أحمد منصور
أحمد طالب الإبراهيمي

أحمد منصور: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أحييكم على الهواء مباشرة من العاصمة الفرنسية باريس، وأرحب بكم في حلقة جديدة من برنامج بلا حدود، كنا نود أن نقدم لكم هذه الحلقة من الجزائر في ذكرى مرور خمسين عاما على استقلالها، لكن مكتب الجزيرة مغلق هناك وأنا ممنوع من دخولها منذ الحوار الذي أجريته مع الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في شهر إبريل من العام 1999، لذلك فضل ضيفي أن نجري الحوار هنا من باريس التي هي الأقرب إليه، وكذلك تذكيرا بأن فرنسا التي احتلت الجزائر مئة وثلاثين عاما، قد استقلت الجزائر عنها أم لا زالت مرتبطة بها؟ حينما أعلنت الجزائر استقلالها في الخامس من يوليو عام 1962، كانت قد قدمت ما يربو على المليون شهيد في ثورة استمرت من العام 1954 وحتى الاستقلال، لكن ما عاشه الجزائريون طوال الخمسين عاما الماضية من عمر الاستقلال كان أقل بكثير مما دفعوا الثمن من أجله، فقد انتقلوا من الاستعمار إلى الاستبداد، وكان الاستقلال في رأي الكثيرين استقلالا شكليا، منقوصا، مكبلا، وفي حلقة اليوم، وفي ذكرى مرور خمسين عاما على استقلال الجزائر، نحاول أن نقيم الثورة الجزائرية ونتائجها مع أحد قادتها، الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي، وزير الإعلام والخارجية، والتعليم الأسبق، ولد أحمد طالب الإبراهيمي في مدينة اصطيف شرق الجزائر عام 1932، والده هو الشيخ البشير الإبراهيمي، أحد مؤسسي جمعية علماء المسلمين الجزائرية ورئيسها، التحق أحمد طالب الإبراهيمي بكلية الطب، جامعة الجزائر 1949، وانتقل وهو في السنة الخامسة إلى فرنسا لإكمال دراسته بكلية الطب جامعة باريس، حيث واصل نضاله عبر اتحاد الطلاب المسلمين في فرنسا الذي أصبح رئيسه، وبعد عامين من النشاط اعتقلته السلطات الفرنسية وأودعته سجن لاسونتيه في فرنسا لمدة خمس سنوات، حيث قضى هذه السنوات مع الزعماء الخمسة بن بيلا، وبوضياف، وآيت أحمد، وخيضر، والأشرف، فكانت فرصة تاريخية سيقت إليه، أفرجت عنه فرنسا عام 1961، وعاد إلى الجزائر في يوليو عام 1962، في عهد بومدين، أصبح وزيرا للتربية والتعليم، ثم وزيرا للإعلام، ثم وزيرا للخارجية في عهد الشاذلي بن جديد، رشّح نفسه للانتخابات الرئاسية الجزائرية عام 1999، غير أن الجنرالات قرروا أن يقفوا إلى جانب عبد العزيز بوتفليقة، وفي حلقة اليوم، نحاول تقييم نتائج الثورة الجزائرية وخمسين عاما من الاستقلال مع الوزير، مرحبا بك.

أحمد طالب الإبراهيمي: شكرا.

فلسفة الثورة الجزائرية

أحمد منصور:  كيف تنظر إلى ثورة الجزائر بعد خمسين عاما من الاستقلال؟

أحمد طالب الإبراهيمي: بسم الله الرحمن الرحيم، بعد أيام قليلة تحتفل الجزائر بالذكرى الخمسين لاسترجاع استقلالها وأعتقد أنها مناسبة مواتية للتذكر، وللتقييم، ولاستشراف المستقبل، أما بالنسبة للتذكر، فأرى من واجبي قبل كل شيء أن أترحم على أرواح الشهداء الذين بفضل تضحياتهم استرجعت الجزائر استقلالها فطوبى لهم، فبعد حرب دامت سبع سنوات ونصف، انتصر المجاهدون بدفع ثمن باهظ على جيش عصري، يعد من أعتى الجيوش الغربية، ومدعوم من طرف الحلف الأطلسي، وما أدراك ما الحلف الأطلسي، فكان نصرنا مفخرة للأمة الإسلامية التي لم تعرف في القرن العشرين إلا الهزائم، وكانت أم الهزائم غرس إسرائيل في قلب الأمة العربية، فأتذكر اليوم كل من آزرنا في كفاحنا، وفي مقدمتهم الشعوب والدول العربية بدون استثناء، من العراق إلى مصر، ومن السعودية إلى سوريا، ومن الأردن إلى الكويت، ومن تحملنا أكثر هم جيراننا وأشقاؤنا في المملكة الليبية آنذاك، وفي الجمهورية التونسية، وفي المملكة المغربية، فرحمة الله على من قضى نحبه، وتحية خالصة لمن بقي على قيد الحياة، كما أتذكر من وقف بجانبنا في بعض دول العالم الثالث، الذين اجتمعوا في باندونغ ثم في بلغراد، لإنشاء حركة عدم الانحياز، ولا أنسى أن في البلد العدو هناك أحرار أيدونا.

أحمد منصور: في فرنسا.

أحمد طالب الإبراهيمي: في فرنسا.

أحمد منصور: فرنسيون.

أحمد طالب الإبراهيمي: أذكر منهم المثقفين الذين وقعوا على ما سمي ببيان المئة وواحد وعشرين، وكأنهم بهذا البيان أرادوا أن يكفروا عن مآثم الجيش الفرنسي، الذي مارس حرب إبادة مرتين ضد الشعب الجزائري، في القرن التاسع عشر عندما احتل البلاد، وفي القرن العشرين عندما حاول عبثا أن يخمد نار ثورتنا.

أحمد منصور: أنتم أيضا محاموكم كانوا فرنسيين هنا؟ كان كثير من المحامين الفرنسيين يدافعون عنكم.

أحمد طالب الإبراهيمي: كان بعض المحامين فرنسيين وجزائريين، نعم، وفي الحقيقة أن أول نظام في 1954 .

