قال مدير مرصد الأديان في فرنسا رافاييل ليوجيه: إن صعود اليمين المتطرف في أوروبا ضد المسلمين يعود لهواجس مرضية تؤدي غالبا إلى العمى، والذهاب إلى المسلم بوصفه كبش فداء.

ويشرح ليوجيه "كبش الفداء" في حديثه لحلقة (16/12/2015) من برنامج "بلا حدود" قائلا إن الأوروبيين منذ العام 2003 يشعرون بأزمة نرجسية، أو ما يسميها أزمة الإيغو الجماعية، ففي هذا العام انفردت أميركا بالحرب على العراق وتعمق شعور أوروبا بأنها هامشية.

ويضيف أن الأوروبيين منذ الحرب العالمية الأولى وهم يخسرون لصالح الولايات المتحدة، ومنذ الحرب العالمية الثانية أصبح الدولار العملة العالمية، وأخيرا في احتلال العراق لم يؤخذ حتى رأيهم، وتبدو في المقابل دول مثل الهند والبرازيل أكثر قيمة من أوروبا.

العمى بعينه
ولسائل أن يسأل: ما علاقة هذا بالمسلمين واليمين المتطرف الذي يبث ضدهم خطاب الكراهية؟ يقول ليوجيه إن اليمين يبني خطابه على محاربة العولمة والرأسمالية ويدافع عن الهوية الوطنية، لكن الأسهل أمامه أن يذهب إلى المواطن المسلم لأنه قريب ومتوافر كل يوم بلحية وبحجاب، وهذا هو العمى بعينه، على حد تعبيره.

ويضيف أن الأحزاب المتطرفة ترتكز على اللعب بالعواطف ودغدغة قيم أوروبية عزيزة، داعيا إلى تأمل أسماء هذه الأحزاب، ففي النمسا حزب "الحرية"، وفي النرويج "التقدم"، وفي بريطانيا "استقلال المملكة"، وفي فرنسا "الجبهة الوطنية".

لكن الخطر العميق في رأيه هو أن الجمهوريين والاشتراكيين في بلاده فرنسا يشاركون في تغذية الجبهة الوطنية المتطرفة عبر انجرارهم إلى نفس لعبة الهواجس، وبالتالي سيخدم هذا رئيسة الجبهة مارين لوبان وقد تصبح فعلا رئيسة لفرنسا.

أسلمة أوروبا
وعلى ذلك، أبدى ليوجيه تشاؤمه في بلاده التي تشهد تغييرات قانونية وتشريعية بدأت بمنع الحجاب العادي في المدارس 2004، وصولا إلى إمكانية نزع الجنسية عن فرنسيين حتى لو ولدوا على التراب الفرنسي، كما جاء على لسان الرئيس فرانسوا هولاند.

وحول ما يثار عن أسلمة أوروبا، قال إن المسلمين في بلاده على سبيل المثال لم يصل منهم إلى النخبة إلا عدد قليل، ذلك أنهم قدموا من مستعمرات فرنسا القديمة وعملوا في مهن يرفضها الآخرون وسكنوا هوامش المدن.

وتحدث ليوجيه أخيرا عن انخراطه في نضال مؤسسي لصالح تجريم كراهية المسلمين، وأن ذلك ينبغي أن يضمن في قوانين، مضيفا أنه تحقق شيء ما من ذلك، لكنه لم يصل بعد إلى مرحلة التجريم التي تتمتع بها معاداة السامية.

اسم البرنامج: بلا حدود

عنوان الحلقة: ليوجيه: مسلمو أوروبا كبش الفداء الأسهل

مقدم الحلقة: محمود مراد

ضيف الحلقة: رافاييل ليوجيه/مدير مرصد الأديان في باريس

تاريخ الحلقة: 16/12/2015

المحاور:

-   اليمين المتطرف واستغلال أحداث باريس

-   حملات عنصرية ضد المسلمين في فرنسا

-   دور المسلمين في المجتمعات الغربية

-   الدول الغربية وسياسة الكيل بمكيالين 

-   الإرهاب من وجهة النظر الغربية

-   تنظيم الدولة وصعود اليمين المتطرف

-   دور المفكرين الغربيين والنخب العاقلة

محمود مراد: مشاهدينا الأعزاء السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته أهلاً بكم إلى هذه الحلقة من برنامج بلا حدود أسعد بصحبتكم فيها بدلاً من الزميل أحمد منصور وضيفنا في هذه الحلقة الليلة البروفسور رافاييل ليوجيه مدير مرصد الأديان في باريس والفيلسوف وعالم الاجتماع ومدير معهد الدراسات السياسية بمدينة إكس أون بروفانس منذ عام 2006، نناقش في حلقتنا صعود اليمين المتظرف في الغرب وأثر ذلك على المسلمين الّذين يقيمون هناك مرحباً بك بروفسور رافاييل، وسؤالنا الأول عن فرنسا تحديداً حزب الجبهة الوطنية اليميني المتطرف حقق في الجولة الأولى من الانتخابات المحلية الفرنسية عدداً من الأصوات يفوق ما حصل عليه أي حزب آخر في تلك الانتخابات يعود ذلك في تقدير المراقبين والساسة إلى سببين اثنين: الأول موجة اللاجئين الّتي اجتاحت أوروبا خلال الشهور الماضية والثاني يتعلق بالهجمات الّتي شهدتها العاصمة الفرنسية وأوّدت بحياة 130 من المواطنين الفرنسيين في ليلةٍ واحدة، كلا السببين يرتبط بشكلٍ أو بآخر بالمسلمين هل تعني نتيجة الانتخابات أو ما حققه حزب الجبهة الوطنية أن المسلمين لم يعد مرحباً بهم في الغرب من قبل المجتمعات وليس فقط الساسة أو النخب؟

