سقط الشرق الأدنى ضحية للحرب حتى من قبل أن تندلع، حيث إنه من الأصح التأريخ لبداية الحرب العالمية الأولى بالنسبة للعرب والمسلمين لا بعام 1914، بل بعام 1911 مع بداية الغزو الإيطالي لأراضي الدولة العثمانية في ليبيا.

وتؤكد الحلقة الثالثة والأخيرة من سلسلة "الحرب العالمية الأولى في عيون العرب" -التي بثت في 28/11/2014- أن الحرب العالمية الأولى مثلت بداية النهاية لأربعة قرون من التاريخ العثماني.

فلم تمض تسعة أعوام من بداية الحرب إلى عام 1923، حتى تغير وجه الشرق الأدنى تغيرا كليا وظهر ما صار يسمى "الشرق الأوسط"، وذلك بفعل ضم المشرق العربي للمجال الاستعماري، وبفعل صعود ثلاث حركات قومية تنشد تقرير المصير: الحركات العربية، والتركية، والصهيونية.

كانت الحرب في مبدئها من أجل الهيمنة على العالم بين بريطانيا (القوة العظمى) وألمانيا (القوة الصاعدة)، وكان مشروع سكة الحديد المعروف بخط برلين بغداد هو ركيزة مساعي القيصر فيلهم الثاني إلى تحويل المشرق العربي إلى منطقة نفوذ ألمانية.

إلا أن انهزام ألمانيا في الحرب وضع مصير المشرق العربي في أيدي بريطانيا وفرنسا، ولكن رغم أن المسألة الشرقية ظلت تشغل السياسة الخارجية الأوروبية طيلة عقود، فإن الرأي السائد لدى المؤرخين هو أن فكرة تقسيم الدولة العثمانية لم تكن تخامر بريطانيا وفرنسا في بداية الحرب.  

لم يكن أحد من العرب ليقبل بالتقسيم كما اتضحت معالمه في الاتفاقيات السرية التي عقدت في باريس ولندن، أي اتفاقيات سايكس بيكو ثم وعد بلفور.

تقسيم
وقد وقعت كامل المنطقة الممتدة من خليج العقبة إلى جبال طوروس تحت الاحتلال، كما احتُل العراق، وقد تم احتلال هذه الأراضي لأنها كانت ذات أهمية حاسمة لأهداف الحرب البريطانية، أي تأمين كل من قناة السويس ومصر والطريق إلى الهند، وحقول النفط في إيران وبلاد ما بين النهرين، ومحميات إمارات الساحل المتصالح في الخليج.

كان من الطبيعي أن يرفض العرب التقسيمات والحدود، فقد كانت بلادهم منذ القدم موحدة متصلة، يتنقل فيها الناس دون موانع من المحيط إلى الخليج.

ولم يكن نوفمبر/تشرين الثاني 1917 شهر انكشاف أمر الاتفاقيات السرية بين بريطانيا وفرنسا حول تقاسم المشرق العربي فحسب، بل إنه كان شهر إعلان وزير الخارجية البريطاني آرثر بلفور تأييد حكومته لإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين.

وفي يونيو/حزيران 1917، اجتمع الزعيمان الصهيونيان حاييم وايزمان واللورد روثشايلد مع وزير الخارجية آرثر بلفور وطلبا إعلانا رسميا من الحكومة البريطانية بدعم الصهيونية، وبعد خمسة أشهر فقط صدر الإعلان الذي صار يعرف عربيا بـ"وعد بلفور".

ووصف الكاتب آثر كوستلر وعد بلفور الموقع في نوفمبر/تشرين الثاني 1917 بأن: "أمة وعدت أمة ثانية بأرض أمة ثالثة"، أي أن من لا يملك أعطى من لا يستحق.

المثير أن من حرر هذه الرسالة لم يكن بلفور ذاته أو مساعديه، بل إن من حررها بطلب من بلفور هو حاييم وايزمان الزعيم الصهيوني الذي سيصير أول رئيس لدولة إسرائيل.

لقد كان القرن العشرون الأوروبي قرنا قصيرا بحسب تعريف شهير للمؤرخ أريك هوبسباوم، إلا أن القرن العشرين العربي قد كان أقصر بكثير، بدأ بالغزو الإيطالي لليبيا عام 1911 وانتهى بضياع فلسطين عام 1948.

اسم البرنامج: الحرب العالمية الأولى في عيون العرب

عنوان الحلقة: الحرب العالمية الأولى.. عالم جديد

مقدم الحلقة: مالك التريكي

ضيوف الحلقة:

-    جاك فريمو/مؤرّخ فرنسي

-    ليونيل غوسمان/كاتب بريطاني وأكاديمي

-    جيمس رنتن/مؤرّخ بريطاني

-    علي محافظه/مؤرّخ أردني

-    وآخرون

تاريخ الحلقة: 28/11/2014

المحاور:

-    مفاوضات تقسيم المشرق العربي

-    اتفاقية سايكس بيكو.. عقلية استعمارية بطرق جديدة

-    الدعم البريطاني للصهيونية

-    نهاية 4 قرون من التاريخ العثماني

-    اتساع حركات المقاومة الوطنية في البلدان المستعمرة

مالك التريكي: مثّلت الحرب العالمية الأولى بداية النهاية لأربعة قرونٍ من التاريخ العثماني، فلم تمضِ 9 أعوام من بداية الحرب إلى عام 1923 حتى تغيّر وجه الشرق الأدنى تغيُّراً كليًّا وظهر ما صار يُسمى الشرق الأوسط وذلك بفعل ضم المشرق العربي للمجال الاستعماري وبفعل صعود 3 حركاتٍ قومية تنشد تقرير المصير: الحركات: العربية والتركية والصهيونية، بهذا أدّى مخاض الحرب الكبرى إلى موت عالم وميلاد عالمٍ جديد في المنطقة العربية والإسلامية على أنّ المنطقة قد كانت من الوهن والاضطراب أوائل القرن العشرين بحيث أنها وقعت ضحيةً للحرب الكبرى حتى من قبل أن تندلع، إذ من الأصح التأريخ لبداية الحرب العالمية الأولى بالنسبة للعرب والمسلمين لا بعام 1914 بل بعام 1911 أي بثلاثة أعوام قبل التاريخ المعروف.

