعة لمجلس النواب الأمريكي أنه لا توجد معاهدة دفاع مشترك بين الولايات المتحدة والكويت !! ثم أبلغت بريطانيا الكويت على سبيل الخداع والوصول بالأزمة إلى ذروة الصراع – أن العراق لن يغزو الكويت. وعلى الرغم من ذلك وافقت إدارة جورج بوش الأب يوم أول أغسطس 1990 على أن تبيع للقوات المسلحة العراقية معدات إشارة (اتصالات عسكرية) متقدمة !!
وغزا صدام الكويت يوم 2 أغسطس 1990، وأفلتت المشكلة تماما من أيدي الدول العربية ابتداء من اليوم التالي مباشرة حين أكدت السعودية للولايات المتحدة أنها تقبل التدخل العسكري الأمريكي إذا فشلت الجهود العربية في فرض انسحاب القوات العراقية من الكويت، ثم حدث الصدع الكبير في الجامعة العربية الذي لم يلتئم حتى الآن وبدأ تدفق القوات الأمريكية إلى السعودية يوم 6 أغسطس لتبدأ عملية درع الصحراء لحشد قوات تحالف متعدد الجنسيات ثم تتحول إلى عملية عاصفة الصحراء بقيادة أمريكية مطلقة لتحرير الكويت وتدمير القدرات العراقية الشاملة في الفترة من 17 يناير إلى 28 فبراير 1991.

الخاتمة

لا يمكن عمليا رصد مرحلة توتر وشد وجذب فيما بين الولايات المتحدة والعراق تلت مرحلة العلاقات الوثيقة التي تدعمت بين البلدين في الفترة من عام 1983 إلى عام 1990 ، وشملت دعما عسكريا أمريكيا مؤثرا للعراق في الحرب العراقية الإيرانية، ومساعدات تقنية أسهمت إيجابيا في تطور الصناعات العراقية وبخاصة الحربية منها. لكن الضغوط الصهيونية على القرار السياسي الأمريكي، ومطامع صدام حسين في الهيمنة الإقليمية على الخليج، والتخطيط الأمريكي المتكامل لإعادة رسم الخريطة السياسية للشرق الأوسط الكبير بدءا بالمشرق العربي، كانت في صدر عوامل التحول من التواصل والتعاون الاستراتيجي بين واشنطن وبغداد إلى حقبة من التصادم والقطيعة والحرب اعتبارا من يناير 1991 وحتى الآن، إذ لا يمكن إغفال أن الولايات المتحدة قد نفذت عددا من العمليات الحربية المحدودة ضد العراق بعد توقف عاصفة الصحراء، وكانت أخطرها عملية ثعلب الصحراء في ديسمبر 1998، مثلما استمرت حرب الاستنزاف الموجهة ضد الأهداف العسكرية والمدنية العراقية في منطقتي الحظر الجوي غير المشروعتين في شمال وجنوب العراق، وتصاعدت بوجه خاص بعد حسم الحرب الأمريكية -مرحليا- في أفغانستان في ربيع العام المنقضي 2002، ثم بصورة واضحة تماما منذ بداية خريف ذلك العام. ومع استمرار مهادنة دول عربية وإسلامية عديدة للولايات المتحدة لأسباب شتى، وضعف التنسيق الإقليمي بين عدد من الدول العربية والإسلامية المحورية للتركيز على جهود التسوية السياسية في النصف الأول من العام الحالي 2003 بواسطة الأمم المتحدة والقوى الإقليمية وبعض الدول الكبرى، فإن الولايات المتحدة تمضي في بناء حشودها في الخليج ومحاولة تشكيل تحالف غربي محدود لغزو واحتلال العراق في ربيع عام 2003 في إطار عملية استراتيجية يراد لها ألا تتجاوز 3-4 أسابيع في ضوء الخسائر المدمرة التي سيتحملها العراقيون خلالها، ومنذ بداية العمليات في يومها الأول، نتيجة التصميم الأمريكي على إدارة الضربات الجوية والصاروخية المركزة باستخدام الأسلحة والذخائر الذكية ومنها أنواع تستخدم لأول مرة في مسارح العمليات مثل القنابل الكهرومغناطيسية وأسلحة التفجير الحجمي بل يمتد التهديد إلى استخدام الأسلحة النووية التكتيكية محدودة العيار.
_______________
* - ضابط مصري ومستشار المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط

المصدر : غير معروف