لم يكن العرب طرفا سياسيا فاعلا في الحرب التي اندلعت عام ١٩١٤، ولم يكونوا من المنتصرين ولا من المنهزمين، ومع ذلك فقد قتل من أبناء العرب وجرح الكثير لأن مئات الآلاف منهم جندوا قسرا للقتال في هذه الحرب العالمية التي لم تكن في الأصل سوى حرب أهلية أوروبية.

وأوضحت الحلقة الأولى من سلسلة "الحرب العالمية في عيون العرب" التي بثت الجمعة 14/11/2014، أن حظ موتى العرب يكشف أنهم أجبروا على القتال مع كلا الجانبين: الحلفاء وأعدائهم، ولكنهم بقوا جنود خفاء لا تحظى ذكراهم بما تحظى به ذكرى الضحايا الأوروبيين من التكريم والتعظيم، بل إنك لا تكاد تجد للضحايا العرب ذكرا في أي من السرديات التاريخية السائدة في أوروبا.

وكشفت الحلقة أن فرنسا جندت أبناء المغرب العربي منذ بداية المعارك في الجبهة الغربية في سبتمبر/أيلول ١٩١٤، وكانت الفرقة 45 الجزائرية والفرقة الفرنسية 87 الوحدتين الأوليين اللتين استهدفتا بهجمات الغازات الكيميائية من قبل القوات الألمانية.

واعتمد المجهود الحربي البريطاني والفرنسي إلى حد كبير على أبناء المستعمرات، حيث جندت فرنسا -في المغرب العربي لوحده- أكثر من ١٧٠ ألفا من الجزائريين وأكثر من ثمانين ألفا من التونسيين، إضافة إلى عشرات الآلاف من المغاربة.

تفرقة
وتميز الجنود المغاربيون بالشجاعة والبسالة الفائقة مما جعل قادتهم يدفعون بهم إلى الجبهات الأمامية، وبالتالي كانت الخسائر في صفوفهم مرتفعة جداً. وكانت نسبة الضحايا عالية بين معظم جنود المستعمرات في معظم فترات الحرب، إذ كان كثيرا ما يُدفع بهم إلى الخطوط الأمامية لمرمى النيران.

وتندرج في سياق هذه التفرقة ضد أبناء المستعمرات حوادث صادمة وقعت على الجبهة الغربية، ولكنها لا تكاد تذكر في كتب التاريخ، وتتمثل في أن الضباط الفرنسيين قرروا إعدام عشرات من الجنود الجزائريين والتونسيين إعداما عشوائيا ناجزا لا لذنب جناه الجنود، وإنما ليكونوا عبرة لكل من تسول له نفسه الفرار من معسكرات القتال.

وقد وقعت إحدى هذه الحوادث التي تعد الأخيرة من نوعها في التاريخ العسكري المعاصر، يوم ١٥ ديسمبر/كانون الأول ١٩١٤ في منطقة زيلباك البلجيكية.

وأخرج عشرون جندياً جزائرياً وتونسياً من الصفوف بطريقة عشوائية وجردوا من السلاح، وعلقت على صدورهم كلمة "جبان"، وصدرت إليهم الأوامر بالتقدم نحو الخطوط الألمانية، وإلى رفاقهم بإطلاق النار عليهم إن لم يسقطوا بنيران العدو.

تمرد
وتشير الحلقة إلى أن التجنيد الإجباري بدأ في تونس عام ١٩١١، أي قبل ثلاثة أعوام من اندلاع الحرب الكبرى، ولم يكن المجندون يعلمون بالضرورة ضد من سيقاتلون. وقد كانت المفارقة فاجعة عندما اكتشف التونسيون أنهم جندوا مع الجزائريين في إطار الحملة الفرنسية لاحتلال المغرب.

وتكرر المشهد عام ١٩١٤، ولم يكن المجندون يعلمون بالضرورة ضد من سيقاتلون، ولكن سرعان ما أدركوا أنهم قد يرسلون لقتال الأتراك والسوريين واللبنانيين والفلسطينيين والعراقيين الذين تربطهم بهم وشائج الإسلام والعروبة.

وهكذا قُدّر على العرب أن يقاتلوا على الجانبين، المغاربة في صفوف الجيش الفرنسي، والمشارقة في صفوف الجيش العثماني، ولكن ضابطا جريئا اسمه مصطفى كمال نجح في تركيا عام ١٩١٦ في ما لم ينجح فيه وزير الحربية أنور باشا في ليبيا عام ١٩١١ ولا في شرق تركيا عام ١٩١٤، ذلك أن القوات العثمانية تمكنت بعد سبعة أشهر من المعارك المريرة، من إحداث المفاجأة بالانتصار على قوات الحلفاء الغازية في شبه جزيرة غاليبولي على مضيق الدردنيل.

غاليبولي
عندما شنت قوات الحلفاء هجومها يوم ٢٥ أبريل/نيسان ١٩١٥، لم يكن الجنود العثمانيون المدافعون سوى فئة قليلة، بل إنه لم تكن لديهم ذخيرة، إلا أن قائدهم مصطفى كمال أصدر لهم التعليمات بالمصابرة والثبات.. "إني لا آمركم أن تقاتلوا، بل آمركم أن تموتوا لي هنا"، وأدى استبسال جنود مصطفى كمال وثباتهم إلى كسب وقت ثمين أتاح فرصة لوصول التعزيزات وصد هجوم الحلفاء.

أما الحقيقة التي لا يكاد يعرفها اليوم أحد، فهي أن هؤلاء الجنود الذين أمرهم مصطفى كمال بأن يموتوا لم يكونوا من الأتراك فحسب، بل إن معظمهم كانوا من الجنود العرب.

وتم توزيع أسرى العرب والمسلمين على عدد من المعسكرات، كان أكبرها معسكرا في منطقة زوسن خصصته ألمانيا للأسرى المسلمين. وبرزت فكرة فصل الأسرى المسلمين عن البقية لضمان الظروف الملائمة لاستمالة المسلمين والدعاية في أوساطهم.

وأقيم معسكر مخصص للأسرى المسلمين خصيصا في منطقة هافمون بداية العام ١٩١٥ وكان مخصصا للأسرى المغاربيين. وشهد هذا المعسكر بناء أول مسجد في تاريخ ألمانيا.