أحمد منصور: اندلاع الثورة.

أحمد طالب الإبراهيمي: اندلاع الثورة، لم يكن انطلاقة عهد جديد بقدر ما كان تتويجا لمقاومة طويلة بدأت مع الأمير عبد القادر، وأحمد باهي، تلتها انتفاضات المقراني في شرق البلاد، وفات منسومر في الوسط، وبوعمامة في الغرب، كل هذه الانتفاضات أخمدت بالحديد والنار، ثم بعد فترة خمود، وعند انتهاء الحرب العالمية الأولى برزت الحركة الوطنية الجزائرية بشقيها: الشق السياسي متمثلا في حزب الشعب، والشق الديني الثقافي متمثلا في جمعية العلماء.

أحمد منصور: نعم.

أحمد طالب الإبراهيمي: وهذه الحركة الوطنية مهدت الأرضية لثورة التحرير بما غرست في أذهان الجزائريين فكرة الاستقلال، وبما ركزت عن مقومات الشخصية الوطنية، من دين ولغة وتراث، مما أفشل محاولة فرنسا لدمج، ومسخ، وفرنسة الجزائريين.

أحمد منصور: مئة وثلاثين عام من الفرنسة.

أحمد طالب الإبراهيمي: نعم.

أحمد منصور: حتى كانت الجزائر إحدى الولايات الفرنسية أو هكذا كانت تسمى.

أحمد طالب الإبراهيمي: ثلاث ولايات، تعتبر ثلاث ولايات فرنسية.

أحمد منصور: ثلاث ولايات فرنسية.

أحمد طالب الإبراهيمي: إلى غاية 1962.

أحمد منصور: هل هذا الاستقلال الذي حصلتم عليه في العام 1962 ، هو يوازي الثمن الذي دفعه الجزائريون أو الذي كانوا يؤملونه؟

أحمد طالب الإبراهيمي: إذا أردنا أن نقيم نصف القرن الذي عشناه، أريد قبل كل شيء أن أفند مقولة شاعت في السنوات الأخيرة عند شباب الجزائر.

أحمد منصور: ما هي؟

أحمد طالب الإبراهيمي: وهي أنه لم يتحقق شيء منذ الاستقلال.

أحمد منصور: في استطلاع نشرته إحدى الصحف الجزائرية مؤخرا، أن 80 في المئة من شباب الجزائر يفضلون الحصول على الجنسية الفرنسية والخروج من الجزائر، يعني طوال خمسين عاما لم تنجحوا في ترسيخ الانتماء والوطنية في نفوس الشباب، حتى أنهم يفضلون أن يكونوا فرنسيين على أن يكونوا جزائريين.

أحمد طالب الإبراهيمي: ربما الإحصاء هذه فيه مبالغة، ولكن الروح هذه موجودة، وقد زارني منذ ثلاثة أيام في بيتي في الجزائر طبيب يناهز عمره الستين، أعرف أصله وفصله وردد المقولة، أنه لم يتحقق شيء منذ الاستقلال، فقلت له أن هذا إجحاف وباطل.

أحمد منصور: ما الذي تحقق دكتور في عمومية الخمسين عاما؟

أحمد طالب الإبراهيمي: على كل حال، نقدر نقول أن هناك إنجازات لا يمكن إنكارها، وأن هناك إخفاقات لا يمكن إنكارها، وهذا مآل كل عمل بشري.

أحمد منصور: طيب.        

أحمد طالب الإبراهيمي: فالكمال لله، والعصمة للأنبياء، والبشر كلهم خطاءون.

أحمد منصور: طيب، اسمح لي.

أحمد طالب الإبراهيمي: إذا أردنا أن نقسم.

أحمد منصور: لأ، أنا خليني.

أحمد طالب الإبراهيمي: أكمل لك، الطبيب.

أحمد منصور: أيوه.

أحمد طالب الإبراهيمي: قلت له أنت درست الابتدائي، والثانوي، والعالي على حساب الدولة الجزائرية، وكنت ممنوحا طيلة سنوات دراستك، عشر سنوات في الجامعة ولم تدفع أسرتك شيئا، ولولا استقلال الجزائر لكنت حارسا في إحدى مزارع المعمرين الفرنسيين.

أحمد منصور: ليس بالضرورة، الدنيا تغيرت.

أحمد طالب الإبراهيمي: على كل حال.

أحمد منصور: ليس في الجزائر وحدها وإنما في كل مكان، يعني لا نرهن الوضع أنه كان كل واحد لولا الثورة لم يتعلم.

أحمد طالب الإبراهيمي: على كل حال، ندخل التفاصيل.

أحمد منصور: أنا الآن حتى لا أظلم الخمسين عاما كلها، في الخمسين عاما، حكم الجزائر عدد من الرؤساء.

أحمد طالب الإبراهيمي: نعم.

تقييم لفترة حكم بن بيلا للجزائر

أحمد منصور: اسمح لي نأخذ كل فترة، نقيم كل فترة على مسؤوليتك كجزء أيضا من قادة الثورة، والذين شاركوا في الثورة وشاركوا في الاستقلال والمسؤولية، الرئيس أحمد بن بيلا الذي توفي مؤخرا، حكم الجزائر فعليا من 1963 كرئيس، إلى يونيو 1965 ، لكن قبلها كان رئيس حكومة أيضا، نستطيع أن نقول أنه من يونيو 1962 ، إلى يوليو 1965، كان بن بيلا رئيسا للجزائر، قيّم لي فترة حكم بن بيلا بإيجابياتها وسلبياتها، وقل لي ما الذي استفاده الجزائريون في هذه المرحلة؟

أحمد طالب الإبراهيمي: أعتقد أن المرحلة الأولى مرحلة الرئيس بن بيلا رحمه الله، تعتبر في تاريخ الجزائر الحديث مرحلة انتقالية بين اضطراب الثورة واستقرار الدولة، ولم تدم إلا ثلاث سنوات، وبما أنها مرحلة انتقالية فقد اتسمت بالارتجال وشيء من الفوضى، ولم تدم، جاءت بعدها مرحلة الرئيس..

