إعداد: علي أبو مريحيل - ستوكهولم

"الشراب الأصفر"..

 قصة ناج

 من سجن تدمر

استمع لقصة اللجوء

بين آلاف اللاجئين إلى السويد في سياق موجة اللجوء المتواصلة منذ ثلاثة أعوام هنالك لاجئ من نوع مختلف، السوري (ن. ي) أدخل سجن تدمر الذائع الصيت وهو في الـ19 من العمر وخرج منه بعد 12 عاما.

لم يكن (ن. ي) ناشطا سياسيا أو سجين رأي، بل مجرد مجند خدمة إلزامية ارتكب خطأ أثناء قيادته مدرعة، فلفقت له تهمة خطيرة أدت إلى سجنه في أسوأ سجون سوريا، ثم منع من السفر بعد إطلاقه بناء على عفو رئاسي.

(ن. ي) -الذي نجح في الإفلات عام 2011 والسفر إلى لبنان لفترة وجيزة- وصل هذا العام إلى السويد.

في قصته التي تعرضها الجزيرة نت ضمن تغطية خاصة كشف لفصل جديد من عبثية الأحكام العسكرية خلال العمل بقانون الطوارئ السوري وقسوتها.

وهي كذلك شهادة جديدة على الأهوال التي عايشها نزلاء سجن تدمر، وهو أشهر سجون سوريا وأكثرها قسوة لغاية الصيف الماضي عندما استولى تنظيم الدولة الإسلامية على المنطقة التي يقع فيها وسوّاه بالأرض.

رغم الإفراج عنه بعفو رئاسي أصدره بشار الأسد عام 2000 بعد توليه منصبه خلفا لأبيه فإن (ن. ي) لم يذق طعم الحرية إلا مؤخرا، فقد منع من السفر إلى الخارج، كما كان يتم استدعاؤه بين فترة وأخرى لتسجيل حضوره في أحد أفرع المخابرات القريب من محل إقامته لأسباب لا يعرفها حتى هذه اللحظة.

بعد قيام الثورة السورية عام 2011 استطاع (ن. ي) أن يذهب إلى لبنان ليستقر هناك في منطقة بئر حسن ببيروت،  حيث عمل فيها في مجالات شتى لإعالة زوجته وأولاده.

وبعد أن شرعت السلطات اللبنانية قوانين جديدة تنظم وجود السوريين وتشترط على اللاجئين منهم وجود كفيل لبناني لهم اضطر (ن. ي) للسفر إلى تركيا، ولم يمكث طويلا هناك، فقد استقل كغيره من اللاجئين السوريين أحد قوارب الموت المتجهة إلى اليونان بمساعدة مهرب تركي، ومن اليونان توجه عبر عدد من العواصم الأوروبية إلى السويد، حيث يقيم الآن في أحد معسكرات اللجوء بانتظار الإقامة الدائمة.

- اسم (ن. ي) وهويته محفوظان لدى هيئة التحرير، وقد فضلت الجزيرة نت تجهيلهما بناء على طلبه وفي إطار الحفاظ على أسرته التي ما زالت تقيم في سوريا.

من الصور المتداولة لسجن تدمر

من مرجعيون إلى سجن تدمر

لم يكن (ن. ي) يتجاوز الـ19 من عمره حين كان يقضي عامه الأول من فترة تجنيده التي استمرت عامين ونصف العام في منطقة السلطان يعقوب المحاذية لبلدة مرجعيون اللبنانية المطلة على جبل الشيخ.

كان (ن. ي) مجندا في الفرقة الأولى التابعة للواء المدرع 15 في ريف دمشق، حيث تلقى هناك دورة تدريبية استمرت ستة أشهر قبل أن يتم فرزه إلى لبنان ليقضي فترة تجنيده في كتيبة شيلكا الحدودية، حيث أوكلت إليه مهمة نقل المحروقات والمعدات والمواد التموينية بين السرايا المنتشرة على طول الشريط الحدودي بين لبنان وسوريا.

 

سام 7

 ذات صباح من عام 1988 وبينما كان (ن. ي) يتلقى أوامر ضابط السرية الأولى لتعديل مسار المدرعة أثناء رجوعه إلى الخلف تعالت صيحات الضابط بشكل جنوني فانقطعت أنفاسه داخل المدرعة ظنا منه أنه دعس أحد الجنود بالخطأ، وكانت المصيبة حين علم بعد نزوله أن الضحية صندوق

يضم داخله صاروخين حراريين مضادين للطائرات من نوع سام7 المعروف أيضا باسم كوبرا.