وحرص القيصر الألماني فيلهلم الثاني على بنائه من حر ماله، فقد كانت ألمانيا تجتهد في معاملة الأسرى المسلمين من مغاربيين وأفارقة وهنود وتتر بشيء من الرفق، أملا في ترغيبهم عن فرنسا وبريطانيا وروسيا، واستمالتهم إلى الجانب العثماني.

اسم البرنامج: برامج وثائقية

عنوان الحلقة: موتى العرب في الحرب العالمية الأولى

مقدم الحلقة: مالك التريكي

ضيوف الحلقة:

-   إدوارد سبيرز/مؤرخ عسكري بريطاني

-   محمد البكراوي/مؤرّخ مغربي

-   جيلبير مينيي/مؤرخ فرنسي

-   بيل سليرز/كاتب أسترالي

-   وآخرون

تاريخ الحلقة: 14/11/2014

المحاور:

-   الجزائريون أول من تعرض لهجمات الغاز الألمانية

-   فرنسا وزج الجنود المغاربة في الحرب

-   أبناء المستعمرات في الخطوط الأمامية للقتال

-   جنود مسلمون في مواجهة الدولة العثمانية

-   الجنود العرب ضحايا معارك الأتراك

-   أسرى مسلمون في معسكر زوسن الألماني

مالك التريكي: لم يكن العرب طرفاً سياسياً فاعلاً في الحرب التي اندلعت عام 1914، لم يكونوا من المنتصرين ولا من المنهزمين ومع ذلك فقد قُتِلَ من أبناء العرب وجُرِح الكثير لأنّ مئات الآلاف منهم جُنّدوا قسراً للقتال في هذه الحرب العالمية التي لم تكن في الأصل سوا حربٍ أهليةٍ أوروبية، حربٍ لم يكن للعرب فيها خندقٌ ولا دبابة حتى أنّ الأديب اللبناني ميخائيل نعيمة الذي أرغمته الظروف على القتال في صفوف الجيش الأميركي أهاب بالعرب في قصيدةٍ شهيرة أن يُدركوا أنّهم كانوا مُجرّد حشو مدافع في صراع العمالقة الذي أنتج المعادلة الإستراتيجية التي حدّدت مسار القرن العشرين.

[مقطع من قصيدة "أخي" لميخائيل نعيمة]

أخي إن ضجّ بعد الحرب غربيٌّ بأعماله

 وقدّس ذكرى من ماتوا وعظّم بطش أبطاله

فلا تهزج لمن سادوا ولا تشمت بمن دانَا

بل اركع صامتاً مثلي بقلبٍ خاشعٍ دامٍ

لنبكي حظَّ موتانا

مالك التريكي: كان حظُّ موتى العرب أنّهم أُجبِروا على القتال على كلا الجانبين: مع الحلفاء ومع أعدائهم، ولكنّهم بقوا جنود خفاء لا تحظَى ذكراهم بما تحظى به ذكرى الضحايا الأوروبيين من التكريم والتعظيم، بل إنّك لا تكاد تجد للضحايا العرب ذِكراً في أيٍ من السرديات التاريخية السائدة في أوروبا، ماتوا بعشرات الآلاف ولكنّهم ماتوا غُفلاً من الذكر عُطلاً من دعاءٍ أو رثاء فظلُّوا موتى بلا أسماء الضحية منهم نكرة والجُندي مجهول، حاولنا تعقُّب آثارهم فألفيناهم متناثرين في جميع الجهات في مقابر فرنسا وبلجيكا وتركيا واليونان وفلسطين.

سوف نرى في هذه الحلقة ماذا جرى لأبناء المغرب العربي الذين كانوا أول مَن خاض الحرب من العرب، حيث أنّ فرنسا جنّدتهم منذ بداية المعارك في الجبهة الغربية في سبتمبر عام 1914 ثم نرى في الحلقة الثانية ماذا جرى للعثمانيين ومن ضمنهم عرب المشرق في الجبهة الشرقية منذ الـ14 من نوفمبر/تشرين الثاني عام 1914، وهو اليوم الذي نُؤرّخ به لبداية الحرب العالمية الأولى عيدنا في ديار الإسلام لأنّه اليوم الذي نادي فيه مُفتي دولة الخلافة للجهاد، أما في الحلقة الأخيرة فسوف نرى كيف أدّت الحرب العالمية الأولى إلى تصفية 4 قرون من الوجود العثماني وإلى ولادة عالمٍ جديد في المشرق العربي.

الجزائريون أول من تعرض لهجمات الغاز الألمانية

تعرّض العرب منذ البداية لأفظع ما أفرزته الحرب الكبرى من أهوال أي لهجمات الغاز، كان استخدام الغاز السام سلاحاً لأول مرة في تاريخ الحروب إحدى علامات دخول البشرية طوراً جديداً هو طور تصنيع الموت أي إنتاجه على نطاقٍ صناعي مكثّف، وقد كان الجزائريون ضمن أول من تعرّض مع الفرنسيين لأول الهجمات الألمانية بالغاز.

إدوارد سبيرز/مؤرخ عسكري بريطاني: أول القوات التي تعرّضت لهجمات الغاز هي الفرقة الجزائرية الـ45 والفرقة الفرنسية الـ87، كانت تلك الوحدتين الأوليين اللتين استُهدفتا ولكن الجنود فرُّوا طبعاً إلى جهاتٍ أخرى من الجبهة، أما الهجمات التالية التي شُنَّ عدداً منها في إبريل/نيسان فقد أصابت القوات الكندية والبريطانية والفرنسية أي أنّ عدداً معتبراً من تشكيلات قوات الحلفاء قد تعرّض لهجمات الغاز منذ البداية.

