رسم الباحث المتخصص في الشؤون الإيرانية كريم ساجد بور خريطة لواقع ومستقبل النفوذ الإيراني في المنطقة العربية، لكنه اعتبر أن قلق الدول العربية والخليجية من هذا النفوذ مبالغ فيه.

وقال ساجد بور في حلقة الأربعاء (25/3/2015) من برنامج "بلا حدود" إنه يجب وضع نفوذ إيران في المنطقة في سياقه الصحيح، وأقر بأن إيران تزدهر ويتحسن موقفها إذا كان هناك فراغ سياسي وفوضى، لكنها ليست في موقع يتيح لها السيطرة على الشرق الأوسط.

وأوضح أن إيران بلد يمارس حاليا نفوذا عظيما في العراق وسوريا، وصعود مجموعة مثل تنظيم الدولة الإسلامية في هذين البلدين يعطيها ذريعة لممارسة مزيد من النفوذ فيهما.

صفقة النووي
وردا على سؤال بشأن المفاوضات النووية الجارية بين إيران والقوى الغربية وما الذي سيحصل عليه الإيرانيون مقابل توقيع الاتفاق، قال ساجد بور إن ملخص ما يجري التفاوض عليه الآن في مدينة لوزان السويسرية أن تقدم إيران تنازلات نووية مقابل تخفيض العقوبات المفروضة عليها.

وكشف عن رغبة إيرانية بألا يمتد أمد الصفقة لأكثر من عشر سنوات، كما أن طهران لا تريد قيودا على أي نشاطات بحثية تطويرية، لكنه أكد أن الدول الغربية -خاصة الولايات المتحدة وفرنسا- سترفض ذلك بالتأكيد.

وتوقع الباحث في الشؤون الإيرانية بمعهد كارنيجي أن يتوصل الطرفان إلى اتفاق إطار، على أن يكون الاتفاق الكامل بحلول يوليو/تموز المقبل.

واعتبر أن القلق البالغ لدى الدول العربية السنية -ودول الخليج خاصة- من الاتفاق النووي يعود بالأساس إلى أن مثل هذه الصفقة ستعزز موقف إيران التي ستكتسب موارد مالية كبرى نتيجة رفع العقوبات المفروضة عليها.

استعجال أميركي
ولكن لماذا يستعجل الرئيس الأميركي باراك أوباما توقيع الاتفاقية، ويعتبرها إنجازا كبيرا لسياسته الخارجية في المنطقة؟ يجيب ساجد بور بأن أوباما يرى أن هناك حاجة للتعاون مع إيران لتجاوز الكثير من التحديات في السياسة الخارجية والعلاقات الدولية، ومن ناحية أخرى فهو يريد تفادي حصولها على السلاح النووي، وفي الوقت نفسه تفادي توجيه ضربة عسكرية لها.

ويرى الباحث أن التحدي الوحيد أمام إتمام هذه الصفقة هو أن المرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية علي خامنئي لا يريدها صفقة دائمة بحيث تتضمن أي تنازل في الملف النووي مؤقتا.

أما عن الدور الذي لعبته الولايات المتحدة في توسع النفوذ الإيراني بالمنطقة فاعترف ساجد بأن أخطاء كبرى في السياسة الخارجية الأميركية، ومنها شن الحرب على العراق وسوء إدارة هذه الحرب وغيرها من العوامل التي استفادت منها إيران لتعزيز نفوذها الإقليمي.

لكنه لفت إلى أن الفراغات التي ظهرت في المنطقة بعد موجة ثورات الربيع العربي كما حدث في اليمن وسوريا ليست بالضرورة ردا على الأخطاء الأميركية رغم تأكيده على استفادة إيران منها.

ورغم هذا فإن إيران -يتابع ساجد- تدرك أنها بلد شيعي فارسي في منطقة سنية عربية، لهذا تريد لنفسها أن تكون قوة أيديولوجية، و"علينا أن ندرك أن إيران تضررت كثيرا خلال السنوات الماضية واقتصادها ينكمش، ولا يمكن أن نتظاهر بأنها عملاق كبير".

سوريا
وفي ما يتعلق بالدور الإيراني في سوريا طوال السنوات الأربع الماضية يرى الباحث أن إيران ليست ملتزمة بشخص بشار الأسد بل بمصالحها في سوريا، خاصة أن سوريا هي الحليف الوحيد لطهران منذ عام 1979، وتمثل لها ممرا إستراتيجيا إلى لبنان وحزب الله الذي يمثل جوهرة تاج الثورة الإيرانية، بحسب وصفه.

ويعتبر ساجد بور أن هذه الأسباب جعلت إيران تلتزم جانب الأسد رغم الكلفة الاقتصادية، فضلا عما سببه ذلك لسمعتها التي تضررت في العالم العربي والعالم بشكل عام.

اسم البرنامج: بلا حدود

عنوان الحلقة: ساجد بور: النفوذ الإيراني يزداد مع وجود الفوضى

مقدم الحلقة: أحمد منصور                         

ضيف الحلقة: كريم ساجد بور/ كبير الباحثين المتخصص في الشؤون الإيرانية في معهد كارنيجي

تاريخ الحلقة: 25/3/2015

المحاور:

