وجه العقيد السوري الأسير علي عبود رسالة إلى مدير المخابرات الجوية السورية اللواء جميل الحسن قائلا "يا سيادة اللواء إذا لنا قيمة عندكم بادلونا مع أسرى المجاهدين". كما تحدث عن طبيعة مهامه كطيار حربي سوري خلال الثورة التي تعيشها بلاده منذ أكثر من أربع سنوات.

توقع الموت
ورغم وصف العقيد الطيار الأسير فترة الأسر بأنها صعبة، فإنه أكد على حسن المعاملة التي يلقاها من قبل جبهة النصرة التي تأسره.

وأشار الطيار الأسير في حديثه لحلقة يوم (8/7/2015) من برنامج "بلا حدود" إلى أنه طيار لا قائد سرب، رغم أنه تخرج قبل ثلاثين عاما ويعمل في الطيران الحربي منذ العام 1988.

وبشأن المهام التي كان مكلفا بها، أوضح العقيد أنها تتمركز شمال اللاذقية، وأنه قصف العديد من قرى هذه المنطقة، منها الكرك وساقية الخوخة ودورين وسلمه وقرى كثيرة شمال إدلب.

وقال إنه في كل طلعة جوية كان ينفذها لقصف الأهداف التي تطلب منه، كان يتوقع أن تسقط طائرته وأن يواجه الموت، ووصف معنويات الجيش السوري بأنها "جيدة" رغم الهزائم لأنهم "يدافعون عن أرضهم".

الجواسيس
وبحسب عبود، فإن عدد الطائرات في مطار حميمية يبلغ نحو ثلاثين طائرة مائية روسية تقذف قنابل مائية متفجرة من ارتفاعات عالية تبلغ خمسة كيلومترات لتفادي الدفاعات الأرضية، وأوضح أن نسبة الدقة في الإصابة كانت جيدة حسب تقارير الجواسيس.

وكشف أن تحديد الأهداف في المناطق التي تقصف كان يتم عبر جواسيس موجودين على الأرض يرسلون إحداثيات المواقع المستهدفة، ومن ثم يتم تكليف الطيارين من قبل قيادتهم بقصف هذه الأهداف.

وأوضح أن عقيدة القتال العسكرية للذين يضربون المدن ترتكز على الإحداثيات التي تأتيهم وتكشف عن وجود مسلحين في هذه المناطق التي يتم تدميرها، رغم إقراره بإدراك الطيارين لإمكانية سقوط الكثير من المدنيين.

البراميل والغازات
من جهة أخرى أقر الطيار الأسير بلجوء النظام السوري إلى استخدام غاز الكلور لقصف "المناطق المحررة"، غير أنه أكد أنه شخصيا لم يقم بمهمة كهذه لأن طائرته غير مؤهلة لذلك، ونفى أن يكون لدى الجيش غازات بخلاف غاز الكلور، كما نفى علمه بالمناطق التي قصفت بالغاز، وأوضح أن الطيار قد يقصف دون أن يعرف نوع السلاح الذي يستخدمه.

وعن أماكن صناعة وتجهيز البراميل المتفجرة قال إنها تصنع في مطار حماة -الذي ضُرب وتم تجديده- ومطارات دير الزور ومطارات المنطقة الجنوبية مثل مطار الثعلة.

وحول مواصفات البراميل المتفجرة أشار إلى أن وزن البرميل يتراوح  بين 200 كلغ إلى طن، ورجح أن تكون روسيا أو إيران وراء فكرة استخدام البراميل المتفجرة التي قال إن ضباطا ومهندسين مختصين بالكيمياء يشرفون على تصنيعها وإعدادها.

وأضاف عبود أن الطيارين يعلمون بنتائج الغارة عبر نشرات تأتي إلى المطار توضح أن القصف نجم عنه مقتل مئة مسلح مثلا، ويكون مصدرها المخبر الذي يتجسس على الأرض والذي لا يشير إلى سقوط ضحايا أطفال أو مدنيين.

وفيما يتعلق بمصادر التسليح والذخائر، أوضح أنها تأتيهم من المطار والمستودعات المنتشرة في كل سوريا، وأكد أن روسيا وإيران هما اللتان تنقلان الأسلحة إلى الجيش السوري، ونفى علمه بوجود طيارين روس أو قوات أو مدربين إيرانيين.