أحمد منصور: لأ، أنا لسه ما جيتش لبومدين معلش، حتى لا يظلم بن بيلا، في تاريخ الثورات يقال إن أتعس رئيس كما يقولون هو الذي يأتي بعد الثورة، إحنا الآن في مصر عندنا نموذج، محمد مرسي الآن أصبح رئيسا، وجاي بعد ثورة في أوضاع سيئة لا تقل سوءا عن ما كانت عليه الجزائر ربما في فترة 1962، ليبيا سيأتيها رئيس، تونس الآن فيها رئيس وفيها حكومة، الأوضاع سيئة للغاية، حتى لا يظلم بن بيلا ألم تكن هذه الفترة بكل سلبياتها ونحن سجلنا معاه شهادته على العصر وبثت وموجودة لمن أراد الرجوع إليها، ألم تكن معطيات هذه الفترة مربكة أيضا لأي رئيس أيا كان سواء كان بن بيلا أو غيره؟

أحمد طالب الإبراهيمي: أي رئيس، كمرحلة أولى، قلت لك صعبة جدا، قلت لك كمرحلة انتقالية نجد أعذارا  للرئيس الأول للجزائر، لأن المرحلة كانت صعبة، والناس خارجين من ثورة، في جيش وفي، مرحلة صعبة جدا، ولم تدم، يصعب تقييمها لأنها لم تدم إلا ثلاث سنوات.

أحمد منصور: 19 يونيو 1965 قاد بومدين انقلابا ضد بن بيلا، وبقي يحكم إلى العام 1978، ديسمبر 1978، أنت هنا في فترة بن بيلا لم يكن لك مشاركة في السلطة، ولكن بعد ما جاء.

أحمد طالب الإبراهيمي: كنت في السجن.

أحمد منصور:سجنت، ليس كل الفترة ولكن جزء منها، هذه أيضا من الأشياء التي تحدث في الثورات، لأن الثورات تأكل أبناءها.

أحمد طالب الإبراهيمي: نعم.

أحمد منصور: توليت المسؤولية، وكنت قريبا من بومدين، إلى أن توفي بومدين، فترة 1965، إلى ديسمبر 1978، هي فترة بومدين، التي كانت فترة استبداد وانغلاق في الجزائر، كيف تقيمها بسلبياتها وإيجابياتها؟

أحمد طالب الإبراهيمي: على كل حال، أنا أعرف رأيك ولقد أعطيت لك تفاصيل عندما سجلنا حصص شاهد على العصر التي لم تبث بعد.

أحمد منصور: إن شاء الله.

أحمد طالب الإبراهيمي: أما اليوم أحاول أن ألخص.

أحمد منصور: نعم.

أحمد طالب الإبراهيمي: أعتقد أن مرحلة بومدين التي دامت ثلاثة عشر عاما اتسمت بترسيخ العدالة الاجتماعية، عبر تطوير التعليم والصحة والسكن، والطرق والماء والكهرباء، وعبر توزيع المحصول الوطني توزيعا عادلا على المواطنين وعلى المناطق، وعبر تكوين طبقة متوسطة عاشت عيشة كريمة، هذا في السياسة الداخلية، في السياسة الخارجية، اتسمت مرحلة بومدين بدعم مطلق للقضية الفلسطينية، بكل الوسائل، من مال وسلاح، وتكوين وإعلام، وبدعم حركات التحرر في القارة الإفريقية خاصة بالمستعمرات البرتغالية والإسبانية، من موزمبيق إلى أنغولا، إلى الرأس الأخضر إلى غينيا بيساو إلى الصحراء الغربية، بالإضافة إلى ناميبيا وجنوب إفريقيا، وبمحاولة إقامة نظام عالمي جديد، يكون للمستضعفين فيه صوت في المحافل الدولية، وعند اجتماع الدول العظمى، تبقى سلبيات هذه المرحلة، أعتقد أن أكبرها هو فشل الثورة الزراعية، وبعدها تأتي.

أحمد منصور: ليه فشلت الثورة الزراعية؟

أحمد طالب الإبراهيمي: فشلت ربما لأن أغلب المحيطين بالرئيس كانوا لا يؤمنون بها.

أحمد منصور: أيوه، أنا كنت عايز أقولك هنا إن مش دي بس، الرئيس لم يجد اختيار من حوله إلا قليلا منهم.

أحمد طالب الإبراهيمي: تبقى السلبية الثانية.

أحمد منصور: طيب قلي بس، أنا أعرف انحيازك له لكن أنا بتكلم  كصحفي..

أحمد طالب الإبراهيمي: وأنا أعرف انحيازك ضده.

أحمد منصور: أنا انحيازي ضد الاستبداد وليس ضد الأشخاص.

أحمد طالب الإبراهيمي: الاستبداد كان موجودا من البداية، وإذا قارنا تلك المرحلة بالمراحل التي أتت بعدها فصدقني أن اليوم إذا نظمنا استفتاء في الجزائر ستجد أن الرئيس الأكثر شعبية هو بومدين.                

أحمد منصور: طيب.

أحمد طالب الإبراهيمي: بكل صراحة يعني.

أحمد منصور: إيه السلبيات الأخرى؟

أحمد طالب الإبراهيمي: السلبية الثانية أن التركيز على العدالة الاجتماعية تم على حساب الحريات الفردية.

أحمد منصور: آه.        

أحمد طالب الإبراهيمي: هذا بالنسبة للمرحلة.

أحمد منصور: يعني كده خلصت سلبيات وإيجابيات؟

أحمد طالب الإبراهيمي: نعم.

أحمد منصور: أنا مش هأناقشك كثير لسبب، إحنا عايزين نحط المشاهدين في الصورة وهنا رأيك بالكامل، وربما حينما نبث حلقات شاهد على العصر سيكون هناك تفاصيل.

أحمد طالب الإبراهيمي: تفاصيل كثيرة.

أحمد منصور: أكثر حول هذه المراحل بشكل أساسي.