حالة من الارتباك والخوف سادت المكان حاول خلالها (ن. ي) جاهدا أن يقنع الضابط الغاضب بأن المدرعة لا تحمل مرايا جانبية، وأنه لم يحد في رجوعه عن التعليمات التي تلقاها منه شخصيا.

استمر الوضع على هذه الحالة إلى أن جاءت الأوامر بإخلاء السرية من الجنود باستثناء (ن. ي) الذي طلب منه أن يدخل المدرعة وحده، وأن يقوم بسحبها من فوق الصواريخ التي كان من الممكن أن تنفجر عند أي حركة للمدرعة مخلفة دمارا كبيرا.

عن تلك اللحظات المرعبة يقول (ن. ي) "لا أدري كيف ومتى دخلت المدرعة، كل الذي أذكره أن قلبي بقي خارجا.. إنها لحظات تشبه السير على الصراط المستقيم"، مضيفا "كنت أسمع نفسي وهي تردد آيات من القرآن الكريم وأدعية لم أكن أحفظها من قبل، إنها المرة الأولى التي أقود فيها المدرعة وعيناي مغمضتان."

 

دامع العينين

وسط تصفيق الجنود خرج (ن. ي) وقد اغرورقت عيناه بالدموع، لا لأنه نجا من موت محقق، بل لأنه شعر بأن لا قيمة له عند القيادة التي كان يمكن أن تستعيض عن روحه وحياته برافعة لم تكن تبعد عن موقع سريته سوى ثلاثة كيلومترات.

في صباح اليوم التالي توجه (ن. ي) إلى مركز القيادة الحدودي في "جديدة يابوس "حاملا تقرير ضابط السرية عن الحادثة، وهناك تفاجأ بعد اطلاع ضابط الشرطة العسكرية على التقرير بأمر اعتقاله وترحيله الفوري إلى أحد المراكز العسكرية في منطقة القابون الواقعة بالشمال الشرقي من العاصمة دمشق.. بعد يومين من التحقيق الودي في القابون تم ترحيله إلى أحد الأفرع العسكرية في الشام، حيث اختلفت هناك الوجوه واختفت اللهجة الودية إلى الأبد.

 

حفلات التعذيب

يقول (ن. ي) "لم أكن أعلم حتى تلك اللحظة ما هي تهمتي، وما هو المطلوب مني، كنت فقد أردد بجميع أقوالي أن الحادثة تمت بشكل عفوي، وأن رجوعي إلى الخلف بالمدرعة تم وفق تعليمات ضابط السرية، وهذا ما أعدته أمام محقق الفرع الذي لم ترق له روايتي فصاح غاضبا "خدوه خلوه يقر أخو الـ.."، وكان ذلك إيذانا ببدء حفلات التعذيب المتواصلة التي استمرت ثلاثة أيام.

علم (ن. ي) بعد ذلك أن المطلوب منه هو الاعتراف بأنه فعل ذلك بملء إرادته، وهذا ما رفضه رفضا قاطعا فتم ترحيله إلى فرع فلسطين، وما أدراك ما فرع فلسطين! هناك حيث تفصّل التهم وفق مزاج المحقق، ومن سوء حظه هذه المرة أن مقاس تهمته الجديدة يقود إلى حبل المشنقة.

 فبين ليلة وضحاها وجد (ن. ي) نفسه متهما بالعمالة لإسرائيل، ومكلفا بتصوير المواقع العسكرية السورية على الشريط الحدودي، وأنه لقاء ذلك يتقاضى أموالا طائلة من دولة الاحتلال.

 

المحكمة العسكرية

15 يوما بين الشبح عاريا تحت أمطار الكوابل الرباعية والحشر في الدولاب والصعق بالكهرباء كانت كافية لتثبيت التهم في محضر التحقيق، وإحالة القضية إلى المحكمة العسكرية.

يسأل القاضي: متى بدأت العمل مع إسرائيل؟

ـ  منذ ثلاث سنوات سيدي.

ـ  ما هي المهام التي كلفت بها؟

ـ  تصوير المواقع العسكرية على الشريط الحدودي.

ـ  هل تلقيت أموالا مقابل ذلك؟

ـ  نعم، تلقيت أموالا كثيرة.

ـ  إذاً، أنت تقر بكل ما نسب إليك؟

في تلك اللحظة كشف (ن. ي) عن آثار التعذيب على جسده، وصاح بأعلى صوته في قاعة المحكمة "نعم، سيدي.. هذه هي أقوالي واعترافاتي". كرر ذلك مرتين قبل أن ينهار باكيا.