-   النووي الإيراني وآخر مستجدات المفاوضات

-   فشل ذريع للسياسة الخارجية الأميركية

-   التحالف الاستراتيجي بين طهران وواشنطن

-   نظرية الفوضى الخلاقة

-   أهمية بقاء الأسد استراتيجياً بالنسبة لإيران

-   سيطرة الحوثيين على مقاليد الدولة اليمنية

أحمد منصور: السلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ وبركاتهُ، أُحييكم على الهواءِ مُباشرةً وأُرحبُ بكُم في حلقةٍ جديدة من برنامج بلا حدود، تحولاتٌ دراماتيكيةٌ وسريعةً تجري في المنطقةِ ترسمُ لخرائطَ جديدةٍ وواقعٍ تفرضهُ إيران على الجميع كانَ آخرها ما جرى ويجري اليومَ في جنوب اليمن، لكنَّ أيدي الولايات المُتحدة ليست بعيدةً عمّا يحدُث فكُلُّ التغييراتِ جرت بعدما فتحت أميركا المجالَ أمامَ إيران للتفاوضِ من أجلِ توقيعِ اتفاقٍ نوويٍّ سيُخرجُ إيران من عُزلتها الدولية برعايةٍ أميركية، بل وسيُلبي كافةَ مطالبها التي تُتوِّجها إمبراطوريةً فارسيةً مُهيمنةً على دول المنطقة، وقد سارعت أميركا بتقديمِ التنازُلاتِ الواحدَ تلو الآخر تمهيداً للهيمنةِ الإيرانية، بدأت بعد أحداثِ الـ11 من سبتمبر بإسقاطِ أكبرِ نظامينِ سُنيينِ مُعادين لإيران مع كُل التحفظات عليهما هُما نظام طالبان في أفغانستان وصدام حسين في العراق ثُمَّ أقامت نظاماً طائفياً في العراق يقومُ على هيمنةِ الشيعة على السُنة ثُمَّ سلَّمت العراق للشيعة وتركتهُم يرتكبونَ المجازرَ والتطهيرَ العرقيَّ ضِدَّ السُنة ثُمَّ تركت نظامَ الأسد الموالي لإيران يهدمُ الحياةَ والتاريخَ والبشرَ والحجر على مدى 4 سنوات، ثُمَّ أعلنت أنهُ لا حلَّ في سوريا دونَ التفاوضِ معهُ ثُمَّ أخرجت إيران وحزب الله من قائمةِ الدول والجماعات الإرهابية ثُمَّ فتحت الطريقَ للحوثيين للسيطرةِ على اليمن وأخلت لهُ قاعدةِ العَندِ الجويةِ فدخلوها بعدَ أيامٍ من خروجِ الأميركانِ منها كُلِّ هذا والاتفاقُ النوويُّ لم يوقَع بعد، ولا ندري ما الذي سوفَ يحصُلُ عليهِ الإيرانيون بعدَ توقيعِ الاتفاق الذي من المُتوقَعِ أن يجري خلالَ أيام، لفهمِ أبعادِ ما يجري ومُستقبلِ المنطقةِ وخرائطها ودولِها نُجري حوارنا اليومَ مع كريم ساجد بور كبيرِ الباحثينَ المُتخصصِ في الشؤونِ الإيرانيةِ في معهد كارنيجي في واشنطن معنا عبرَ الأقمارِ الاصطناعية وهو مُحاضرٌ في العديدِ من الجامعاتِ الأميركية، عمِلَ ساجد بور مُحللاً رئيسياً لشؤونِ إيران في مجموعةِ الأزماتِ الدوليةِ في واشنطن وطهران حيثُ أجرى عشراتِ المُقابلات معَ مسؤولين إيرانيين كباراً ومئات المُقابلات مع مُفكرينَ إيرانيين ورجال دين ومُعارضينَ ورجال أعمال وطُلاب وناشطينَ وشباب وغيرهم، يكتُب ساجد بور بانتظام في مجلاتٍ وصُحفٍ مثلَ Economist و Washington post، New York Times، wall street journal، مجلة السياسة الخارجية الأميركية Foreign policy، فضلاً عن ذلكَ يُستدعَي ساجد بور لإطلاع المسؤولين الأميركيين والأوروبيين والآسيويين على شؤون الشرق الأوسط وهو يُدلي بشهاداتهِ على الأحداثِ الدوليةِ أمام لجان الكونغرس الأميركيّ بانتظام، يُحاضِر ساجد بور في جامعاتِ Harvard، Princeton، Stanford وقد نالَ جوائزَ أكاديميةٍ عِدةٍ بما فيها مِنحة Fulbright، في العام 2007 منحهُ المُنتدى الاقتصاديُّ العالميُّ في دافوس لقبَ القيادي العالميّ الشاب وهو إضافةً إلى ذلكَ عضوٌ في مجلسِ إدارةِ مؤسسة بانو التي تُعنى بمُساعدةِ المُنظماتِ الشعبيةِ العاملةِ على تمكينِ المرأة في أنحاءِ العالم، عاشَ ساجد بور في أميركا اللاتينية وأوروبا والشرق الأوسط، ساجد بور أُرحب بكَ من واشنطن شُكراً لكَ على أنكَ معنا الليلة بلا حدود.

كريم ساجد بور: شُكراً أستاذ أحمد ومساء الخير.

النووي الإيراني وآخر مستجدات المفاوضات

أحمد منصور: هل يُمكن أن توضح لنا في البداية مُلخَّص ما يجري التفاوض عليهِ حالياً في لوزان بينَ إيران والولاياتِ المُتحدة أو مجموعة دول خمسة زائد واحد بقيادةِ الولاياتِ المُتحدة؟

كريم ساجد بور: إذا ما أخذنا نظرة عامة على الأمور فإنَّ المُفاوضات تتعلقُ بإيران تُقدِّمُ تنازُلاتٍ نووية على الأقل لفترة قد تمتدُ إلى 20 عاماً مُقابلَ تخفيضٍ للعقوبات كبير مِن الولايات المُتحدة، هُناكَ قضايا كبيرة ما تزالُ عالقة، إيران تُريدُ للعقوباتِ أن تُرفَعَ فوراً وبشكلٍ كامل هذا ليسَ من المُتوقعِ أن يكونَ مُمكناً، إيران تُريدُ للصفقة أن لا يمتدَ أمدها إلى أكثرَ من 10 سنوات هذا سيكونُ صعباً وإيران لا تُريدُ قيوداً على أيةِ نشاطات بحثية تطويرية وهذا ما لن تقبلهُ الولايات المُتحدة وفرنسا، إذن أعتقدُ أن هُناك احتمالاً قوياً بأنهُ بحلولِ نهاية شهر مارس/آذار فإنَّ الطرفينِ قد يُعلنانِ التوصُلَ إلى ما يشبهُ اتفاق إطار وبحلولِ شهر يوليو/تموز يتوقعونَ نهايةً للتفاوض بشكل كامل لكن ليست هُناكَ ضماناتٍ بأن يتمَ الانتهاء من ذلك بحلول الأول من يوليو/تموز القادم.