اليمين المتطرف واستغلال أحداث باريس

رافاييل ليوجيه: نعم أُجب على سؤالك إذن أعتقد أن السؤال بالطريقة الّتي طُرح فيها يُظهر وكأن صعود اليمين المتطرف هو شيءٌ جديد واقع الأمر أن هذه الظاهرة أعمق من ذلك بكثير نعم ثمة استخدامٌ للأحداث أحداث شهر يناير بشأن إيبدو تحديداً ثم في الثالث عشر من نوفمبر وكان ثمة استخدامٌ كذلك لقضية اللاجئين وتدفق اللاجئين نحو أوروبا ليس نحو فرنسا فحسب ولكن نحو أوروبا بشكلٍ عام انطلاقاً من سوريا هذه أعذار لأننا نحن نلاحظ منذ العام 2003- 2004- 2005 تحوّلٌ كبير داخل الجبهة الوطنية، الجبهة الوطنية لم تعد حزباً من اليمين المتطرف التقليدي الّذي يريد الدفاع عن قيم تقليدية، هذا الحزب يريد أن يوّسع قاعدته الانتخابية والتقنية الّتي استخدمتها الجبهة الوطنية للقيام بذلك هي في الواقع التركيز على المخاوف ليست المخاوف المتصلة بالعولمة والرأسمالية بشكلٍ عام والمتصلة بأوروبا ولكن أيضاً الخوف من الإسلام، لماذا تحاول الجبهة الوطنية التركيز على الخوف من الإسلام؟ لأن صورة المسلم في أوروبا بشكلٍ عام تسمح بشيئين اثنين من جهةٍ في مخيال الأوروبيين يمثل المسلم قوةً مناهضةً للتقليد المسيحي إذن هي صورة المسلمين الّذين وصلوا وصولاً إلى مدينة بواتييه واعتدوا على تقاليدنا العلمانية هذه من جهة، إذن هذه الصورة تلاءم من هم يمينيين تقليديين ومن جهةٍ أخرى ثمة في هذا المخيال صورة أخرى للمسلم إذ أنه يناهض كل ما هو متصل بالتقدّم بالعلمانية كذلك بالمساواة بين الرجل والمرأة كل هذه القيم الّتي تُعتبر قيماً فرنسيةً وقيم حرية، إذن من يريدون أن يعتبروا أنفسهم يساريين وتقدميين هم أيضاً يتحولون نحو الجبهة الوطنية انطلاقاً من كل ذلك إلا أن الواقع يُظهر أن قوة الجبهة الوطنية ومن خلال استخدام هذا المخيال وصورة المسلم الّذي يعتدي على ثقافتنا هو أنه منذ عام 2003- 2004 نشهد أن الأوروبيين بشكلٍ عام والفرنسيين بشكلٍ خاص عندهم في الواقع مشكلة وأزمة أزمة هوية يخافون على هويتهم يشعرون أنه يتم الاعتداء عليهم في هذه الزاوية بالتحديد والمسلم هنا يمثل صورة هذا الاعتداء الخارج على الهوية وهذا ما يسمح مارين لوبان من أن يكون عليها تنشر برنامجاً سياسياً اقتصادياً عقلياً وواضحاً بل إنها تكتفي باللعب على العواطف، العواطف الّتي أنا أُسميها في الواقع الخوف من هذا الطوق، نحن نرى أنه منذ العام 2003 وفي الخطابات السياسية يلحق الجميع بمارين لوبان على هذا الاتجاه وكلما لحقنا بها وكلما أكدنا نظريتها المرتبطة بحرب الحضارات كلما وسّعت هي آفاق عملها ولهذه الأسباب نجد أن أحداث يناير وأحداث الثالث عشر من نوفمبر أيضاً وأيضاً قضية اللاجئين كل هذه القضايا سوف تُفسّر في إطار هذا الاعتداء على الهوية، لكن مخيال هذا الاعتداء على الهوية هو أعمق من ذلك بكثير يعود إلى ظاهرةٍ أقدم من ذلك وهو في الواقع لا يرتبط فعلياً بأحداث شهر نوفمبر.

محمود مراد: يعني في كل الأحوال يبدو الأمر يسيراً على الساسة الغربيين الّذين يؤيدون الأفكار اليمينية المتطرفة يكفي أن ينشروا الخوف في أي مجتمع غربي ويحققوا بذلك نتائج أفضل مما اعتادوا تحقيقها، هل الخوف أصبح سلعة رائجة من الميسور على تلك المجتمعات أن تتقبل فكرة المسلم الّذي يعتدي على الهوية رغم ما يمكن أن تُعرف به هذه المجتمعات من تطوّر ورقي في السلم الحضاري؟