عام 1911 انفجرت أزمة أغادير حيث كادت ألمانيا تدخل حرباً مع فرنسا من شدّة التنافس في الاستحواذ على المغرب، وعام 1911 شنّت إيطاليا عدواناً على ليبيا التي كانت آنذاك إيالةً عثمانية كان عدواناً بلا إعلانٍ ولا مقدّمات حتى أنّ الدبلوماسي الصربي ميروسلاف سبلايكوفيتش بعد عقدٍ من ذلك في ملاحظةٍ ثاقبة إنّ الهجوم الإيطالي على ليبيا هو الذي دشّن المسار الذي أدّى أولاً إلى حرب البلقان الأولى عام 1912 والثانية عام 1913 ثم إلى الحرب العالمية الأولى ثم أضاف: لم تكن جميع الأحداث اللاحقة سوى تطوّرٍ ناجمٍ عن ذلك العدوان الأول.

ليونيل غوسمان/كاتب بريطاني وأكاديمي: الحدث الهام الذي دُشّن بداية العقد الثاني من القرن العشرين هو الغزو الإيطالي لليبيا، فقد ارتأى الإيطاليون أنّ السبيل لأن تتحوّل دولتهم إلى قوةٍ كبرى هو أن تصير لديهم مستعمرات على غرار ما كان لدى الفرنسيين والبريطانيين، فقد كان الإيطاليون يعدون ليبيا ساحلهم الرابع وهكذا كانوا يُسمُّونها، وفي واقع الأمر كان الغزو الإيطالي لليبيا إيذاناً بأنّ السلطنة العثمانية أصبحت مفتوحةً للحرب مستباحةً للغزو، واللافت أنّ جميع الشخصيات الهامة سياسياً وعسكرياً في العالَمين العربي والتركي خلال النصف الأول من القرن العشرين قد خاضوا تجربة القتال دفاعاً عن ليبيا ومنهم على سبيل المثال "مصطفى كمال أتاتورك" مؤسس تركيا الحديثة و"عز الدين القسّام" الذي سعى في جمع الأموال وفي شحن السلاح إلى ليبيا، إنّ عشرات الشخصيات ممن طغت على أحداث النصف الأول من القرن العشرين في المنطقة إنما بدأت حياتها السياسية والعسكرية في حملة الدفاع عن ليبيا.

مفاوضات تقسيم المشرق العربي

مالك التريكي: كانت الحرب العالمية الأولى في مبدأها حرباً من أجل الهيمنة على العالم بين بريطانيا القوة العظمى وألمانيا القوة الصاعدة، وكان مشروع سكة الحديد المعروف لخط "برلين - بغداد"هو ركيزة مساعي القيصر فيلهلم الثاني إلى تحويل المشرق العربي إلى منطقة نفوذٍ ألمانية، إلا أنّ انهزام ألمانيا في الحرب وضع مصير المشرق العربي في أيدي بريطانيا وفرنسا، ولكن رغم أنّ المسألة الشرقية ظلت تشغل السياسة الخارجية الأوروبية طيلة عقود فإنّ الرأي السائد لدى المؤرّخين هو أنّ فكرة تقسيم الدولة العثمانية لم تكن تُخامر بريطانيا وفرنسا في بداية الحرب.

جاك فريمو/مؤرّخ فرنسي: لماذا لم يكن هناك في بداية الحرب مشروعٌ لتقاسم المشرق؟ لأنّ المسألة بكل بساطة هو أنه لم يكن معروفاً أي موقفٍ ستّتخذ السلطنة العثمانية، وكان الأمل لبعض الوقت هو أن تمتنع السلطنة العثمانية عن دخول الحرب، ولكن عام 1915 مُني الحلفاء بالهزيمة أثناء هجومهم على الدردنيل فكان أن صارت السلطنة العثمانية آخر الأمر عدواً لا بُد من القضاء عليه، لاسيّما أنّ ما حدث في الأثناء هو أنّ الحكومتين الفرنسية والبريطانية قد اتفقتا مع الحكومة الروسية على منحها منطقة القسطنطينية أو ما يسمّى لدى السلاف بتساغراد التي ظلّت الدبلوماسية الروسية تأمل الحصول عليها منذ القرن الثامن عشر، عندئذٍ بدأ التفكير فعلاً في التقاسم وكان هذا التقاسم موضوع تفاوض ولكنّه كان مجرّد تقاسمٍ نظري لأنّه لم يكن آنذاك أيٌّ من بلدان المشرق العربي قد وقع احتلاله بعد، كانت القوات البريطانية ما تزال على قناة السويس وحاولت إرسال حملةٍ عسكرية إلى بلاد ما بين النهرين ولكنّها مُنيت بالهزيمة فاضطُرّت للاستسلام في كوت والعمارة، وهكذا لم تتمكن قوات الحلفاء من دخول الأراضي العربية ولكن ما حدث وهذا عنصرٌ مهم هو الاتفاقيات التي وُقّعت عام 1915 بين الحسين شريف مكة والمفوض السامي البريطاني في القاهرة هنري مكماهون والمتعلقة من ناحيةٍ بشعل ثورةٍ عربية ومن ناحيةٍ أخرى بالوعد بمملكةٍ عربية كبرى لم تكن ذات حدودٍ واضحة أو نظامٍ محدد بحيث كانت هذه المملكة هي الأخرى مجرّد بناءٍ طوباوي أو على الأقل نظري، إذ أنّ الثورة العربية كانت في بداياتها ولم يكن يُعرف إن كانت ستنجح، إذاً على هذه الأُسس تم التقاسم فكانت الفكرة أن تحصل فرنسا على المنطقة التي ظلّ ممثّلو ما يُسمّى الحزب الاستعماري يأملون في الاستحواذ عليها منذ زمنٍ بعيد وأن تضمن بريطانيا ما يبدو لها ضرورياً لتأمين طريق الهند أي الخليج العربي الفارسي من ناحية والبحر الأحمر من ناحيةٍ أخرى.

