- شروط الاتفاقية وضوابط تنفيذها وفرص التزام الدول بها
- دور المجتمع المدني وسبل محاسبة الحكومات الفاسدة

- مسؤولية الاحتلال عن الفساد ومصداقية الأمم المتحدة


أحمد منصور
 أنطونيو ماريا كوستا

أحمد منصور: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أحييكم وأرحب بكم في حلقة جديدة من برنامج بلا حدود. تقدر الأمم المتحدة حجم الأموال التي يتم نهبها سنويا من مقدرات الشعوب عبر بوابات الفساد المختلفة بأنها تزيد على ترليون وستة مليارات دولار، معظمها تتم في الدول النامية والفقيرة من قبل الأنظمة الفاسدة والحكام الفاسدين الذين يديرون شؤونها، وقد سعت الأمم المتحدة خلال السنوات القليلة الماضية لإقرار اتفاقية دولية للحد من الفساد تجبر الدول الأعضاء فيها على وضع آليات تضمن قدرا من الشفافية لمراجعة أنظمتها المالية وتسمح بقدر من الرقابة والتفتيش الدولي، ورغم سعي الدول الأكثر فسادا ومنها دول عربية لعرقلة تنفيذ الاتفاقية إلا أن إقرار الكثير من البنود في مؤتمر الدول الأطراف الثالث الذي عقد في الدوحة في شهر نوفمبر الماضي أعطى الأمل بإمكانية ملاحقة بعض الأنظمة الفاسدة وإحراجها أو تعريتها على الأقل. وفي حلقة اليوم نحاور المسؤول الأممي الأول عن مكافحة الجريمة والفساد أنطونيو ماريا كوستا مساعد الأمين العام للأمم المتحدة، ولد في إيطاليا عام1941، حصل على بكالوريوس العلوم السياسية من جامعة تورين عام 1963 وعلى الماجستير في الاقتصاد المحاسبي من جامعة موسكو عام 1967 وعلى الدكتوراه من جامعة كاليفورنيا في الاقتصاد عام 1971، عمل كبيرا للاقتصاديين في مكتب الأمم المتحدة للشؤون الاقتصادية في نيويورك بين عامي 1969 و1983 ثم عين بعدها مساعدا للأمين العام لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في باريس حتى العام 1987، وبين عامي 1987 و1992 عمل كوستا مديرا للاقتصاد والتمويل في الاتحاد الأوروبي ثم أمينا عاما للبنك الأوروبي للتعمير في لندن، وفي العام 2002 عين المدير التنفيذي لمكتب الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة والمخدرات وأمينا عاما لمكتب الأمم المتحدة في فيينا ومساعدا للأمين العام للأمم المتحدة. مستر كوستا مرحبا بك.

أنطونيو ماريا كوستا: شكرا جزيلا لك، يشرفني أن أكون معكم هنا في الجزيرة.

شروط الاتفاقية وضوابط تنفيذها وفرص التزام الدول بها

أحمد منصور: ونحن يسعدنا أيضا وأود أن أبدأ معك بسؤال عن اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد حيث يرى كثيرون أن حجم الفساد الذي تقدره الأمم المتحدة بترليون وستة مليارات دولار يمكن أن يتم تقليصه من خلال تنفيذ هذه الاتفاقية بينما يرى آخرون أنها ستبقى حبرا على ورق طالما أن الأنظمة السياسية هي التي ترعى الفساد، كمسؤول  أممي أول عن تنفيذ هذه الاتفاقية كيف تنظر إليها؟

أنطونيو ماريا كوستا: أعتقد أن الاتفاقية تعتبر مستقبلا مزهرا وهي دراما العصر الحديث أن نرى الكثير من أموال دافعي الضرائب في الدول الغنية والفقيرة تسرق من خلال الحكام والبيروقراطيين الفاسدين، هذه اتفاقية دولية على صعيد دولي 141 دولة من دول الأمم المتحدة صادقت عليها بالفعل وفيها عناصر إبداعية بما فيها استرداد الأصول التي إن سرقت يمكن أن تعاد إلى دولها الأصلية وأيضا فيها عنصر الوقاية والمنع وهي تلزم الدول بأن تضع إجراءات تقلص عامل الإغراء بسرقة أموال دافعي الضرائب وأيضا فيها عنصر مهم وهو المساعدة الفنية وتمكين الدول التي نيتها حسنة ولكن ليست لديها الأدوات قائمة وذلك لزيادة قدرتها الفنية لتفعل شيئا ما لمكافحة الفساد، وأنا متفائل ليس فقط لأنها اتفاقيتي ولكنني متفائل رغم ذلك.