أحمد طالب الإبراهيمي: نعم.

الجزائر في عهد الشاذلي بن جديد

أحمد منصور: سواء للجزائريين أو للعرب بشكل عام لأن ثورة الجزائر أخذت من العرب جميعا، وكما قلت أنت شاركت فيها الشعوب بشكل أساسي فيها، توفي بومدين في ديسمبر 1978، وجاء من بعده الشاذلي بن جديد وحكم من فبراير 1978 ، وحتى يناير 1992، أنت كنت وزيرا ومستشارا، ثم وزيرا للخارجية في عهد الشاذلي بن جديد وكنت مقربا منه، قيم لي فترة الشاذلي بن جديد بإيجابياتها أولا ثم بسلبياتها.

أحمد طالب الإبراهيمي: مرحلة الرئيس الشاذلي بن جديد شفاه الله  دامت ثلاثة عشر عاما مثل مرحلة بومدين، في السياسة الخارجية انتهج الرئيس الشاذلي نفس سياسة بومدين، ويمكن أن نضيف نقطة إيجابية وهي حل مشاكل الحدود مع كل الجهات، هذه تمت في عهد الشاذلي وأنت تعلم أن الحدود.

أحمد منصور: لا زالت مشاكل الحدود مع بعض الدول.

أحمد طالب الإبراهيمي: إن الحدود في القارة الإفريقية سطرت من طرف الدول الأوروبية وبقيت كقنابل موقوتة تسببت بعدة حروب في القارة الإفريقية، أما نحن.

أحمد منصور: كان مقصود طرح مشكلة بين كل بلد وأخرى.

أحمد طالب الإبراهيمي: أيوه، وحاولنا أن نصفي الأجواء مع كل الجيران ما عدا ليبيا، إذن هذه تعتبر من النقاط الإيجابية في عهد الشاذلي.

أحمد منصور: والمغرب انتهت كل مشاكلها.

أحمد طالب الإبراهيمي: في عهد بومدين.

أحمد منصور: في عهد بومدين.

أحمد طالب الإبراهيمي: نعم، تبقى في السياسة الداخلية اتسمت مرحلة الشاذلي بن جديد في التركيز على تحسين الحياة اليومية للمواطن.

أحمد منصور: إزاي يحسنوا الحياة اليومية؟

أحمد طالب الإبراهيمي: يعني حرية التنقل، شراء المساكن.

أحمد منصور: معنى ذلك في عهد بومدين كان ممنوع الإنسان يتملك؟

أحمد طالب الإبراهيمي: كان صعبا، لأن ما ترك الفرنسيون كانت تسمى بأملاك الدولة، ولم يسمح ببيعها لأنه كان يخشى بومدين أن يشتريها الأغنياء والأثرياء، فلما جاء الشاذلي سمح للجزائريين بأن يشتروا، فاتسمت إذن بالتركيز على تحسين الحياة اليومية للمواطن وفتح الباب أمام الحريات الفردية، هذا بالنسبة لإيجابيات..

أحمد منصور: بشكل نسبي أيضا.

أحمد طالب الإبراهيمي: مرحلة الشاذلي، مع العلم بأن فتح باب الحريات تم على حساب العدالة الاجتماعية، مما أدى إلى أحداث أكتوبر في 1988 في الجزائر، التي يعتبرها الجزائريون ربيعهم قبل الربيع العربي بأكثر من عشرين سنة.

أحمد منصور: طيب، اشرح لي دي.

أحمد طالب الإبراهيمي: ليش؟ لأن أحداث أكتوبر انتهت بنتيجتين مهمتين.

أحمد منصور: ما هما؟

أحمد طالب الإبراهيمي: أولهما، أن التعددية جاءت مكان الحزب الواحد.

أحمد منصور: ودا  كان إيجابي.

أحمد طالب الإبراهيمي: طبعا، وثانيا أن اقتصاد السوق جاء مكان النظام الاشتراكي.

أحمد منصور: وهذا شيء سلبي، لأنه جاء على إطلاقه أيضا.

أحمد طالب الإبراهيمي: لأ، بدون أن ندخل في التفاصيل، يعني أنا أقول أن أحداث أكتوبر يعتبرها الجزائريون ربيعهم قبل الربيع العربي.

أحمد منصور: هل نعتبر أحداث أكتوبر 1988 هي الربيع الجزائري الذي انتهى في 1992 بوصول الجبهة الإسلامية للإنقاذ وبعدها بالعشرية الحمراء؟

أحمد طالب الإبراهيمي: ممكن، بالعشرية الحمراء.

أحمد منصور: يعني ظل الجزائريون من 1988، إلى 1992 في عملية حراك؟

أحمد طالب الإبراهيمي: علي كل حال كانت حرية ، ومرحلة الشاذلي بن جديد انتهت بالانتخابات البرلمانية في ديسمبر 1991، التي انتهت بنصر ساحق للإسلاميين مما أدى أصحاب القرار أن يوقفوا المسار الانتخابي.

أحمد منصور: من أصحاب القرار؟

أحمد طالب الإبراهيمي: الجنرالات الذين كانوا يحكمون الجزائر آنذاك، قرروا إيقاف المسار الانتخابي مما أدخل الجزائر في المرحلة الرابعة، ما سمي بالعشرية الحمراء.

أحمد منصور: ما قلتليش سلبيات فترة الشاذلي بن جديد، كلمتني فقط عن الإيجابيات.

أحمد طالب الإبراهيمي: قلت لك أن التركيز على الحريات تم على حساب العدالة الاجتماعية، بدأت الثروات تظهر، والفساد بدأ يظهر شيئا فشيئا.

أحمد منصور: زاد الفساد، بدأ بدري هناك.

أحمد طالب الإبراهيمي: على كل حال، هذا رأيك، لكن أنا كجزائري ربما أهل مكة أدرى بشعابها.

أحمد منصور: يعني هو الفساد ما ظهرش غير في المليارات، عفوا يا دكتور، عشرات المليارات التي ثبت أنها في حساب الكثير من الجنرالات، ومن غيرهم من الناس الفاسدين في الجزائر الذين أخذوا.