مالك التريكي: جرت مفاوضات تقسيم المشرق العربي بين وزير الخارجية البريطاني إدوارد غراي والسفير الفرنسي في لندن بول كامبون، إلا أنّ مهندسي الاتفاق هما جورج بيكو ومارك سايكس، كان جورج بيكو قُنصلاً في بيروت وبعد اندلاع الحرب عُيّن قُنصلاً في لندن وقد كان مثل والده وشقيقه من أشد الناشطين في اللوبي الذي كان يُسمّى آنذاك الحزب الاستعماري، أما السير مارك سايكس فقد كان مستشار الحكومة البريطانية لشؤون الشرق الأدنى وكان الرأي عنده أنّ في وسع الأمة العربية استعادة مجدها الغابر إن هي تخلّصت من الحكم التركي، وقد كتب في الصحافة يمتدح العرب ويُعدّد مناقبهم أما المفارقة فهو أنّه لم يكن يرى أي تناقض بين تحقيق الطموحات العربية بما فيها الطموح للاستقلال وبين توسيع منطقة النفوذ الاستعماري البريطاني في البلاد العربية.

جيمس رنتن/مؤرّخ بريطاني: هنالك افتراضٌ شائع أنّ شخصياتٍ مثل السير مارك سايكس وسواه من راسمي السياسات البريطانيين والفرنسيين كانوا يمكرون ويخادعون في زعمهم دعم فكرة الحرية الوطنية لشعوب الشرق الأوسط، أي أنّ الافتراض السائد هو أنّ هذا الزعم كان مجرّد كذبة وأنهم لم يكونوا صادقين في تأييد فكرةٍ انبلاج عهدٍ جديدٍ من حرية الشعوب، إذ كيف يمكن أن يكونوا صادقين وقد كان لديهم في الوقت ذاته غاياتهم الإمبريالية البالغة الوضوح؟ بالنسبة لبريطانيا وفرنسا في الشرق الأوسط ذلك أنّ غاية البريطانيين خاصةً بعد تشكيل حكومة لويد جورج أواخر عام 1916 كانت تتمثّل في السيطرة على ما كانوا يُسمّونه فلسطين وكذلك ما كانوا يُسمّونه بلاد ما بين النهرين، إلا أنّ ما ينبغي علينا إدراكه هو أنّ ما نعدُّه ازدواجيةً وخداعاً إنما يكون تفسيره في التصورات التي كان يحملها ساسة ذلك العصر عن شعوب المنطقة، وتنبع هذه التصورات في الأساس من التحيُّزات العرقية التي كانت تسم ثقافة النخبة السياسية البريطانية إبّان الحرب العالمية الأولى، هذه النخبة كانت تفترض أنّ من المستحيل أن يذهب الظن بشعوب الشرق الأوسط إلى أنّ الحرية الوطنية التي يتحدث عنها البريطانيون والفرنسيون تعني الاستقلال السياسي، لقد كانت فكرةً مستحيلةً حسبهم وذلك من منطلقٍ عرقي بحت أنّ العالم العربي متأخر وكذلك العالم اليهودي، فمن البديهي في تصورهم أنّ أي سعي نحو الحرية الوطنية يقتضي وصايةً أوروبيةً في المدى المنظور.

اتفاقية سايكس بيكو.. عقلية استعمارية بطرق جديدة

مالك التريكي: صدرت اتفاقية سايكس بيكو المُبرمة في مايو/أيار عام 1916 عن هذه العقلية الإمبريالية الجديدة التي تجمع بين المتناقضات، ولهذا فإنها تضمّنت اعترافاً شكلياً بالتعهّد الذي كان قد قدّمه في العام السابق المفوض البريطاني السامي في القاهرة السير هنري مكماهون إلى شريف مكة بضمان استقلال العرب وذلك لترغيبه في التحالف مع بريطانيا ضد الدولة العثمانية، إلا أنّ الترغيب أو الخداع البريطاني الذي صارت شخصية الكولونيل تي إي لورنس أشهر رمزٍ له في المخيال الشعبي العربي لم يكن السبب الأصلي للثورة العربية الكبرى، بل إنه كان للثورة التي انطلقت من الحجاز أسبابٌ موضوعية تتعلّق أساساً بالسخط على الاستبداد الذي كان سمة حُكم ساسة الاتحاد والترقّي وبالمحنة الإنسانية التي سبّبها قرارهم دخول حربٍ لا علاقة للعرب بها.

علي محافظه/مؤرّخ أردني: شَعَرَ العرب أنّه لا بُد من التفكير بحمايتهم، اجتمع أعضاء الجمعيات السرية العربية في دمشق وهم من العراقيين ومن السوريين أي من بلاد الشام، اجتمعوا وقرّروا أن ينهض العرب أن يثور العرب، كان المقرّر أن تبدأ الثورة في سوريا لأنّ القوات العربية الموجودة في سوريا كانت كافية حتى إذا قامت الثورة أن تنضم إليها وطلبوا من الشريف حسين فقط أن يرأس هذه الثورة، الحقيقة لم يبعثوا فقط للشريف حسين بعثوا لإمام اليمن وبعثوا لعبد العزيز بن سعود وبعثوا لأمير عسير وبعثوا أيضاً لشيخ المنتفق في جنوب العراق وطلبوا منهم أن يتولّى أحدهم قيادة هذه الثورة، كلهم اعتذروا ولم يقبل بها إلا الشريف حسين عند ذلك بعثوا الورقة التي تحتوي مطالبهم ووضعها فيصل بن الحسين بحذائه واتّجه فيها إلى مكة والتقى بوالده وإخوته في الطائف وبحثوا هذا الموضوع وقرّروا أن يبدؤوا الثورة وأن يُنقذوا البلاد العربية.

