أحمد منصور
دومينيك دوفيلبان

أحمد منصور: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أحييكم على الهواء مباشرة من العاصمة الفرنسية باريس، وأرحب بكم في حلقة جديدة من برنامج بلا حدود، يعتبر رئيس الوزراء الفرنسي الأسبق ووزير الخارجية دومينيك دوفيلبان من الشخصيات السياسية المميزة في فرنسا، فالرجل الذي يوصف بوريث عرش الديغولية نسبة إلى الجنرال ديغول، ولد في المغرب في الرابع عشر من نوفمبر عام 1953، ويعتبره كثير من المراقبين مزيجا من الأفكار المتجانسة، فقد درس القانون والآداب والتاريخ والإدارة، وهو أديب وشاعر وسياسي، برز كوزير خارجية مفوّه حينما ألقى خطاب بلاده في مجلس الأمن في العام 2003، الذي أعلن فيه معارضة فرنسا للتدخل الأميركي في العراق، فقوبل وقتها بتصفيق حاد، وكان هذا من المرات النادرة التي استخدمت فيها فرنسا حق الفيتو ضد الولايات المتحدة الأميركية، وحينما شعر الرئيس الفرنسي جاك شيراك أنه في مأزق بعد تصويت الفرنسيين ضد الدستور الأوروبي استعان به في العام 2005 ليصبح رئيسا لوزراء فرنسا، حظي بحب واحترام الفرنسيين من خلال كتاباته المنحازة للمظلومين والمهمشين والقضايا العادلة، والدعوة للتعايش المشترك بين مختلف الأجناس والأعراق، دخل في مواجهة ساخنة مع نيكولا ساركوزي على زعامة الحزب الديغولي بعد جاك شيراك، فتولى قيادة التيار المحافظ في الحزب في مواجهة الديغوليين الجدد بقيادة ساركوزي، ثم دخل في مواجهات قضائية مع ساركوزي انتهت ببراءته في العام الماضي، رشح نفسه في الانتخابات الرئاسية الأخيرة في مواجهة ساركوزي وهولاند، غير أنه لم ينجح في جمع التواقيع اللازمة فوصف بأنه جنرال بدون جيش، غير أنه ما زال يحظى بالاحترام والتقدير كوجه يعكس فرنسا المتعددة، نحاول في حلقة اليوم فهم وضع فرنسا الجديدة وعلاقتها بالعالم العربي في ظل الثورات العربية مع رئيس الوزراء الفرنسي الأسبق، والأديب والشاعر والسياسي، دومينيك دوفيلبان، سيد دوفيلبان مرحبا بك، رغم أنك تمثل الديغولية إلا أنك لم تتمكن من جمع التواقيع اللازمة لخوض الانتخابات الرئاسية الأخيرة، هل معنى ذلك أن الديغولية انتهت في فرنسا؟

السياسة الفرنسية والتركة الديغولية

دومينيك دوفيلبان: هذه لعبة سياسية، وهذه الحياة الديمقراطية لكن هذا لا يعني بأنه ليس بمقدورنا أن ندافع عن أفكار وعن تصورات، وأن ندافع عن قناعات فهذا يمثل انخراطا والتزاما طبع حياتي، ويتمثل بالدفاع عن قناعات تخدم فرنسا من ناحية، ولكن تخدم أيضا دور فرنسا في العالم، وذلك لأني أنتمي لفلسفة وتقليد ديغولي، وخلال هذا التقليد فإن فرنسا ليس لديها دور تتحرك من خلاله عبر العالم، ولكن لديها واجب، وأنتم تعرفون ذلك لأنكم تتابعون الأخبار العالمية، وأنتم تدركون أن العالم منذ قرون لم يعرف هذه التحولات التي يعيشها حاليا، وبالنسبة لفرنسا هذا تحد كبير يتمثل في أن تتكيف مع هذا الوضع وأن تدافع عن قيمها وتحاول أن تفهم وتتصرف على الساحة الدولية.

أحمد منصور: كثير من المراقبين يقولون أن دوفيلبان السياسي والشاعر والأديب، والذي يمثل الديغولية في فرنسا مثل جنرال لا يملك جيشا يستطيع به أن يحقق أفكاره في فرنسا.