رافاييل ليوجيه: في الواقع واقع الأمر لا يرتبط الآن بالخوف بل التوتر الفعلي العام نحن هنا لا نتحدث عن الغرب أعتقد أن القضية تختص بأوروبا يجب أن نفهم شيئاً يجب أن ندرك أن أوروبا هي خاصة تاريخية بمعنى أنها على مدى قرون كانت نقطة أو مركز الجاذبية بالنسبة للإنسانية جمعاء وعندما أقول إنها كانت نقطة أو مركز الجامعية فإن صينياً قومياً في ميوله يريد على سبيل المثال أن يعلّم الموسيقى الكلاسيكية لأولاده سوف يكون عليه أن يعلّمه دروساً متصلة ببتهوفن أو مثلاً موسيقيين أوروبيين هذا يعني أن أوروبا أصبحت في واقع الأمر مركز هذا الثقل ومركز الراغبات جميعها لقرون واعتاد الأوروبيون على ذلك، في الواقع عندما مثلاً نعيش في اليابان نحن نلبس نفس الزي الأوروبي نتعلم نفس الموسيقى بالتالي من الناحية الرمزية كان لأوروبا هذا الثقل إلا أن المشكلة الفعلية هي أن الأوروبيين فقدوا هذا الموقع تدريجياً فقدوا ذلك أولاً لصالح الولايات المتحدة فمنذ أول أزمة عالمية 1914- 1918 خسروا ذلك ثم بعد أن خسروا سيطرتهم العسكرية خسروا بعد ذلك سيطرتهم الاقتصادية والمالية بعد اتفاقيات بريتون وودز في العام 1945 حيث الدولار بات هو العملة العالمية بطريقة من الطرق لكن لسنوات أو ربما لعقود حافظ الأوروبيون على موقعٍ متقدم مركزي، في بداية العام 2000 تحديداً في العام 2003 نجد أن النزاع العراقي غيّر الأمور تماماً لأنه للمرة الأولى نجد أن الأميركيين وهم القوة العالمية الأولى لم يطلبوا رأي أوروبا لكي يبدؤوا هذه الحرب لم يطلبوا رأي المملكة المتحدة لا فرنسا ولا ألمانيا إذن الأوروبيون شعروا فعلاً أنهم في أزمة نرجسية باتوا يشعرون أنه لم يعد لهم أي أهمية لا يوّلون أي اهتمام وهذه ظاهرة معممة في أوروبا، ابتداء من العام 2003 بدأ الأوروبيون يفكرون بهويتهم الوطنية بدأوا يشعرون أنهم بلدان صغيرة لا قيمة لها على وجه هذه البسيطة وثمة دول أخرى لها أهمية أكبر مثل البرازيل مثل الصين مثل الهند وعندها نجد ظهور لأحزاب سياسية، أحزابٌ سياسية لم تكن قائمة في السابق في أوروبا أحزاب تصاعدت منذ العام 2003 وكل هذه الأحزاب هي أحزاب أنا أُسميها شعبوية ماذا أعني بأحزاب شعبوية؟ أعني أنها أحزابٌ تريد أن تدافع عن هوية الشعوب الأوروبية من دون أن تأخذ بعين الاعتبار البرامج الاقتصادية يساريةً أو يمينية هذه الأحزاب ليست منتمية لليمين ولا لليسار هذه الأحزاب وهذا مفاجئٌ بكل الأحوال إذن هذه الأحزاب تركز اهتمامها على موضوع العولمة والرأسمالية وفي الوقت عينه على الإسلام وكأن هذه الأمور جميعها متشابهة وكأننا في كل مرة نتحدث عن نفس الاعتداء اعتداءٌ على هوية الأوروبيين وسوف تلاحظون فعلاً أن أسماء هذه الأحزاب هي تعبر بحد ذاتها عن قيمٍ عزيزة على قلوب الأوروبيين؛ على سبيل المثال في النمسا حزب الحرية هكذا اسمه في النرويج حزب التقدّم في المملكة المتحدة حزب استقلال المملكة المتحدة وفي فرنسا هذه الجبهة الوطنية الّتي تختلف عن الجبهة الوطنية في السابق كل هذه الأحزاب تحمل برنامجاً واحداً وهي مناهضة للعولمة مناهضة للإدارة الأوروبية الجامعة هي مع الهوية القومية الوطنية وتخشى أيضاً الإسلامي، هذا الإسلام هو تعبيرٌ عن الاعتداء على الهوية لأن الأوروبيين مرضى لديهم مشكلة Ego أنا جماعي وهذا ما يجعل شخصاً مثل مارين لوبان على سبيل المثال تلعب مئة بالمئة على هذه الهواجس ولديها قاعدة أصوات كبيرة ومخزون من الأصوات وكما أن الأحزاب السياسية الأخرى أكانت من اليمين أو من اليسار خذوا مثل حزب الجمهوريين الّذي يقوده نيكولا ساركوزي أو حزب فرانسوا أولاند رئيس الجمهورية حزب الاشتراكيين هذه الأحزاب تلعب كذلك على هذه الهواجس وتدريجياً هي تشارك في تغذية هذا الخوف هذه الهواجس الّتي بدوها تغذي مارين لوبان والجبهة الوطنية إذن أنا أتوقع أنه في الواقع تقدّم الجبهة الوطنية سوف يستمر مارين لوبان قد تصبح رئيسةً للجمهورية لهذا السبب بالتحديد.

محمود مراد: يعني أعدتنا إلى مطلع القرن العشرين بهذا الكلام كما لو كان اليمين المتطرف صعوده حتميٌّ في أوروبا أو في فرنسا على وجه الدقة، يعني كيف أغفلت أن الّذي يحكم فرنسا الآن رجل من الحزب الاشتراكي من اليسار وليس من اليمين بعد حكم لليمين استمر فترة من الزمن ساركوزي ومن قبله.

رافاييل ليوجيه: نعم في الواقع بالنسبة للعلاقة بين اليمين واليسار يجب اليوم أن نخرج بين هذا التعارض بين اليمين واليسار، واقع الأمر أن الجبهة الوطنية باتت حزباً شعبوياً يشبه إلى حدٍ كبير ما كنا نجده في العام 1930 بين الحربين العالميتين كنا نسمي هذه الأحزاب أحزاب قومية اشتراكية بمعنى أنها أحزابٌ كانت تريد كذلك أن تنظر في مواضيع غالباً ما يقاربها اليسار أُذكركم بأدولف هتلر، أدولف هتلر كان في البداية في اليمين المتطرف ثم أنشأ الحزب النازي الّذي كان حزب وطني قومي اشتياعي للعمال الألمان وكأنه بطريقةٍ من الطرق توّجه أو مال نحو اليسار كان لديه سياسة يسارية لكي يطمئن العمال الألمان ولكي يوّسع قاعدته الانتخابية وعدد الّذين يصوتون له، موسوليني كذلك موسوليني في إيطاليا قام بعكس ذلك في الواقع هو كان في البداية من اليسار المتطرف ولكنه إن توّجه ومال نحو اليمين لكي يزيد شعبويته وكي يقدّم نفسه بكونه قومياً إذن لا يهم إذا كنت في البداية في اليمين المتطرف أو في اليسار المتطرف، نحن عندما نكون في دول تشهد أزمات هويةٍ عميقة وهذا كان حال ألمانيا بين الحربين تذكروا أن ألمانيا في الواقع فقدت أجزاءً كبيرة من أراضيها بعد الحرب العالمية الأولى 1914- 1918 كان لدى الألمان عقدة وعندما نجد هذه العقدة هذه الأزمة المتصلة بالهوية فإن برامج اليمين الّتي هي عادةً برامج أكثر تحرراً من الناحية الاقتصادية أو منطق برامج اليسار الّتي هي عادةً برامج..

محمود مراد: عذراً على المقاطعة بروفسور ليوجيه عذراً على المقاطعة عذراً على المقاطعة سيدي يعني ما تتحدث عنه من اتجاه ألمانيا نحو النازية كان بسبب زلازل هزت كيان المجتمع الألماني وفتت الدولة في حقيقة الأمر التسويات الظالمة الّتي حصلت بعد الحرب العالمية الأولى كانت سبباً رئيسياً في اندلاع الحرب العالمية الثانية أو صعود نجم هتلر والنازيين في المجتمع الألماني، لكن ماذا حدث في باريس؟ ماذا حدث حتى يحدث هذا الاتجاه نحو اليمين المتطرف كنتيجة لحدثٍ آني 130 شخص قُتلوا صحيح أنها دماء غالية وأنهم أبرياء لا يستحقون هذا المصير لكن لماذا يُقارن هذا بأحداث مثل الّتي وقعت في العراق على سبيل المثال راح ضحيتها أكثر من مليون شخص أحداث مثل الّتي تحدث يومياً في مناطق أخرى من العالم ولا نشهد هذه الانتفاضة أو هذا التحوّل الجذري في مسار السياسة الأوروبية؟