مالك التريكي: كان هدف الثورة العربية إقامة دولةٍ مستقلة تشمل بلاد الشام وشبه الجزيرة العربية أي المنطقة التي كان مكماهون قد وعد بها الشريف حسين، إلا أنّ ما حصل هو أنّ هذه المنطقة ذاتها قد قُسّمت في اتفاقيات سايكس بيكو بسطرٍ رسمه مارك سايكس يمتد من عكا على البحر المتوسط إلى كركوك والحدود الإيرانية، قُسّمت المنطقة نصفين شمالي الخط من نصيب فرنسا وجنوبيه من نصيب بريطانيا، تُوفّي مارك سايكس بُعيد نهاية الحرب العالمية الأولى ولم يكن آنذاك إلا في الـ39 من العمر ولكنّ المشرق العربي لا يزال يحمل آثار مخططاته إلى اليوم، لم يتوقف دور سايكس عند حد الرسم الأولي لخارطة المشرق العربي المعاصر أو عند حد ترويج عبارةٍ جديدة هي الشرق الأوسط التي تُترجم بروز تصوّرٍ بريطاني جديدٍ بالشرق باعتباره منطقة قومياتٍ عريقة: القوميات العربية واليهودية والأرمينية التي قرّرت بريطانيا تسخيرها في مسعاها لتقويض الإمبراطورية العثمانية، لم ينحصر أثر سايكس في هذه القضايا الكبرى بل إنّ أثره لا يزال باقياً حتى في تفاصيل المشهد اليومي في مختلف البلاد العربية، إنه لمن سُخرية الأقدار حقاً أنّ رجلاً مكروهاً إلى حدٍ كبير في العالم العربي مثل مارك سايكس هو الذي خطَّ بيده مختلف التصاميم والألوان للأعلام أي لرموز السيادة الوطنية لعددٍ كبير من الدول العربية: الأردن والعراق وسوريا واليمن والسودان والكويت والإمارات بل وحتى منظمة التحرير الفلسطينية، حصلت بريطانيا وفرنسا على موافقة حليفتهما روسيا القيصرية على اتفاقية سايكس بيكو ولكنهما قررتا أن تبقى الاتفاقية سرية، الأمر الذي يدل أنها كانت حتى بمعايير ذلك العصر اتفاقياتٍ مفرطةً في الجشع الإمبريالي الذي ندّد به الرئيس الأميركي وودرو ويلسون وعدّه السبب الأصلي لاندلاع الحرب الكبرى، وقد ظلّت الاتفاقيات سريةً إلى أن دبّرت ألمانيا للزعيم البلشفي فلاديمير إيليتش لينين أمر عودته من منفاه السويسري إلى روسيا على متن هذا القطار الذي لا يزال رابضاً في محطة فنلندا في قلب مدينة سانت بطرسبورغ، بعد قرار البلاشفة إخراج روسيا من الحرب حققت جريدة البرافدا ما قد يكون السبق الصحفي الوحيد في عمرها المديد، ففي نوفمبر من عام 1917 نشرت البرافدا بتوجيهٍ من تروتسكي ولينين نصّ الاتفاقية السرية بين سايكس وبيكو وبذلك فضحت روسيا البلشفية السر الذي تكتّمت ووافقت عليه روسيا القيصرية أي مخطط التقاسم الاستعماري للمشرق العربي بين بريطانيا وفرنسا، رغم الاعتقاد الشائع بأنّ الجغرافيا السياسية للمشرق المعاصر هي النتيجة الفعلية لاتفاقيات سايكس بيكو فإنّ هذا ليس بصحيح، ذلك أنّ هذه الاتفاقيات لم تُنفّذ وإنما هي وفرت مسوّدةً أوليّة خضعت لتعديلاتٍ كبرى تم على أساسها تقسيم المنطقة ورسم الخارطة فيما بعد، هذا رغم أنّ لجنة كنغ كرين الأميركية لتقصّي الحقائق في المشرق قد وجدت عام 1919 أنّ جميع العرب كانوا يريدون الوحدة ويرفضون التقسيمات والحدود.

مايكل بروفنس/مؤرّخ أميركي: لم يكن أحدٌ من العرب ليقبل بالتقسيم كما اتضحت معالمه في الاتفاقيات السرية التي عُقِدَت في باريس ولندن أي اتفاقيات سايكس بيكو ثم وعد بلفور، وقد وقعت كامل المنطقة الممتدة من خليج العقبة إلى جبال طوروس تحت الاحتلال كما احتُلّ العراق وقد تم احتلال هذه الأراضي لأنها كانت ذات أهميةٍ حاسمة لأهداف الحرب البريطانية أي تأمين كل قناة السويس ومصر والطريق إلى الهند وحقول النفط في إيران وبلاد ما بين النهرين ومحميات إمارات الساحل المتصالح في الخليج، كانت كل هذه أهداف حربٍ بريطانيةٍ حاسمة منذ البداية بل إنها كانت مصالح بريطانية منذ ما قبل الحرب، وقد اتضح أنّ اتفاقيات سايكس بيكو كانت تشمل أيضاً تقسيم الأناضول إلا أنّ الجيش العثماني تمكن عند عقد الهدنة عام 1918 من التراجع إلى خطٍ يقع شمالي حلب بانتظار شنّ هجومٍ مضاد على القوات البريطانية جنوباً وبفضل ذلك صار هذا الخط هو الحدود، إذاً لم يقع التقسيم إلا بفعل الاحتلال ثم تفاوض البريطانيون مع الفرنسيين حيث جرت المفاوضات مباشرةً بين كليمنصو ولويد جورج والمرجّح أنّ ذلك وقع في سيارة تاكسي بين محطة قطارات فيكتوريا و10 داون ستريت أثناء زيارة كليمنصو للندن في ديسمبر 1918، وقع التقسيم آنذاك بهذه الطريقة العرضية وقد ناهض التقسيم وقاومه الجميع تقريباً في المنطقة.

مالك التريكي: كان من الطبيعي أن يرفض العرب التقسيمات والحدود، فقد كانت بلادهم منذ القدم موحدةً متصلة يتنقّل فيها الناس دون موانع من المحيط إلى الخليج، وقد اتسعت المواصلات وتكثّفت الاتصالات بعد أن فتح العثمانيون عام 1908 خط الحجاز حيث أصبحت الرحلة بالقطار بين دمشق والمدينة المنورة لا تتجاوز 5 أيام، وكان يتفرّع عن خط الحجاز سكةٌ نحو الأردن وأخرى نحو فلسطين ولكن نظراً لأهمية خط الحجاز عسكرياً بالنسبة للعثمانيين فقد تم تخريبه ثم نسفه أثناء الثورة العربية الكبرى، ومثلما هو الأمر هنا في القطرانة قرب معان في الأردن لا تزال هناك إلى اليوم بضعة قطاراتٍ يتيمة تقف شاهدةً على أواخر عهد الوحدة الجغرافية والبشرية للبلاد العربية، لم يكن نوفمبر/تشرين الثاني عام 1917 شهر انكشاف أمر الاتفاقيات السرية بين بريطانيا وفرنسا حول تقاسم المشرق العربي فحسب، بل إنه كان شهر إعلان وزير الخارجية البريطاني آرثر بلفور تأييد حكومته لإنشاء وطنٍ قومي لليهود في فلسطين، تضافرت في التأييد البريطاني للطموحات الصهيونية عوامل متعددة تراوحت من الحسابات السياسية إلى التحيُّزات الثقافية.