مالك التريكي: مثّلت الحرب الكبرى قمّةً غير مسبوقة في التحالف بين البحث العلمي والتخطيط العسكري، كان تحالفاً فتّاكاً بالملايين كارثيًّا على الإنسانية، هنا على مشارف برلين في معهد القيصر بينهارم الثاني المعهد الذي حصد طيلة القرن العشرين أكبر عددٍ من جوائز نوبل في العلوم، قام عالم الكيمياء الألماني فريتز هابر بأبحاثه التي أدّت إلى تصنيع الغاز السام تصنيعاً حربياً، فصار يُعدُّ أب السلاح الكيميائي، هو العلم يعدو بالحياة شقاوةً لا سعادةً كما ظنّ الشاعر معروف الرُصافي، ولهذا فإنّ الأكاديمية السويدية لم تشعر بالمفارقة عندما منحت فريتز هابر جائزة نوبل في الكيمياء عام 1918، مع أنّ الحرب الطاحنة التي غذّاها باكتشافاته كانت لمّا تضع أوزارها بعد، اعتمد المجهود الحربي البريطاني والفرنسي إلى حدٍ كبير على أبناء المستعمرات، حيث جنّدت فرنسا في المغرب العربي لوحده أكثر من 170 ألفاً من الجزائريين وأكثر من 80 ألفاً من التونسيين، وما كادت تحتل المغرب تحت إمرة الجنرال ليوتي حتى زجّت بالمغاربة في حربها.

فرنسا وزج  الجنود المغاربة في الحرب

مالك التريكي: رغم أنّه لم يمضِ على احتلال فرنسا للمغرب سوى عامين عندما اندلعت الحرب فإنّ الفرنسيين تمكنوا من تجنيد عشرات الآلاف من المغاربة وإرسالهم إلى جبهات القتال من موانئ مثل هذا الميناء الذي بناه الجنرال ليوتي في القنيطرة، كان عدد المغاربة الذين تم إرسالهم من هنا ومن موانئ أخرى 45 ألفاً ولكنّ ربع هؤلاء الرجال مضَوا دون عودة.

محمد البكراوي/مؤرّخ مغربي: الخسائر كانت دائماً مرتفعة جداً في صفوف الجنود المغاربة، لأنّه في نظر القيادة الفرنسية والضُبّاط الفرنسيين لاحظوا بأنّ الجندي المغربي يمتاز بشجاعة وببسالة فائقة فدفعوا بهم إلى الجبهات الأمامية، وبالتالي كانت الخسائر في صفوفهم مرتفعة جداً، من بين 45 ألف الذين شاركوا في الحرب قُتِلَ حوالي 12 ألف مغربي دون احتساب المفقودين الجرحى والأسرى ما يمثلون نسبة 26.6% وهي نسبتها فوق نسبة الفرنسيين التي قُدّرت 24% والمغربيين 15.1%.

مالك التريكي: كانت نسبة الضحايا عاليةً بين معظم جنود المستعمرات في معظم فترات الحرب، حيث كان كثيراً ما يُدفع بهم إلى الخطوط الأمامية لمرمى النيران.

فيصل الشريف/مؤرخ تونسي: حسّ التونسيون بصورة عامة أنهم سيكونون وقود هذه الحرب، هذا لا يتحدّث عنه الكثير إلا بعض المؤرخين الفرنسيين الشُجعان الذين تحدّثوا عن هذا الأمر هناك بعض الكتابات حول هذا الموضوع، أي حتى داخل الجبهات كيف كان يصطف الجنود؟ من يُلقى بهم في الأول؟ مَن الذي يستكشف الجبهات في مرمى النيران، وسنعلم بعد أنّ الفيلق الرابع والفيلق الثامن كانوا هم أول مَن يدخل أو يحاول خرق الجبهات..

مالك التريكي: من التونسيين.

فيصل الشريف: ثم يتكلمون فيما بعد بالطبع عن شجاعة هذا الفيلق، لكن نرى أنّه في هجوم واحد مثلاً يمكن أن يفقدوا نصف العدد من ألفي جندي تقريباً يمكن أن يموت 1200 جندي..

مالك التريكي: وهذا وقع.

فيصل الشريف: وقع فعلاً هناك بعض المعارك مات فيها أكثر من 1200 جندي لخلق خط دفاعي ألماني بطول كيلومترين فقط، وبالتالي هذا هو كان فرنسا أرادت تقي أبنائها أهوال الحرب أو الموت بالدفع بهؤلاء المجندين من المستعمرات لكي يكونوا هم الخارقين لجبهات القتال.

مالك التريكي: ولكن مع التسليم بأنّه كانت هناك تفرقةٌ ضدّ أبناء المستعمرات فإنّ من المؤرخين مَن يرى أنّ نسبة الضحايا بين جنود المستعمرات لم تكن أعلى من نسبة الضحايا بين الجنود الفرنسيين.

جيلبير مينيي/مؤرخ فرنسي: لقد أجريت دراسةً بالاستناد إلى الإحصائيات، كما أنني استجوبت حوالي 100 من جنود الرماة الجزائريين وتبيّن لي من تقديراتي أنّ نسبة الضحايا كانت تقريباً متساويةً بين الجزائريين والتونسيين والمغاربة من ناحية وبين الفرنسيين من ناحية أخرى، الفارق الوحيد هو أنّه قد تبيّن أنّ الجزائريين مثلاً لم يكونا قادرين على التأقلم مع ما يُسمّى بحرب الخنادق، ومنذئذٍ صارت القيادة العسكرية تعمد غالباً إلى دفعهم إلى الهجوم حيث كانوا يقاتلون 3 أيامٍ أو 4 ثم يتم سحبهم إلى الخلف في المعسكرات، في المقابل أرى أنّ نسبة الضحايا بينهم كانت أقل من نسبة الضحايا بين الفرنسيين داخل الخنادق، وعليه فإنّ هذا مبحث لا بُدّ من مراجعته حيث يستدعي الأمر إجراء تحقيقٍ تاريخي دقيق.

أبناء المستعمرات في الخطوط الأمامية للقتال

مالك التريكي: إلا أنّ ما سمعه الكاتب التونسي جلول عزونه من والده الذي خاض الحرب مجنّداً إجباريًّا في الجيش الفرنسي يُؤكّد أنّ أبناء المستعمرات كانوا يُوضعون على الدوام في الخطوط الأمامية للقتال.