رافاييل ليوجيه: في الواقع هذا هو رأيي عندما كنت أقارن فترة ما بين الحربين وأعطيت مثل ألمانيا وإيطاليا نحن نتحدث هنا عن نفس المفهوم أنا ذكرت ذلك من باب المقارنة لكن بالنسبة لما جرى منذ بداية العام 2000 في أوروبا فإن الأوروبيين وليس الفرنسيين أو فرنسا حصراً هذا الأمر انسحب على ألمانيا والنمسا والنرويج وفي أماكن أخرى إذن الأوروبيون بدأوا يشعرون بالخوف الخوف من فقدان سيطرتهم ونفوذهم ومركزهم عالمياً لماذا؟ لأن الولايات المتحدة أولاً وهي القوة العالمية الأولى والأمر لا يقتصر على الحرب في العراق حيث لم يُطلب رأي الأوروبيين ولكن أبعد من ذلك حتى في هذه اللحظة تتوجه أنظار الولايات المتحدة نحو آسيا ولعلكم تلاحظون أن السياسة الأميركية الآن تميل بشكلٍ أكبر إلى آسيا وتبتعد نسبياً عن العالم العربي ويتراجع الدعم الّذي كانت توفره مثلاً الولايات المتحدة عفواً للمملكة العربية السعودية الأميركيون اليوم بات لهم سياسة خارجية سياسة دولية لا تهتم بشكلٍ كبير بالشرق الأوسط أو بأوروبا وهؤلاء كانوا الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة، الولايات المتحدة تنظر الآن إلى آسيا وكأن آسيا هي المستقبل الآن الأوروبيون..

محمود مراد: بروفسور ليوجيه دعنا دعنا عفواً عفواً بروفسور ليوجيه دعنا لا نبتعد كثيراً عن موضوع الحلقة الرئيسي أو الخيط الناظم لهذه الحلقة يعني لماذا لم تتوجه مخاوف الأوروبيين من فقدان هويتهم نحو الطرف الّذي يبدو غالباً ومنتصراً في هذه المرحلة لماذا لا يتم الترويج لكراهية الولايات المتحدة على سبيل المثال الهند الصين اليابان المسلمون أبعد ما يكونون عن أن يمثلوا خطراً أو تهديداً وجودياً للأوروبيين ليس بسبب بضعة آلاف من المهاجرين يمكن أن يصلوا إلى شواطئهم ليس بسبب هجمة هنا أو هجمة هناك يمكن أن تتهدد هوية هذه الدول لكن كما قلت أنت الولايات المتحدة هي الّتي أطاحت بالأوروبيين عن العرش قيادة العالم.

رافاييل ليوجيه: تماماً الجواب بسيطٌ في نهاية المطاف ولهذا الغرض كنت أقول إن الأمر يتجاوز الخوف بل هي هواجس، الهواجس غالباً ما تكون مرضية وتؤدي إلى حالةٍ من العمى حتى لو شعرنا بهواجس مثلاً متصلة بالرأسمالية أو بالولايات المتحدة وبرفضٍ لهذه الأفكار في الوقت عينه يشعر الأوروبيون بأنهم عاجزون عن القيام بأي شيء ضد الولايات المتحدة أو ضد ظاهرة العولمة أو ضد الرأسمالية على سبيل المثال هذه الأمور تتجاوزهم في الواقع، أما المسلمين فهم عذر وهم كبش فداء لأنهم قريبون ولأنهم كل يوم موجودون معنا في كل مرة نجد فيها لحية أو حجاب في كل مرة نجد فيها شخصاً مختلفاً عنا نشعر وكأنه بالإمكان أن نتصرف ضدهم أن نمارس الحرب عليهم بشكلٍ مباشر هذا متصل فعلاً بالعمى المتأتي من هذه الهواجس الأوروبية، السبب الآخر هو أنه لو كان على الأوروبيين فعلاً أن يتصدوا لتهميشهم عالمياً يجب عليهم أن يعتمدوا إستراتيجيةً اقتصاديةً حقيقية عليهم كذلك أن يوّحدوا صفوفهم وهم عاجزون عن ذلك إذن من الأسهل عليهم أن يتقوقعوا نحو هذه الهوية القومية وأن يتهموا المسلمين.

محمود مراد: يعني هذا يقودنا بالضرورة إلى السؤال الّذي طرحنه في البداية هل على المسلمين في المجتمعات الغربية أن يخشوا على مستقبلهم هل لم يعودوا مرحباً بهم في تلك المجتمعات يعني ربما يبدو هذا السؤال غريباً بعض الشيء في ظل القيم ومنظومة الأخلاق الّتي يعلنها الغرب أو يرددها الغرب صباحاً ومساءاً لكن لا تنسى أن المحاكم محاكم التفتيش كان مقرها أوروبا وكذلك الحرب العالمية الثانية والأولى الّتي شهدت أقصى انهيار أخلاقي للبشر في تاريخهم كانت أيضاً مقر أو كان اندلعت شرارتها من القارة الأوروبية، لماذا نذهب بعيداً حادثة أو الحوادث المأساوية الفظيعة الّتي جرت في البلقان في أواسط التسعينيات من القرن الماضي كان أيضاً مقرها أوروبا ولم تحرك أوروبا ساكناً ولم يخلّص المسلمين من هذه الويلات في أوروبا سوى التدخل الأميركي.

رافاييل ليوجيه: أنا في الواقع متشائم حتى لو أن أوروبا أو أن الدول الأوروبية تعطي أهميةً كبيرة للحريات في دساتيرها وهي دول ديمقراطية أنا أشعر بقلقٍ كبير لأنه منذ العام 2003 فعلياً نحن نشهد تغييراً قانونياً وتشريعياً مخيفاً في العام 2004 مثلاً اعتمدت في فرنسا قانون يمنع الفتيات اللواتي يرتدين الحجاب العادي إذن يُمنع أو تُمنع هؤلاء من ارتداء الحجاب في المدارس الحكومية وبات لدينا يعد ذلك مجموعة من القوانين والإجراءات الّتي تتركز فعلياً على المواضيع المتصلة بالمسلمين ثم بعد أحداث الثالث عشر من نوفمبر هذه الأحداث المأساوية سمعنا خطاباً لرئيس الجمهورية شكّك فيه بإحدى المبادئ الأكثر أساسيةً في الجمهورية الفرنسية منذ ثورة العام 1789 وهو المبدأ الّذي يقول إن المواطنة أو الجنسية لا يمكن نزعها الرئيس رئيس الجمهورية قال إن من يحملون جنسيتين أثنيتن وعندما يمثلون خطراً إذا ما اعتبرنا أنهم يمثلون خطراً يتهدد الدولة يمكن نزع الجنسية الفرنسية عنهم حتى أولئك الّذين ولدوا على التراب الفرنسي نجد طبعاً أن ذلك قد يُطبق على المسلمين لأنه قد نعتبر أن هؤلاء يمثلون خطراً بكونهم مسلمين في الواقع أعتبر ذلك مصدر خطر وقلق كبير وهذا ما يقربنا.