الدعم البريطاني للصهيونية

جيمس رنتن: إذا كان لنا أن نفهم علاقة نخبة الإمبراطورية البريطانية بالصهيونية منذ فترة الحرب العالمية الأولى فإنّ من اللازم أن ندرك أهمية التوراة في الثقافة البريطانية، ولا يعني هذا القول بأنّ الدعم البريطاني للصهيونية قد وقع بتأثيرٍ من فكرةٍ دينية، صحيحٌ أن لويد جورج كان ذا خلفيةٍ غير امتثالية ولكن لم يكن لهذا أي دخلٍ في توجيه سياساته أثناء الحرب العالمية الأولى، وإنما صفوة القول أنّ التوراة ولا سيّما نصوص العهد القديم قد كان لها مكانةً مركزيةً في الثقافة البريطانية في تلك الفترة بحيث أن الفكرة التي تضمنتها سرديات الصهيونية بشأن الشعب اليهودي العريق كما تُصوّره المشاهد التوراتية وبشأن عودته إلى مجده التليد لم تكن فكرةً مألوفةً لدى الكثير من البريطانيين فحسب بل إنها كانت كذلك فكرةً رومانسية.

مالك التريكي: وقد لخّص هربرت آسكويث مسألة التحيُّز الثقافي هذه بالقول إنّ لويد جورج الذي خلفه في رئاسة الحكومة البريطانية منذ أواخر عام 1916 لم يكن يكترث لليهود وإنما كان كل همّه أن يحول دون سيطرة فرنسا الملحدة على الأراضي المسيحية المقدسة، ولكن بصرف النظر عن مدى صحة رأي آسكويث فقد كان للدعم البريطاني للصهيونية أسبابٌ عمليةٌ مباشرة تتعلق بتطور مجريات الحرب العالمية الأولى.

ليونيل غوسمان: من كبريات القضايا التي احتدم حولها النقاش قضية تحديد سبب إعلان وعد بلفور هنالك حوالي 3 تفسيرات أو 4 لقرار البريطانيين إصدار وعد بلفور: السبب الأول استراتيجي ومؤدّاه أنّ قيام البريطانيين الذين كانوا آنذاك بمصر بإنشاء مستعمرةٍ يهودية شمالي قناة السويس تكون معتمدةً اعتماداً كلياً على البريطانيين سوف يُساعد في تحقيق الغاية الإستراتيجية الرئيسية لبريطانيا أي حماية الطريق إلى الهند لأنّ ذلك يضمن السيطرة الكاملة على السويس، التفسير الثاني هو ما يُسمّى سامية الاستعلاء ويقوم على الاعتقاد بأنّ اليهود يمسكون بزمام الأمور خلف الكواليس ويسيطرون من طرفٍ خفي على الحكومات بما في ذلك الحكومة الأميركية والحكومة الروسية، بالنسبة للولايات المتحدة مثلاً كان اثنان من أكبر مستشاري الرئيس ويلسون وهما فريكس فرانك فورتر ولويس بران دايز من الصهاينة المتحمسين ورغم أنّ الولايات المتحدة دخلت الحرب آخر الأمر فقد كان البريطانيون مرتابين في أمر الرئيس ويلسون كما أنهم كانوا يتوجّسون من العدد الكبير من المهاجرين الألمان والايرلنديين في الولايات المتحدة الذين كانوا يُناهضون بريطانيا ولهذا فقد كان هم البريطانيين هو ضمان التزام الولايات المتحدة بخوض الحرب وثبات إلى جانبهم حتى اللحظة الأخيرة، وما يعنيه ذلك هو أنه كان لا بُد من ضمان أن يبقى كبار مستشاري الرئيس ويلسون يُحفّزونه ويحثُّونه على تحقيق غايةٍ لا يمكن بلوغها إلا بالقتال حتى النهاية، التفسير الممكن الثالث يتعلّق بالروسية والثورة البلشفية وذلك أنّ البريطانيين كانوا يعتقدون أنّ كثيراً من الزعماء البلاشفة هم من أصلٍ يهودي، فقد كان لقب ليون تروتسكي الحقيقي هو برونشتاين وكان البريطانيون يظنون أنّ الانتماء اليهودي للزعماء البلاشفة يطغى على انتماءاتهم الأخرى ولهذا ارتأوا أنه لا بد من منح اليهود شيئاً يرضيهم ويضمن التزامهم هم أيضاً بخوض الحرب والقتال حتى آخر لحظة ولكن الأمور لم تسر على هذا النحو بالضبط هذا هو واقع الأمر أن لويد جورج عدد في مذكراته حوالي 11 سبباً لصدور وعد بلفور.

[فاصل إعلاني]