ترددتُ كثيرا قبل إجراء الحوار الذي سيبث الليلة إن شاء الله في برنامج بلا حدود (10:05 بتوقيت مكة المكرمة) مع أعلى رتبة عسكرية سورية تقع في أسر المقاومة، وتحديدا جبهة النصرة، العقيد الطيار علي عبود، قائد المروحية التي أسقطت في 22 مارس/آذار الماضي، وقد نجا معه ملاح الطائرة بينما قتل اثنان آخران من طاقمها.

سبب ترددي أوضحته في بداية الحلقة وفي حضوره، وهو أني لا أريد أن أحاور أي شخص لا يملك حريته الكاملة، غير أني بعد تفكير ودراسة وجدت أن الجزيرة لم تكن الأولى في إجراء حوارات مع أسرى، بل إن كل وسائل الإعلام العالمية الرصينة تقوم بذلك.

وبعد مفاوضات استمرت عدة أيام مع قيادات جبهة النصرة، التقيت مع العقيد عبود في مكان رتبوه بعد رحلة شاقة وانتقالات متعددة، طلبت منهم أن يتركوني معه وفريق التصوير الذي كان كله من طاقم الجزيرة، وأن يخرجوا جميعا من الغرفة ففعلوا، وتحدثت معه بوضوح إن كان يقبل الحوار معي فرحب بذلك، بل إنه اعتبرني طوق نجاة بالنسبة له كما قال.

قلت له يجب أن تقول أمام الكاميرا إن الحوار يجري بمحض إرادتك بل برغبتك، وأبلغته أني على استعداد لأن أعود بفريقي من حيث أتيت، فالأمر عندي ليس سبقا إعلاميا ولا يشكل عندي إضافة، لكن الجوانب الإنسانية كانت تلح على أن ظهوره ربما يساهم في إنقاذ أبرياء، وهو اختبار للنظام كيف سيتعامل مع أعلى رتبة عسكرية علوية تقع في الأسر.

هل سيكون مجرد علوي من عشرات الآلاف الذي قتلوا ولا قيمة له عندهم مثل غيره وعلى كل العلويين أن يدركوا ذلك، أم أن النظام سيضع له قيمة ويبادله مع عشرات الأبرياء في سجونه؟ في النهاية أنا لست وسيطا وليست الجزيرة كذلك، لكني دون مبالغة بقيت في صراع نفسي هل أجري المقابلة أم لا؟ لا سيما أن القرار يعود لمسؤوليتي الإنسانية والمهنية وقراري بالدرجة الأولى.

فإدارة الجزيرة لم تعلم بالأمر إلا بعدما انتهيت منه وتركت لهم الخيار في بثه من عدمه، وفق ما يرونه من مسؤولية مهنية وقانونية، لأني حينما أجد فرصة للصيد أغتنمها ثم أترك ما اغتنمته لصاحب القرار يبت فيه.

الأمر الآخر الذي حفزني هو أني من الناحية المهنية لم أجر حوارا مع قاتل من قبل أو طيار يقتل الأبرياء بدم بارد، بل وهو يضحك ويتسلى مع طاقم الطائرة، وأريد أن أسبر غور نفسيته، وهذا تحدٍ مهني جديد لكنه يقتضي مني ألا أتعامل معه مثل باقي الضيوف الذين أضغط عليهم وأناورهم وأحاججهم، وإنما تركت له أن يقول ما يشاء حتى لو كان كذبا بواحا.

وتركته يراوغ كما يشاء دون ضغط، بل يناقض نفسه في بعض الأحيان، وهذا ما سوف يلاحظه المشاهد. وكان تركيزي على الجوانب الإنسانية إن وجدت، فأنا لست محققا ولن أستخدم المعلومات التي سيدلي بها في محاكمته أو محاكمة النظام.

وإنما أنا إعلامي أبحث عن الحقيقة فيما يجري وما هي العقيدة القتالية التي تحرك طيارا يلقي بالقنابل على النساء والأطفال والمستشفيات والمدنيين، ويحرق الحرث والنسل، وكيف تحول الجيش السوري إلى جيش علوي طائفي مع قلة من المرتزقة من باقي الطوائف يقتلون باقي الشعب، وهذا ما اعترف به عبود.