جلول عزونه/كاتب تونسي: كانوا بصفة عامة موجودين معهم جنود وضُبّاط من فرنسا وكان يقول لي الضُبّاط الفرنسيين وبالخصوص اللي جايين من باريس كان عندهم ثقافة كبيرة وتربية كبيرة واحترام، لكن يقول لي ثمّة ضُباط آخرين بالطبع من أوساط شعبية ما هم باهين معنا وكانوا دائماً بصفة عامة الشمال الإفريقي والتونسي والجزائري والمغربي يحطوهم في الصف الأول ودائماً عددهم أكثر من عدد الفرنسيين.

مالك التريكي: هذه ثابتة، هذه سياسة رسمية في الجيش..

جلول عزونه: هذه ثابتة، هذا هو انطباع والدي..

مالك التريكي: لأنّ هنالك روايات متطابقة، الكثير من الروايات تقول نفس الشيء.

جلول عزونه: هذه رواية والدي، قال لي إحنا حاطينا يُسمّيهم "شاركنوه"..

مالك التريكي: حشو المدافع.

جلول عزونه: حشو المدافع بأبدان التونسيين والمغاربة.

مالك التريكي: وتندرج في سياق هذه التفرقة ضدَّ أبناء المستعمرات حوادث صادمة وقعت على الجبهة الغربية ولكنّها لا تكاد تُذكر في كُتب التاريخ، وتتمثّل في أنّ الضُبّاط الفرنسيين قرروا إعدام عشراتٍ من الجنود الجزائريين والتونسيين إعداماً عشوائياً ناجزاً، لا لذنبٍ جناه الجنود وإنما ليكونوا عبرةً لكل من تُسوّل له نفسه الفرار من معسكرات القتال، وقد وقعت إحدى هذه الحوادث التي تُعدُّ الأخيرة من نوعها في التاريخ العسكري المعاصر يوم الـ15 من ديسمبر/كانون الأول عام 1914 في منطقة زيلباك البلجيكية.

مالك التريكي: في هذا الموضع من بلجيكا أُخرج 20 جندياً جزائرياً وتونسياً في صفوف كما اتّفق بطريقةٍ عشوائية وجُرّدوا من السلاح، وبعد أن عُلّقت على صدورهم كلمة جبان صدر إليهم الأمر بالتقدُّم نحو الخطوط الألمانية وإلى رفاقهم بإطلاق النار عليهم إن هم لم يسقطوا بنيران العدو.

وقد يكون جيلبير مينيي المؤرّخ الوحيد في العالم الذي تمكّن من الاطلاع على الوثائق التي تُثبت وقوع هذه الجرائم.

جيلبير مينيي: كانت الواقعة يوم الـ15 من ديسمبر/كانون الأول عام 1914 حيث قُتِلَ عددٌ من الجنود حتى يكونوا عبرةً للآخرين كانوا يُعدَمون عشوائياً، لم تكن عملية زيلباك التي تُشيرون إليها واقعةً يتيمة بل وقعت 3 عمليات إعدام عشوائي: الأولى ضدّ جنودٍ من وحدة المشاة المعروفة بالزوّاف وكانوا من الجزائريين اليهود، وأخرى ضدَّ أفرادٍ من وحدة الرماة التونسيين، وثالثةٌ ضدَّ أفرادٍ من وحدة الرماة الجزائريين، إذاً هذه العمليات موثُقةٌ في السجلات العسكرية، إلا أنّ المشكلة أنّه ببلوغ عام 1915 يختفي كل أثرٍ وثائقي دالٍّ على وقوع مثل هذه الإعدامات، وها كم تفسيري كمُؤرّخ في عام 1914 كان كلُّ شيءٍ يتمُّ كتابياً لم يكن هناك تلفون، فلو نزلتم إلى الطوابق السفلية لمبنى الأرشيف العسكري هذا لوجدتم أنّ الوثائق المتعلقة بإحدى الفرق محفوظةٌ في صندوقٍ طوله 5 أمتار، ولكن في عام 1915 أصبح الصندوق أصغر بكثير أما عام 1918 فقد صار صغيراً جداً وهذا يعني أنّه لم يعد هناك اعتمادٌ على الكتابة والورق، أتساءل أفلا يكون السبب في عدم معرفتنا بوقوع إعداماتٍ أخرى أنّ جميع الأوامر تصدر عبر الهاتف بحيث لم يبقَ منها أيُّ أثرٍ كتابي هذه فرضيةٌ أطرحها، ولكن هذا مبحثٌ يستدعي مزيداً من التقصّي.

مالك التريكي: بدأ التجنيد الإجباري في تونس عام 1911 أي قبل 3 أعوام من اندلاع الحرب الكبرى، لم يكن المجنّدون يعلمون بالضرورة مَن سيقاتلون، وقد كانت المفارقة فاجعة عندما اكتشف التونسيون أنّهم قد جُنّدوا مع الجزائريين في إطار الحملة الفرنسية لاحتلال المغرب، تكرّر المشهد عام 1914 لم يكن المجنّدون يعلمون بالضرورة مَن سيُقاتلون ولكن سُرعان ما أدركوا أنّه قد يُرسل بهم لا لقتال عدوٍ لهم بل لقتال إخوتهم من العثمانيين أي الأتراك والسوريين واللبنانيين والفلسطينيين والعراقيين الذين تربطهم بهم وشائج الإسلام والعروبة، عندها بدأ التململ الذي أدّى في إحدى الحالات إلى التمرُّد وإلى رفض الصعود على البواخر العسكرية، كان ذلك في بنزرت في نوفمبر/تشرين الثاني عام 1914 أي بعد أسبوعين فقط من دخول الدولة العثمانية الحرب ومناداة المُفتي الأكبر بالجهاد.