مالك التريكي: كان هنالك عاملان آخران حاسمان الأول أن أستاذً للكيمياء في جامعة مانشستر قد اكتشف طريقةً للإنتاج السهل والمكثّف لمادة الأسيتون الضرورية لتصنيع المتفجرات الّتي كانت بريطانيا في أمس الحاجة إليها أثناء الحرب، هذا الكيميائي الروسي الأصل هو الزعيم الصهيوني حاييم وايزمان الّذي سيصير أول رئيسٍ لدولة إسرائيل، ولهذا عبّر رئيس الوزراء البريطاني لويد جورج عن امتنانه ثم قال على سبيل الدعابة في خطابٍ أمام الجمعية التاريخية اليهودية إن مادة الأسيتون قد جعلتني أعتنق الصهيونية، العامل الثاني هو أن مجموعةً من مجرد عشرات من ناشطين صهيونيين معظمهم من أوروبا الشرقية قد بذلوا حثيث المساعي لدى النخبة السياسية البريطانية وتمكنوا في ظرف 20 سنةً فقط من إقناعها بأن دعم الأهداف الصهيونية سوف يخدم المصالح البريطانية، كان المسعى الأخير في يوليو/ حزيران عام 17 حيث اجتمع الزعيمان الصهيونيان حاييم وايزمان واللورد روثشايلد مع وزير الخارجية آرثر بلفور وطلب إعلاناً رسمياً من الحكومة البريطانية بدعم الصهيونية، وهكذا كان فبعد 5 أشهرٍ فقط صدر الإعلان الّذي صار يُعرف عربياً بوعد بلفور، هذا هو وعد بلفور الشهير أي الرسالة الّتي بعثها وزير الخارجية آرثر بلفور في تشرين الثاني/ نوفمبر عام 1917 إلى اللورد روثشايلد لقد كان فِعل هذه الرسالة كما قال الكاتب آرثر كوستلر هو أن أمةً وعدت أمةً ثانيةً بأرض أمةٍ ثالثة، أي أن من لا يملك أعطى لمن لا يستحق، المثير أن من حرر هذه الرسالة لم يكن بلفور ذاته أو مساعدوه بل إن من حررها بطلبٍ من بلفور هو حاييم وايزمان الزعيم الصهيوني الّذي سيصير أول رئيس لدولة إسرائيل، ما إن انتهت الحرب عام 1918 حتى تأكد للعرب أن انتهاء الحُكم العثماني لم يكن تمهيداً للاستقلال الوطني بل للاستعمار الأوروبي والأخطر أن الاستعمار لم يسع إلى السيطرة فقط بل إنه عمل على التفرقة والتجزئة وتغذية النزعة الطائفية.

جورج قرم/ كاتب لبناني: الانتداب الفرنسي يجيء يقسّم سوريا إلى دويلات طائفية دولة علوية دولة درزية، دولتين سنيّة دمشق وحلب وبعدين وضع سنجق الاسكندرونة اللي فيه مدينة أنطاكيا، مدينة أنطاكيا هي مركز المسيحية العربية اللي هو بعدين الفرنساويين أعطوها للأتراك ونحنا سكتنا، جذورنا كنّا مسلمين ومسيحيين بأنطاكيا وجزء كبير من جذورنا بأنطاكيا، فهذه بتفرجي بعدين تأسيس نظام طائفي بلبنان، بالأول كان بشكل ليبرالي إذا بدك بس بعدين صار بشكل شرس حتى أيام الانتداب الفرنسي بلبنان وقت ما صار في كتلة مسيحية كبيرة تبع إميل إده كان بدها تصوت لرئاسة الجمهورية للشيخ الجليل، الشيخ محمد الجسر مفتي طرابلس جاء المندوب السامي وقّف الانتخاب أنه هذه دولة مسيحية انتبهوا فهذا الجو الطائفي والمذهبي من ذلك الحين تواجد، الصهيونية من جهة دويلات طائفية بسوريا، بالعراق أيضاً وضع غير مستقر وبعدين صار في مجازر ضد الأشوريين بالعراق بعدين ما ننسى أيضاً محاولة الملك فيصل الله يرحمه الهاشمي ابن الشريف حسين وقت ما جرّب يصير ملك سوريا وكان عنده أنصار لبنانيين كثار حتى لبنان أيضاً ما يكون مفصول عن سوريا.

مالك التريكي: وزراء، الكثير من الوزراء اللبنانيين.

جورج قرم: وأول وزارة اللي كونها نصفها من المسيحيين ونصفها من المسلمين هذه كانت شغلة روعة طبعاً الفرنسيين ضربوها بحملة عسكرية راحوا من بيروت للشام في معركة ميسلون واستشهد يوسف بك العظمة بس الشيء هنا يعني فرق بينها وبين الأتراك نحن رغم تكوين فرقة عسكرية من قِبل لورنس عربية تساعد الجيش الإنجليزي على طرد الجيش العثماني ما تكونت نواة قوى عسكرية عربية لأنه بميسلون بساعتين الجيش الفرنسي قضى على جيش الملك فيصل وحتى أنا بقراءتي التاريخية يبدو حتى أنه في عز الحرب لم تبلغ الفرقة العربية أكثر من 10 آلاف شخص، في عز الحرب وعادةً  كانت أقرب إلى 2000، 2500 شخص وهذه حسب ضابط إنجليزي كان موجود هناك فالأتراك كان عندهم بقايا الجيش العثماني اللي كان جيش كبير جداً، العرب ما كان عندهم شيء.

نهاية 4 قرون من التاريخ العثماني

مالك التريكي: لم تقتصر المخططات الاستعمارية الأوروبية على المشرق العربي بل إنها شملت تُركيا والأناضول إذ ما إن وقعت اسطنبول تحت الاحتلال البريطاني عام 1919 حتى تألبت القوى الأوروبية على ما تبقى من الدولة العثمانية بغرض اقتسام أراضيها، اتفق الأوروبيون فيما بينهم في مؤتمر سان ريمو في إيطاليا وبعد ذلك اجتمعوا في العاشر من آب/ أغسطس عام 1920 هنا في قصر سيفر في ضواحي باريس وتمكنوا من فرض معاهدةٍ مذلة على محمد السادس آخر سلطان عثماني، كانت الشروط التي فرضها معاهدة سيفر على بقايا الدولة العثمانية من الإجحاف بحيث أن الأمة التركية بقيادة كمال أتاتورك رفضتها رفضاً نهائياً ثم نجحت بعد ذلك في صد جيوش 5 أممٍ أوروبيةٍ غازية، بعد أن نجح مصطفى كمال في إنقاذ تُركيا من الاحتلال الأوروبي عام 1923 استبشر به العرب ونظموا في مدحه القصائد وعمّهم التفاؤل بأن يعيد الكرة فينقذ العراق وبلاد الشام ولكن ذلك لم يكن في متناول مؤسس الدولة التركية الوليدة بل إن مصطفى كمال لم يستطع مد يد العون حتى لرفاق السلاح من العرب الّذين كانوا قد قاتلوا معه في صفوف الجيش العثماني ولهذا لم يجدوا لديه نصيراً عندما تزعّموا حركات المقاومة الوطنية ضد الاحتلال الفرنسي والبريطاني من العشرينيات إلى الأربعينيات، كان من أشهر هؤلاء المقاومين ابن مدينة طرابلس اللبنانية الزعيم فوزي القاوقجي، تخرّج القاوقجي من الكلية العسكرية في اسطنبول عام 1912 وقاتل في صفوف الجيش العثماني طيلة الحرب العالمية الأولى كما قاتل عام 1920 في أول جيشٍ نظامي عربي ضد قوات الاحتلال الفرنسي في ميسلون بسوريا، وبعد فترةٍ من التحاقه بالجيش الفرنسي انشق مع جميع جنود الحامية الّذين كانوا تحت إمرته في حماه لينضم للثورة السورية الكبرى عام 1925 وظل يقاوم البريطانيين والصهيونيين في فلسطين حتى عام 1948، كان القاوقجي من أول المدركين أن القوى الأوروبية خدعت العرب بوعودٍ زائفة كما كان من الناقمين على السياسيين العرب المتعاونين مع الاحتلال، وقد روى كثيراً من تجاربه للسيد يحيى الحكيم الّذي لازمه فتراتٍ طويلةً من حياته وكان كثيراً ما يزوره في هذا البيت في بيروت.