دومينيك دوفيلبان: كما تعلم، أنا أعرف أن الحلم والحظ الذي يتحلى به العالم الآن هو أننا لسنا بحاجة إلى جيش لندافع عن أفكارنا، بالتأكيد يجب أن نكافح ونقاتل مسلحين بأفكارنا، ونحن أيضا بحاجة إلى أن ندافع عن أفكارنا بكافة الأدوات من خلال الكتابة، ومن خلال الأدب وعبر وسائل الإعلام، هناك إمكانية أن ندافع عن هذه الأفكار ونقدمها للأمام، أنا لدي قناعة كبيرة في المستوى العالمي تتمثل في أن القوة ليست الاستجابة الجيدة لتطلعات الشعوب، وأعتقد أن هناك عددا من المبادئ التي يجب أن تؤسس عليها العلاقات الدولية، وأنا أكافح من أجل أن أفهم هذه القناعات، ليس هناك أمر أغرب على المستوى العالمي من أن نعتقد أن الناس بجميع أنحاء العالم، في العالم العربي وفي أوروبا وفي آسيا وفي أميركا اللاتينية، نحن الرجال لا نستفيد من الدروس التاريخية، هناك دروس نستفيد منها أثناء الأزمة العراقية تتمثل في أن التدخل يجب أن يكون تدخلا شرعيا يدعمه المجتمع الدولي، أقصد هنا التدخل العسكري، لكن هذا التدخل لوحده وفي حد ذاته ليس كافيا لحل جميع المشاكل، ويجب الآن أن نستخلص الدروس من أزمات على شاكلة الأزمة الليبية، حاليا بالتأكيد هناك تدخل عسكري في ليبيا، لكن هل هذا التدخل العسكري حل المشاكل في ليبيا؟ لا، نحن كفرنسيين وقطريين، وأميركيين وألمان، يجب أن لا نعتقد بأن مهمتنا تنتهي عند هذا الحد، وذلك لأن ليبيا مقسمة حاليا بين أربعة أطراف، هناك جوانب متعددة في ليبيا الآن وبعد ذلك هناك الجنوب الذي تسيطر عليه القاعدة في المغرب العربي، وبالتالي يجب أن نقدم استجابات وأجوبة سياسية، واقتصادية، ومالية، واجتماعية، لمشاكل الليبيين، هذا يعني أنه يجب أن نكون قادرين على مواجهة تحدي السلام، بشكل عام المجتمع الدولي مستعد لأن يتصرف ويتحرك حيال الأزمات إذا حدثت بالرغم من أن ذلك يكون صعبا كما في الحالة السورية، لكن المجتمع الدولي بطيء في مواجهة تحديات السلام، عليكم أن تنظروا إلى الحالة في ليبيا، أنظروا أيضا إلى وضع تونس، والوضع في مصر، فإن المجتمع الدولي في هذه الحالات ليس معبأ بما يكفيه لأن يصاحب هذه الشعوب وأن يسمح لها بأن تحصل على الحرية، وكذلك أن تحصل على التنمية، وعلى تطور مجتمعاتها، إذن يجب أن نواصل مهمتنا هذه ولا نتوقف.

أحمد منصور: ما هي أهم الأفكار والمبادئ التي تعتقد أنك يجب أن تظل تدافع عنها وتنشرها سواء داخل فرنسا أو خارجها في ظل التغيرات التي تحدث في العالم الآن؟

دومينيك دوفيلبان: بادئ ذي بدء، أود أن أذكر بأن هناك سياسة تتبناها فرنسا تجاه العالم العربي وهي تاريخية، أوضحها ديغول بشكل واضح، وهذه السياسة تستمر إلى الوقت الحاضر، لسوء الحظ هناك بعض الحكومات المتتالية في فرنسا خلطت بين الاستقرار والوضع الراهن، يجب علينا أن نستخلص الدروس من هذه السياسة، يجب أن لا نبقى دون الاستجابة لتطلعات الشعوب، وبالتالي يجب أن يكون هناك سلام واستقرار، ولكن يجب أن نحقق مع ذلك العدالة فالعدالة هي تطلع كوني، لقد كنا نعتقد دائما بأن العالم العربي هو جزيرة معزولة عن العالم، وأن العالم العربي لديه خصوصية تعني أن التطلع للعدالة لن يتم التعبير عنه كما يعبر عنه في قارات العالم الأخرى، إذن العدالة هي في فحوى الأمر، وبالتالي يجب أن يكون هناك أيضا التنمية، ويجب أن نستجيب للتطلعات الاقتصادية والاجتماعية، المشكلة الماثلة أمام أعيننا حاليا تتمثل في أن نجمع بين هذه العوامل المتعددة، من ناحية الحرية، والعدالة والتنمية، ومن ناحية أخرى احترام هويات الناس، هذه فعلا مشكلة كبيرة جدا في العالم العربي على وجه الخصوص لأنه يجب أن نجيب ونستجيب لهذا السؤال المتمثل فيما الذي يعنيه أن نكون عربيا حاليا، هل يعني ذلك أن نتبنى هوية دينية حصريا، وأن نربط بين الهوية الثقافية والدينية، وأن يكون لدينا هوية كونية ودولية؟ أعتقد أنه يجب أن نجيب على هذا السؤال، في فرنسا مثلا لدينا نموذج ونحن فخورون به، وبالرغم من أن هذا النموذج يعاني من بعض المشاكل إلا أنه قدم بعض الإجابات في ما يتعلق بالاندماج الاجتماعي، وهناك نموذج أيضا يتعلق بالعلمانية، أعتقد أن لدينا الكثير لنستفيده من هذا النموذج، يجب أن نفكر دائما من أجل أن نكيف سياساتنا، لكن نموذجنا المتعلق بالعلمانية مهم لأنه يحترم الحياة الخاصة لكافة الأفراد، ولا يفرض أي شيء على هؤلاء الأفراد، لكنه أيضا يفرض الحياد على المستوى الديني في ما يتعلق بالمجال العام.