أحمد طالب الإبراهيمي: هذه، أنت عندك معلومات.

أحمد منصور: معلومة منشورة في كل الصحف الفرنسية وفي غيرها وفي كل الدنيا منشورة، أنا ما بقولش سر، بعدين أنت حضرتك مش عارفها يعني؟ ما بقولش سر، هذه فقط بدأت بعد الشاذلي؟

أحمد طالب الإبراهيمي: بدأت في عهد الشاذلي أما انتشرت، وعمّت وربما اليوم وصلت إلى درجة، سنأتي عند الحديث عن المرحلة الخامسة.

أحمد منصور: الشاذلي بن جديد، يعني ربما تكون من حسناته الانتخابات الحرة التي أجريت في نهاية عهده، والنتيجة أيضا التي أظهرت نجاح الجبهة الإسلامية للإنقاذ بالشكل الكاسح.

أحمد طالب الإبراهيمي: التي تشبه النتيجة التي أعلنتموها في مصر منذ ثلاثة أيام.

أحمد منصور: لأ هو مصر ناجح على الحركرك يعني، بس كانت في الجزائر كانت أظن  النسب  كانت أكثر من ذلك.                            

أحمد طالب الإبراهيمي: نعم.

أحمد منصور: بدأت بعدها، رفض الجنرالات أن يسلموا السلطة إلى الإسلاميين وبدأت فترة ما يسمى بالعشرية الدموية الحمراء في الجزائر التي امتدت من العام 1992 وحتى انتخاب بوتفليقة، حتى ربما بعد بوتفليقة رئيسا، أسمع منك بعد فاصل قصير تقييمك للمرحلة الدموية التي بدأت بعد الشاذلي بن جديد في الجزائر، مشاهدينا الكرام نعود إليكم بعد فاصل قصير لمتابعة هذا الحوار مع الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي، أحد قادة الثورة الجزائرية، ووزير الإعلام والتعليم والخارجية الأسبق، لتقييم خمسين عاما من استقلال الجزائر فابقوا معنا.

[فاصل إعلاني]

فواجع وأسرار العشرية الحمراء

أحمد منصور: أهلاً بكم من جديد بلا حدود من العاصمة الفرنسية باريس لنتناول خمسين عاماً من الاستقلال الجزائري مع الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي وزير الإعلام والخارجية والتعليم الأسبق وأحد قادة الثورة الجزائرية، كنا نود أن تكون هذه الحلقة من الجزائر ولكن للأسف مكتب الجزيرة مغلق هناك وأنا ممنوعٌ من دخولها منذ الحوار الذي أجريناه مع الرئيس بوتفليقة في شهر ابريل من العام 1999 يمكنكم متابعتنا على تويتر amansoraja أو ajbelahodood دكتور كان سؤالي لك عن العشرية الحمراء التي بدأت بعد نجاح الجبهة الإسلامية للإنقاذ في العام 1992 في الانتخابات البرلمانية 1991 الفترة امتدت من العام 1992 وحتى بعد اختيار بوتفليقة رئيساً في العام 1999 ما تقييمك للعشرية الدموية الحمراء التي قتل فيها يعني عشرات أو مئات الآلاف من الجزائريين؟

أحمد طالب الإبراهيمي: توقيف المسار الانتخابي أدخل الجزائر فيما سمي بالعشرية الحمراء التي اتسمت بالإرهاب والدماء والدمار والتي أسفرت على 200 ألف ضحية حسب تصريحات أعلى المسؤولين في الجزائر، وألاحظ هنا أن هذه المرحلة المأساوية لم يكتب عنها في ثبات إلى حد الآن موثقة ودقيقة تصور معاناة الشعب الجزائري طيلة هذه العشرية..

أحمد منصور: أنا كنت هأقولك أن 100 ألف ضحية في خلال هذه العشرية ولم تظهر كتابات..

أحمد طالب الإبراهيمي: 200 ألف.

أحمد منصور: 200 ألف ولم تظهر حتى الآن كتابات موثقة دقيقة تبين من القتلة من المجرمون إلا بعض الكتب التي صدرت في فرنسا من بعض الضباط الذين هربوا حيث يتهمون الجنرالات بأنهم كانوا على هذه الأحداث.

أحمد طالب الإبراهيمي: على كل حال التهم متبادلة وسيكتب التاريخ في يومٍ ما..

أحمد منصور: تعتقد أن هناك من عنده أسرار لهذه المرحلة؟

أحمد طالب الإبراهيمي: أعتقد أنه ستأتي كتابات في المستقبل..

أحمد منصور: في ناس، عندك معلومات إن في ناس كتبوا.

أحمد طالب الإبراهيمي: في ناس كتبوا.

أحمد منصور: بس لم ينشروا بعد.

أحمد طالب الإبراهيمي: لم ينشروا بعد.

أحمد منصور: لأن القتلة ما زالوا في..

أحمد طالب الإبراهيمي: لم ينشروا بعد إلى حد الآن، أنا شخصياً ربما الهدف من هذه الحلقة هو الحديث عن المستقبل، والجزائر التي سيعيش فيها أبناءنا وأحفادنا.

أحمد منصور: سنأتي للمستقبل بعد أن نعرف في الخمسين عاما..

أحمد طالب الإبراهيمي: أما الماضي، أنا أعطيك..

أحمد منصور: لو لم نفهم الماضي لا نستطيع أن نرسم المستقبل، ولا أن نفهم كيف سيأتي، نفهم الماضي ونفهم الحاضر ثم نرسم طريقنا إلى المستقبل، هذه العشرية كيف تقييمها؟

أحمد طالب الإبراهيمي: من أسوأ ربما أسوأ مرحلة في تاريخ الجزائر، الجزائر المستقلة أسوأ، يعني عاشت الجزائر عشرية إرهاب ودمار حتى ما بني في العشريات الماضية حطِم وهدِم ربما تقهقرت الجزائر في هذه المرحلة يعني.