أحمد منصور: ما هي القضايا العالقة الأساسية حتى الآن في ظِل تصريحات إيرانية وأحياناً أميركية أنَّ 85% مِنَ الأمور قد تمَّ الاتفاقُ عليها بالفعل؟

كريم ساجد بور: أستاذ أحمد إذا ما تحدثتَ إلى مسؤولينَ إيرانيين سيقولونَ أنَّ ليسَ 85% فقط بل 90% قد تمَّ الاتفاق حولهُ، إذا ما تحدثت إلى المسؤول الفرنسي يقول ربما 20% فقط قد تمَّ الاتفاق عليهِ و80% ما زالَ عالقاً، أعتقدُ أن الحقائق السياسية تقول إن هُناكَ رئيساً في واشنطن هو باراك أوباما وهو حريصٌ جداً على التوصُلِ إلى تطبيعٍ للعلاقات على أساس العلاقات النووية وما وراءَ ذلك أن تكونَ هُناكَ أو هُناكَ حكومة في أميركا تُريدُ تغييراً في مسارِ العلاقات الأميركية الإيرانية، أمّا في طهران فلديكَ ثُنائية نقيضين، لديكَ رئيس مُنتخَب وهو حسن روحاني ووزير خارجية هو جواد ظريف وهما مُهتمانِ كثيراً بالتوصُلِ إلى اتفاقٍ نووي وتحسين العلاقات معَ الولايات المُتحدة لكن في الوقتِ نفسهِ لديكَ مؤسسة غير مُنتخَبة تتمثلُ بآيةِ الله علي خامنئي المُرشد الأعلى الذي ما زالَ يكِّنُ مواقف مُعادية تماماً للولايات المُتحدة وتُساورهُ شكوك كثيرة حولَ المواقف الأميركية وعدم الثقة بالولايات المُتحدة ويكرهُ إبداءَ أيِّةِ تنازُلات على المدى البعيد، ولو كانت هذه ِالمُفاوضات فقط بين جون كيري وزير الخارجية الأميركي وجواد ظريف وزير الخارجية الإيراني اعتقد ُأننا كُنا نصِل إلى اتفاق مُنذُ فترة طويلة لكن في الواقع ولكي تتوصل إلى اتفاق تحتاج إلى موافقة علي خامنئي مُرشد الثورة الإيرانية لكن أيضاً إلى موافقة الكونغرس الأميركي ومُباركتهِ وهو ما يزالُ تُساورهُ شكوك حولَ إيران وطبيعة طموحاتها النووية.

أحمد منصور: ما مطالب إيران بالضبط من وراء رغبَتِها في إبرامِ هذا الاتفاق بل واعتبارهِ نصراً يُمكن أن يُحقِقَ الكثير لدولةِ الملالي في إيران؟

كريم ساجد بور: إنَّ إحدى نِقاط البحث التي تسمعُ عنها مِن جانبِ مُرشد الثورة الإيرانية وقادة إيران أنَّ العقوبات الاقتصادية على إيران يجبُ أن تُرفَعَ فوراً وبشكلٍ كامل، هذهِ هي إحدى المطالب التي أعلنوها وطبعاً هذهِ من المطالب التي يصعُبُ تحقيقها لأن الولايات المُتحدة لن تقبلَ برفعِ هذهِ العقوبات كاملاً قبلَ أن تُبديَ إيران التزاماً كاملاً بقبول تطبيق مبدأ الشفافية وأيضاً قادة إيران لا يُريدونَ أية قيود على قُدراتِ إيران في المجال النووي في مجالات البحث والتطوير وأن يُسمَحَ لهُم بتجرِبة أجهزة طرد مركزي أكثر تقدُماً تُضاهي ما لدى الولايات المُتحدة وفرنسا، إذن هُناكَ عوائق تِقنية لكن ما هو أهمُ من ذلك أستاذ أحمد هو أنَّ التطبيقات والتداعيات السياسية لأيةِ صفقةٍ مع الولايات المُتحدة لأن التوافق بشكلها العام يقول بأن أيَّ صفقةٍ نووية معَ إيران سيُقوِّي موقفَ الأشخاص مثلَ روحاني الذينَ هُم أكثر اعتدالاً في سُلَّم القيادة الإيرانية الذينَ يضعونَ المصالح الوطنية والاقتصادية قبلَ العقائد الأيديولوجية، لكن خامنئي والمُتشددين يشعرونَ بقلق من أن لو أن الصفقة النووية ستُعزّزُ موقف المُعتدلين فإنَّ هذا لن يكونَ بالنتيجة في مصلحتهم لذلكَ تُساورهُم مواقف تشكُكية وربما حتى مُعارِضة لكي لا يُريدون أن يضعفوا على حساب مُعارضيهم الأقوياء.

أحمد منصور: سأكونُ سعيداً لو ناديتني باسمي مُجرداً أحمد فقط، شُكراً لك على هذا ولكن هُناك تساؤل ربما كثيرٌ من الناس يُريدون أن يفهموه لماذا يُصرّ باراك أوباما ويستعجل في توقيعِ الاتفاقية ويعتبرُها هي الإنجاز الأكبر في سياستهِ الخارجية في المنطقة؟

كريم ساجد بور: إذا ما ألقيت نظرة على أوضاع العالم من وجهةِ نظرِ الرئيس أوباما فإنكَ فوراً سترى تحديات لا يقل عددها عن 6 أو 7 أحدُها بالطبع يتمثلُ بسوريا والأزمة الإنسانية الكبيرة فيها ثُمَّ لديكَ العِراق وأفغانستان وقضيةَ الإرهاب وأمن الطاقة وأيضاً انتشار السلاح النووي، إذا ما ألقيتَ نظرة على كُل هذهِ القضايا على انفراد تجد إن ما يجمعهُا هو إيران إذا ما أخذنا بعين الاعتبار دورها في العراق وسوريا وأفغانستان لذا سيكونُ من الصعب التوصُل إلى حل إزاء هذهِ القضايا في غيابِ التوصُل لاتفاق مع إيران، وإيران طبعاً لديها موارِد نفطية كبيرة ولها دور في ضمانِ أمنِ الطاقة، لذا من منظورِ أوباما هو يرى أن هُناكَ حاجةً للتعاونِ بينَ وإيران والولايات المُتحدة مِن أجلِ تجاوزِ كثيرٍ من التحديات في مجال السياسة الدولية والعلاقات الخارجية أمّا أولويات أوباما فيما تبقى لهُ مِن فترةِ ولايتهِ في الحُكم هو أولاً يُريدُ تفادي حصول إيران على سلاحٍ نووي وثانياً يُريدُ تفادي اضطرارهُ لقصفِ إيران، لهذا السبب هو يسعى جاهداً للتوصُلِ إلى اتفاقٍ معَ إيران لكن عدا عن ذلك هُناكَ أملٌ يُراودُ إدارةَ أوباما ألا وهو أنَّ اتفاقاً نووياً إذا ما تمَّ التوصُل إليهِ مع إيران سيعني تعاوناً أكبر بينَ البلدين وسيكونُ لهُ القُدرة على تغييرِ الأوضاع بنفسِ الطريقة التي أدت زيارة ريتشارد نيكسون إلى الصين إلى تحويل العلاقة مع الصين وتحويل الصين إلى أُمة مُختلفة في موقفها ويأمَل أوباما بتحقيقِ مثلِ هذهِ الخطوة مع إيران، لكن التحدي الوحيد هو أن مُرشد الثورة الإيراني لا يسعى إلى صفقة تحويلية بل يُريدُ صفقة نووية تُعينهُ على ما لديهِ من مُخططات، فيُريدُ من أميركا أن تُعيدُ إليهِ أموالهُ ويُريدُ أيَّ تنازُل في الملف النووي أن يكونَ مؤقتاً ولا يعني ذلك بالضرورة تراجُعات لإيران أمامَ الموقف من النظام السوري أو من وجودِ إسرائيل أو مُعارضةِ أميركا للمصالح الإيرانية في المنطقة.