يحيى الحكيم/ صديق يحيى القاوقجي: شوف كان عنده حسرة هو كان يقول إنه في طبقة من السياسيين العرب الّذين لم يؤمنوا بالثورة أنه بعد 5 سنوات من بداية الانتداب الفرنسي كانوا العرب وخصوصاً السوريين والفلسطينيين واللبنانيين والعراقية والمصريين وكلهم يحسوا أنه في كذبة كبيرة كذبوا عليهم وأنه عم يستغلوهم ففي فريق من هؤلاء الّذي فوزي القاوقجي كان منهم والّذي سنة 1925 لما أعلن السلطان باشا الأطرش في السويداء الثورة على الفرنسيين كانت أنه هو فوراً أعلن انضمامه وأعلن من حماة يعني انضمام الفريق اللي كان معه اللي هو أخذ كل الضباط والجنود اللي كانوا في حامية حماة ونزل بالمعركة.

مالك التريكي: اللي كانوا تابعين للجيش الفرنسي.

يحيى الحكيم: اللي كانوا كلهم فرنسيين ونحنا ما لازم ننسى أنه قبل بسنتين يعني سنة 1923 هو أُعطي كجنرال، الفرنسيين أكرموه..

مالك التريكي: جوقة الشرف.

يحيى الحكيم: أنه أعطوه جوقة الشرف أنه أعطوه إياها لأنه كان من الشباب العرب اللي انضم للجيش الفرنسي ولكن هو كان عنده فكرة ثانية هو إذا أنا عم انضم لأنه أنتم رح تساعدونا نطوّر البلاد ونحسّن أوضاعها ويصير هذا الانتداب..

مالك التريكي: مثلما كانت النظرية.

يحيى الحكيم: نظرياً إنه نحنا شعوب غير ناضجة بعد لاستلام مقاليد الحكم وأنه تقدر تقوم بحقيقةً بناء أوطان، فكانت النتيجة أنهم عم يهدموا الأوطان، كان بعدين أنا سألته سؤال لفوزي باشا إنه كيف كانوا ينضموا لك الثوار؟ قال لي أنت بدك تستغرب يحيى أنه أنا كل الشباب اللي أجو لينضموا بالثورة أكان سنة 1925 أو سنة 1936 أو سنة 1948 يجيئوا بسلاحهم يعني كل واحد حامل البندقية تاعته ويسأله فوزي باشا أنت يا ابني أن شاء الله ما إنك متزوج؟ لا الحمد لله الله أكرمني وأنا متزوج، إن شاء الله ما عندك أولاد؟ لا والله الحمد لله أنا متزوج وعندي أولاد، طيب أنت على مين يعني تترك العائلة؟ بتعرف شو قال لي؟ قال لي: أنا أعتمد إنه بعد الثورة الحكومات الوطنية هي اللي ستأخذ على عاتقها تربية أولادي، فهذه الناس هنا كان عندهم صدق الوطنية اللي اليوم للأسف يعني يُحزن أنه نشوف إلى ماذا آلت الحال في الدول العربية، ففوزي القاوقجي كان من النوع اللي كثير من الشباب العرب اللي ناضلوا معه آمنوا بهذه الرسالة وضحوا بحياتهم بالرخيص لأنه هذا الغالي ذهب أدراج الرياح.

اتساع حركات المقاومة الوطنية في البلدان المستعمرة

مالك التريكي: لا يزال الألم الناجم عن هذه الخيبات والانكسارات يفعل فعله في الوجدان العربي الّذي يتحرّق توقاً منذ أوائل القرن الـ20 إلى حرية تقرير المصير إذ قبل الحرب العالمية الأولى بعامٍ كامل عُقد أول مؤتمرٍ عربي للبحث في قضية الحكم الذاتي هنا في مقر الجمعية الجغرافية الفرنسية في باريس، شارك في المؤتمر العربي الّذي طالب بالإصلاح وباللامركزية في إطار الدولة العثمانية 24 ناشطاً من سوريا ولبنان وفلسطين كانوا من خيرة شباب النُخبة العربية المثقفة ولكنهم صاروا في عداد من نُفّذ فيهم حكم الإعدام عامي 1915 و1916 في بيروت ودمشق بقرارٍ من جمال باشا وقد كانت الحسرة عليهم من الأسباب الكثيرة لاندلاع الثورة العربية الكبرى، ولكن إذا كان صاحب القرار في مسألة القضاء على النُخبة العربية معروفاً فإنه لا يُعرف على وجه الدقة من الّذي اتخذ القرار السياسي بالقضاء على النخبة العثمانية بعد انتهاء الحرب إلا أن الثابت أنه قد كان للاستخبارات البريطانية والروسية يدٌ في بعض عمليات الاغتيال الّتي راح ضحيتها أهم 4 شخصيات في أعلى هرم الدولة العثمانية، وقد كان من بين ضحايا هذه الاغتيالات الصدر الأعظم أي رئيس الوزراء سعيد حليم باشا الّذي ينتمي إلى سلالة محمد علي مؤسس الدولة المصرية الحديثة، اغتيل سعيد حليم باشا في روما بوابل من نيران رشاشٍ أطلق على سيارته في وضح النهار إلا أن من غرائب القرن الـ20 أن الصحافة الأوروبية تجاهلت الأمر فلم تنقل خبر اغتيال آخر رئيس وزراء لإحدى أهم إمبراطوريات العصر الحديث، لم تفعل أوروبا بعد الحرب العالمية الأولى سوى تكرار جميع أخطائها ولهذا كان الجنرال الفرنسي فرديناند فوش بالغ الدقة بعيد مؤتمر السلام في فرساي إن هذا ليس سلاماً وإنما هو هدنةٌ لـ20 سنة، وفعلاً بعد 20 سنةً بالضبط اندلعت الحرب العالمية الثانية الّتي سيروح ضحيتها جيلٌ آخر من العرب المجندين إجبارياً في الجيوش الأوروبية ذلك أن النتيجة المباشرة للحرب العالمية الأولى قد تمثّلت في استكمال المسار الاستعماري في كامل العالم العربي وذلك بإخضاع المشرق لنفس مصير المغرب أمّا الّذي سهّل إحكام السيطرة الاستعمارية فهو تمكّن قوى الاحتلال الأوروبية من استخدام وسائل قمعٍ ودمار لم تكن متوفرةً من قبل.