فيصل الشريف: في الـ30 من نوفمبر بالضبط عندما رفض هؤلاء الجنود الصعود إلى الباخرة والذهاب إلى جبهات القتال، مردُّ ذلك أساساً كما قلنا تنامي هذا الحس الديني وهذا الشعور في حين أنّ حتى التقارير العسكرية الفرنسية تنفي هذا الشعور الديني ونحن نستغرب يعني كما تعلمون هناك تعتيم حتى عسكر لئلا يتطور هذا الشعور ويصبح تقريباً هو السمة الطاغية وحتى هذا الرفض سيُعلّل فيما بعد بأننا سنُحارب مسلمين مثلنا، وهذا ما لعبت عليه كثيراً الدعاية العثمانية آنذاك من خلال ليبيا بالطبع وكذلك حتى الدعاية الألمانية، ألمانيا كانت تقول نحن مع المسلمين ضدَّ هؤلاء الذين يريدون الحرب ويريدون بالطبع بعث أو إرسال هؤلاء الجنود للقتال من أجل فرنسا أو من أجل إنجلترا، فبالتالي كانت تُسوّق الدعاية الألمانية والعثمانية بعبثية هذه الحرب وعدم جدواها.

جنود مسلمون في مواجهة الدولة العثمانية

مالك التريكي: إذاً ما حدث آنذاك عشرات من الجنود التونسيين رفضوا الصعود على متن الباخرة التي كانت متّجهة إلى مرسيليا ومن هناك كانوا سيرسلون إلى جبهات القتال، ماذا حدث عندما رفضوا الصعود على متن الباخرة؟ ماذا كان ردُّ فعل الضُبّاط العسكريين الفرنسيين؟

فيصل الشريف: لم نجد إشارات خلال الأرشيف العسكري الفرنسي إلى هذا الركب للصعود، ولكن وقع تعتيم لمعرفة هذا الصعود ما هي أسبابه؟ ولكن لم يتم ذكر كيف وقع وقف هذا الحادث وكيف تمّت مجابهته، المعروف اليوم ومن خلال الوثائق التي اطّلعت عليها وحتى محمد بش حانبة أخ علي باش حانبة الذي أصدر مجلّة المغرب في جنيف عندما هاجر إلى هناك للتعريف بالقضية التونسية وللوقوف مع الإمبراطورية العثمانية ضدَّ هذه الحرب قد قال أنّ هناك ما يقارب بين 100 إلى 150 جنديًّا قُتلوا لكي يكونوا عبرةً للآخرين على أن لا يعصوا الأوامر العسكرية، هذا الرقم يمكن تأكيده ربّما بسهولة ولكن هذا يتطلّب بحث ويتطلّب وقت بالعودة إلى من تم دفنهم آنذاك ومَن قُتلوا في ذلك التاريخ بالذات، لأنّ لدينا التاريخ ولدينا ربّما المقابر التي دُفنوا بها هؤلاء الجنود فبالتالي يمكن التحقق من ذلك ولكن كما قلت يتطلّب عمل كبير، ولكن هذا العمل تم التعتيم عليه بصورة كبيرة جداً حتى لا ينتشر الخبر داخل تونس ولا ينعكس على الجزائر والمغرب مما سيُحفّز العديد من الجنود الذين سيتم إرسالهم إلى الجبهات إلى الاقتداء بهؤلاء والعصيان، وإذا كان العصيان عامًّا في تونس والجزائر والمغرب فبالتالي فرنسا ستواجه خطر كبير ولن تقدر على إرسال الجنود إلى جبرهم.

مالك التريكي: كان اضطرار المجنّدين المسلمين لمقاتلة مسلمين آخرين باعثاً على التمرُّد في أكثر من مكان، فبمثل ما تمرّد التونسيون ضدَّ الجيش الفرنسي في بنزرت تمرّد المجندون المسلمون الهنود ضدَّ الجيش البريطاني في سنغافورة.

كاملة شمسي/روائية باكستانية: وردت أنباءٌ آنذاك عن أنّ بعض الجنود الهنود المسلمين قد تملّكهم استياءٌ شديدٌ من إجبارهم على الذهاب لقتال قوات دولة الخلافة أي الدولة العثمانية، وقد حدث ذات مرة أنّ كتيبةً كاملةً رفضت ركوب الباخرة لكنّ احتجاج الجنود كان سلمياً، لست أذكر أين ولكنّي متأكدة أنهم كانوا سيُرسلون إلى العراق وأنّهم رفضوا غير أنّ الواقعة الأخطر هي واقعة سنغافورة التي لا بُدّ أنّها كانت مخيفةً بالنسبة للبريطانيين وذلك أنّ فرقة المشاة الخامسة المتآلفة بأجمعها من جنودٍ هنود مسلمين قد عمدت إلى إطلاق النيران على الضُبّاط والجنود البريطانيين فقتلت أكثر من 80 منهم، وقد كانت الإجراءات الانتقامية ضدَّ هؤلاء الهنود بالغة القسوة، لقد كان تمرُّداً بأتم المعنى ولا شكّ أنّ هذا التمرُّد قد أصاب الضُبّاط البريطانيين بالهلع لأنّ المُجنّدين الهنود كانوا بمئات الآلاف، فتخيل لو أنّ عدوى التمرُّد انتشرت بينهم فأنّا للقيادة البريطانية أن توقف ذلك السيل، لكنّ الاحتجاج ضدَّ الجيش البريطاني لم يقتصر على المسلمين لأنّ الأمور آلت آنذاك إلى أنّ الوطنيين الهنود من جميع الديانات صاروا يريدون طرد البريطانيين من بلادهم.

[فاصل إعلاني]

مالك التريكي: كذلك كان الأمر في تونس فقد تحوّل تمرُّد بنزرت من تعبيرٍ عن النقمة الشعبية على التجنيد الإجباري إلى شرارة انطلاق لعمليات المقاومةٍ الوطنية ضدَّ الاحتلال الفرنسي، وهكذا اندلعت عامي 1915 و1916 انتفاضةٌ في منطقة قابس جنوب البلاد حيث تحالف التونسيون الثائرون على الاحتلال الفرنسي مع الليبيين الثائرين على الاحتلال الإيطالي بقيادة خليفة بن عسكر، ووقعت معركتان في الجنوب تخلّلتهما عشرات المناوشات التي تكبّد فيها الجيش الفرنسي مئات الخسائر في الأرواح، وقد ذاع آنذاك صيت ثوّارٍ من أمثال محمد الدغباجي والبشير بن سديرة ومحمد بن عون الذين انتقشت أسماءهم في الذاكرة الوطنية وبقي ذكرهم خالداً في التراث الشعبي، ولكن رغم الانتفاضات وأعمال المقاومة فإنّ معظم مَن جُنّدوا في صفوف الجيش الفرنسي لم يجدوا مناصاً من خوض هذه الحرب الإجبارية، كان من بين هؤلاء محمد بن مصباح والد السيدة منى وشقيقتها السيدة تاوس زوجة المناضل الأزهر الشرايطي الذي قاتل ضدَّ الاستعمار الفرنسي في تونس كما قاتل ضدَّ العصابات الصهيونية في فلسطين، كان والدهما من قُدامى المحاربين وحصل لبسالته على وسام الشرف العسكري الفرنسي.