أحمد منصور: هُناك مَن يختلف معك فيما ذكرتهُ، فأميركا التي جرَّبت الهزيمة في أفغانستان والعراق لا يُمكن لها أن تُورِّط نفسها في حرب مع إيران ومِن ثَمَّ ادعاءات أوباما بأنهُ لا يُريدُ أن يدخُلَ حرباً هي ادعاءات مردود عليها، 16 مارس الماضي Financial times البريطانية قالت إنَّ أوباما يستعدُ لخوض أكبر مُقامرة سياسية في تاريخِ حُكمه.

كريم ساجد بور: مرةً أُخرى أرى أنَّ هُناكَ ليسَ لدى أميركا شهية لدى الشعب الأميركي أو الرأي العام الأميركي للاستمرار في خوضِ الحروبِ في الشرقِ الأوسط بعدَ عقدٍ ونصف مِن مشاعر انفطار القلوب والآلام وخسائر الأرواح والأموال، الولايات المُتحدة لا تبدو معنية بشنِ حربٍ جديدة في المنطقة والرئيس أوباما هُنا يحظى بدعم الرأي العام الأميركي لكن في الوقتِ نفسهِ جمهورية إيران الإسلامية هي نظامٌ ما زال يرفعُ شعار "الموت لأميركا"، فقط يوم الجُمعة الماضي في الخطابات والهتافات التي رُفعت في احتفالات عيد النيروز عندما كان خامنئي يخطُب ردد الناس نفس الشعار "الموت لأميركا"، لذلك طبيعة النظام وطموحاتهِ النووية والتي تعود...

فشل ذريع للسياسة الخارجية الأميركية

أحمد منصور: يا سيدي اسمعني، سيد ساجد بور اسمعني في ظِلِّ ما يُقال الموت لأميركا الموت لأميركا العلاقات الأميركية الإيرانية لم تنقطع طوالَ الفترة الماضية وأنتَ تعيش في واشنطن وزُرتَ إيران مراراً، أنا هُنا أسألك حتى لا يُضخم هذا الاتفاق وقيمتهُ إذا كانت القوانين الأميركية تُتيح لأي رئيس أميركي بعدَ أوباما أن يشطُبَ هذا الاتفاق بجرةِ قلم وإذا كانَ مُرشد الثورة الإيرانية يستطيع أن يشطُبَ هذا الاتفاق بجرةِ قلم، ما قيمة هذا الاتفاق سوى أن أوباما يُريد أن يُحققَ انتصاراً فارغاً في سياسة خارجية فاشلة في المنطقة؟

كريم ساجد بور: أعتقدُ أنَّ هُناكَ شكوكاً حقيقةً حقيقة مُفادُها بأنَّ حتى لو أن صفقةً قد تمت ربما لن تطولَ بالأمد الذي توقَعُ عليهِ لنقُل 10 سنوات أو غيرِ ذلك والمثال الذي تُقدمهُ كوريا الشمالية هو أفضل نموذج لذلك، على المُشككين في الوقتِ نفسهِ أن يُقدِّموا لنا سياسة خارجية بديلة مُقترحَة وحقيقة أن أية مُعارضة لاتفاقٍ نووي مع إيران لو تمثل ببنيامين نتنياهو أو أعضاء الكونغرس من الجمهوريين أو مِن بعض قيادات دول الخليج العربية فإنهُم بالمُقابل لم يتقدموا ببدائل قابلة للتعامُل معها والتي..

أحمد منصور: يا سيدي ليسَ من دورِ الآخرين أن يرسموا للولايات المُتحدة سياستها، ليسَ من دورِ الدول الأُخرى أن تُحدِّد للرئيس الأميركي ماذا يفعل ولكنَّ الرئيس الأميركي الآن يبيع المنطقة كُلها لإيران من أجل أن يُحقِقَ انتصاراً سياسياً فارغاً باتفاق فارغ مع إيران.

كريم ساجد بور: إيران هي دولة شيعية فارسية في منطقة يقطُنها أو 90% من سُكانها مِن السُنة العرب لذا الاعتقاد بأنَّ الولايات المُتحدة ستُعطي الشرق الأوسط لإيران أعتقد أن إيران هي دولة تزدهر في ظِلِ وجود دول أخرى تُعاني من فراغ وفوضى، انظروا إلى العراق وسوريا واليمن وهي بُلدان أساسية تُعاني من فراغ سياسي لكن البُلدان المُستقرة والقوية مثلَ مصرَ والأُردن والسعودية والمغرب هذهِ...

أحمد منصور: يعني اسمح لي هُنا كيفَ لباحثٍ.. كيفَ لباحثٍ عميقٍ في المنطقة مثلك تُنشَر مقالاتهُ في هذهِ وأنا قدمتُك بشكلٍ كبيرٍ للناس أن تقول أن مصر دولة مُستقرة وأنا تقول أن الفارغ السياسي الموجود في العراق وسوريا الذي صنعتهُ أميركا وسلَّمت كِلا الدولتينِ لإيران أن تقولَ أنها، أليسَ هذا كُلهُ مما لعبَت بهِ أميركا؟ ألم تهدِم أميركا النظام القائم في العراق؟ في مقالة لكَ أنتَ ذكرتَ فيها هذا، ألم تهدمِ النظام القائم في العراق وسلَّمتهُ إلى الشيعة أي إلى إيران؟

كريم ساجد بور: في حالةِ العراق تماماً الولايات المُتحدة كانت المسؤولة عن خلقِ الفراغِ السياسي بعدَ إزاحةِ صدام حسين لكن الفرضية التي دخلت بها أميركا الحرب في العراق هو تسليم العراق إلى الشيعة مُعتدلون يستطيعونَ إقامة نظام ديمقراطي علماني يُضعِفُ النظام الإيراني، أمّا الهدف فلم يكُن تقديم العراق لإيران لكنَّ السياسة مُنيت بفشل ذريع، أمّا في سوريا فكانت سوريا كانت خطيئة كُبرى مُنذُ البداية، كانَ هُناكَ تردُد أميركي في عمل أي شيء في سوريا مخافةَ أن يؤدي ذلكَ إلى تمكينِ مجموعات سُنية قوية وأيضاً ترددت أميركا في التدخُل في سوريا هو الذي قوَّى إيران، لكن مرةً أُخرى علينا أن نضع نفوذ إيران في المنطقة في سياقهِ الصحيح..