أحمد منصور: يعني هل معروف الأسباب التي أدت إليها والأسباب التي أوقفتها؟

أحمد طالب الإبراهيمي: والله إلى حد الآن الأمور غامضة إلى حد الآن.

أحمد منصور: يعني إحنا ننتظر في السنوات القادمة كشف مزيدا من الأسرار عن..

أحمد طالب الإبراهيمي: أنا متيقن وعندي علم أن هناك كتابات لم تصدر إلى حد الآن، المستقبل كشاف..

أحمد منصور: لو أخذنا ما بعد هذه المرحلة وهي فترة حكم عبد العزيز بوتفليقة التي بدأت في ابريل 1999 ولا زالت مستمرة إلى حد الآن ومن المفترض أن تنتهي في ابريل 2014..

أحمد طالب الإبراهيمي: نعم.

أحمد منصور: يعني بعد أن يكون قضى 15 سنة في السلطة.

أحمد طالب الإبراهيمي: يعني بعد العشرية الحمراء جاءت مرحلة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة شافاه الله التي وصلت إلى عامها الثالث عشر.

أحمد منصور: الآن.

أحمد طالب الإبراهيمي: الآن، والتي لا يمكن إنكار ايجابياتها، ايجابيات هي انجازات في حقل المواصلات وفي حقل البناء واستتباب الأمن الذي يشعر به الجزائريون خاصةً بعد العشرية الحمراء يعني هذه ايجابيات المرحلة الحالية تبقى السلبيات هذه المرحلة إذا أردنا أن نلخص تتسم بالتذبذب في السياسة الداخلية والخارجية.

أحمد منصور: إزاي؟ وضح لي أكثر.

أحمد طالب الإبراهيمي: اكتشف الشعب الجزائري خلال العشرية الأخيرة أن ما سمي باقتصاد السوق قد تم بصفة وحشية وعلى حساب الطبقات المحرومة، واكتشف الشعب الجزائري أن التعددية المزعومة هي تعددية زائفة لأن التعددية الحقيقية تؤدي إلى التداول على السلطة، واكتشف الشعب الجزائري أن المعارضة مزيفة لأن المعارضة الحقيقية هي معارضة محاسبة ومراقبة لا معارضة عميلة للسلطة، واكتشف أن الديمقراطية مزيفة لأنها لم تفتح الباب أما الحريات الأساسية، حرية التعبير عن التزوير في الانتخابات حدث ولا حرج حرية التدبير حرية التفكير، أما الطامة الكبرى في المرحلة الراهنة هي تدني الأخلاق، غياب القيم، وتفشي الفساد، الفساد الذي لا يعالج بالحبوب المهدئة ولكن بالعمليات الجراحية الجريئة خاصةً وأن غياب الصرامة أدى إلى انتشار السرطان إلى كل أعضاء الجسم.

أحمد منصور: إيه أشكال الفساد المنتشرة والمتفشية؟

أحمد طالب الإبراهيمي: والله كل أنواع الفساد وفي كل المستويات مع الأسف.

أحمد منصور: هل فساد النخبة الحاكمة هو الذي أدى إلى استشراء الفساد في باقي الجسد؟

أحمد طالب الإبراهيمي: أنا أعطيك تشخيص كطبيب تبقى الأسباب والعلاج ربما نحكي عليه العلاج في استشراف المستقبل، وكما قلت لك أعتقد أن قبولي لترك بلدي والمجيء إلى باريس هو الحديث عن المستقبل وعن الجزائر التي كنا نحلم بها ولم نرها ونتمنى أن يراها أبنائنا وأحفادنا.

أحمد منصور: معنى ذلك أنك تتفق مع الكثيرين ممن يقولون أن ثورة الجزائر قد سرقت من الشعب وأن دماء الشهداء قد ذهبت هباء وأن من يتحكمون في الجزائر الآن هم  نخبة من لصوص الثورة الجزائرية؟

أحمد طالب الإبراهيمي: في شيء صحيح ولكن فيه مبالغة الأخ أحمد منصور متطرف في آراء و..

أحمد منصور: أنا متطرف دايماً..

أحمد طالب الإبراهيمي: والعمل الإنساني دائماً فيه إيجابيات وسلبيات..

أحمد منصور: لكن حينما تطغى السلبيات على الإيجابيات، وحينما تكون غالبية الشعب تعاني من الفساد وتعاني من الفقر في بلد غني مثل الجزائر لا بد أنكم متطرفين في الحكم.

أحمد طالب الإبراهيمي: صحيح، صحيح.

أحمد منصور: يعني هل يعقل أن بلد مثل الجزائر بثرواتها في الغاز وثرواتها في البترول وملياراتها التي فاضت بعد ارتفاع الأسعار، يعاني أهلها من هذه المعاناة التي نشهدها.

أحمد طالب الإبراهيمي: الجزائر بكل موضوعية كانت تسمح لإنجازات أكبر بكثير في هذه العشرية.

أحمد منصور: هل يمكن أن تتوحش الرأسمالية في بلد مثل هذه إلى هذا الحد أن تصبح نخبة قليلة تمتلك المليارات بينما يعاني باقي الشعب ولا يجد قوت يومه..

أحمد طالب الإبراهيمي: هذه حقائق يعني.

أحمد منصور: لا تريدني أن أكون متطرف.

أحمد طالب الإبراهيمي: كصحفي أرجو أن تكون أكثر موضوعية.

نظرة على  إفرازات الأزمة السياسية الحالية

أحمد منصور: أنا أتبنى الرأي الآخر، أتبنى الرأي الآخر في الموضوع، طيب هناك الآن أزمة كبيرة سياسية تعيشها الجزائر متمثلة في أزمة جبهة  التحرير الوطني الحاكمة التي تحكم الجزائر منذ الاستقلال إلى الآن، كيف تنظر لهذه الأزمة الآن؟

أحمد طالب الإبراهيمي: أنا أتمنى أن أتحدث عن المستقبل.

أحمد منصور: ما إحنا هنتكلم عن المستقبل.