 

السجن المؤبد

حكم القاضي في ذلك اليوم على (ن. ي) بالسجن المؤبد، فبات ليلته الأخيرة في فرع فلسطين، وفي صباح اليوم التالي تم ترحيله ضمن مجموعة من المعتقلين إلى سجن تدمر الصحراوي.

لم يكن (ن. ي) في ذلك الحين -وهو ابن الـ19- يعلم شيئا عن سجن تدمر، حتى أنه لم يسبق له أن قرأ أو سمع شيئا عن المجزرة التي نفذت فيه بحق سجناء إسلاميين قبل ثمانية أعوام.. كل الذي كان يشغله في الطريق إلى السجن وهو معصوب العينين ومكبل اليدين والقدمين أهله الذين كانوا حتى تلك اللحظة يظنون أنه يخدم العلم في الأراضي اللبنانية.

"لم نلبث أن نزلنا من سيارة الترحيلات أمام بوابة السجن حتى تلقفتنا مخالب عناصر الشرطة العسكرية كالخراف، لم ينجُ أحد منا -وقد كنا قرابة الثلاثين معتقلا- من كماشة اللكمات، والركلات، واللطمات الطائرة، فضلا عن الشتائم التي كانت تنهال علينا مع كل كرباج يرتفع إلى السماء ويهوي على أجسادنا، إلى أن حشرنا على جدار في ساحة السجن الرئيسية، حيث تم تقسيمنا إلى ست مجموعات، كل مجموعة تولاها عدد من العناصر ركلا ولطما وجلدا بالكوابل المعدنية.. لم يقطع هذا المشهد الذي تحولت فيه الساحة إلى مسلخ حقيقي سوى بقر بطن أحد السجناء الذي أدى إلى خروج جزء من أمعائه ثم وفاته بعد أسبوع واحد من تشريفات اليوم الأول حسب ما علمت لاحقا".

هكذا وصف (ن. ي) حفلة الاستقبال التي كانت بانتظاره في سجن تدمر، هناك حيث لا مكان للرحمة والشفقة، أو كما يعمم على السجناء في اليوم الأول بأن لا جدوى من الاستغاثة بالله لتخفيف العذاب عنهم، لأن الله غير موجود في هذا المكان، والمفارقة هنا أنه لا يوجد سجين في تدمر لم يمر أسفل البوابة التي كتب عليها مجازا {ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب.

 

الشراب الأصفر

عن العام الأول في السجن يذكر (ن. ي) حادثة "الشراب الأصفر" حين كان مكلفا ذات صيف حار مع خمسة من المعتقلين بنقل جثث القتلى الذين سقطوا تحت التعذيب من أحد المهاجع إلى ساحة السجن الخلفية ليتم نقلها إلى جهة غير معلومة، وكانت المكافأة أن استُدعي وحده دون زملائه الخمسة إلى مكتب المساعد، حيث طلب منه بعد كلمات الثناء -التي لم يعتد على سماعها- أن يشرب كأس الشراب البارد القريب من ناحيته فتناول الكأس بلا تردد، وهو الذي قد جف ريقه وتصلبت شرايينه من هول ما رأى، وما أن أخذ رشفة منه حتى نفثها بحركة لا إرادية.. تعالت الضحكات الهستيرية في مكتب المساعد ..لم تكن تلك المكافأة سوى كأس من البول، وبعد جلسة تعذيب خاصة استمرت عشر دقائق اضطر (ن. ي) أن يشرب الكأس كاملة دفعة واحدة.

كما ويذكر المرة الأولى التي تلقى فيها أهله نبأ اعتقاله، وكان ذلك بفضل أحد السجناء الذين شملهم العفو الرئاسي عام 1991، في ذلك الوقت كان قد مر على اعتقال(ن. ي) ثلاث سنوات، لم يعدم فيها أهله وسيلة للبحث والسؤال عنه لكن دون جدوى، إلى أن جاء الخبر اليقين بأنه سجين في تدمر.

 

 يقول (ن. ي) "علمت لاحقا أن أمي منذ ذلك التاريخ تداوم على المبيت مساء كل عيد أمام بوابة المسجد الأموي، لعلها تحظى برفع صوتها إلى مسمع الرئيس السوري آنذاك حافظ الأسد، وكانت في كل مرة تقترب من موكبه تجد نفسها ملقاة تحت غابة من أقدام المخابرات."