محمود مراد: يعني المشكلة سيد ليوجيه عفواً على المقاطعة سيد ليوجيه المشكلة أن هذا الأمر ليس قاصراً على تصريحات الساسة أو خطواتهم الّتي قد تبدو في شطط بعض الأحيان لكن أيضاً على النخب السياسية والنخب الثقافية وكذلك على التحركات الشعبية، سنعرض الآن عليكم وعلى السادة المشاهدين تسجيلات مصورة لبعض التظاهرات الّتي جرى فيها تجاوزات خطيرة ما كان يتهامس به البعض بعض النخب اليمينية المتطرفة ما كانوا يتهامسون به صار الآن يعني واقعاً يعلن بهذه الصورة في المظاهرات تفضلوا بمشاهدة هذه التسجيلات المصورة.

[تسجيلات مصورة لمظاهرات معادية للمسلمين]

محمود مراد: يعني الصور الأخيرة لبعض المتظاهرين الّذين اعتلوا سطح أحد المساجد لم يكن هذا يحدث في العقود الماضية العقلاء ربما لا يأمنون جانب الطبيعة البشرية ونوازع الشر فيها وإنها مهما تطورت إذا تُركت لمثل هذه المسلسلات من التخويف والكراهية ربما يتردى الأمر إلى أكثر من محاكم التفتيش وأكثر مما كان يحدث من مكارثية في الولايات المتحدة في أواسط القرن العشرين، هل أنت على ذات القدر من التشاؤم بروفسور ليوجيه؟

حملات عنصرية ضد المسلمين في فرنسا

رافاييل ليوجيه: نعم أعتقد أنك محق تماماً بالإشارة إلى ذلك نحن في هذا الجو من العواطف القوية جداً وهذا هو دور الهواجس الّتي أحياناً تعمينا وأنا هنا أفكر بالنخب السياسية بدل أن نحاول في الواقع الحد من غياب العقلانية هذه والحد من هذه الهواجس النخب السياسية تفضل استخدام هذه الهواجس لكي يكون لها هوامش انتخابية أكبر هذا ما يخيفني في سلوك هؤلاء مانويل فالس على سبيل المثال رئيس الوزراء الفرنسي أو حتى رئيس الجمهورية عندما قالا إنهما على سبيل المثال قد يقفلان عدداً من المساجد وهذا ما كان ذكره رئيس الوزراء وحتى جاء على لسان وزير الداخلية وقال أنهم ربما قد يمنعون اللغة العربية في بعض المساجد وقد يطردون عددا من الأئمة إلى ديارهم، إلا أن ديارهم هي هنا فبعضهم قد وُلد هنا أعتقد أن في ذلك إشارة سيئة تُعطى للرأي العام الفرنسي نحن نقول في نهاية المطاف إن من هم في اليمين المتطرف محقون ربما في طريقة من الطرق وكأننا نثبت بأنهم على حق، وأرى في ذلك إشارة سلبية جدا.

محمود مراد: أرجو منك وأرجو كذلك من السادة المشاهدين أن تبقوا معنا فاصل قصير نواصل بعده النقاش ابقوا معنا.

[فاصل إعلاني]

دور المسلمين في المجتمعات الغربية

محمود مراد: أهلا بكم من جديد مشاهدينا الأعزاء في هذه الحلقة من برنامج بلا حدود نناقش فيها صعود اليمين المتطرف في الغرب وأثر ذلك وانعكاساته على المجتمعات المسلمة التي تقيم هناك، وضيفنا مجددا هو البروفسور رافاييل ليوجيه مدير مرصد الأديان في باريس وعالم الاجتماع ومدير معهد الدراسات السياسية بمدينة آكسن أون بروفانس مرحبا بك مجددا، سيد ليوجيه يعني كثير من التقارير خلال السنوات الماضية حذرت من صعود أو تزايد عدد المسلمين في المجتمعات الأوروبية بصفة عامة قالوا صراحة إن أوروبا ستصبح مسلمة في غضون عقود قليلة وإن الحكم فيها سيصير للمسلمين إذا ما استمرت الأنظمة الديمقراطية على هذا النسق، تحريض بشكل غير مباشر على طرد المسلمين أو وقف زيادتهم بهذه الصورة، السؤال هنا: اليهود عددهم محدود للغاية في مجتمع كالمجتمع الأميركي تتحدث عن 8 ملايين يهودي على سبيل المثال في مجتمع قوامه 340 مليون مواطن ومع ذلك هم أصحاب الأثر الأكبر في توجيه السياسات الأميركية ذات اليمين وذات الشمال، لماذا لم يتمكن المسلمون في المجتمعات الأوروبية من فعل الشيء ذاته؟

رافاييل ليوجيه: أولا علينا أن ندرك أن قضية الأسلمة هذه موضوع نظرت فيه وكتبت كتابا في الواقع أسميته أسطورة الأسلمة وأثبت أن هذه الأسطورة لا يمكن التحقق منها أولا عدد المسلمين لا يزداد في أوروبا وثمة جانب آخر لهذه الأسطورة يقال إن المسلمين يتسللون إلى داخل دوائر السلطة وهم أقوى، ولكن كما قلتم هذا غير صحيح قلة من المسلمين وصلوا إلى النخب الفرنسية وليس الفرنسية فحسب، ولكن الأوروبية بشكل عام في ضوء عدد المسلمين داخل المجتمع الفرنسي عددهم مثلاً محدود في وسائل الإعلام أو في الدوائر السياسية وحتى كذلك في مجال الأعمال، هذه الظاهرة تعزى إلى أسباب مختلفة من بين هذه الأسباب: في الواقع أن المسلمين يؤتون إلى فرنسا من المستعمرات القديمة في المغرب العربي وهي مجتمعات كان يسود فيها قدر من الأمية أتت إلى فرنسا في الواقع لتنضم إلى الأيدي العاملة ولكي تقوم في الوظائف التي يرفضها الآخرون، هؤلاء إذن أسكنوا في أماكن لم تكن في قلب المدن لم تكن في أوساط برجوازية ذات رفاه وتطلب الأمر لكي يتمكن هؤلاء من أصول مغاربية إذن لكي يتمكنوا من الوصول تدريجياً إلى الاندماج وإلى الصعود أو التسلق سلم المجتمع الفرنسي، اليوم يمكن أن أقول إن الوضع يختلف شيئا بسيطاً ربما قبل 4 أو 5 سنوات أو 7 سنوات نجد عددا أكبر من المسلمين هم جزء من النخبة ولكن تطلب ذلك وقتاً طويلاً لأنهم فعلا يأتون من أوساط غير قوية.