أحمد منصور: طيب خليني معك، خليني معك وأجبني على هذا السؤال، مُقرر لجنة الأمن والدفاع النيابية في العراق شخوان عبد الله في تصريحات نُشِرَت يوم الاثنين الماضي أول أمس قال أن هُناكَ 30 ألف ضابط وجُندي ومُستشار عسكري إيراني موجودونَ بشكل غير قانوني في العراق، الحكومة العراقية لم تنفِ ذلك وإنما ردت عليهِ وقالت إن هؤلاء مُتطوعين إيرانيين وليسوا عسكريين، ألم تُصبح العراق الآن دولة مُحتلَّة مِن إيران؟ أليسَ قائد فيلق القُدس يظهر في وسائل الإعلام وهو يتجول في إيران وسوريا وكأنها مُقاطعات إيرانية؟

كريم ساجد بور: بالتأكيد نعم إيران هي بلدٌ الآن يُمارسُ نفوذاً عظيماً في العراقِ وسوريا وأعتقدُ أنَّ صعود مجموعة مثل داعش يُعطي إيران ذريعةً لمُمارسةِ المزيدِ من النفوذ في العراقِ وسوريا، لم أجادلكَ حولَ هذا لكن بدونِ دعم إيران لكان نظام بشار الأسدَ سقطَ مُنذُ فترة، ومن دونِ دعم من إيران كُنا سنرى وضعاً سياسياً مُختلفاً في العراق، هذا صحيحٌ تماماً.

التحالف الاستراتيجي بين طهران وواشنطن

أحمد منصور: الآن أنتَ تقول أنَّ الولايات المُتحدة لديها حساباتها ولم تُسلِّم المنطقة لإيران، ما ردك وما تفسيرك أنهُ خلالَ أيامٍ معدودة تمَّ رفع اسمِ إيران وحزبُ الله من قوائمِ الإرهاب في الخارجية الأميركية، كيري قالَ إنهُ لا يُمكن بعدَ 4 سنوات من الصمت على المجازر التي يرتكبها الأسد في إيران قالَ لا يُمكن أن يكونَ هُناك حل في سوريا عفواً لا يُمكنُ أن يكونَ هُناكَ حلٌّ في سوريا دونَ حوارٍ مع الأسد، أخلى الأميركان قاعدة العَنَد الجوية ودخلها الحوثيون المُوالون لإيران بعدَ أيام من ذلك، الولايات المُتحدة تُسلِّم إيران الدول العربية الواحدة تلو الأخرى على طبقٍ من ذهب.

كريم ساجد بور: أعتقدُ أنَّ فكرتُك عن الدور العربي للبلاد العربية والفاعلية العربية فكرة مُتدنية، لو أنكَ ترى أنَّ الولايات المُتحدة قَّدمت دول عربية على طبقٍ من ذهب إلى إيران وإيران ليست في موقعٍ يُتيح لها السيطرة على الشرق الأوسط، إيران تزدهر ويزدهرُ موقفُها ويتحسن إذا كانَ هُناك فراغ سياسي وكان هُناكَ فوضى، ما تراهُ مِن وزارة الخارجية هو أنَّ عندما ستصدُر قائمة الدول الداعمة للإرهاب سترى اسمَ إيران باقياً عليها بسبب دعمها لحزب الله لأن السياسية الأميركية بتسمية إيران كذلك لم تتغير.

أحمد منصور: ما قراءتك لما أعلنهُ وزير الخارجية الأميركي بإشراكِ الأسد في أيِّ حل سياسي وأنهُ لا بديلَ من التفاوض مع الأسد في سوريا؟

كريم ساجد بور: أعتقدُ أنَّ هُناكَ فجوة كبيرة بينَ ما يأمَلُ أمثال جون كيري أن يرونَ حدوثهُ وما يُمكنُ أن يحدُثَ فعلاً، حقيقةُ الأمر أنَّ من الصعوبةِ بمكان في هذهِ اللحظةِ التاريخية أن نرى سيناريو مِن خلالهِ بشار الأسد وجيشهُ المُؤلف من 200 ألف شخص يختفونَ من مسرح الأحداث وهدف الولايات المُتحدة هُنا هو التوصُل إلى نوعٍ ما من تخفيضِ العُنفِ في سوريا والتوصُل إلى عملية انتقال سياسي، أما فقط تمني زوال الأسد هي فكرة جميلة لكنها ليست فكرة واقعية أو سياسة واقعية.

أحمد منصور: أنت تحدثت عن الدور الإيراني في أنّ إيران لعبت دوراً في عدم سقوط كل من العراق وسوريا في أيدي مجموعات أنت أطلقت عليها مجموعات سنية متطرفة رغم أنّ الأسد قام بدوره قبل ظهور داعش وكذلك ما حدث في العراق، لكن هنا التصريحات التي أثارت الدنيا لديفد باتريوس التي أدلى بها إلى واشنطن بوست وقال أنّ إيران وقوات الحشد الشعبي أشد خطراً من داعش، هل تجهل أميركا هذا الأمر أم أن رغبتها في التوقيع اتفاق مع إيران يجعلها تقدم التنازلات الواحد تلو الآخر إلى إيران من أجل إرضائها ومن أجل منحها مزيداً من النفوذ في دول المنطقة؟

كريم ساجد بور: دعوني أن أكون واضحاً حول وجهات نظري الخاصة أنني بالتأكيد لم أحاول أن أرسم صورةً عن كل المعارضة السورية لنظام بشار الأسد أو المعارضة العراقية للنظام العراقي بأنهم إرهابيون، إنّ الانتفاضة السورية بدأت سلمية قبل نحو 4 سنوات لكن سياسة بشار الأسد أرادت تحطيم المعارضة له ولكي يرسم صورةً يقول من خلالها إنه يحاول مكافحة الإرهاب وهو يقول إما أنا أو القاعدة، هذه الإستراتيجية التي اتبعها بشار الأسد وهي إستراتيجية إيران وهي ليست تحليلٌ أنا أؤمن به بأن اسميه المعارضة هنا إرهابيين، هل يمكن أن تكرر الشق الثاني من السؤال؟