أحمد منصور: ولكن ما هي القيود والضوابط التي تضعها هذه الاتفاقية والتي تضمن تنفيذ ما أشرت إليه؟

أنطونيو ماريا كوستا: في الحقيقة هناك الكثير من الضمانات، فيما يتعلق بضمان أن دول الأعضاء تنظر إلى هذه الاتفاقية بجدية وأن يرصد بعضها بعضا فيما يفعله الناس والحكومات، الاتفاقية هي عبارة عن تشريع كأي تشريع في مكان في العالم إن طبق يثمر بنتائج وإن بقي في مكتبات البرلمانات فليس له نتائج مثمرة عندئذ، إذاً من هذا التصور فإن الأمم المتحدة بالفعل قامت بالتفاوض بشأن الآلية لمراجعة التنفيذ والتطبيق، وهذه الآلية ترتكز على أن دول ترصد ما تقوم به دول أخرى وأن ترفع التقارير فيما بينها وبهذا يؤسس معايير للتقدم ولما يجب فعله للضبط أو التحكم أو حتى إنهاء هذه الدراما، دراما الفساد.

أحمد منصور: من المنوط به تطبيق بنود هذه الاتفاقية؟

أنطونيو ماريا كوستا: فقط الدول الأعضاء هي المسؤولة عن التنفيذ.

أحمد منصور: الحكومات فيها؟

أنطونيو ماريا كوستا: نعم عندما أقول الدول الأعضاء أعني السلطة التنفيذية أي الحكومات بالتحديد، وأيضا بالاتفاق مع البرلمان يجب أن يكون هناك مصادقة على التشريعات المحلية اللازمة لتحويل اتفاقية دولية إلى إجراءات تصدق محليا ولكننا أيضا نعول على وسائل الإعلام كالجزيرة مثلا ووسائل إعلامية أخرى ومنظمات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية لتكون كلها جزءا من أن يكونوا شهداء على التقدم الذي يحرز، وإن لم يحصل شيء بشكل جيد فإننا نطلب من المنظمات غير الحكومية ووسائل الإعلام أن تفسر وأن ترفع التقارير وأن تساعدنا على رصد ما يجري على الأرض، إذاً فهي تشرك المجتمع كله وليس فقط مجرد مشروعات ووصايا توضع من قبل البرلمان.

أحمد منصور: إذا كانت الحكومات المنوط بها تنفيذ هذه الاتفاقية هي حكومات فاسدة من رأسها إلى أخمص قدميها كيف يمكن ضمان تطبيق هذه الاتفاقية؟

أنطونيو ماريا كوستا: في الحقيقة أولا يجب أن نكون أكثر تفاؤلا بشأن الإنسانية ولا أعرف أي دولة كل المجتمع فيها من الحكومة وكله فاسد من الأعلى إلى الأسفل، هناك دائما عناصر في الحكومة هي تقف إلى جانب السلامة والصدق فيما يتعلق بالفساد.

أحمد منصور: ولكن إذا كان الرأس نفسه فاسدا في الحكومة وهناك رؤوس فاسدة كثيرة أنت تعرفها أكثر مني.

أنطونيو ماريا كوستا: أنا لا أتفق مع هذا، أعتقد أن ما ندعو إليه بإشراك عناصر أخرى من المجتمع وبفضل آلية مراقبة السلطات القائمة لبعضها البعض القائمة في بلادنا سنكون قادرين بهذا الأمر على أن نقدم القضايا الأكثر فسادا، ولا أدري ماذا يجول في خاطرك، حتى القضايا الأكثر فسادا أن نقدمها إلى العدالة، الضغوط الدولية والذي يطور من خلال آليات الرصد والمراقبة هو الجزء الأكثر أهمية لضمان ليس فقط القوى المحلية ولكن اللاعبين الدوليين والقوى الدولية أنها تعمل ما عليها للإتيان حتى في ظل السيناريوهات الأسوأ أن تجعلها خاضعة للتحكم وللمراقبة.

أحمد منصور: خلال مؤتمر دول الأطراف الثالث الذي عقد في الدوحة في شهر نوفمبر شاهدنا وفودا رسميا وليس سرا وإنما مثل مصر، باكستان، إيران، الجزائر، ومن تحت الطاولة ربما الصين وروسيا ودول أخرى كانت تسعى لعرقلة التوقيع على الاتفاقية وهذا أمر ليس سرا في الموضوع، ما هي الأسباب التي تدفع هذه الدول للوقوف في وجه الاتفاقية؟ من أي شيء يخافون؟