أحمد منصور: أما تخشى من هذه المبادئ والأفكار في ظل تنامي المد اليميني المتطرف في فرنسا، وحصول اليمينيين على هذه النسبة في الانتخابات ا لرئاسية وما يمكن أن يحصلوا عليه في الانتخابات البرلمانية؟

دومينيك دوفيلبان: هذه مجازفة، وهذا خطر يجب أن نفهمه وبشكل عميق، بالتأكيد هناك خطر يتمثل في أن الكثير من الدول المتقدمة في العالم تواجه مشكلة الانطواء على نفسها، ونحن حاليا نعاني من قلق كبير، قلق اجتماعي، وقلق اقتصادي أيضا وقلق يتعلق بالهوية الفرنسية، وهذا هو الحال بالنسبة لكثير من الدول الأوروبية وقادها إلى أن تنطوي على نفسها، أنا كنت في تشيكيا مثلا، وكنت في المجر، وينطبق نفس الشيء على هولندا وغيرها من الدول الأوروبية، حاليا هناك قلق عميق وقوي ومرده هو البعد الاجتماعي والاقتصادي ومشاكل البطالة، هذا الوضع أدى إلى تصور آخر، الأجنبي بصفته تهديدا، تهديدا للوظائف وكذلك للأمن، وتهديدا أيضا لمستقبل الأفراد، وأعتقد أن الخطر يتمثل في أن يؤثر على قيمنا حيال هذا الخوف، والخوف سيء في جميع الأحوال، بالتالي يجب أن نجد إجابات اقتصادية واجتماعية من أجل أن نتمكن من احترام التوازن القائم في مجتمعاتنا، التوازن المتعلق بقيمنا وأن نتمكن من أن نبقى كما نحن، لكن حاليا هناك خطر يتمثل بالمزايدة وخطر أن نمضي باتجاه التطرف، لذلك فإن المسؤولين السياسيين بحاجة وبشكل دائم لأن يصرحوا بأن المشاكل التي نواجهها حاليا ليست لديها شروحات وحيدة ومبسطة، وبالتأكيد هذه ليست خطأ المجتمع، والآخر الأجنبي، إذا كنا نحن نواجه مشاكل حاليا وبالأخص أن هذه المشاكل لها إجابة، الاقتصاد الفرنسي يجب أن يجد نموذجا جديدا يتمثل في النوعية والتوازن، يسمح لنا في أن ندافع عن سوق العمل وأسلوب حياتنا ونموذجنا الاقتصادي، لكن هذا يتطلب التكيف، ليس هناك، لم نتصل في كل شيء وإنما يجب أن نخوض معركة من أجل أن نبقى كما نحن.

مستقبل الثورات العربية في ظل المتغيرات الإقليمية

أحمد منصور: كيف تنظر إلى مستقبل الثورات العربية والتغيرات التي يمكن أن تحدث في العالم العربي؟

دومينيك دوفيلبان: كان هناك ربيع عربي، وكانت هناك وعود وتطلعات وآمال تمثلت في أن فكرة الحرية ستفتح مجالات وآفاق جديدة، وأنها يمكن أن تؤدي إلى تغيير ينصب في مصلحة الشعوب، حاليا هناك قلق، وأنا أشعر بهذا القلق في السواد الأعظم من الدول العربية، هذه الدول التي شهدت هذه الثورات مثل تلك التي لم تشهدها، والتي لا تعرف بشكل جيد كيف ستفعل غدا، أعتقد أنه يجب أن نحترم فكرة أساسية، وهي تتمثل في أن العالم العربي ليس في منأى عمّا يجري في العالم، وأن العالم العربي ليس على هامش التاريخ، وأن هذا العالم جزء لا يتجزأ من الأسرة الدولية ولديه دور كبير يلعبه بالتاريخ، لقد تحرك التاريخ، وعلينا أن نعرف أن هناك عددا من الفلاسفة، مثلا فوكوياما، الذي كان يعتقد في نهاية التسعينات وفي نهاية الألفية الثانية، كان يعتقد بمقولة نهاية التاريخ، وأننا بالتأكيد وصلنا إلى مستوى من التنمية ومستوى من الحرية يجعل بأن التاريخ لن يستمر، لكن بالأحرى نلاحظ أن التاريخ يستمر ولا نعرف إلى أين يقودنا، ولهذا أعتقد أنه يتعين علينا أن نقيم أهمية ما يحدث في العالم العربي، لكن نقيم أيضا المسار الذي سيسلكه عندما نرى قوى المحافظة الموجودة في بعض هذه الدول التي شهدت هذه الثورات، عندما نرى مخاطر المزايدة والتوجه إلى التطرف الموجود في هذه الدول، عندما نرى أيضا قوى، هذه القوى المحافظة الدينية نشعر بأن هناك معركة يجب أن نخوضها دائما لكي لا تنعكس الثورة ضد مصالح الشعب، لقد سمحت الثورة للشعب بأن يتطلع إلى الحرية وإلى مجتمع أكثر انفتاحا، يجب أن لا تكون هذه الثورات عكسية، تاريخيا الثورة الفرنسية أظهرت بأن الثورات والتاريخ يمكنهما أن يكونا مأساويين، وبالتالي علينا أن نكون حذرين وواعين بأن في هذا العالم وهو عالم متداخل بشكل كبير، بالتأكيد هناك مسؤولية فورية ومباشرة على عاتق الشعوب العربية، لكن نحن أيضا مسؤولون عن مصاحبة هذه الثورات، ونصاحبها بروح الأخوّة تجاه هذه الثورات لنسمح لها أن تقود إلى نتائج. أسوأ سيناريو هو أن لا تصل هذه الثورات إلى نتائج، إلى تقدم تحظى به هذه الشعوب المعنية.