مرت السنوات وبقي (ن. ي) رقما في سجلات تدمر، وركاما من لحم ودم، لا زيارة تخرجه من حالة الموت السريري، ولا أخبار تأتي من الخارج فتحفف عنه وطأة الظلمة الدائمة في قبره المؤقت.. على هذا الحال قضى زهرة شبابه يعتّق الأمل، وحيدا، وصامتا، وعاريا في جوف ذاك الوطن الذي أتاه يوما خادما لعلمه فكافأه بقبر!

 

12 عاما

ذات مساء كان (ن. ي) مشغولا باستصلاح نتف من صفار البيض المسلوق حين فتح أحد أفراد الشرطة العسكرية باب المهجع مناديا عليه.. كانت المرة الأولى التي يسمع فيها اسمه منذ 12 عاما.

 للوهلة الأولى، ظننت أنه اسم لصديق مر في الذاكرة فهو اسم مألوف لدي، وفجأة انتفضت واقفا: حاضر سيدي.. إنه اسمي، فطلب مني أن ألملم أغراضي وأهيئ نفسي للمغادرة، وأضاف بصوت غائب "إخلاء سبيل".

جملة واحدة كانت كفيلة بإيقاد شعلة الروح في جثته الهامدة.. لم ينتظره السجانون طويلا، فهو الأسير المعدم واليتيم كما كان يلقبه زملاؤه، إذ لم يحظ خلال سنوات اعتقاله بزيارة واحدة، ليس تقصيرا من أهله وذويه، بل تعنتا وقسوة من سجانيه وأربابهم الذين لفقوا له تهمة العمالة، لذلك لم تكن عهدته سوى ركام أضلاعه المكسرة.

 

عفو رئاسي

بعد خطبة تلاها مدير السجن على السجناء المفرج عنهم علم (ن. ي) أن عفوا رئاسيا أصدره الرئيس الجديد لسوريا بشار الأسد شمله هو ومن معه، وكان ذلك في منتصف نوفمبر/تشرين الثاني 2000.

أمام فرع فلسطين كانت خطوته الأولى نحو الحرية .

"ها أنا أسير بلا قيد، بلا عصبة على العينين، لا أحد ينهرني، لا أحد يشتمني ..خطوة أخرى ولا وجود للكمات أو رفسات.. خطوة ثالثة، لم تنهل عليّ سياطهم.. قشعريرة تسري في جسدي النحيل، إنه احتفاء اللحم بالحرية".

 على الرغم من توقه الشديد للشمس والهواء والضجيج فإن ذلك لم يثنِ (ن. ي) عن القفز في أول سيارة تصادفه على الطريق.. يسأله السائق عن وجهته فيعطيه عنوان أهله الذين لا يعلم عنهم شيئا منذ الوداع الأخير قبل 12 عاما حين ذهب لخدمة العلم.

"تدخل السيارة في الحارة، تستدير يمينا، تواصل السير، تقطع خمسين مترا، نعم هذا بيتنا، الثالث من اليمين، هذه أشجار حديقتنا، يقف السائق، أمشي ببطء، أرى أطفالا صغارا يلعبون في باحة البيت، تُرى من هؤلاء الصبية؟ من تزوج من أخوتي؟ هل ما زال والداي على قيد الحياة؟ أطرق الباب، لا أسمع صوتا، أدخل، لا أرى أحدا، يأتي صوت من الخلف، يسألني: من أنت؟ إنه صوت أمي، نعم.. صوت أمي، أعرفه جيدا، ألتفت إليها، تصرخ، تسقط، أنحني عليها، أقبل قدميها.. يعلو الصراخ في البيت، يهرول أخي الصغير، ينكب فوقي، تتحسس أمي وجهي، تعبث بشعري، تنادي اسمي، تصرخ، أصرخ، يبكي الجميع، حتى الصغار.. وما هي إلا لحظات حتى ضعت تحت غابة من الأيدي والأحضان الدافئة".

بهذه الكلمات تذكر (ن. ي) اللحظات الأولى التي قابل فيها عائلته بعد غياب دام 12 عاما شهدت موت والده قهرا وحسرة عليه، وزواج جميع أشقائه وشقيقاته، وانتقال بعضهم للعيش في لبنان.

12 عاما اكتشف فيها (ن. ي) أن الوطن لم يكن سوى بضعة أمتار من الظلم والظلمة، وأن النشيد الوطني ليس سوى تلك الجملة التي يرددها "حماة الوطن" مرارا على أبنائهم المعتقلين "أنتم في تدمر، هنا في هذا السجن، لا وجود لله، نحن الله، نحن نحييكم ونحن نميتكم."