وما شعور العلويين الآن بعدما حولهم النظام إلى محرقة لحماية بقائه، لا شك أن هناك ضوابط مهنية للأمر لأنها ربما المرة الأولى في تاريخ الجزيرة التي تبث فيها حوارا مع أسير، وقد استغرق الأمر عدة أسابيع من النقاش القانوني والمهني داخل إدارة الجزيرة، انتهت بقرار بث المقابلة.

وقد صاغ مدير التحرير الزميل أحمد الشروف بعد ذلك الضوابط المهنية التالية لتكون الحلقة ليست مجرد حوار يبث وإنما درسا إعلاميا في المهنة وضوابطها، تضاف إلى رصيد الجزيرة المهني المتميز والسباق، ليس في الإعلام العربي فحسب وإنما في الإعلام العالمي:

المعايير والضوابط التي تلتزم بها الجزيرة عند إجراء المقابلات مع أسرى الحرب أو من هم في حكمهم.

انطلاقا من حرص الجزيرة على حق الجمهور في المعرفة، ومراعاة للاتفاقيات الدولية بشأن معاملة أسرى الحرب أو من هم في حكمهم.

وانسجاما مع نص وروح المادة 13 من اتفاقية جنيف بشأن معاملة أسرى الحرب المؤرخة في 12 آب/أغسطس 1949.

ومواكبة لما تنتهجه وسائل الإعلام الدولية المهنية في قضية إجراء مقابلات مع الأسرى.

فقد ألزمت الجزيرة نفسها بمجموعة من المعايير والمحددات والضوابط التي تخضع وستخضع لها أي مقابلة مع أسير حرب أو من هو في حكمه بأي مكان، وهذه الضوابط هي:

1. أن يتم استئذان الأسير قبل إجراء المقابلة معه، وأخذ رأيه بإتمام هذه المقابلة من عدمه.

2. يتحمل مُجري المقابلة مسؤولية أخلاقية في التثبت من أن الأسير موافق فعلا على إجراء المقابلة، وأنه لم يوافق على إجرائها تحت الضغط أو خوفا من آسريه، وفي حال شعور مجري المقابلة بأن الأسير وافق تحت الضغط فعليه ألا يبث المقابلة حتى لو قام بإجرائها.

3. يجب إطلاع الأسير على معلومات وافية عن الشخص الذي سيجري معه المقابلة ومؤسسته، ويوضح له الظروف التي تمكن خلالها من الحصول على موافقة الجهة الآسرة لإتمام المقابلة.

4. الأصل أن ينفذ البندان 1 و3 أمام الكاميرا، وأن يتم عرض ملخص لهما قبل عرض المقابلة.

5. على مجري المقابلة ألا يوجه للأسير أي سؤال قد يعرض سلامته أو سلامة عائلته أو أمنهم لخطر الانتقام من قبل الجهة الأسرة أو من أي جهة أخرى، بما في ذلك بلد الأسير أو المجموعة التي ينتمي إليها.

6. يحظر على مجري المقابلة إفشاء أي معلومة تحدث بها الأسير له وأبلغه بأنها ليست للبث أو للنشر، سواء عن طريق بثها أو نشرها في المقابلة ذاتها أو بأي وسيلة من وسائل التواصل الاجتماعي، أو إفشاء هذه المعلومة للجهة الآسرة.

7. تحرص الجزيرة ومجري المقابلة على شرح ظروف إجراء المقابلة وإظهار موافقة الأسير على إجرائها بمقدمة يقدمها مجري المقابلة، أو عن طريق الشريط الذي يظهر أسفل الشاشة خلال المقابلة (أستون).

والجزيرة إذ حددت لنفسها هذه الضوابط والمعايير فإنها بذلك تكون -بوصفها مؤسسة إعلامية مهنية- قد حافظت على الهدف الإعلامي الذي تلتزم به أمام مشاهديها، وبذات الوقت فإنها تحافظ على التزامها بالشرعة الدولية لحقوق الإنسان والاتفاقيات المنبثقة عنها.

أحمد منصور - منتج ومقدم برنامجي بلا حدود وشاهد على العصر