أحمد منصور: هناك مخاوف من سرقة هذه الثورات أو فشلها.

دومينيك دوفيلبان: بالتأكيد هذا نشاهده يوميا، نشاهده في ميدان التحرير حيث نشاهد الناس ينتظرون في مصر، في تونس، ولهذا هناك حراك ينطلق  وهناك حاجة حاليا، حاجة ملحّة بأن تقود هذه الثورات إلى نتائج ملموسة، أنا أعتقد بأن ما هو علينا حد مهم للغاية، وهو يتمثل بان هناك تداخل داخل المجتمع العربي، وأن ما هو على المحك يتمثل في نجاح الثورة التونسية، كان ذلك مهما بالنسبة للعالم العربي. إن نجاح أيضا مصر واستقرار مصر سيكون له تداعيات لكافة دول الشرق الأوسط بما فيها دول الخليج، هذا يعني أننا حاليا لا يمكن أن نقول بأننا نعيش لوحدنا في أمن وأمان دون أن نكترث لحقيقة أن العالم العربي يتقدم، هناك حاليا تضامن يجب أن يتم التعبير عنه في العالم العربي على مستوى الأفكار وعلى المستوى السياسي وعلى المستوى الاجتماعي، وعلى المستوى الاقتصادي، ومن وجهة نظري هذه ، آمل أن يكون هناك إدراك على نطاق أكبر على مستوى الحكام العرب والقادة العرب، أن يكونوا لهم إدراك بشأن مسؤولياتهم المشتركة، وهناك حاليا ظاهرة جديدة تتعلق بالثورات العربية، تتمثل بأن التحدي الآن لم يعد يتعلق بشأن الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط، وإنما هي الآن في الضفة الشمالية، وهناك ترابط في هذه المنطقة يؤثر على كافة دولها، أنظرا مثلا إلى وضع اليونان، ووضع إسبانيا أنظروا أيضا إلى الوضع في إيطاليا والوضع في البرتغال، كل هذه الدول معنية بهذا الحراك الجديد، وبالتالي يجب أن نقدم إجابات جماعية وأعتقد أن ما هو على المحك في البحر الأبيض المتوسط مهم جدا لاستقرار البسيطة والأرض.

أحمد منصور: هناك اتهامات للغرب، وفرنسا، والدول الاستعمارية أنها تريد أن تسقط هذه الثورات حتى تظل تهيمن على مقدرات العالم العربي كما كانت من قبل، هل من مصلحة الغرب أن تنجح الثورات العربية؟ بصراحة.

دومينيك دوفيلبان: نعم، أعتقد أن لديهم مصلحة كبيرة فهم لديهم مصلحة كبيرة لأن دول الشمال، الدول الأوروبية، كل يوم تقيس إلى أي درجة هم بحاجة إلى بقية العالم، نحن ندرك ونحن نعتبر سواء من الناحية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، نحن نعتقد وندرك إلى أي درجة يتغير العالم، حاليا الدول التي تسيطر على المشهد الاقتصادي وتتحكم في المشهد العالمي بشكل كبير الدول الناشئة والصاعدة، ونصف الثراء العالمي هي في يدي الصين والهند ودول كثيرة صاعدة، وبالتالي نحن على إدراك عميق بأنه إذا لم نشارك في تنمية العالم العربي وفي تنمية الجهة اليسرى من البحر الأبيض المتوسط، فهناك خطر يؤثر علينا، على الأبعاد الأمنية وعدم الاستقرار وكذلك المشاكل الاقتصادية والأمنية، إذن دعنا نتحدث عن موضوع الأمن والهجرة وكذلك الحرب على الإرهاب وقضية التنمية الاجتماعية والاقتصادية، هذه كلها تمثل قلقا مشتركا ولهذا من الضرورة بمكان أن نعمل من أجل تطوير القيم المشتركة وأن نتعلم أن نعرف بعضنا البعض وأن نفهم بعضنا البعض، وأن نعمل مع بعضنا البعض، وبالتالي أنا أعتقد أنه انطلاقا من هذا الموقف فإن أزمة مثل الأزمة السورية والأزمة النووية الإيرانية يجب أن تكون فرصا من أجل أن نعمل حقا بشكل أكبر لنجد إجابات جماعية ومشتركة، مثال سوريا يظهر هذا الأمر بشكل ساطع، حيث انه لا يمكن أن نحل هذه المشكلة دون إشراك دول المنطقة والجامعة العربية وتركيا، لا يمكن أن نحل مشكلة سوريا دون أن نأخذ في الحسبان دور الدول الناشئة مثل روسيا والصين، إذن العالم أكثر هشاشة لكنه في نفس الوقت يجب أن يكون أكثر تضامنا.