أنطونيو ماريا كوستا: هذا أمر مؤسف يا أحمد وهو أكثر تعقيدا مما وصفت، الاتفاقية تم توقيعها من 140 دولة وتدخل حيز التنفيذ أو دخلت في الحقيقة عام 2005 وهو القانون السائد في البلاد في كل أرجاء العالم على الأقل في الدول الأطراف وبعد ذلك كيف تقوم بعملية الرصد والمراقبة، ليس صحيحا أن الدول التي ذكرتها أو حتى دولا أخرى هي ضد آلية الرصد والمراقبة فهي تشعر بعدم الارتياح بشأن بعض مجالات آلية المراقبة والرصد وخاصة على سبيل المثال إن كان هناك حاجة لزيارة الدول من قبل أجانب ودول أجنبية ومؤسسات دولية فهي قد تشعر بعدم الارتياح وبعضها قد يشعر بعدم الارتياح بشأن دور المنظمات غير الحكومية على سبيل المثال المجتمع الدولي وهكذا، المجتمع المحلي عفوا، إذاً فالحل يتمثل في إيجاد آلية يتم الاتفاق عليها من قبل الأغلبية العظمى من هذه البلاد، وهذه البلاد لأي سبب كان التي تشعر بعدم الارتياح بسبب وجه أو آخر فقد تخرج وتنسحب وتقول إنني لا أرتاح بسبب وجه من وجوه هذه الاتفاقية، لا أعتقد أن الأمر كارثي فهذه آلية ناشئة مطورة يتم تقديمها الآن وإن تم تقديمها بالطريقة التي ننظر إليها وهناك دول غير مستعدة، ليست كل الدول على نفس المستوى من التنمية والتطور.

أحمد منصور: أما يدل هذا على أن هذه الدول لا تتمتع بالشفافية وبالتالي فهي خائفة وفي نفس الوقت خائفة من الانسحاب أن تحرج أمام المجتمع الدولي وأمام شعوبها؟

أنطونيو ماريا كوستا: ربما هذا ما يكمن وراء الخوف الذي ينتاب بعض الدول ولكن ممارسة الرصد والتنفيذ لهذه الاتفاقية يجب أن يكون كفؤا وألا يكون تدخلا في البلاد ويجب أن يكون شفافا ومنصفا فأعتقد أنا بالتالي أنه عندما يتم اكتساب خبرة وتجربة من بعض الدول فلن يكون هناك تردد فيما يتعلق بعملية أن يكون هناك عملية إجماع. أنا متفائل بأن هذه ستنجح ولكنني بحاجة إلى الإعلام وأنا بحاجة إلى أشخاص مثل أحمد منصور وآخرين وشبكات أخرى في الجزيرة أن تضع ضغوطات على الحكومة لتأخذ هذه الاتفاقية وآلية التنفيذ بشكل جدي لأن هذا هو مكمن التغيير.

أحمد منصور: مستر أنطونيو أنت نفسك في الكلمة الافتتاحية التي ألقيتها في مؤتمر الأطراف الثالث أشرت إلى أن كثيرا من الدول التي وقعت على الاتفاقية لم تلتزم بتقديم التقارير فهي تتهرب من تقديم التقارير وهذا يلقي بعلامات استفهام على هذه الدول، وقعوا وقالوا للدنيا نحن ضد الفساد ولكنهم بشكل عملي يرفضون الالتزام والتطبيق وتقديم التقارير.

أنطونيو ماريا كوستا: نعم بالفعل، لقد كان هناك التزامات رفع تقارير خيارية وطوعية وبعض الدول أجابت على استفتاءاتنا ومسحنا بطريقة جدية ودول أخرى لم تقم بالإجابة بشكل كامل وبعضها لم يعد لنا الاستفتاء أو المسح، هذه عبارة عن عملية استفتاء لعمليات التنفيذ وهي ليست سلاحا سريعا يستهدف الاتفاقية، يجب أن نتعلم ونحن نحاول أن نأتي بشفافية لدول سمعتها سيئة فيما يتعلق بتجربتها مع شعبها، إذاً أود أن أعطي فرصة لهذه الآلية لكي تثمر بنتائج جيدة.

أحمد منصور: ألم يكن أمرا مخزيا في مؤتمر الدول الأطراف الثالث أن نرى رجال قانون يمثلون بعض الدول التي تشتهر بالفساد وقد جاؤوا يعملون مرتزقة وسماسرة يدافعون عن الفساد في دولهم ويعرقلون اتفاقية دولية تحد من الفساد وحقوق الشعوب وأموالها؟

أنطونيو ماريا كوستا: أنت محق بأن هناك أشخاصا في عدد من المهن والوظائف، أنت حددت المحامين، أنا يمكن أن أذكر المحاسبين والوكالات المرخصة ووكالات التصنيف والتقدير كلها كما تعلم كانت مشاركة في التغطية والتستر على كثير من مجالات الذنوب والأخطاء وفي قولهم بأن الأزمة المالية ضربتنا، أنا إيطالي ونحن نسميهم مافيا تحمي ما يجري، إذاً علينا أن نكون صارمين بشأن هؤلاء النشطاء الذي يحبون المؤسسات الحكومية والمؤسسات الخاصة ويسمحون لها أن تنجو من المعاقبة لأنهم كما قلت هم مرتزقة كما وصفتهم، أنا أؤمن بالتشريعات المحلية أن تنفذ هذه الاتفاقية الأممية وأن تطبقها بقوة تامة ونحن أيضا سنحاول توصيل هذه الرسالة للجميع.