الدول الغربية وسياسة الكيل بمكيالين

محمود مراد: بناء على السؤال السابق كيف يمكن أن نفهم وجود قوانين في المجتمعات الأوروبية في فرنسا تحديدا تجرم معاداة السامية بل تجرم التشكيك في الأعداد التي قتلها هتلر من اليهود بينما ليس هناك قوانين تحمي المسلمين من التشكيك على سبيل المثال في عقائدهم من السخرية من نبيهم من رسولهم، يعني من الأسئلة التي جاءتنا على صفحتنا في الفيسبوك، محفوظ الشواري يقول هل يوجد في فرنسا قانون يحد من خطاب الكراهية الذي ينادي به اليمين المتطرف ضد المسلمين الفرنسيين والأوروبيين، هل يوجد قانون عند سقف معين يحد من ذلك الخطاب عنصري وبالتالي كل من يتجاوز ذلك السقف يعرض نفسه أو حزبه للمحاسبة والعقاب، لماذا ليس هناك قوانين تحمي المسلمين كما أن هناك قوانين تحمي غيرهم؟

رافاييل ليوجيه: أنا أتفق معكم أنا من أولئك الذين ناضلوا لكي لا نمارس سياسة الكيل بمكيالين عندما نتصدى للعنصرية أو عندما نتصدى لغياب التسامح يجب أن نسحب ذلك على كل أشكال غياب التسامح والعنصرية، لكن لسوء الحظ أنت محق الأمور ليست على هذه الشاكلة في بلادنا لكننا ناضلنا منذ سنوات وأعتقد أننا اليوم وصلنا إلى شيء ما من النتائج بات على الأقل ثمة إقرار بما يسمى الإسلاموفوبيا أو رهاب الإسلام لكونها نوع من العنصرية التي يمكن أن تجرم، لكن طبعا لم نصل إلى مرحلة التجريم مشابه لتجريم معاداة السامية ولكن إذا ما نظرت في سبب ذلك وكان ذلك سؤالكم السبب الأساسي يعزى إلى التالي: لدينا اليوم هذه الهواجس المرتبطة بالهوية التي تتركز بشكل أساسي على المسلم بكونه معتدي على الهوية الأوروبية وهذا ما يجعل الأوروبيين والفرنسيين على وجه الخصوص يشعرون وكأنه في كل مرة يفرضون فيها قيوداً على مسلم أو مثلا يكافحون ضد ارتداء الحجاب فيها كل مرة مشروعية للقيام بذلك لأن المسلمين هم الذين بدئوا بالاعتداء عليهم، وكأن المسلمين يستفزونهم بشكل دائم إلا أن ذلك يرتبط من وجهة نظري بالهواجس المعنية بالهوية وقلت أن ذلك خاص وله توابع خاصة، المسلم في المخيال الفرنسي وكأنه مناقض تقليديا للغرب التقليدي المسيحي وللغرب المتقدم المتحرر الذي يدعم حقوق المرأة وما شابه.

الإرهاب من وجهة النظر الغربية

محمود مراد: طيب أنا بمناسبة الهواجس والمخاوف أريد منك تعريفاً بكلمات قصيرة في اقل من دقيقة لكلمة الإرهاب، ماذا تعني كلمة الإرهاب بالنسبة لكم؟ وماذا تعني بالنسبة للمواطن الأوروبي بصفة عامة؟

رافاييل ليوجيه: مفهوم الإرهاب؟

محمود مراد: نعم، هو القتل من أجل تحقيق أغراض سياسية على سبيل المثال قتل الأبرياء؟

رافاييل ليوجيه: نعم، إذا كنا نريد الحديث عن الإرهاب أنا في الواقع أدير مختبراً من بين عدد قليل من المختبرات الفرنسية التي تدرس ما حصل في الثروات الأربعة أو الخمسة أو السبعة الأخيرة في تغير الإرهابيين وملامح الإرهابيين، أنا أعتبر أنه لمكافحة رهاب الإسلام والإسلاموفوبيا يجب أن نفهم وجود ظاهرتين متصلتين، لدينا ظاهرة الأصولية السلفية في أوروبا وفي فرنسا على وجه الخصوص لكن مع أشخاص هم في الواقع عندهم رغبة العودة إلى نمط حياة موائم لنمط الحياة زمن الرسول، يرتدون الزي الملائم هم يلتزمون بالنص الحرفي، يريدون العيش وكأنهم في هذه الفترة الزمنية، لكن في الوقت بعينه لدينا ظاهرة منفصلة تماما ما أسميتهم أنا بالعصابات منذ أن جاء الإسلام الجدد هؤلاء أشخاص يريدون أن يمارسوا الجهاد هم جهاديون من دون أن يمروا بالإسلام بمعنى أنهم عندما يصلون إلى هذا الموقع مواقع الجهاد يقلدون الإسلام يقلدون الأصوليين لكن الظاهرتين منفصلتان تماما إلا أن الإرهابيين الذين قتلوا أشخاصا على التراب الفرنسي إن أيا من هؤلاء الإرهابيين لم يدرس الإسلام في العمق وأن أياً منهم لم..