أحمد طالب الإبراهيمي: أزمة جبهة التحرير نلخصها في جملة، أن كلمة جبهة التحرير هي ملك لكل الجزائريين وكان من المفروض أن تنسحب هذه الجملة من الساحة السياسية عندما أعلنت الجزائر التعددية الحزبية، ومن أراد أن ينصت فلينشئ أحزاب.

أحمد منصور: وتبقى جبهة التحرير هي جزء لتاريخ الثورة والجزائر وملك للشعب والثورة.

أحمد طالب الإبراهيمي: هذا رأي، إذن إنها غلطة إنها استمرت بعد التعددية، كان المفروض عند إعلان التعددية يؤخذ القرار بجعل كلمة جبهة التحرير ملك للأمة الجزائرية، ومن أراد أن ينشط فلينشط، حتى تسميات أخرى.

أحمد منصور: الآن دكتور هناك أزمة الآن، الذين يحكمون الجزائر منذ عام 1962 هم نفس الوجوه تقريباً، حتى الشباب الصغار صاروا شيوخاً ولم نر أي جيل جديدٍ، ما فيش جيل ثاني، يعني لا يوجد جيل ثاني ولا ثالث..

أحمد طالب الإبراهيمي: على كل حال، رغم لزومي بيتي، فلي اتصال بكثير من الشباب وكما قال الأخ التونسي هرمنا  واقتربت الساعة، ولكن أرى من واجبي أن أقدم بعض النصائح للشباب الجزائري وأقول أن من واجبكم أن تكملوا ما لم يتحقق من أهداف الثورة الجزائرية وما لم ننجح نحن جيلنا في تحقيقه..

أحمد منصور: قلنا بقى ما الذي..

أحمد طالب الإبراهيمي: ألخص، ألخص ربما ما لم يتحقق من أهداف الثورة ولم نحقق إنجازه، ألخصه في بابين..

أحمد منصور: نعم ما هما؟

أحمد طالب الإبراهيمي: الباب الأول هو استكمال تصفية الاستعمار..

أحمد منصور: لا زال هناك استعمار في الجزائر.

أحمد طالب الإبراهيمي: لقد نجنا في تصفية الاستعمار السياسي، وخطونا خطوات لا بأس بها في تصفية الاستعمار الاقتصادي، ولكن بقي الاستعمار الثقافي الذي يتطلب جهوداً جبارة من الشباب الجزائري خاصةً وأن المخابئ الأخيرة للاستعمار تكمن في العقول والأذهان والأفكار والألسن، هذا الهدف الأول، الهدف الثاني هو جملة نص عليها بيان أول نوفمبر 1954 تقول بالحرف الواحد أن هدفنا كثورة هو إقامة جمهوريةٍ ديمقراطيةٍ اجتماعيةٍ في إطار المبادئ الإسلامية، أتمنى من شباب الجزائر أن المرحلة السادسة ما بعد بوتفليقة تكون تتسم بتوظيف الموارد المالية الجزائرية توظيفاً عقلانياً وبالعودة إلى العدالة الاجتماعية..

أحمد منصور: أنتم بلد غني.

أحمد طالب الإبراهيمي: مهم، مهم جداً..

أحمد منصور: الفائض المالي راح اشترى به سلاح من روسيا.

أحمد طالب الإبراهيمي: وبأخلقة الحياة السياسية

أحمد منصور: قلنا دي أخلقة الحياة السياسية دي فظل أنك قلت الآن أن يعني هناك دمار وتدني في الأخلاق.

أحمد طالب الإبراهيمي: نعم، إذن على الشباب وأنا لأن هناك شباب مخلصين..

أحمد منصور: طب هيشتغلوا فين الشباب إذا حزب جبهة التحرير وإذا الحكام الحاليين وإذا الجنرالات يغلقون الباب على أنفسهم..

أحمد طالب الإبراهيمي: من هنا تأتي الملاحظة الأولى للشباب لتحقيق هذه الأهداف، لي ملاحظات، الملاحظة الأولى أن تغيير أي تغيير لن يقدم لكم على طبقٍ من فضة فلا بد من نضالات سلمية طبعاً ولا بد من تضحيات حسية ومعنوية، هذه النصيحة الأولى التغيير لن يقدم لكم على طبقٍ من فضة، الملاحظة الثانية أرجو من الشباب الجزائري أن ينتهج سياسة الجمع التي سادت أيام إبان الحرب التحريرية وأن يبتعد عن سياسة الإقصاء التي سادت بعد الاستقلال.

أحمد منصور: ركز لي على موضوع الإقصاء ده يعني الآن تم إقصاء كل الكفاءات الجزائرية التي لم تتوافق مع الأنظمة الحاكمة منذ الاستقلال طوال الخمسين عاماً الماضية وحتى الآن.

أحمد طالب الإبراهيمي: قلتها بصراحة أن سياسة الجمع هي التي سادت إبان الحرب التحريرية، فكان المطلوب من كل التيارات ومن كل الفئات أن تشارك في الثورة عندما جاء الاستقلال في كل المراحل التي ذكرتها هناك إقصاء فأرجو من الشباب الجزائري أن يسلك سياسة الجمع والجمع ممكن لأن هناك عناصر مخلصة في جميع القطاعات داخل المؤسسة العسكرية وضمن إطار الدولة وفي صفوف الإسلامية وفي صفوف الوطنية..

أحمد منصور: يتم إقصائهم.

أحمد طالب الإبراهيمي: وفي صفوف العلمانيين، هناك عناصر مخلصة يمكن جمعهم هنا ضمن عمل سياسي شريطة أن يكون القاسم المشترك هو رفض الفساد والاستبداد، رفض الفساد والاستبداد أن يكون الدافع المشترك هو حب الوطن وأن يكون الهدف المشترك هو إقامة الحكم الراشد على العدل والعقل والعلم، أعتقد أن هذه النصيحة لشباب الجزائري النضال سياسة الجمع وتحقيق الحكم الراشد ممكنة لأن الحمد لله الجزائر ما زالت تكتسب عناصر مخلصة.