أحمد منصور: أنا فوجئت أثناء متابعتي للجلسة الثانية من جلسات المائدة المستديرة أن طرح ما يسمى بحالة الفساد المصرية، الأمر شكل ربما من قبل الذين طرحوها بعض النقاش، هل أصبح الفساد الآن الذي تمارسه بعض الأنظمة يمثل حالة، الحالة المصرية، الحالة الإيرانية، الحالة الجزائرية، الحالة الباكستانية، هل أصبحت هذه الدول بما تمارسه أنظمتها من أشكال الفساد تأخذ حالة يمكن توصيفها في الفساد الدولي بأنها تحمل اسم هذه الدولة؟

أنطونيو ماريا كوستا:كلا، لا أعتقد أن هناك أي دولة يمكن أن نعتبرها أو حتى أي حكومة قد نعتبرها نموذجا رياديا ونموذجا للفساد، بالمناسبة هذا السؤال يطرح علي فيما يتعلق بالمخدرات وأسمع من صحفيين يقولون إن هذه الدولة أو تلك تتعامل بالمخدرات وتروج لها، لا أرى ذلك، أرى في دول غنية وفقيرة ودول بعرقية سائدة فيها أو دولة أخرى، ليس هناك داع من هذا المنطلق أن يكون هناك حالة فساد نتيجة لذلك. ولكن إن نظرت إلى كل الدول الأعضاء المشاركة في عملية التفاوض ثلثا هذه الدول من 141 صادقت بالفعل وهذا أمر لم يكن أمرا متخيلا قبل خمسة أو عشرة أعوام، نحن نقوم إذا بخطوات هائلة وسيستغرق الأمر وقتا أطول لكي تؤتي هذه الاتفاقيات والمعاهدات أكلها وذلك بتصليح المشاكل ووضع من هم يقومون بالفساد والسرقة لدافعي الضرائب ولأموالهم أن يزج بهم بالسجن، لأنني رأيت الكثير خلال ولايتي الكثير من التغيرات، أعرف أن الناس يودون أن يروا النتائج غدا لكن المفاوضات الدولية لا تسير بهذه السرعة وهذه الوتيرة.

أحمد منصور: يعني في نفس الوقت أنا وجدت وزارة التنمية الإدارية المصرية، وزارة في مصر، أجرت استطلاعا نشرته الصحف المصرية ومنها الصحف الرسمية في 14 أكتوبر الماضي 2009، قال 85% من المصريين الذين استطلعت آراؤهم -وهذه نسبة عالية جدا- إن الفساد منتشر في بلادهم.

أنطونيو ماريا كوستا: نحن نعالج موضوعا مهما بطريقة غير مباشرة وهي كيف نقيس الفساد؟ هناك مؤسسة الشفافية الدولية وهي تحظى بسمعة عريقة وتتبع منهجية جيدة بسؤال الناس هل تؤمن أن هناك قدرا كبيرا من الفساد في بلدك؟ وهكذا، هذه طريقة مبدعة وهي طريقة جديدة إلى الآن، نحن نريد حتى أن نتجاوز هذا لا نريد أن نقيس المنظار والتصور ولكننا نريد أن نقيس المشكلة ذاتها. إن سمحت لي أود أن أقدم لك نموذجا ومثالا آخر عن المخدرات، إن ذهبت إلى المدارس في أوروبا وسألت الطلاب وسألت الناس هل تعتقد أن مشكلة المخدرات مشكلة عامة؟ 85% من الطلاب سيقولون إن المخدرات منتشرة في كل مكان، ولكن إن سألت هل رأيت عملية تبادل أو بيع للمخدرات؟ 15% من الطلاب يقولون نعم، وعندها تسأل الناس هل تعاطيت المخدرات؟ ينقص الرقم إلى 5% أو 10%، إذاً أنا أخشى أن هناك سوء فهم عظيم فيما يتعلق بمؤشرات التصورات وعندما تطرح الأسئلة على الناس، علينا أن نقيس كم من الأشخاص تم القبض عليهم وكم من الأشخاص تم توجيه تهم إليهم وهكذا.

أحمد منصور: ربما يكون هناك تواطؤ، كثير من الأنظمة المستبدة -وأنت تعلم هذا أكثر مني- تسمح بنسب فساد في المجتمع لأن هذا يساعدها على الاستمرارية ويساعد الكبار على أن يسرقوا مزيدا من الأموال.

