فتحت الصحف والمجلات الفرنسية الأحد الماضي نيرانها على السياسيين الفاسدين، وطالبت بثورة جديدة -بلا مقصلة- تطيح بكل هؤلاء الفاسدين.

وأظهرت استطلاعات للرأي أن 85% من الفرنسيين يرون أن هذه الطبقة السياسية الفاسدة يجب تغييرها، في حين يرى 55% أن الفساد استشرى بين السياسيين الذين أصبح خطابهم العنصري وسيلة للوصول إلى المناصب والكراسي، بدءا من البلديات مرورا بالبرلمان وصولا إلى كرسي الرئاسة.

حلقة الأربعاء (15/2/2017) من برنامج "بلا حدود" استضافت وزير المساواة الاجتماعية وتكافؤ الفرص الفرنسي السابق عزوز بجاج، الذي تحدث عن العنصرية والفساد في الطبقة السياسية الفرنسية وانعكاساتها على انتخابات الرئاسة في ظل اتهامات الفساد للمرشح فرانسوا فيون وتحويل الرئيس السابق ساركوزي وسياسيين آخرين للمحاكمة.

الخلاف مع ساركوزي
وروى بجاج تفاصيل خلافه مع الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي، حين استقال من منصبه في الحكومة الفرنسية عام 2007، وألف كتابا عن علاقته بساركوزي الذي قال إنه كان يشكل خطرا كبيرا على الجمهورية الفرنسية.

وقال "كانت هناك محاولات لجعل المهاجرين كبش فداء، ولم أقبل بمرور هذا الخطاب. وما يحدث الآن أن فرنسا تبحث عن العدالة. وتأكدت أنني كنت على حق".

وأضاف الوزير السابق "قيل لي: لا يجب نشر هذا الكتاب الذي كان ضد ساركوزي، ولا يجب أن تستقيل قبل الانتخابات. لكني نشرت الكتاب ولم أواجه أي مشاكل. والديمقراطية عملت بشكل مثالي. ابتعدت بعض الشيء، وكانت هناك محاولات لجعلي شماعة لتعلق عليها كل المشاكل والأمور السلبية".

وردا على سؤال بشأن الأسباب الحقيقية للعنصرية داخل الطبقة السياسية تجاه زميل لهم في الحكومة، قال بجاج "رأوا أنني تمكنت من الوصول لمستويات عالية جدا ونجحت في حشد دعم الفرنسيين من أصول أفريقية وعربية ومسلمة والكثير من الفرنسيين المتزنين الذين يؤمنون بالعدالة والتسامح، وساركوزي في ذلك الوقت كان يبحث عن ناخبي جبهة اليمين، وحاول أن يهاجم أبناء المهاجرين الذين اتهمهم بأنهم لا يحترمون قيم المجتمع الفرنسي، في حين أنه كان أول شخص لا يحترم هذه القيم".

ولكن ساركوزي نجح رغم ذلك في الوصول لكرسي الرئاسة، فكيف حدث ذلك؟ يجيب بجاج بأن المسلمين في فرنسا يتجاوز عددهم خمسة ملايين شخص، لكن أغلبهم لا يصوتون ولا يشكلون كتلة انتخابية يحسب لها، كما أن ساركوزي الذي قدم خطابا عدائيا للأجانب كان يقدم نفسه "رسولا لديه حلول لكل المشاكل".

ويضيف "هؤلاء السياسيون يستخدمون أمورا داخل السياسة، أبرزها تخويف الشعب لتجنيده بالخوف، فهذا يكون فعالا لمطالبته بردود أفعال، فقد كانوا يرددون أن هناك هجوما من قبل المسلمين على فرنسا".

وضع المسلمين والمهاجرين
وإذا كان الأمر بهذه الصورة فلماذا لم يدافع المسلمون عن أنفسهم ويصححوا صورتهم في المجتمع الفرنسي؟ يجيب بجاج بأن الفرنسيين لا يدركون جيدا ماهية العرب والمسلمين أو الدين الإسلامي، وهناك خلط بين المفاهيم، فمثلا عندما شاهد الفرنسيون آية الله الخميني عقب الثورة الإيرانية ظنوا أن هذا هو الإسلام.

ويدلل على الحجم الضئيل الذي تمثله هذه الكتلة في المجتمع السياسي الفرنسي بأنه من أصل 577 عضوا في الجمعية الوطنية (البرلمان) فقط عضوان من أصول مغاربية، وفي الغرفة الأخرى للبرلمان 300 عضو منهم ثلاثة فقط من أصول مسلمة مغاربية.

ويتابع "من بين 200 سفير لفرنسا واحد فقط من أصل مغاربي، ومن 36 ألف محافظ 5 من أصول مهاجرة، أما السجون فنصف من فيها من المسلمين".

ويواصل بجاج تشريح حالة المسلمين والمهاجرين من أصول مسلمة في المجتمع الفرنسي قائلا "اسم محمد أو كريم أو منصور يعد مشكلة وحاجزا كبيرا للعثور على عمل ووظيفة في ظل مجتمع يرفض أناسا بسبب أسمائهم".

وبشأن الفساد في الطبقة السياسية يرى بجاج أنه لا يجب أن تتحول السياسة إلى حرفة ومهنة، لأن امتهان السياسة يحولها إلى شيء آخر، فيحاول السياسي البقاء داخل النظام لأطول فترة ممكنة"، وهنا يبدأ الفساد عندما يجني السياسيون امتيازات أكثر من المشاكل".

ولذلك فإن الفرنسيين -والحديث لبجاج- يطالبون بحذف أو تقليص امتيازات السياسيين والشعب قادر على تحقيق ما يريده.

يسأل أحد المشاهدين: لماذا كلما اقتربت الانتخابات الفرنسية استخدم المرشحون أو بعضهم فزاعة الإسلام والمسلمين لتحقيق مكاسب سياسية؟ ويجيب بجاج "لأن المسلمين لا يصوتون في فرنسا ولا يستوعبون كيف تعمل الديمقراطية، وعليهم استخدام قوتهم للاعتراف بهم داخل المجتمع، وعندها سيتراجع الخطاب الإقصائي العنصري ضدهم".

أما عن مستقبل الشعبوية اليمينية المتطرفة التي تجتاح فرنسا والغرب حاليا فيتوقع السياسي الفرنسي أن تستمر "ما دام هناك تواصل اجتماعي وإنترنت" لكنه يؤكد أنه لا داعي للقلق، "فالمجتمعات تتقدم وتتراجع، وهناك دورة متكاملة، وهذا يشبه تاريخ العالم كله".