أحمد منصور: طيب اسمح لي يا دكتور، عايز تضيف حاجة؟

أحمد طالب الإبراهيمي: نعم، أضيف فقط أنبه، أنبه الشباب الجزائري أننا نعيش في الجزائر لا في جزيرة معزولة هناك محيطٌ معادي وهناك مخططات صهيونية غربية ترمي إلى تشتيت الأمة بتجزئة الكيانات القائمة إلى دويلات على أساس العرقية والمذهبية والطائفية وأريد أن أذكر..

أحمد منصور: والجزائر مهيأة لمثل ذلك؟

أحمد طالب الإبراهيمي: أحسن دليل على ما أقول هو ما جرى في العراق والسودان وما يجري في سوريا واليمن وما يهدد مصر وليبيا والجزائر، هذا رأيي أريد أن أذكر شباب أننا عندما بلغنا سن العشرين في منتصف القرن العشرين كنا نحلم بالوحدة العربية اليوم مع الأسف أصبحنا نحلم بالحفاظ على الكيانات القائمة.

أحمد منصور: دكتور الكثير يتساءلون قامت ثورات في مصر وسوريا وليبيا وتونس واليمن الجزائر في ظل الأوضاع المشابهة لهذه الدول هل هي مهيأة لقيام ثورة بها؟

أحمد طالب الإبراهيمي: أعتقد أن ما جرى في تونس في البداية سيطال كل الدول العربية.

أحمد منصور: كأن الجنرالات في الجزائر يشعرون أن الجزائر وضعها متغير كل دولة الآن يقولون نحن غير نحن غير هل الجنرالات يشعرون باطمئنان شديد..

أحمد طالب الإبراهيمي: قالها كثيرٌ من الرؤساء تبقى..

أحمد منصور: يعني بعد 50 عاماً من الثورة، الجزائر بحاجة إلى ثورة.

أحمد طالب الإبراهيمي: أنا عندي خطر يهدد الأمة ولا بد أن أشير إليه..

أحمد منصور: ما هو؟

أحمد طالب الإبراهيمي: أنبه شباب الأمة من الوقوع في فخ الصراع السني الشيعي وهو أخر اختراع لإستراتيجية صهيونية غربية ويذكرني بمحاولات لورنس الشيطانية لتقليب القومية العربية ضد الدولة العثمانية، يا شباب الأمة قبل أن تكونوا سنة أو شيعة فإنكم مسلمون تنتمون إلى أمة التوحيد كتابكم واحد ونبيكم واحد والمستهدف في النهاية من الحروب الصليبية الجديدة هو الإسلام وأمة الإسلام.

أحمد منصور: كيف تنظر إلى مستقبل الجزائر في ذكرى مرور خمسين عاما على استقلالها؟

أحمد طالب الإبراهيمي: حددت للشباب بعض الأهداف، استكمال ما لم يتحقق من جيلنا، نجحنا في بعض الأشياء وأخفقنا في الأشياء وربما آخر نصيحة للشباب الجزائري كان يقول أحد شيوخنا، تسلحوا بسلاح العلم لأنه سلاح الوقت وتسلحوا بسلاح الأخلاق لأنها سلاح كل وقت، هذه نصيحة الأخيرة للشباب الجزائري.

أحمد منصور: ما الذي كنت تتمنى أن تحققه خلال الخمسين عاماً الماضية ولم يتحقق بالنسبة إليك؟

أحمد طالب الإبراهيمي: نشر الثقافة العربية في الجزائر المستقلة، مع الأسف لم نصل إليه،  وتحقيق العدالة الاجتماعية الذي بدأ في عهد ما وانتكس من بعد وأصبحنا نشبه كل الدول العربية الباقية.

أحمد منصور: لو أنت في 1999 رشحت نفسك للرئاسة، إيه الحاجات الأساسية إلي كانت في برنامجك كان ممكن تغيرها في الفترة دي؟

أحمد طالب الإبراهيمي: ربما الخلاف الأساسي بيني وبين قيادة الجيش يكمن في رؤيتنا للشعب الجزائري، وكثيراً من الأخطاء التي ارتكبتها قيادة الجيش أتيت من عدم معرفته بجزائر العميق، فهم ما زالوا يعتقدون كانوا يعتقدون في 1999 ليست لي صلة اليوم، بأن الشعب الجزائري شعب قاصر في حاجة إلى وسيط..

أحمد منصور: في كل مكان، في كل مكان..

أحمد طالب الإبراهيمي: فكلما كنت أقول الشعب الجزائري يعين من يريد، فمدام المواطن الجزائري لا يستطيع أن يعين، أن يختار رئيساً بلديته ونائبه في البرلمان ورئيس الجمهورية يعني يبقى هذا الاحتقان..

أحمد منصور: يعني نستطيع  أن نقول حينما ينجح الشعب الجزائري في اختيار رئيس بلديته ومحافظ محافظته ونائبه في البرلمان ورئيس جمهوريته بشكل حر وانتخابات نزيهة لا تزوير فيها، إذن تكون ثورة الجزائر قد نجحت في تحقيق أهم أهدافها؟

أحمد طالب الإبراهيمي: نعم، وما أعلن في القاهرة منذ 3 أيام ربما درس في الديمقراطية لكل الدول العربية، والسلطة المصرية  الآن أمام امتحان عسير، اسأل الله أن تنجح فيه، في توظيف الموارد المصرية، توظيف عقلاني، وفي ضمان لحقوق المواطنة لجميع المصريين، ستبقى الثورة المصرية رائدة بالنسبة للدول العربية الأخرى. 

أحمد منصور: دكتور أحمد الطالب الإبراهيمي أحد قادة الثورة الجزائرية ووزير الإعلام والتعليم والخارجية الأسبق، شكراً جزيلاً لك، كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن متابعتكم آملين أن نكون قد قدمنا رؤية تقيمية عن خمسين عاماً من استقلال الجزائر، أرحب بكم على تويتر amansoraja أو ajbelahodood في الختام أنقل لكم تحية فريق البرنامج من باريس والدوحة، وهذا أحمد منصور يحييكم بلا حدود من العاصمة الفرنسية باريس، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.