أحمد منصور: لو كنت رئيسا لفرنسا في هذه اللحظة التاريخية، ما هي القرارات التي كنت ستتخذها فيما يتعلق بالشعب السوري وما يتعرض له، أسمع منك الإجابة بعد فاصل قصير، نعود إليكم بعد فاصل قصير لمتابعة هذا الحوار مع رئيس الوزراء، وزير الخارجية الفرنسي الأسبق دومينيك دوفيلبان فابقوا معنا.

[فاصل إعلاني]

السيناريوهات الممكنة للحل في سوريا

أحمد منصور: أهلاً بكم من جديد، بلا حدود من العاصمة الفرنسية باريس، ضيف رئيس الوزراء وزير الخارجية الفرنسي الأسبق دومينيك دوفيلبان، نتحدث عن آثر الثورات العربية في علاقات فرنسا ونظرتها للدول العربية، كان سؤالي لك قبل الفاصل لو كنت رئيساً لفرنسا في هذه اللحظة التاريخية، ما هي القرارات التي كنت ستأخذها فيما يتعلق بما يتعرض له الشعب السوري من مذابح يومية؟

دومينيك دوفيلبان: نحن نواجه التزاما يتمثل في ضرورة أن نتصرف ونتحرك من أجل أن نجعل تخفيف، من أجل أن نخفف معاناة الشعب السوري ولكننا نعرف إلى أي درجة أنه ليس هناك إجابة سهلة، فكرة التدخل العسكري واضح أنها ستكون دون شك الحل الأبسط والأكثر سرعة، لكن فعلاً هل يمكن أن يتحقق، يجب أن ندرك الآن كيف أن حلاً عسكرياً يكون صعبا في السياق السوري، وهذا هو الخلاف الأكبر مع الحالة الليبية فنحن الآن أمام بلد بشكل مختلف وذو طبيعة مختلفة، فسوريا لديها جيش قوي، وفي سوريا هناك انقسام عقائدي وقومي وديني بشكل كبير فهناك فصائل وطوائف متعددة وبالتالي التدخل لن يكون سهلاً، ومن ناحية هناك سياق إقليمي مختلف تماماً عن الحالة الليبية فهناك إسرائيل وإيران وهناك لبنان، إذن هذا الموزاييـك من الدول يشكل مجازفة وخطراً كبيراً أمام العالم وبالتالي هناك أيضا السابقة الليبية التي تمثل مشكلة أمام تحركنا في واقع الأمر، ليبيا سمحت بالتدخل بإجماع من المجتمع الدولي بناء على قرار مجلس الأمن رقم 1970 على أساس مسؤولية حماية المدنيين لكن شاهدنا كيف أننا انتقلنا من سياسة الحماية إلى سياسة تغيير النظام، وهذا أمر بالتأكيد أدى إلى إثارة شكوك لدى بعض الدول الصاعدة مثل الصين وروسيا، حالياً التدخل في ليبيا يعقد فرصة تدخلٍ في سوريا وبالتالي يجب أن نمنح فرصة للدبلوماسية والتي تمثل الاستجابة الأفضل، لكن ذلك يجب أن يكون بشكل نشط فنحن لدينا مشروع حدده المجتمع الدولي يقوده كوفي أنان، ولدينا أيضاً الجامعة العربية التي هي منخرطة بشكل كبير وبقيادة قطر بهذا الموضوع، ولدينا أيضاً دولة مثل تركيا لديها علاقات ضاربة في عرق الدم مع سوريا ولديها دور إقليمي مهم، ولدينا أيضاً الصين وروسيا، وهاتان الدولتان تمثلان بالتأكيد أهم دعم فيما يتعلق بسوريا، وبالتالي يجب أن نجد مصلحة مشتركة مع روسيا بهذا السياق، أعتقد أن هذه المصلحة المشتركة يمكن إيجادها على المستوى الإنساني والسياسي شريطة أن ندعم حلاً على الأرض دون أن نطرح بالمستقبل تغيير النظام وهو يمثل فعلاً طريقاً مسدوداً بالنسبة للسياسة الروسية، أعتقد أن أوروبا تلعب دوراً مهماً من أجل حلحلة الأمر، ذلك أن روسيا والإتحاد الأوروبي يودان مع بعضهما البعض صياغة سياسية، سياسة قوية ومتطورة، وهناك مثلا السويد وروسيا أمامهما مشروع اقتصادي يطورانه مع الإتحاد الأوروبي، وهناك أيضاً هذه العهدة الرئاسية الثانية لبوتين والذي يفتح آفاق جديدة  مهمة، وبالتالي هناك نقاط التقاء وتواصل ونقاط مصلحة مشتركة بين الإتحاد الأوروبي وروسيا وهذا يدعوا إلى ضرورة العمل والتشاور مع بعضهما البعض من أجل محاولة تطوير حل على الأرض يسمح بوضع حد للمجازر وإيجاد استجابة إنسانية تتماشى مع المأساة التي نعيشها حالياً سوريا.