محمود مراد: أنا سآتي عفوا على المقاطعة، في نقاشنا سآتي على ذكر هذه النقطة لكن أنا سألتك عن تعريف بسيط لكلمة الإرهاب حتى نستطيع أن نبني عليه هذا النقاش، ماذا تعني كلمة الإرهاب في التعريف الأكاديمي أو في أي تعريف يروق لك؟

رافاييل ليوجيه: حسنا المشكلة هي أن الإرهاب في الثمانينيات والتسعينيات يختلف عن إرهاب داعش، الإرهاب بشكل عام نستطيع أن نقول هو تنظيم خارج عن الدولة، يقاتل ضد شعوبٍ أو مجتمعات باستخدام الرعب، رعب الجرائم، وباستخدام وسائل الإعلام حتى ولهذا الغرض نجد أن الإرهاب مرتبط بالرعب ببث هذا الرعب، ولكي نبث هذا الرعب يجب أن نستخدم وسائل الإعلام، لو كنا في القرون الوسطى على سبيل المثال ما كان بالإمكان أن يظهر الإرهاب لأنه حتى لو قامت داعش مثلا باعتداء على التراب الفرنسي ما كان بالإمكان أن يغطى ذلك بوسائل الإعلام كما كان الأمر الآن، الإرهاب هو رعبٌ جرمي يستخدم وسائل الإعلام عالمياً.

محمود مراد: وسائل الإعلام هي التي تحول حدثا ما من حدث عادي أو إجرام عادي إلى ظاهرة إرهابية، هل تريد أن تُفهمني ذلك؟ أنا لم أفهم في هذا التعريف نقطة تتعلق بمسألة أن الإرهاب هو شيء أو جريمة تمارسها جماعة خارجة عن الدولة، هل إذا مارست الدولة نفس الأفعال ومضروبة في ألف أو في آلاف لا تصبح إرهابية على سبيل المثال، هل ما حدث من الولايات المتحدة وبريطانيا على العراق، لا يعد إرهابا؟ هل ما يحدث من بعض الأنظمة الديكتاتورية التي حتى ترفع شعار محاربة الإرهاب ضد شعوبها على ما يحدث في سوريا، هل هذا لا يعد إرهاباً لا يستحق انتفاض الشعوب والمجتمعات ضده؟

رافاييل ليوجيه: أنا ما قصدته بأنه خارج عن الدولة حتى في حالة داعش هذا الأمر غير واضح لا نفهم الطبيعة المؤسسية لداعش جزء من الدولة هل هو خارج الدولة؟ هل هو تنظيم أصلا لديه سيطرة على أرض، للإجابة بشكل أدق على سؤالك أقول أنه عندما تخوض دولة حربا ويكون ذلك خارج القانون الدولي يمكن أن هذا شبه إرهاب بالنسبة لي..

محمود مراد: المشكلة أن دوامة التخويف متبادلة يعني الأمر ليس قاصراً على المجتمعات الغربية والتخويف من الإسلام بل هناك أيضا بين المجتمعات المسلمة من يخوف من الغرب والدور الصليبي الذي يمكن أن يتشح به الغرب في مرحلة ما، أنا سأنقل لك لا أريد أن أكون فظاً معك لكن سأنقل لك ما ذكره أحد الذين أرسلوا إلينا بعض الرسائل، محمد أصلان يقول: على فكرة إن إرهاب فرنسا لم يُنس ولم يمحَ من ذاكرة العرب والمسلمين في احتلال بلادنا وقتل الملايين من أبنائنا وإخواننا ونهب ثرواتنا ومقدرات شعوبنا يعني الإرهاب العربي يقول لم يصل إلى نقطة بحر إرهاب فرنسا، هذا ربما ما يروج أيضا من الخطابات في داخل المجتمعات المسلمة عملية التخويف المتبادل هذه، إلى أين ستؤدي في تقديرك؟

رافاييل ليوجيه: دعوني أجيب أنا في الواقع لا أريد أن أقيم المقارنة لكي أعرف من هو الأكثر إرهابية، أعتقد أن الإرهاب بحد ذاته هو أمر مشين ولا أبدأ أقيس من هو الأكثر إجراماً والأكثر إرهاباً، لكن أقول فعليا أنه الإرهاب نظام قائم كذلك على هذه الهواجس المتبادلة وعلى الغضب أيضا وعلى الرغبة بالانتقام، فعلا الغرب الأوروبي بسط سيطرته على العالم على مدى قرون وخلق حالة من الإحباط ومن الهواجس والقلق، وهذا ما نسميه معاداة الغرب، معاداة الغرب هذه التي تطورت بشكل خاص وساعدت في العالم العربي مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين ومعاداة الغرب مرتبطة بقيام أوروبا بالقضاء على المغرب وعلى العالم العربي وعلى انهيار النظام العثماني وكذلك على وصول نابليون إلى مصر ابتداء من عام 1898 إذن في كل مرة نتدخل عند الآخرين بشكل كبير من دون أن نترك لهؤلاء فرصة للدفاع عن نفسهم ثم بعد ذلك أن نرسي الاستعمار هذا يؤدي إلى الإحباط هذا يؤدي إلى القلق والهواجس وفرصة أمام الإرهاب، إذن نعم الحروب التي شُنت تاليا وأضرب هنا مثلا حتى قبل العراق مثلا الحرب في أفغانستان، الحرب في أفغانستان من وجهة نظري هي من أحد الأسباب الأساسية الإرهاب ضد الغرب، ولكن الإرهاب الذي كان قبل داعش هو إرهاب القاعدة.

تنظيم الدولة وصعود اليمين المتطرف

محمود مراد: هل توافق على ما ذهب إليه طارق برهان على سبيل المثال ممن أرسلوا إلينا رسائل يقول: هل تعي الشعوب الأوروبية أن صعود نجم اليمين المتطرف هو هدية لتنظيم الدولة الإسلامية داعش، هل تتفق معه؟

رافاييل ليوجيه: آه أنا مقتنع اقتناعا كبيراً اليوم بأن صعود اليمين المتطرف في فرنسا وحتى أبعد من اليمين المتطرف مشروعية المواضيع التي يشرحها من يخشون الإسلام وهذه الإساءة إلى الهوية وهذا المفهوم بأنه يتم الاعتداء على هويتنا كل ذلك يخدم داعش، لأن داعش بحاجة إلى هذا الشعور من الإحباط عند أفراد يشعرون وكأنهم مهمشين مقصون عن المجتمع هذا لكي يتمكنوا من تجنيدهم، هذا واضح ولا لبس فيه وأجد أن الإخراج سيناريو إخراج حرب الحضارات الذي أطرحه في كتابي الجديد سوف يصدر في شهر يناير إذن إخراج حرب الحضارات هذا يخدم بشكل كبير داعش، داعش بحاجة إلى هذه الفكرة فكرة حرب الحضارات لكي تتمكن من تجميد الجهاديين وهذا ما تقوم به مارين لوبين وهذا ما تقوم به الجبهة الوطنية، يقولون بأننا في حرب الحضارات هذه.