منى بن مصباح/ ابنه مجند في الحرب الكبرى: هو صغير لقي طبعا الدولة مستعمرة، إجباري بش تهزهم، هزتهم معناها بالسيف إجباري عليهم..

مالك التريكي: بالقوة.

منى بن مصباح: بالقوة، إذا أخذته من تلقاء نفسه بش واحد بش يمشي، بش يستشهد في بقعة أخرى وكيفما نقول يحارب في غير بلاده ولا على غير داره وبلاده ما نظن هم هزوهم بالقوة وقتها.

مالك التريكي: ما عندهم خيار.

منى بن مصباح: ما عندهم حتى خيار، ما عندهم حتى خيار هزوهم، وبعد هو عمل حاجة باهية في تونس اللي هو ولد عمه رجل أختي الأزهر الشرايطي مناضل كان قائد الثورة التونسية وهو اللي عاونهم.

مالك التريكي: كان واقف معهم.

منى بن مصباح: كان واقف معهم..

مالك التريكي: وطني على بلاده.

منى بن مصباح: وطني على بلاده.

مالك التريكي: وهذه آخر تصويره للوالد الله يرحمه اللي توفى عام 1972.

منى بن مصباح: عام 1972.

مالك التريكي: ملامح، ملامح تونسية أصيلة.

وقد احتفظت عائلة أحد أصدقاء والد الكاتب جلول عزونة بوثائق مثيرة تعود إلى فترة أسره في الحرب وتُثبت أن من بين من كانوا يزورون الأسرى آنذاك زعماء وطنيين من قادة حركة الشباب التونسي المعروفة بحركة تونس الفتاة ممن لجئوا لدى حكومة تركيا الفتاة في اسطنبول في إطار الكفاح السياسي من أجل التحرر من الاستعمار الفرنسي.

جلول عزونة/كاتب تونسي: السيد هذا اسمه منصور بن محمد بن حميد بن علي بن مبروك الباهي، منصور الباهي هذا توفي سنة 1976 وبقي 7 سنوات أسير وظن والده أنه مات ووقعت تعزيته فيه إلى آخره، وكان ممن زارهم مرات المناضل التونسي الكبير المرحوم علي باش حانبة الذي كان لاجئاً في تركيا وكان يحمل لهم بعض الوثائق..

مالك التريكي: كان لاجئاً للتعريف بالقضية التونسية.

جلول عزونة: للتعريف بالقضية التونسية والدفاع عنها وكان لهذه المعسكرات الأسرى في الحرب ليرفع من معنوياتهم ويفتح لهم الآفاق وكان من جملة ما يقول لهم كان يجيب لهم شوية أدعية وهذه بعض أوراق 4 أوراق مخطوطة فيها أدعية وهي كلها تدعو إلى الإيمان بالله وإلى الإيمان بالقضاء والقدر وإلى الصدق في هذا الإيمان لأنه هذا يأتي بـ..

مالك التريكي: بالمعجزات.

جلول عزونة: بالمعجزات وعزاء كبير إلى آخره كان يرفع من معنوياتهم وكان يقول لهم أنه سيأتي يوم سيقع تحريركم وسيأتي يوم ستستقل فيه تونس وبربي يقول لهم ما يغركم ما تلقوا ظروفهم في الإقامة هنا في رومانيا ولا في تُركيا وفي ألمانيا ولا فرنسا، ولا في فرنسا ولا في غيرها وتعجبكم بنات..

مالك التريكي: تتزوجون منهم.

جلول عزونة: وتتزوجون منهم ولا بد أن ترجعوا لتونس وتتزوجوا التونسيات لأن تونس ستستقل يوماً ما بفضل تجربتكم أنتم التي عشناها في الحرب، بفضل خبرتكم إلى آخره.

مالك التريكي: وبينما احتفظت بعض العائلات بتذكار الوثائق والصور فإن من العائلات من لم يكن لديها ولو هذا الحد الأدنى من العزاء، فقد كان جد هذا الشاب من قدامى المحاربين ولكنه لم يكن يعلم أن هناك في سجلات الإدارة العسكرية الفرنسية ما يُثبت أن جده قاتل في الحرب الكبرى إلى أن حدثت المفاجئة يوم أتى معنا إلى هذا المتحف الصغير في منطقة نفيضة في وسط تونس.

حفيد أحد المقاتلين التونسيين القدامى: جدي.

مالك التريكي: هذا أبو الوالدة، ما كنت تعرف عنه.

حفيد أحد المقاتلين التونسيين القدامى: ما كنت أعرف.

مالك التريكي: ما كنت تعرف أنه موجود.

حفيد أحد المقاتلين التونسيين القدامى: ما كنت أعرف.

مالك التريكي: وثائق غير مؤرشفة في الأرشيف الرسمي، هذه موجودة في المتحف هذا طبعا وفيه المعطيات عنه كلها قبل ذلك في معطيات أنه هو في أي عام مولود، مولود عام 1895.

حفيد أحد المقاتلين التونسيين القدامى: 1895.

مالك التريكي: وأنه و شارك في الحرب كاملة عام 1914 وعام 1918 وكان طبعا في السوم المنطقة الفرنسية في الجبهة الغربية، أصيب في كتفه.

حفيد أحد المقاتلين التونسيين القدامى: توفى هو عام 1976.

مالك التريكي:عام 1976.

حفيد أحد المقاتلين التونسيين القدامى: عام 1976 توفى.