أنطونيو ماريا كوستا:نعم هناك أدلة بشكل مطلق وإن كان علي أن أوجد علاقة فلن تتعلق بمستوى الدخل أو دولة غنية أو دولة فقيرة وهكذا أو أكثر فسادا أو أقل، ولكنني أقول إن درجة الدكتاتورية والاستبداد هي وكيل يجعلنا نقيس من خلاله درجة الفساد، والعامل الأهم في هذه اللحظة هي أن يكون داخل المجتمع هيئات عامة كالإعلام والمجتمع المدني وقضاء مستقل والقضاء دائما له دور مهم فيما يتعلق بالحد من الفساد وتقديم المسؤولين عنه أمام القضاء.

أحمد منصور: ما هي طبيعة العلاقة بين الأنظمة الفاسدة وحرصها على ألا يكون القضاء مستقلا أو البرلمان نزيها ومنتخبا بطريقة شفافة؟ أسمع منك الإجابة بعد فاصل قصير، نعود إليكم بعد فاصل قصير مع مساعد الأمين العام للأمم المتحدة لمكافحة الجريمة والفساد والمخدرات أنطونيو ماريا كوستا، فابقوا معنا.

[فاصل إعلاني]

دور المجتمع المدني وسبل محاسبة الحكومات الفاسدة

أحمد منصور: أهلا بكم من جديد بلا حدود في هذه الحلقة التي نستضيف فيها مساعد الأمين العام للأمم المتحدة لمكافحة الفساد والجريمة والمخدرات أنطونيو ماريا كوستا، موضوعنا حول اتفاقية الأمم المتحدة لمحاربة الفساد وإمكانية تفعيلها لا سيما ضد الأنظمة الفاسدة. كان سؤالي لك حول دائما حينما يكون هنك نظام فاسد يكون هناك قضاء غير مستقل وبرلمانات لم تأت بطريقة انتخابات نزيهة.

أنطونيو ماريا كوستا: نحن بالفعل نقوم بممارسات تخرط البرلمانات والأجهزة القضائية في هذا العمل وحتى في أسوأ الأحوال لكي تقوم بمعالجة المشكلة التي ذكرت، البرلمانات في الحقيقة هي المؤسسات الأكبر من حيث أنها منظمات غير حكومية، هي أنظمة تشريعية وليست تنفيذية، هناك عدد من البرلمانيين هنا من كثير من الدول حتى من تلك التي تعتبرها ليست ديمقراطية ونحن نقابلهم من خلال الوحدة البرلمانية البينية وعملنا هو أن نجعلهم على وعي بأنهم يمكن لهم أن يغيروا ما يجري في البلاد لأنهم يعبرون عن صوت الشعب، وأيضا النظام القضائي نحن نؤمن بأن نظاما قضائيا نظيفا يعتبر قلب قصة النجاح في مكافحة الفساد، وفي الكثير من الدول النظام القضائي ليس مستقلا بشكل تام أو حتى على الإطلاق ولكن القضية أكبر من الفساد، هذا يعني أن الدولة كلها -على الأقل في مثالك الذي ذكرته- تواجه مشاكل كبيرة تتجاوز الفساد، نأمل بمرور الوقت أن عدد الدول التي ليس فيها برلمانات مستقلة أو نظام قضائي مستقل سوف يتم الحد منها.

أحمد منصور: أراك دائما تحمل المسؤولية وتشرك أعضاء البرلمان والقضاة ومؤسسات المجتمع المدني في المسؤولية عن مكافحة الفساد وليس فقط الحكومات.

أنطونيو ماريا كوستا: كلا، ليس فقط الحكومات ولكن كما ترى أنت تصر يا أحمد فيما يتعلق بممارستك للحكمة على الحكومات في الدول، هناك القطاع الخاص..

أحمد منصور (مقاطعا): لا، أنا أقول، أنا أتكلم هناك أنك تشرك وتحمل المسؤولية لمنظمات المجتمع المدني والقضاة وأعضاء البرلمان وليس الحكومات فقط على أن هؤلاء الثلاثة لا بد أن يكون لهم دور في مواجهة الفساد.

أنطونيو ماريا كوستا: كلهم عليهم مسؤولية، المنظمات غير الحكومية والبرلمان والقضاء أيضا، ولكن أضيف القطاع الخاص وأقول لك لماذا يا أحمد، لأن القطاع الخاص يمكن أن يكون جزءا من الحل والقطاع الخاص يمكن أن يكون جزءا من المشكلة..

أحمد منصور: كيف؟

أنطونيو ماريا كوستا: كيف؟ ببساطة الفساد ليس سؤالا متعلقا بالحكومة بشكل عام، ليس فيما يتعلق بوزير واحد على سبيل المثال أن يفسد وزيرا آخر، القضايا المعتادة تأتي من خلال التفاعل بين الحكومة والقطاع الخاص، القطاع الخاص يتطلع إلى عقد وهكذا يرشي وزيرا وهكذا وزير أيضا قد يقوم بتقديم رشوة للقطاع الخاص، القطاع الخاص يمكن أن يكون جزءا من المشكلة والقطاع الخاص يمكن أن يكون جزءا من الحل وغالبا عندما يكون هناك تكلفة عالية في الاستثمار في بلد ما بسبب الرشى وعدم اليقين بالنظام والقضاء فالاستثمارات تذهب إلى بلد آخر وهكذا يمكن للقطاع الخاص أن يقوم بوضع ترتيبات تؤدب الحكومة وتنظم عملها.