أحمد منصور: الشق الثاني من السؤال، أنا أقول لك أليست المليشيات الشيعية والحشد الشعبي كما قال باتريوس هي أشد خطراً من داعش بالنسبة لكل المنطقة وليس للمصالح الأميركية، وحتى على المصالح الأميركية لأنكم أنتم الأميركان حينما تتحدثون لا تتحدثون إلا على مصالحكم ولا يعنيكم شيئاً من الآخرين مثل  ديفد باتريوس تماماً؟

كريم ساجد بور: نعم شكراً لتذكيري بهذا الشق من السؤال، إذا ما تتذكرون إنّ جون كيري وصف العلاقة بين تنظيم الدولة الإسلامية والأسد بأنها علاقة اعتماد تعرف على الآخر، طالما هناك تنظيم الدولة سيكون هناك الأسد والعكس صحيح، لكن ما أوضحه باتريوس هو أنه في الوقت الذي يعتبر فيه تنظيم الدولة في العراق والشام عدوا للولايات المتحدة فهذا لا يعني بالضرورة أنّ المليشيات الشيعية صديقة للولايات المتحدة، لدينا عدو مشترك يتمثل بالدولة الإسلامية لكننا لا نشارك الآخرين نظرتهم الإستراتيجية للمنطقة وأهدافهم، وبدلاً من دعم الراديكاليين الشيعة أو الراديكاليين السنة على الولايات المتحدة أن تؤيد مبادئ احترام حقوق الإنسان والاستقامة وحفظ الحقوق.

أحمد منصور: أنت تحدثت أنّ الفراغ والفوضى هم الذين لعبوا دوراً في تمدد إيران في كل من العراق وسوريا وحتى لبنان واليمن الآن، أليست سياسة الفوضى الخلاقة التي صنعتها كوندليزا رايس وجورج بوش الابن هي التي نجني نتائجها الآن في هذه الفوضى التي تتيح لإيران التمدد على حساب الدول الأخرى؟ أسمع منك الإجابة بعد فاصلٍ قصير، نعود إليكم بعد فاصلٍ قصير لمتابعة هذا الحوار مع كريم ساجد بور كبير الباحثين في معهد كارنيجي في واشنطن فابقوا معنا.

[فاصل إعلاني]

نظرية الفوضى الخلاقة

أحمد منصور: أهلاً بكم من جديد بلا حدود على الهواء مباشرةً مع كريم ساجد بور حول الاتفاق النووي بين الولايات المتحدة وإيران وانعكاساته على دول المنطقة، أليست الفوضى الخلاقة هي التي صنعت الفوضى في هذه الدول التي تغلغلت فيها إيران الآن عسكرياً وسياسياً وتتمدد في المزيد منها؟

كريم ساجد بور: بالتأكيد أعتقد أنّ أخطاء كبرى في السياسة الخارجية الأميركية ومنها شن الحرب على العراق وسوء إدارة تلك الحرب بشكلٍ فادح هو الخطأ الذي استفادت منه إيران، لكن في الوقت نفسه الفراغات في القوى الأخرى التي ظهرت في المنطقة بعد الربيع العربي في مثل اليمن وسوريا ليست بالضرورة رداً أو نتيجةً لأخطاء أميركية، نعم هي مجموعة من العوامل التي استمدت منها إيران قوتها، نعم إيران تدرك تماماً أنها بلد شيعي فارسي في منطقة عربية سنية، لهذا السبب لا يريدون أن يكونوا قوة طائفية بل تريد لنفسها أن تكون قوة أيديولوجية، وفي السنوات القليلة الماضية عانت إيران كثيراً في سمعتها بسبب دعمها لنظام الأسد، إذا ما تذكرتم قبل 6 أو 7 سنوات إبان حرب إسرائيل على لبنان كان أحمدي نجاد وحسن نصر الله يحظيان بهيبة وشعبية كبيرة في العالم العربي، الآن إيران مكروه في العالم العربي وهذا ألحق ضرراً كبيراً بإيران، إيران تريد الهيمنة على المنطقة وتكون قائدة المنطقة ليس فقط على منطقتها أو شعبها الشيعي، لهذا السبب إيران عانت كثيراً في السنوات الماضية ولا ينبغي أن نتظاهر بأنها عملاق لم يتأذَ، إيران تتمدد في الخارج لكن اقتصادها ينكمش لهذا السبب هي لم تستطع إنفاق عشرات المليارات من الدولارات دعماً للأسد والمليشيات الشيعية في العراق والحوثي في وقت اقتصادها ينكمش بهذه الطريقة.

أهمية بقاء الأسد استراتيجياً بالنسبة لإيران

أحمد منصور: ما أهمية بقاء الأسد استراتيجياً بالنسبة لإيران؟

كريم ساجد بور: أقول إنّ إيران ليست ملتزمة بشخص بشار الأسد بل ملتزمة بمصالحها في سوريا، ما هي مصالحها في سوريا؟ سوريا هي الحليف الوحيد لها منذ عام 1979 ليس في المنطقة بل في العالم أجمع، ثانياً سوريا تمثل لإيران ممراً استراتيجياً إلى حزب الله ولبنان وحزب الله هو جوهرة التاج على رأس الثورة الإيرانية وإيران طبعاً بذلك جهود كبيرة على مدى 3 عقود ونصف لإدامة وجود حزب الله، وإيران ترى أنها إذا ما استطاعت الحفاظ على هذه المصالح بعد رحيل الأسد فإنها كانت ستتخلى عن الأسد منذ فترة، لكنها لا تشعر بالثقة بأنها ستحافظ على هذه المصالح من دونه، لهذا السبب ما زالوا يلتزمون جانب الأسد رغم الكلفة الكبيرة لهم مالياً وفي سمعتهم أمام العالم السني.