مالك التريكي: عام 1945 في بيان بالإعانات التي كانت السلطات الفرنسية تقدمها لقدامى المحاربين، هنا يذكر مثلاً أنه في البداية كان الحصول على ثياب، ثياب وقماش هنا يذكر حتى أنه قدم له إعانة عام 1946 هذا لتجهيز ابنته للزفاف.

حفيد أحد المقاتلين التونسيين القدامى: خالتي، خالتي.

مالك التريكي: خالتك.

حفيد أحد المقاتلين التونسيين القدامى: خالتي الكبيرة.

مالك التريكي: يعني توثيق عائلي.

حفيد أحد المقاتلين التونسيين القدامى: الله يرحمها.

مالك التريكي: الله يرحمهم جميعاً، كان قدر العرب أن يقاتلوا على الجانبين، المغاربة في صفوف الجيش الفرنسي والمشارقة في صفوف الجيش العثماني وعندما اندلعت الحرب كانت الدولة العثمانية التي نعتها القيصر الروسي نيكولا الأول برجل أوروبا المريض قد خرجت لتوها من سلسلةٍ من الهزائم حيث أنها عجزت عن صد الغزو الإيطالي في ليبيا كما فقدت معظم أراضيها الأوروبية في البلقان، ولكن ضابطاً جريئاً اسمه مصطفى كمال نجح في تُركيا عام 1916 فيما لم ينجح فيه وزير الحربية أنور باشا في ليبيا عام 1911 ولا في شرق تُركيا 1914 ذلك أن القوات العثمانية تمكنت بعد 7 أشهر من المعارك المريرة من إحداث المفاجئة بالانتصار على قوات الحلفاء الغازية في شبه جزيرة غاليبولي على مضيق الدردنيل.

عندما شنت قوات الحلفاء هجومها يوم الخامس والعشرين من أبريل/ نيسان عام 1915 لم يكن الجنود العثمانيون المدافعون سوى فئةٍ قليلةٍ بل إنه لم يكن لديهم ذخيرة إلا أن قائدهم مصطفى كمال أصدر لهم التعليمات بالمصابرة والثبات " إني لا آمركم أن تقاتلوا بل آمركم أن تموتوا".

بيل سليرز/كاتب أسترالي: أتوا من هنا، قاد مصطفى كمال طلائع قوات الاحتياط العثمانية لقلب معركة الدفاع عن غاليبولي فما إن وصل حتى اعترضها الجنود الأتراك، كانوا يتقهقرون في هذا الاتجاه فطلب منهم أول الأمر أن يتوقفوا فأشاروا للأعداء وكانوا على مسافة مئات أمتار فقط فقال أثبتوا وعندما قالوا له إنه ليس لدينا أي ذخيرة أمرهم أن ينبطحوا متمترسين خلفها وأحجم الجنود الأستراليون عن التقدم وتوهموا أنه قد صار أمامهم خط دفاع تُركي قوي، عندها أصدر مصطفى كمال تعليماته "إني لا آمركم أن تقاتلوا بل آمركم أن تموتوا" وشرح لجنوده أنهم لا بد أن يثبتوا ريثما يأتي المدد وهذا ما وقع فعلاً فقد أدى استبسال جنود مصطفى كمال وثباتهم لكسب وقتٍ ثمين أتاح للتعزيزات فرصة الوصول إلى هنا وصد هجوم الحلفاء وهكذا كان فقد مات معظمهم بعد أن أبلوا أحسن البلاء، لم يكن لديهم آنذاك ذخيرة لقد أتت الذخيرة فيما بعد لكنهم تمترسوا هنا وقاتلوا وتوالت المعركة سجالاً على حسب وصول مزيد من المدد لهذا الجانب أو ذاك لكن عدد ضحايا الأستراليين والنيوزلنديين كان كبيراً جداً وأكسب استبسال أولئك الجنود العثمانيين هنا مصطفى كمال فسحة الوقت التي أتاحت وصول التعزيزات وإغلاق بوابة غاليبولي أمام التعزيزات.

الجنود العرب ضحايا معارك الأتراك

مالك التريكي: أما الحقيقة التي لا يكاد يعرفها اليوم أحد فهي أن هؤلاء الجنود الذين أمرهم مصطفى كمال بأن يموتوا لم يكونوا من الأتراك فحسب بل إن معظمهم كانوا من الجنود العرب.

بيل سليرز: كان مصطفى كمال يقود في ذلك اليوم الأول من المعركة الخامس والعشرين من أبريل/نيسان جميع القوات في هذه المنطقة بما فيها فرقته التي كانت تتألف من 3 أفواج ومن بين أفواجه الثلاثة لم يكن هنالك إلا فوج تُركي واحد أما الفوجان الآخران وهما الفوج العربي الـ72 والفوج العربي الـ 77 فقد كانا يتألّفان من جنود عرب وقد قاتل هؤلاء العرب والأتراك معا ضد جنود الحلفاء الذين كانوا أكثر منهم عدداً بكثير وهكذا صمدوا حتى وصلت التعزيزات، لقد كان اعتماد مصطفى كمال على الجنود العرب اعتماداً كبيراً صحيح أن دور هؤلاء العرب قد غُيّب فيما بعد من التاريخ وذلك في سياق إنشاء أسطورة التأسيس للجمهورية التركية التي نهضت من رماد الإمبراطورية العثمانية إلا أن الحقيقة أن أولئك الجنود العرب صمدوا ها هنا وضحوا بأرواحهم بحيث إن تاريخهم متلاحم مع تاريخ الأمة التركية ومع تاريخ مصطفى كمال أبي تركيا الحديثة.

مالك التريكي: من فوق هذه الربوة في شبه جزيرة غاليبولي قاد مصطفى كمال المعركة التي أدت إلى انتصار الجيش العثماني على قوات الحلفاء أثناء الحرب العالمية الأولى، وقد كانت تلك بداية شهرته قائداً عسكرياً مظفّراً ثم قائداً سياسياً لتركياً الحديثة وقد بلغ من شهرته وتفاؤل العالم الإسلامي به أن أمير الشعراء أحمد شوقي مدحه في قصيدة شهيرة يشبهه فيها بخالد بن الوليد الصحابي الجليل، يقول في القصيدة:

الله أكبر كم في الفتح من عجبِ

يا خالد الترك جدد خالد العربِ

صلحٌ عزيزٌ على حرب مظفرةٍ

فالسيفُ في غمده والحق في النُصُبِ

ومثلما تفرّق ضحايا العرب بين مختلف مقابر أوروبا وتُركيا والبلقان فإن أسراهم أيضاً قد توزعوا على جميع المعسكرات وقد كان من أكبرها هذا المعسكر الذي خصصته ألمانيا للأسرى المسلمين في منطقة زوسن غير بعيد عن العاصمة برلين.