ادوارد سبيرز/ مؤرخ عسكري بريطاني: قرر الأسبان أن يستثمروا في أسلحة الغاز وقد استعانوا بالألمان وأنشئوا مصنعاً للغاز السام أطلقوا عليه اسم الملك ألفونسوا الثالث عشر وبعد أن بنوا ترسانةً كيميائية أخذوا بين عامي 1923 و1927 في شن هجماتٍ في منطقة الريف المغربي أولاً بقذائف الغاز ثم بقنابل الغاز على المقاتلين ومعاقلهم وعلى المدنيين أيضاً، وربما لم تؤدِ هجمات الغاز هذه إلى النصر العسكري ولكن الأكيد أنها ساهمت في إحباط معنويات العدو الّذي لم يكن لديه أي نوعٍ من الحماية ضد الغاز السام، هذا في المغرب، أمّا في ليبيا حيث واجه موسوليني انتفاضات في هذه البلاد الشاسعة فقد جرّب سلاح الجو الإيطالي استخدام الغاز السام فشن هجماتٍ بالغاز على مناطق مختلفة في ليبيا وقد أفضت هذه التجربة إلى ما حدث بعد ذلك في الحبشة.

مالك التريكي: ولكن تزايد القمع لم يجدِ نفعاً أمام تعمّق الشعور القومي واتساع حركات المقاومة الوطنية في البلدان المستعمرة فقد استفاقت شعوب الجنوب واستدارت حركة التاريخ بمثل ما تنبأ المارشال الألماني كولمار كولتس الّذي قاد القوات العثمانية الّتي انتصرت على القوات البريطانية عام 16 في الكوت والعمارة في العراق، لم يكن المارشال كولتس قائداً عسكرياً فحسب بل كان ذا فكرٍ ونظر حيث قال عندما أتى إلى اسطنبول لقيادة القوات العثمانية ليست هذه الحرب سوى البداية ذلك أن علامة القرن الـ20 الفارقة سوف تتمثّل في ثورة الأجناس الملونة ضد توسّع أوروبا الاستعماري، كانت ثورة شعوب الجنوب تتويجاً لمسارٍ طويل من التفاعل مع حضارة المستعمر، بدأ هذا المسار عقب الحرب الكبرى ببروز جيلٍ سياسي جديد كان متشبّعاً بشتى الأفكار التحررية والحداثية وعازماً على مكافحة مظالم أوروبا بقيم أوروبا أي على مواجهة الغرب بأفكاره، كان جيل اجتهاد وتجديد سمته الأساسية سلاسة التأليف بين الثقة في الذات والتعلّم من العالم.

بنيامين ستورا/ مؤرخ فرنسي: لقد مكنهم الاحتكاك بالغرب من أن يصيروا في منتهى الجرأة حيث انتموا لتياراتٍ سياسيةٍ قائمةٍ على التأليف الواعي بين الإسلام والقيم الجمهورية وخاصةً بين الإسلام والاشتراكية فقد كان هذا تيار قوياً آنذاك لأن اكتشافهم للمجتمع الفرنسي عام 1917 قد حصل في خضم الصدمة الّتي أحدثتها الثورة الروسية وحركات تمرّد الجنود والحركات السلمية الرافضة للحروب، فكانت النتيجة أنه انبثقت عن هذه التجربة أيديولوجيات تأليفية تقيم الجسور بين التراث والحداثة جمعوا بجرأةٍ بالغةٍ بين الوفاء للذات والانفتاح على الآخر، في هذا السياق التعددي برز في العشرينيات جيلٌ سياسيٌ جديد سوف يكون لديه تأثرٌ بالثورة الروسية وبالثورة الكمالية في تُركيا وبتطورات الحركة القومية العربية، لقد كانوا منفتحين على جميع هذه المؤثرات في نفس الوقت بل كان إحساسهم قوياً بكل حركة التاريخ وصخب العالم بما في ذلك إعلان مبادئ الرئيس ويلسون.

مالك التريكي: كان لمبادئ الرئيس ويلسون وخاصةً لمبدأ الحق في تقرير المصير صدى واسعٌ لدى شعوب الجنوب فما هي إلا عقودٌ قليلة حتى تبدل العالم كلياً بانتهاء الاستعمار الأوروبي وبروز أسيا وإفريقيا طرفاً جديداً في الفعل التاريخي ولكن مع ذلك كله فإن الأمة العربية لم تحصل على هذا الحق الأساسي، حق تقرير المصير حيث تكاد تكون الأمة الوحيدة في العالم المعاصر الّتي ليس لها دولةٌ قومية تجمع شتاتها وتعبّر عن إرادتها، لم تجد الأمة العربية مكاناً تحت شمس القرن الـ20 ذلك أنه إذا كان القرن الـ20 حسب الطرح الشهير للمؤرخ أريك هوبسباوم قرناً قصيراً بدأ بالحرب العالمية الأولى وانتهى بسقوط جدار برلين فإن القرن الـ20 العربي قد كان أقصر بكثير، كان قرناً خاطفاً فاجعاً بدأ بالغزو الإيطالي لليبيا وانتهى بنكبة فلسطين وقيام دولة جُدرٍ وأسوار.