أحمد منصور: إذا كانت إحدى لجان البرلمانية العراقية تحدثت عن 30 ألف جندي إيراني في العراق، هل لديك معلومات عن عدد المليشيات والجنود الذين يقاتلون إلى جوار الأسد من إيران وخارجها؟

كريم ساجد بور: إنّ من تجيد إيران عمله هو تجنيد وكلاء ليعملوا بالنيابة عنها بنفس الوقت الذي الولايات المتحدة توكل أعمالها إلى أناس في الهند والصين في المجال التجاري، طبعاً إيران تستخدم الجهاد الإسلامي وحماس في فلسطين وحزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن والمليشيات الشيعية في العراق، أنا أشك حقيقةً في أن يكون هناك 30 ألفاً من المواطنين الإيرانيين في العراق، طبعاً هناك الكثير من المليشيات الشيعية الذين أفرادهم عاشوا في إيران منذ عهد صدام حسين وقد لا يكونوا مواطنين عراقيين لكنهم يعملون ويأتمرون بأوامر إيران ويدعمون مصالحها.

أحمد منصور: أنا أسألك عن سوريا.

كريم ساجد بور: نعم سوريا، إذاً يمكن أن نقول أن المبعوث الأممي الخاص ستيفان دي مستورا إلى سوريا قال قبل بضعة أسابيع في اجتماعٍ مغلق إنّ إيران تدعم نظام الأسد سنوياً بما يعادل 30 مليار دولار وهو رقم خرافي ويمثل 10% من إجمالي الدخل القومي الإيراني، لا أدري إن كان هذا الرقم صحيحاً وقد تكون فيه مبالغة، لكن حقيقة الوضع سواءً كان الأمر بالأسلحة أو بالنفط أو بالأموال وأيضاً بخدمات حزب الله والمليشيات الشيعية والحرس الثوري الإيراني وفيلق القدس فكل هذا يعني أنّ إيران استثمرت استثماراً هائلاً في سوريا، لكن المقاتلون أنفسهم هم سوريون ومن الشيعة العراقيين والذين يقودون المعارك في مراكز القيادة هم قادة إيرانيون وقاسم سليماني، لكن لا أعتقد أن هناك جنوداً إيرانيين على الأرض يقاتلون لجانب الأسد لكن المسألة في السيطرة والقيادة فقط للإيرانيين.

أحمد منصور: يعني قاسم سليماني سيقود فيالق من الشبيحة؟ قاسم سليماني قائد عسكري من المؤكد أنه يقود عسكر، أنت تعرف أنّ هناك أي قائد عسكري لا يستطيع أن يقود مدنيين، دعنا من هذا، إيران الآن وصلت إلى البحر المتوسط والبحر الأحمر وتسيطر على مضيق هرمز مضيق باب المندب، هل كل هذا تسيطر على العراق وسوريا واليمن الآن ولبنان، هل كل هذا في غفلة من الولايات المتحدة الأميركية أم بترتيب معها؟

كريم ساجد بور: ليس هناك سياسة أميركية منسقة تهدف إلى تمكين إيران وبسط نفوذها في الشرط الأوسط على النقيض من ذلك ليس من مصلحة أميركا المساعدة على دعم نظامٍ ونشر نفوذه إذا كان هدفه وشعاره الرسمي الموت لأميركا، كان هدف النظام الرئيس بوش هو تغيير النظام في إيران لكن أعتقد أنه من الطبيعي من أن إيران وبعد أول خطأ كبير ارتكبه نظام الرئيس بوش وأعقبه ذلك نظام الرئيس أوباما بتخفيض رقعة الانتشار الأميركية في الشرق الأوسط هذا أدى إلى استغلال ذلك من جانب إيران استغلال إيران هو للأخطاء الأميركية لكن ليس سياسية أميركية لنشر النفوذ الإيراني في المنطقة.

سيطرة الحوثيين على مقاليد الدولة اليمنية

أحمد منصور: ما قراءتك لما حدث اليوم في اليمن من هيمنة شبه كاملة الآن للحوثيين حتى على جنوب اليمن؟

كريم ساجد بور: أعتقد كما تعلمون أفضل مني إن اليمن بلدٌ يصعب حكمه ولا أعتقد أن أحداً يرى أن للحوثيين سيطرة كاملة على كل اليمن أو أنه سيستمرون في حكمه للمستقبل المنظور، أعتقد أن إيران ترى في الحوثيين نموذجاً مثل حزب الله يستطيعون من خلاله ممارسة نفوذ من بعد أو من على مسافة وفي النهاية الحوثيون يصبحون ما يشبه فريقاً يُدير أموره بنفس الطريقة التي يعتمد فيها حزب الله على الدعم الإيراني المالي والسياسي لكن حسن نصر الله يدير شؤونه بنفسه، وما علينا أن نتحدث عنه هو التنافس الإيراني السعودي سواءً كان ذلك حول اليمن أو سوريا أو العراق أو البحرين أو لبنان فكثير من النزاعات الداخلية في الشرق الأوسط لها علاقة بهذا التنافس وهو تنافسٌ طائفي وسِمته الأخرى أنه سني ضد شيعي وهو عرقي العرب ضد الفرس وهو أيديولوجي أيضاً، تحالف يؤيد الغرب تقوده السعودية وتحالف يُعارض الغرب تقوده إيران لكن ليس هناك ضمانات بأن إيران ستبقى لها اليد العليا للمستقبل المنظور، تذكروا أن إيران ليست عملاقاً إذا ما زرت إيران سترى أن هناك عدد كبير من السكان إلى حدٍ كبير يشعرون بعدم الرضا، اقتصاده يفشل ولا يمكن أن تكون إيران قوة عظمى للمستقبل المنظور، حالياً تستفيد من الأخطاء الأميركية وحالة الفوضى التي تعم المنطقة لكنه ليست محصنة ضد الفوضى التي نراها في أماكن أخرى من المنطقة.

أحمد منصور: هذا الصراع الذي تقول إنه عرقي عربي فارسي سني شيعي أيديولوجي إلى أين يمكن أن يذهب هذا الصراع في ظل أن إيران تكاد تطوق المنطقة من 3 جهات؟

كريم ساجد بور: أعتقد أن هناك مصدر قلق بالغ وحقيقي ومعذور لدى الدول العربية السنية ودول الخليج خاصةً من أن صفقةً نووية ستعزز موقف إيران لأنها ستكتسب موارد مالية كبرى نتيجة رفع العقوبات وبدلاً من أن يكون هناك اتفاقٌ يساعد إيران على تعزيز مواردها المالية ومن ثم دعمها للحوثيين وبشار الأسد وغيرهم بدلاً من ذلك أي تغيير في السياسية الخارجية الأميركية نرى أنه قد يؤدي إلى تغيير في الموقف الآن من حيث تقويته لكن علينا أحمد أن نميز بين المصالح الأيديولوجية لجمهورية إيران الإسلامية لأن المصالح القومية لدولة إيران هما أمران مختلفان، وإذا ما رأيت إيران وهي تحاول وضع مصالحها القومية أو الوطنية قبل أولوياتها الأيديولوجية سترى أن إيران عند ذاك تواجه علاقاتها مع الدول العربية مع السعودية بشكلٍ مختلف كان هناك..