أسرى مسلمون في معسكر زوسن الألماني

هايكة ليباو/مؤرخة ألمانية: وقع أول نقلٍ لأسرى الحرب الفرنسيين ومن كان في عدادهم من أسرى المغرب العربي في خريف عام 1914 وقد أُرسلوا إلى زوسن ومواقع أخرى، لم يكن هناك في البدء فصل بين الفرنسيين والمغاربيين ثم برزت فكرة فصل الأسرى المسلمين عن البقية، أمّا الغاية من ذلك فكانت ضمان الظروف الملائمة لاستمالة المسلمين والدعاية في أوساطهم، ولهذا كان الاقتراح بأن يُقام معسكرٌ للأسرى المسلمين خصيصاً وهذا ما حدث حيث أقيم معسكر في زوسن وأطلق عليه اسم فايمبر غلاغر وكان يؤوي الأسرى التتار من الجيش الروسي، أما الآخرون فقد أرسلوا إلى معسكر هافمون الذي أقيم في بداية عام 1915 وكان مخصصا للأسرى المغاربيين ولكنه كان يؤوي أيضاً الأسرى الهنود ومجموعةً صغيرةً من الكوريين والفيتناميين.

مالك التريكي: هنا في هذا المعسكر أُقيم أول مسجد أو مصلى في تاريخ ألمانيا وقد حرص القيصر الألماني فيلهلم الثاني على بنائه من حُر ماله، فقد كانت ألمانيا تجتهد في معاملة الأسرى المسلمين من مغاربة وأفارقة وهنود وتتار بشيءٍ من الرفق أملاً في ترغيبهم عن فرنسا وبريطانيا وروسيا وفي استمالتهم إلى الجانب العثماني أي  إلى حليف ألمانيا الإسلامي.

بيتر هاينة/ مؤرخ ألماني: بُني هذا المصلى في بداية الحرب العالمية الأولى أي أواخر عام 1914 وأوائل 1915 وقد تكفّل القيصر الألماني فيلهلم الثاني بنفقات البناء من ماله الخاص، كان هذا المصلى يمثل في أحد الوجوه عملاً دعائياً، كان يقيم في برلين عقب الحرب حوالي 400 أو 500 مسلم وقد كانوا يأتون هنا لصلاة الجمعة وكانوا يؤمونه خصوصاً في رمضان ومن بعد شيّد المسلمون بأنفسهم مسجدا آخر في برلين وبما أن هذا المصلى كان مبنيا من الخشب وليس من الحجارة أي أنه لم يكن بناء صلدا متيناً فإنه قد انهار أواخر العشرينيات بفعل الزمن والإهمال.

مالك التريكي: بلغ التنسيق بين الحليفين الألماني والعثماني حد استقدام عرب من السياسيين والمثقفين المعروفين بزيارة الأسرى وذلك في مسعى لرفع معنوياتهم وإقناعهم بموالاة الدولة العثمانية وحليفها الألماني وذلك على أساس أن هذا هو الطريق الأوحد لتحرير أوطانهم من الاستعمار الفرنسي والبريطاني.

بيتر هاينة: كان هنالك في المقابل بعض الأنشطة التي كانت تشمل التمرينات والألعاب الرياضية كما كان برنامج الترويح أو رفع المعنويات يشمل استقدام زوارٍ كبار من الزعماء الوطنيين العرب من أمثال المصري محمد فريد والتونسي صالح الشريف اللذين كانا يروجان لقضية تحرير مصر وتونس من الاستعمار كما كان من بين كبار الثوار رجل الثقافة والسياسة السوري الشهير شكيب أرسلان الذي جاب مناطق مختلفة من ألمانيا وأتى إلى هنا وعندما زار مدينه كولونيا قابل عمدتها كان العمدة آنذاك كونراد أديناور الذي سيصير بعد الحرب العالمية الثانية مستشار دولة ألمانيا الغربية كان كل هذا جزءا من الأنشطة في معسكر الأسرى.

مالك التريكي: أثناء تتبعنا لآثار الجنود العرب في الحرب العالمية الأولى اكتشفنا أن علماء اللسانيات والإثنوغرافيا الألمان قد اغتموا الوجود العربي القسري في ألمانيا آنذاك لإجراء دراسات ميدانية في معسكر زوسن، كان من أعظم ثمار هذه الدراسات أنها خلّدت لنا تسجيلاتٍ لأصوات عددٍ من أسرى المغرب العربي بحيث أن من كان جندي خفاء مُجرّد رقم في إحصائيات الموت قد صار الآن إنسانا يروي محنةً ويبث شكوى صار ذات صوت يخاطب سمع الزمان، كان معظم الجنود من البُسطاء الأميين أو الذين لم يتجاوزا حفظ نصيب من القرآن الكريم ولكن من أنفس ما اكتشفناه في هذه التسجيلات الألمانية صوتاً لأسيرٍ مغربي ينشد أبيات من أراك عصي الدمع، نعم هنالك في إنشاده هنات وأخطاء ولكن تمثل هذا الأسير البسيط برائعة من عيون الشعر العربي يثبت أنه كان عارفاً بقصة أشهر وأشعر أسير الشاعر الأمير أبي فراسٍ الحمداني الذي عاش في القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي ووقع في أسر الروم مرتين فكان من أبدع رومياته أراك عصي الدمع التي يشكو فيها ألم الأسر ولوعة الشوق ولكن بكل شممٍ وعزّة نفس وما تلك إلا شكوى الحُر الكريم.

تسجيل صوتي لأسير مغربي: أرَاكَ عَصِيَّ الدّمعِ شِيمَتُكَ الصّبرُ، أما للهوى نهيٌّ عليكَ ولا أمرُ...