أحمد منصور: هل هناك قواعد داخل هذه الاتفاقية تضمن محاسبة الحكومات الفاسدة؟

أنطونيو ماريا كوستا: الاتفاقية فيها عدد من الأركان والعناصر ودرجات متنوعة فيما يتعلق بالتعامل مع الحكومة إذاً علينا أن ننظر إلى تعقيد هذا الأمر، وللأسف يا أحمد علي أن أكون فنيا هنا وعليك أن تفهم بأن هناك إجراءات وقائية مثل رصد القانون المتعلق بالعقود الدولية ورصد دخل الموظفين والمسؤولين وتمويل الأحزاب السياسية وتمويل العمليات الانتخابية، هذه بنود وأحكام تصحبها إجراءات مجبرة من الحكومة أو إجراءات تكون فيها الحكومة تقدم لها النصيحة بفعل ذلك، هذا هو الركن الأول، لا أريد أن أخوض بالأخرى، آلية الرصد التي نناقشها وناقشناها يقصد منها النظر في إن كانت الحكومة تقوم بما هو مطلوب في هذه الإجراءات الوقائية، هل هناك قوانين قائمة فيما يتعلق بالصدق والنزاهة في المناقصات المتعلقة بالعقود وهل هناك قوانين تضمن من الوزراء والمسؤولين أن يفصحوا عن دخولهم لكي يستطيع الناس أن يقولوا أنت تملك بيتا وعندك سيارة مرسيدس بينما دخلك متدن، إذاً فما هي المفارقة هنا؟ وأيضا الأحزاب السياسية أنت تنتخب وتنفق أموالا هائلة في حملتك الانتخابية، من أين لك هذه الأموال ورغم أن عليك التزمات؟ وهكذا. إذاً أعتقد أن هذه كلها عناصر صعبة ويجب تفحصها.

أحمد منصور: إلى أي مدى وهناك قيمة فساد تقدرها الأمم المتحدة بترليون وستة مليارات دولار، ما الذي تتوقعونه؟ هل يمكن أن يؤدي تطبيق هذه الاتفاقية حتى وإن لم يكن ملزما بشكل كاف إلى تقليص نسبة الفساد هذه؟

أنطونيو ماريا كوستا: علي أن أبدأ بالقول بالتحفظ بشأن الرقم الذي تم تقديمه أو 1,6 ترليون دولار، هذه ليست أرقام تعكس أرقام الأمم المتحدة ولكن من مؤسسات أخرى.

أحمد منصور: لا، لا، هذه أرقام من الأمم المتحدة.

أنطونيو ماريا كوستا: كلا.

أحمد منصور: طيب قل لي أرقام الأمم المتحدة.

أنطونيو ماريا كوستا: إنها من البنك الدولي. نحن ليس عندنا أرقام لأننا جديون بشأن هذه المسألة فهي مسألة هائلة كالجبل الجليدي.

أحمد منصور: إذا كان البنك الدولي، البنك الدولي لكم علاقات به وأنتم تعتمدون البنك الدولي إذا البنك الدولي قال هذا!

أنطونيو ماريا كوستا: حسنا أنا أحترم البنك الدولي ولا أخالف هذا الرقم ولكن هذا ليس تقديرنا، ولكن هذه ليست المشكلة، أنت سألت عن آثار، هل سيكون هناك تقليص لهذا الرقم؟ توقعي وأملي وإحساسي بأنه سوف يقل وينقص إن الاتفاقية تم اتخاذها بشكل جدي، على سبيل المثال من خلال آلية رصد أعتقد أنه سيكون هناك صعوبة أكثر على من يحبون السرقة من المسؤولين وسيكون من السهل استعادة الأموال وأن تقدمهم أمام القضاء وأن تدينهم وفي نهاية الأمر أن تخلق عقدا اجتماعيا من خلاله ينتشر الوعي في المجتمع.

أحمد منصور: من الذي يمكن أن يفعل هذا إذا كانت الحكومة نفسها والحاكم لص وسارق وفساد، من الذي يمكن أن يقيم هذه الآلية ويسترد، هل منظمات المجتمع المدني أو أشخاص اعتباريين يمكن أن يقيموا دعاوى ضد حكوماتهم؟ وقد رفضت الحكومة العليا في باريس دعوى أقيمت ضد بعض الرؤساء الأفارقة بسبب أموال سربوها إلى هناك.