أحمد منصور: أنت تعرف الروس وتعاملت معهم، كيف يمكن تغيير الموقف الروسي؟

دومينيك دوفيلبان: نحن نجحنا في العمل مع روسيا في 2003 خلال الأزمة العراقية، ولكن من خلال سياسية نشطة ومشتركة مع روسيا ولكن أيضاً مع ألمانيا، عندما برلين وباريس يعملان مع بعضهما البعض ونبني علاقة ثقة بين فلاديمير بوتين أيضاً وشيراك وكما فعلت أنا مع نظيري ايفانوف، يذكر  وقتها فنحن قادرين بالتأكيد على وضع أساسات لعمل سياسي، حالياً هذه الدول الثلاثة لديها مصلحة في إيجاد حل للأزمة الإيرانية كما شاهدنا وهذه أيضا لديها مصلحة في  التصرف حيال سوريا وأن يعملا مع بعضهما البعض بشأن بعض الأزمات، إذن أعتقد أن الأمر ممكن لكن يجب أن نقبل بوضع أساسات لعلاقات عمل وثقة مع روسيا ولا أعتقد أن ذلك مستحيل.

أحمد منصور: ما هي سيناريوهات المستقبل لسوريا في ظل الوضع الراهن؟ 

دومينيك دوفيلبان: حالياً هناك ثلاثة سيناريوهات مهمة أولها يتمثل بانقسام في سوريا، فهذا بلد علوي سيتشكل على المنطقة التي يتواجد بها أكبر عدد من العلويين وبقية البلد سينقسم، السيناريو الثاني ألا وهو سيناريو المواجهة إذا أراد المجتمع الدولي أن يتصرف دون حذر في هذا المجتمع حيث يكون هناك تدخل لروسيا ولإيران وبعض أيضاً طوائف في سوريا التي ستقاتل بعضها البعض، إذن سيناريو حرب أهلية، أو أننا سنشاهد سيناريو سياسي يتم بناءه بشكل جيد وهذا يعني أن المجتمع الدولي يعمل بشكل نشط وبشكل واضح مع بعضها البعض، وهذا يعني أن الجامعة العربية وتركيا والدول الأوروبية الكبرى وروسيا مع الدول الصاعدة كلها تحدد أطر وأساسيات تدخل إنساني وسياسي يدعم العمل السياسي من أجل مواجهة القضايا الملحة على الساحة السورية هذا يعني أيضاً أن المعارضة السورية تكون قادرة على التوحد وأن تتفاهم فيما بينها وأن تعمل مع بعضها البعض وأن تحدد خطاً سياسياً مع بعضها البعض وذلك بتماشي وتنسيق مع دول الإقليم والمجتمع الدولي، أنت هنا تقول لي هذا كثير من الشروط وكثير من الوقت الضائع، إننا نشاهد أطفالاً ونساء بأعداد كبيرة يقتلون بسوريا، لكن أعتقد أنه يجب أن نقيس مخاطر هذه السيناريوهات، فنحن قد شهدنا تداعيات التدخل الغير مسيطر في العراق، وقد شاهدنا مخاطر الناجمة عن التدخلات قي ليبيا التي لا تحل كافة المشاكل كما أردنا ذلك، إذن أعتقد أن علينا أن نستخلص الدروس وفي نفس الوقت علينا أن نكون رافضين على الوضع المريع الموجود حالياً في سوريا، وأعتقد أنه يجب أن نعيد استكشاف أهمية دبلوماسية الأزمة عندما كنت وزير الخارجية سواء تعلق الأمر في الشرق الأوسط وفي العالم كنت قادراً على أن أضع أساس دبلوماسي للأزمة، وأعتقد أن الدبلوماسية تعمل حسب لقاء هادئٍ سواء تعلق الأمر في الأوربيان الذي يعمل بإيقاعٍ نائم أو بالجامعة العربية التي لديها أجندتها الخاصة أعتقد أنه من وجهة نظرها سواء تعلق الأمر بإطار الأمم المتحدة ومجلس الأمن أو تعلق الأمر بتشكيل مجموعاتٍ تضم الجامعة العربية ودول الإتحاد الأوروبي والدول الكبرى في الأسرة الدولية أن هذه كلها يجب أن تجتمع في مجموعة اتصال تسمح لنا حالياً أن نعمل بشكلٍ نشطٍ يومياً وهذه فكرة خطة أنان وأعتقد أنه يجب أن مضي في هذه الاتجاهات لأن نعمل دبلوماسياً بشكل دبلوماسي 24 ساعة على 24 ساعة الدبلوماسية يجب أن لا تعمل بشكلٍ بطيء فهي ليست طرفاً وإنما وهي أيضا ضرورة وأعتقد أن الدبلوماسية يجب أن تستكشف وأن تستعيد روح الإلحاح والمسؤولية لكن تبقى أيضاً حذرة بأن تضمن وجود التوازنات الضرورية.

الموقف الفرنسي من صعود الإسلاميين إلى سدة الحكم

أحمد منصور: في تونس حكومة يقودها الإسلاميون، في المغرب حكومة يقودها الإسلاميون، من المنتظر في مصر أن يشكل الإخوان الحكومة وربما يفوزون بالرئاسة، كيف سيتعامل الغرب وفرنسا الاستعمارية مع حكومات ضلوا سنوات وعقود يحاربونها حتى لا يصل الإسلاميون إلى السلطة؟