دور المفكرين الغربيين والنخب العاقلة

محمود مراد: هل هناك دور للمفكرين والنخب العاقلة في المجتمعات الأوروبية لتقوم به لتوعية المواطن الغربي إزاء هذا النمط من التخويف الذين يتعرضون له غسل الأدمغة الذي يحدث في الإعلام، التركيز على بعض الجرائم دون غيرها وتضخيم هذه الجرائم للتخويف من فئات ربما الغالبية العظمى مسالمة لا تنتهج ولا تفكر بالإسلام بذات الطريقة التي تفكر بها الجماعات الراديكالية ما دوركم كمفكرين في هذا الصدد؟

رافاييل ليوجيه: نعم أنا ولهذا الغرض أكتب كتباً  وأظهر على وسائل الإعلام وأشارك في مقابلات إذن أنا أحاول أن أشرح أن الضحية الأولى للإرهاب الإسلامي هم المسلمون أنفسهم، المسلمون هم الضحايا الأوائل للإرهاب الإسلامي، الضحية الأولى لرعب داعش هم السوريون أنفسهم، السوريون هم أول ضحية للإرهاب، العراقيون كذلك، بالتالي أعتبر أن في ذلك مصدر ألم مضاعف للأوروبيين وللفرنسيين من المسلمين الذين من جهة كمسلمين يشعرون بأنهم يتعرضون لاعتداء من قبل داعش ومن جهة أخرى المجتمع الفرنسي والسياسيون الفرنسيون يتهمونهم بأنهم بطريقة من الطرق وبكونهم مسلمين ربما يضطلعون بجزء من مسؤولية الإرهاب هذا إذن هذا الاعتداء مزدوج على المسلمين من داعش من جهة ومن جهة أخرى يفترض أنهم من حلفاء داعش، اعتقد أن هذا غير عادل على الإطلاق ودوري بالطريقة التي أقاربها فيها هو أن أفهم ذلك للفرنسيين، ولكن يمكن أن أقول لكم أن هذا حاليا صعب.

محمود مراد: سرود هاورل يسأل إذا كانت السياسة الفرنسية تنبني على أحداث يومية يعني الساسة الفرنسيون دأبوا على ترديد هذه العبارة بشار الأسد ليس له مكان في مستقبل فرنسا أي تسوية سياسية ينبغي أن تستوعب بشار الأسد ثم بعد حادث هجمات باريس تحول الأمر تماما وأصبح بشار الأسد شريكا في محاربة تنظيم الدولة الإسلامية شريكا في الحرب على الإرهاب؟

رافاييل ليوجيه: أنا رأيي في هذا الموضوع واضح أنا أنتقد السياسة الداخلية الفرنسية لكن في الوقت عينه أعتقد أن السياسة الخارجية الفرنسية هي الوحيدة التي تتسم بالاتساق وأنا هنا أحيي لوران فابيوس الذي قاوم حتى النهاية، أعرف أن كل من يدرسون قضايا الإسلام وكل الاختصاصيين الذين يدرسون الشرق الأوسط وسوريا يعرفون أنه طالما بشار الأسد ما زال في السلطة سوف يؤدي ذلك إلى إحباط كبير عند الشعب ولا سيما عند الغالبية السنية وبالتالي داعش سوف تتمكن من اللعب على هذا الإحباط لكي تحظى بدعم من المجتمعات المحلية، المجتمعات المحلية سوف تمد لها يد العون وأعتقد أنه ربما السياسة الفرنسية قد تغيرت لكن لا يمكن إلا أن نتخلص من بشار الأسد أعتقد أن الروس الذين هم يعارضون هذا الموقف يعارضون هذا الموقف لسبب واحد إنما هدفهم هو بسط سيطرتهم بشكل أكبر، اعتقد أن سياسة لا تهدف إلى الوصول إلى مرحلة انتقالية وإلى إخراج بشار الأسد من السلطة هي سياسة غير مسؤولة لا تريد فعلا أن تتصدى لداعش فمصدر داعش وجذور داعش هو الإحباط عند المجتمع السني الذي يقمعه بشار الأسد.

محمود مراد: صحيفة لو تليغرام الصادرة في فرنسا قالت في يناير عام 2015 إن يعني هذا قبل شهور طويلة من حادث هجمات باريس، قالت إن فرنسا دخلت الحرب العالمية الثالثة الآن بعد هجمات باريس جاء على لسان رئيس الوزراء الفرنسي أن فرنسا صارت في حالة حرب، وهذا ما رفضه في الحقيقة رئيس الوزراء الفرنسي السابق دومنيك دو فيلبان كيف يمكن عصمة المجتمع الفرنسي والمجتمعات الغربية من حالة العسكرة التي يريد بعض الساسة أن يُوقعوها فيها؟

رافاييل ليوجيه: أولا طبعا من الصعب أن نكافح هذه الميول العسكرية التي تحيلنا إلى العسكرة لكن يجب أن نحول دون ذلك من خلال شرحنا للتالي: إذا كنا في حالة صعبة فعلا وتشهد نزاعا هذا لا يرتبط على الإطلاق بالحرب العالمية الأولى 1914-1918 ولا يرتبط كذلك في الحرب الثانية 1939- 1945 الأمر مختلف تماما والمعادلة مختلفة نحن الآن في مجتمع معولم الآن لا نتحدث نزاعات أو مواجهات بين الدول بالتالي من غير المفيد على الإطلاق أن نقول أننا في حالة حرب وأن نتجه باتجاه العسكرة وأن نلعب على المخاوف والهواجس أعتقد شخصيا أن الأمر الوحيد الذي قد يمثل مخرجا من كل ذلك هو أن نصغي فعلا إلى آراء الاقصائيين وأن نغرق في هذه الهواجس، هاجس من حرب بعيدة.

محمود مراد: شكرا جزيلا لك البروفسور رافاييل ليوجيه مدير مرصد الأديان في باريس والفيلسوف وعالم الاجتماع ومدير معهد الدراسات السياسية بمدينة آكسن أون بروفانس كان معنا من العاصمة الفرنسية شكرا جزيلا لك على هذه المساهمة، مشاهدينا الأعزاء لكم منا كل التحية على حسن المتابعة إلى اللقاء وانتظروا الزميل أحمد منصور في الحلقة القادمة من الأسبوع المقبل بإذن الله تعالى، السلام عليكم ورحمة الله.