أنطونيو ماريا كوستا: أحمد مع احترامي لك أنت متشائم بشأن الإنسانية والحكومات..

أحمد منصور: على الإطلاق.

أنطونيو ماريا كوستا: أنا أتفق معك بأن هناك لصوصا في كل مكان في الدول الغنية والفقيرة وفي كل مكان ولكن أن تؤمن بأن دولة كلها وإدارة بأكملها من الألف إلى الياء هم لصوص، هذا يعبر عن تشاؤم..

أحمد منصور (مقاطعا): لا أقول كل الإدارة ولكن أقول رأس الإدارة، رأس الإدارة حينما يكون فاسدا يفسد من حوله، أنت تعرف الرؤساء الفاسدين أكثر مني.

أنطونيو ماريا كوستا: نعم أنا أعرف جيدا ما يمكن لرئيس فاسد أو عائلته أن يفعلوا ولكن لا أدري أي دولة في ذهنك وربما الدول تختلف فيما بين أذهاننا، ولكن ترى ضغوطا متزايدة يتم فرضها.

أحمد منصور: لنبق في إطار الفاسدين وعائلاتهم وهم كثر وأنت تعرفهم أكثر مني.

أنطونيو ماريا كوستا: نعم أعرف وحقيقة أنك تعرفهم وحقيقة أنني أعرفهم وأن مشاهديكم يعرفونهم كل هذا يجب أن يوجد ضغوطا سيجعل من وضعهم غير قابل للإدامة، وفي نهاية الأمر سيأتي التغيير لا محالة.

أحمد منصور: كيف؟ قل كيف؟ كيف يمكن أن يكون وضع هؤلاء الرؤساء الفاسدين وعائلاتهم غير قابل للإدامة؟

أنطونيو ماريا كوستا: ذلك لأن بعض الرؤساء الفاسدين تم تنحيتهم من السلطة وأحيانا الطبيعة تأخذ مسارها ويموتون أو تعاقب عائلاتهم وهناك عدة طرق إذاً.

أحمد منصور: لسه بدنا نستنى حتى يموتوا؟!

أنطونيو ماريا كوستا:كلا، كلا، ليس عليك أن تنتظر موتهم ولكن علينا أن نعمل بشكل استباقي إلى أن يأتي يوم حسابهم ولكن علينا أن نفعل شيئا الآن، ولذا إن كانت الحكومة عاجزة عن الحكم أريد من البرلمان أن يتحرك.

أحمد منصور: هم لا يؤمنون بيوم الحساب، لو آمنوا بيوم الحساب ما فعلوا ما يفعلون.

أنطونيو ماريا كوستا: ولكن يا أحمد كلنا نؤمن أننا فانون وسوف نموت يوما ما.

أحمد منصور: كلنا وليس هم.

أنطونيو ماريا كوستا:نعم. كلا يا أحمد، هذا خطأ، هذا يعتبر غرورا منهم.

أحمد منصور: لو يؤمنوا بيوم الحساب ما قاموا بما يقومون به، أنا أقول لك شيئا، في بلدكم أنت إيطاليا المحكمة الدستورية العليا رفعت الحصانة عن رئيس الوزراء الإيطالي بيرلسكوني وهو سيحاكم الآن بتهم تتعلق بالفساد وهو رئيس وزراء لأن لديكم قانونا ولديكم قضاء ولديكم ملاحقة تجعل بيرلسكوني يقف وهو رئيس وزراء أمام المحكمة، قل في أي دولة من دول العالم الثالث يمكن أن يحدث هذا؟

أنطونيو ماريا كوستا:كلا، أولا لا أريد أن أتحدث لصالح أو ضد أي في الوضع الإيطالي، في عدد من الدول هناك حصانة لرئيس الدولة أو لرئيس الحكومة وهكذا هذه ليست قضية فقط متعلقة بإيطاليا، المحاكم طلب منها أن تنظر في القضية ودع المحكمة تقرر، فالأمر لا يعود لنا أو لي بالتحديد أن أطلق حكما على هذه المسألة، وهذا مثال آخر على أنه إن كان المجتمع أو النظام القضائي يشعر بعدم الارتياح بشأن ترتيب ما يمكن أن يغيره والأمر ذاته يمكن أن يحدث في أية دولة أخرى.