دومينيك دوفيلبان: هذا سؤال حقيقي، ومن وجهة نظري يجب أن نفهم بأن العالم تغير والحقبة تغيرت، كان هناك عهد هناك عهد الاستقلال حيث كان هناك وصول إلى سيادة الدول من طرف كل هذه الدول المهمة، نحن الآن في عهد جديد من الاستقلال حيث يجب علينا أن نحترم سيادة الشعوب، ومن وجهة نظري هذه لا ينوط بنا نحن أن نحدد طبيعة النظام السياسي الموجود في تونس أو مصر أو أي مكان آخر، وإنما يجب أن نحترم خيار الشعوب كما يختارونه بشكل ديمقراطي من خلال انتخابات، وعلى خلاف ذلك ما يجب أن نقوم به هو أن نحدد تعاوناً وتضامناً يجب أن يكون مصدراً لتحقيق نتائج سريعة جداً أكثر مما يؤدي إليه التعاون الدولي في أغلب الأحيان، أنا أشاهد الوضع وأراقب الوضع في تونس بقلق ونحن نصل إلى الصيف، ولكن نعرف بأن السياحة في تونس لم تنتعش ونشاهد أيضا الوضع في مصر ونعرف كيف ستكون مصادر دخل كل هؤلاء الناس الذين يعتمدون على السواح الذين يأتون من الأجانب، هذه الدول يجب أن لا تنكفئ على نفسها، هذه الدول يجب أن لا تنكفئ وراء الهويات السلبية، وبالتالي من المهم للغاية أن نقوم بتعريف وتحديد تعاون واستجابات مع هذه الدول باحترام لهذه الشعوب، لكن يجب أيضاً أن نسمح لهذه الدول أن تحظى بمستقبل اجتماعي جيد، ليس هناك أسوء من التوجه إلى التطرف من الدول والشعوب التي تعتقد بأن هذا هو الوحيد لمشاكلها التي تعاني منها.

أحمد منصور: هناك جدل كبير الآن بشأن مطالب من فرنسا بالاعتذار عن الجرائم التي ارتكبت بحق الشعب الجزائري وشعوب المغرب العربي، هل تؤيد اعتذار فرنسا أم ترفضه؟ 

دومينيك دوفيلبان: العلاقة بين فرنسا والجزائر علاقة مهمة للغاية وهي علاقة كانت مهمة بحكم التاريخ، وهي علاقة مهمة بحكم الجغرافيا، وهي أيضاً علاقة مهمة بالإضافة إلى المشترك الإنساني الذي يجمعنا، فعائلتي عاشت في الجزائر وأنا ولدت في المغرب وأنا بشكل عميق أتعلق بهذه الضفة الجنوبية من البحر الأبيض المتوسط والتي ترتبط بشكل حميم بتاريخي وحياتي وتاريخ عائلتي، وأنا أدرك أهمية التحدي الذي علينا أن نواجهه، من الناحية التاريخية، فرنسا تدفع حتى الساعة ضريبة غياب العودة إلى تطبيع علاقات طبيعية مع الجزائر، والجزائر ذاتها تود أن تتكئ على تاريخها وتتحدث عن هذا الجانب الغير مكتمل في علاقتنا، المشكلة هي ما عسانا أن نفعله من أجل أن نعجل بالعملية التي تقود إلى لم الشمل بيننا، بالتأكيد علينا أن نعمل على ذلك، أنتم تحدثتم عن الاعتذار وعن التفاهم، لكن أعتقد أن هذا العمل يجب أن يكون مزدوجاً على ضفتي البحر الأبيض المتوسط لنفهم ما حدث في حياة كل واحد منا، أنتم تعرفون أن الصدمة كانت كبيرة جداً في الجانب الجزائري، أنا لن أنسى المآسي التي شهدها الجزائريون في صطيف ومآسي النازحين ومئات الآلاف من الجزائريين الذين نزحوا خلال هذه السنوات، لكن أيضاً هناك مآسي على الجانب الفرنسي أنتم تعرفون أن هناك أناس في حياتهم كانوا في فرنسا وفجأة كان عليهم أن يغادروا، وأناس فرنسيون كانوا في الجزائر وكان عليهم أن يغادروا، إذن المآسي على الطرفين، لكن يجب أن ندرك أمراً في غاية الأهمية وهو أننا في نهاية المطاف تربطنا وشائج علاقات لا تهتز أبداً، إنه حب لذات الأرض التي في لحظة ما في التاريخ جمعت بيننا، وهذا كله يجب أن يقودنا بأن نكون بمستوى التاريخ، وأن نكون في مستوى أجدادنا، هؤلاء الذين عاشوا من هذه المآسي، هذا التاريخ يجبرنا أن نبتكر تاريخاً جديداً، علينا أن ننظر في أعين بعضنا البعض وأن ننظر في هذه الناس التي حدت على الطرفين، وأن نكون قادرين على أن نقول فحواها ونتحدث عن فحوى هذه المآسي، وأن نقول ما يجب أن نقوله من أجل أن يتمكن شعبانا من أن يتواجد أمام بعضهم البعض، وأن نكتب تاريخاً عانينا من قوله لأن هناك الكثير من الصمت وكثير من القضايا التي طواها النسيان، لكن لا يمكن أن تنمحي، وأعتقد أنه في تاريخ الشعوب تماما كتواريخ رجال، يجب أن نجد في بلحظة ما كلمات نعبر عن الألم وإن لم نجد الكلمات لن نكتب صفحات جديدة في هذا التاريخ وبالتالي سنعاني حتى في الدبلوماسية الفرنسية فيما يتعلق بعلاقتها في هذه الحقبة التاريخية وعلاقتها بالهوية الفرنسية، نقول نحن نعاني حالياً لأننا لم نتمكن من أن نطوي هذه الصفحة معاً مع الشعب الجزائري، وأعتقد أن هذا تحدي كبير يجب أن نواجهه، إنه ليس فقط تحدياً سياسياً، إنما هو تحدي جماعي، تحدي إنساني، تحدي ثقافي وهو أيضاً تحدي اقتصادي وأنا أحلم بأن أتمكن بحصول على تعاون يحترم فيه بعضنا البعض وعلى قدم المساواة مع الجزائر، وتعاون يعطى معنى لسياسية مشتركة وعمل مشترك فيما يتعلق بالتعليم والصحة والبنية التحتية، يجب علينا أن نكون قادرين أن نتجاوز اختبارات التاريخ هذه.