أحمد منصور: ولكن الحقيقة أن تضع أولوياتها الأيديولوجية، إيران تضع أولوياتها الأيديولوجية في المقدمة وأنت تعرف ذلك وكل سياسة إيران خلال الـ35 عاماً الماضية قامت على ذلك، بعض التقارير والقراءات الإستراتيجية تقول إن إيران التي أصبحت على بعد 400 كيلومتر فقط من مكة والمدينة ربما تكون خطوتها القادمة بعدما أصبحت اليمن تحت سيطرتها مع الدول الثلاث الأخرى العراق وسوريا ولبنان هي أن تطالب بتدويل الحرمين ومن ثم تدخل في شكل آخر من الصراع لا يكون صراعاً مسلّحاً ودموياً ربما يعني تغرق فيه ولكن تدخل في صراع سياسي أيديولوجي جغرافي يعني له أبعاد مختلفة، ما معلوماتك عن هذا الأمر؟

كريم ساجد بور: أعتقد أن هذا خارج نطاق الاحتمالات إيران قد تدعو إلى تدويل مكة والمدينة لكن السعودية بلد له سيادته ولا أحد سيقبل بتدويل الحرمين الشريفين ما تدعو أو تطالب إيران لا علاقة له ولا يمكن أن يسعى أحد إلى التطبيق أو تطبيقه عملياً.

أحمد منصور: الآن بعض التقارير تقول أن اجتماعات سرية عُقدت بين نظام عبد الفتاح السيسي وبين السوريين والإيرانيين وحضرها الحوثيين ومعلومات تشير إلى أن المخابرات الأُردنية أيضاً شاركت في شيءٍ من هذا وكلها تسعى إلى حلف جديد، السيسي يحاول أن يؤمن نفسه مستقبلاً إذا أخلت دول الخليج بالتزاماتها نحوه وربما يمارس شيئاً من البلطجة عليها عندك معلومات عن هذه الاجتماعات السرية التي عقد خلال الأيام الماضية؟

كريم ساجد بور: ليس لدي  معلومات ولا أريد التكهن، لكن مصر في عهد السيسي تعتمد على المساعدات المالية من دول الخليج السنية ودعم عسكري مالي من أميركا وفرنسا وكل هذه البلدان وإلى حدٍ كبير تعارض النفوذ الإيراني في المنطقة، إذاً أي احتمال بأن يدير السيسي ظهره لمن يرعاه الآن ويتوجه صوب إيران هو مستبعدٌ تماماً.

أحمد منصور: أما يمكن للولايات المتحدة التي سحبت قواتها في يومٍ وليلة من قاعدة العند الجوية وخرجت قبل ذلك من العراق وخرجت من أفغانستان أن تخرج أيضاً من الخليج وفي يومٍ وليلة تُخلي قواعد الأسطول الخامس الأميركي من البحرين أو قاعدة العِديد الجوية من قطر ويفاجئ الناس بهذا السلوك الأميركي؟

كريم ساجد بور: أعتقد أحمد أن هذا من غير المتوقع أن يحدث على مدى العامين المقبلين لكنك أثرت نقطة مهمة وهي أنه على مدى العقود الثلاثة والنصف الماضية علاقة الولايات المتحدة بدول الخليج قامت على أساس فرضيتين أولها: أمن الطاقة وتأمين التدفق الحر للنفط من الخليج الفارسي، ثانياً بواعث قلق مشتركة بين الولايات المتحدة ودول الخليج السنية إزاء إيران والآن إذا ما كانت لدينا حالة تطبيع العلاقات الأميركية الإيرانية في مجال الطاقة النووية إضافةً إلى النفط الصخري الأميركي الذي يؤمّن احتياجات أميركا من الطاقة ويجعلها أقل اعتماداً على مصادر الطاقة من الخليج الفارسي فإن أساس التحالف بين أميركا ودول الخليج والنفط الإيراني سيقوّض كثيراً ربما نرى هناك تطوراً على مدى الـ15 سنة القادمة في السياسة الأميركية لكن هذا لم يحدث في عامين بل سيحدث على مدى تدريجي وسنرى ذلك أولا إذا ما تغيّر المرشد الأعلى للثورة الإيرانية الذي شعاره الموت لأميركا وهوية إيران حالياً قائمة على أساس معاداة أميركا وليس الصداقة معهم.

أحمد منصور: كريم في دقيقة واحدة بقيت من وقت البرنامج اطلعت سريعاً على بعض التعليقات مئات التعليقات الغاضبة من دول الخليج على سكوتها على ما جرى في اليمن وسقوط اليمن، هل لا زال في مقدور دول الخليج أن تفعل شيئاً ليس لإنقاذ اليمن وإنما حتى لإنقاذ نفسها من النفوذ الإيراني والهيمنة الإيرانية القادمة؟

كريم ساجد بور: أعتقد أن دول مجلس التعاون الخليجي في موقفٍ صعبٍ للغاية لأن الذين يحاربون إيران في اليمن هم غالباً ما يكونون مجموعات راديكالية مرتبطة بالقاعدة وهي عدوة لدول مجلس التعاون أيضاً، إذاً اليمن يشكّل مشكلة كبيرة لئن تحل لكن في مختلف بلدان دول مجلس التعاون الخليجي طالما أن هناك قيادات مستقرة واقتصادات مزدهرة فإن هذا هو أكبر سند ضد نفوذ إيران لأن إيران تستمد قوتها من الفوضى ومن الفراغ السياسي من الوضع الداخلي وإذا ما حافظت دول مجلس التعاون على وضعها الداخلي المستقر ستبقي إيران بعيداً عنها.

أحمد منصور: كريم ساجد بور من واشنطن شكراً جزيلاً لك كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن متابعتكم آملين أن نكون قد قدمنا لكم رؤية حول الاتفاق النووي المزمع بين إيران والولايات المتحدة والدول الخمسة زائد واحد وانعكاساتها على دول المنطقة في ظل الهيمنة الإيرانية على شمال الجزيرة العربية وجنوبها ووجودها في شرقها، في الختام أنقل لكم تحيات فريق البرنامج وهذا أحمد منصور يحييكم بلا حدود والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.