أحمد منصور: في النهاية هناك جرائم ارتكبت، ألا تستحق الاعتذار؟

دومينيك دوفيلبان: الجرائم، الألم، الدم سُكب من الطرفين، سكب الماء من الطرفين، إذا كنا مهتمين بهذا التاريخ وأن نكون مدركين لضرورة إعادة قراءة اللحظات الكبيرة في هذا التاريخ وأن نجد الكلمات لقول ما يجب أن يقال، هذا أمر مهم ولا أعتقد أن هناك شعباً عظيماً دون أن يكون قادراً على أن يقول وأن يجد الكلمات لئن يعيد كتابة التاريخ من الجديد، بما فيها المقدرة المتاحة لنا لئن نقلب الاعتذار والسماح لم قد يكون شكل كلمة في تاريخنا المشترك، إذن كل طرف يجب أن يكون على مستوى اللحظة التاريخية، وأن لا نقبل أبداً من عدم النظر إلى هذا التاريخ بشكل مباشر.

أحمد منصور:  محمد الخامس كان أول زعيم عربي يزور فرنسا بعد نجاح هولاند، هل تعتقد شكلاً من أشكال العلاقات المميزة سيعود بين المغرب وفرنسا كما كان من قبل في عهد هولاند؟

دومينيك دوفيلبان: هناك تقليد يتميز بالصداقة الكبيرة بين البلدين، وأعتقد بأن هذه العلاقة بين البلدين يجب أن ترتكز على التنافس، فنحن نعيش في عهد حيث أن ضفتي البحر الأبيض المتوسط ليس قابله للقسمة،  تربطنا علاقات جميلة جداً ورائعة مع المغرب، وأعتقد أن علينا أن نجعل هذه العلاقات لها نفس..

أحمد منصور: هل تعتقد أن الثورات العربية ستغير قواعد العلاقة بين العالم العربي وبين فرنسا وبين الغرب بشكل عام؟

دومينيك دوفيلبان: نعم نعم، لقد قطعنا نصف الطريق المهم، وحالياً نحن نتحدث على قدم المساواة نتحدث باحترام، العالم العربي على المستوى التاريخي قدم درساً مهماً للعالم وما أأمله هو أن هذه الثورة أن لا تنعكس سلباً على الشعوب العربية وألا تقود إلى طريق مسدود كما هي الحالة التاريخية وكما علمنا التاريخ دائماً، وآمل أن هذه الثورات أن يتم السيطرة عليها وأن تكون في خدمة الشعب، من وجهة نظري هذه فإن العالم العربي يجب معنا أن نبتكر علاقة جديدة، ذلك أننا نعيش في عالم حيث الأمور لم تعد حكراً على هذا الطرف وذلك، عندما يكون لك شعب وبلد يعتقدان بأن لديهم الإجابات بشكل فردي على كافة المشاكل، هذا يدل على التراجع ويدل على الهشاشة، وعادة الشعوب هي الأولى التي تدفع ثمن هذه السياسات، وبالتالي آمل بأن الثورات العربية ثورات منفتحة للعالم، وان تكون ثورات لا تهدف فقط إلى الحرية وإنما إلى التنمية والعدالة وإلى التقدم، وأن لا تقود هذه الثورات في أي لحظة إلى تراجع للوراء، وهو من الناحية التاريخية وبشكل دائم هو ما يعلمنا التاريخ، وبالتالي يجب أن نكون حذرين ومبدعين وقلقين ومنتبهين لإحداث النقاش ونمضي قدماً مع بعضنا البعض، ولكن ما نشاهده الآن هو المساواة الاحترام وإخوة وما عشناه في لحظات التاريخ مع بعضنا البعض، هذه اللحظات، هذه الثورات قادتنا إلى أن نتقاسم الحاضر، وربما أن نبني مستقبلاً أفضل يسعنا جميعاً.

أحمد منصور: دومينيك دوفيلبان الأديب والشاعر والسياسي، رئيس وزراء فرنسا وزير خارجيتها الأسبق، أشكرك  شكراً جزيلاً على ما تفضلت به، كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن متابعتكم، في الختام أنقل لكم تحية فريقي البرنامج من باريس والدوحة، وهذا أحمد منصور يحييكم بلا حدود من العاصمة الفرنسية باريس، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.