أحمد منصور: نرجع إلى الرؤساء الفاسدين وعائلاتهم، كيف يمكن إنهاء وضع هؤلاء ورد هذه الأموال؟ أنتم في اتفاقية الأمم المتحدة هناك بند لاسترجاع الأموال، كيف يمكن لهذه الشعوب أن تسترجع هذه الأموال والنهب مستمر؟

أنطونيو ماريا كوستا: أنا مسرور أنك تتحدث عن هذا الموضوع، هو ليس فقط بندا ولكنه ارتكاز وركن أساسي، وأكثر من ذلك هناك عملية ابتكارية وضعت من قبل الاتفاقية للمرة الأولى في التاريخ من أن نتحدث عن إعادة الأموال إلى دولها، كيف يمكن أن نفعل ذلك؟ بالإضافة إلى الاتفاقية مع البنك الدولي أطلقنا مبادرة تسمى استعادة الأصول المسروقة وما بدأ هذا هو الحاجة لمساعدة الدول أن تحدد القنوات التي استخدمت لتصدير الأموال بطريقة غير شرعية وأن تحدد الموقع الذي توجد فيه هذه الأموال وأن توجد آلية لاستعادة هذه الأموال وأن تقنع بالطبع المودعين أولئك الذين يمتلكون الأموال أن يعيدوها إلى دولها الأصلية، وقد أحرزنا تقدما جيدا فنحن نساعد العشرات من الدول هنا والكثير من الدول طلبت مساعدتها بهذا الصدد، أنت تنظر إلى أمر أعتقد أنه جيد ويكمن في استعادة الأموال ولكنه بشكل خاص يعتبر إجراء وقائيا لإخبار المسؤولين الفاسدين إن سرقت فسوف تواجه عقابا، ولكن صدقني نحن لن نسمح لهم بإيجاد مكان يودعون فيه الأموال لأن الأموال ستعاد وهذه تعتبر ثورة عالمية.

أحمد منصور: لكن هذا سيفتح باب الملاذات الآمنة والحسابات السرية في البنوك الغربية وهذا أيضا أمر من الصعب أن يتم التعرف عليه بسبب السرية التي يتم بها تحويل مئات المليارات من الدولارات من أموال الشعوب إلى تلك الحسابات وإلى تلك الملاذات الآمنة.

أنطونيو ماريا كوستا: يا أحمد أنا أخشى أن هناك سوء فهم قائم هنا، هناك بندان أو مادتان في الاتفاقية وهذه الاتفاقية تشريع دولي تقول إن السرية في البنوك لا يمكن أن تكون عائقا لعملية التحقيق، إذاً بينما السرية المصرفية هي امتياز لدى بعض الدول الأعضاء لكن إن كان هناك شك بممارسات فاسدة أو عائدات تودع في مؤسسة ما وهي عائدات من الجريمة فإن البنك لا يمكن له أن يحتمي بهذه السرية المصرفية ولم يعد هذا الأمر قائما وهذا يعتبر ثورة كبيرة وناتجة وأثمرت هذه الاتفاقية وهذا أمر مهم، كان من الصعب في السابق ذلك ولم توافق عليها كل الدول ولكن بنهاية الأمر الأنظمة البنكية لا يمكن لها أن تقبل وأن تستقبل الأموال من اللصوص وهذا أمر لم يعد قائما.

أحمد منصور: يعني أنا أرى عندك تفاؤلا كبيرا أتمنى أن يكون له واقع ربما لأنك أبو هذه الاتفاقية فأنت متفائل كثيرا بشأنها؟

أنطونيو ماريا كوستا: لا، أنا لست متفائلا لذلك ولكنني رأيت مجالات للاتفاقيات إن أخذت جديا ونحن نحاول أن نقوم بذلك أن نوجد تغييرا ونحدث ثورة، على سبيل المثال في التسعينيات كان هاك انفجار واسع للمافيا وللجريمة المنظمة والدول اتفقت على اتفاقية منفصلة ضد الجريمة المنظمة، وهكذا فهذا يعتبر اتفاقية ستسود وتصبح قانونا في البلاد، هناك مخدرات منتشرة في الصين منذ بضعة أعوام، وعقدنا اتفاقيات وتوصلنا إليها من خلالها أحرزنا تقدما، أنت بحاجة إلى قوانين ومعاهدات واتفاقيات وقواعد سلوكية وهذا أمر مهم، لذا فأنا متفائل من حيث أن هذه الاتفاقية تعتبر واسعة في إطارها وهي الأكبر.

مسؤولية الاحتلال عن الفساد ومصداقية الأمم المتحدة

أحمد منصور: سأذكر لك حالتين وأرجو أن تذكر لي كيف ستستطيعون من خلال هذه الاتفاقية محاسبة الدول التي تسببت فيها، العراق نهب عشرات المليارات من الدولارات من ثروتها بواسطة الولايات المتحدة وهي تقع تحت احتلالها وهناك علامات استفهام كثيرة حول النفط العراقي الذي منذ الاحتلال وحتى الآن بدون حساب، كيف ستحاسبون الولايات المتحدة على تبديد ثروة العراق؟

أنطونيو ماريا كوستا: الوضع في العراق مثير للاهتمام وكان هناك الكثير من التمرير للعملات وأنا كنت في العراق قبل عام لخوض المؤتمر الأول الدولي بشأن الفساد في العراق وكان يهدف إلى مكافحة الفساد وقد شارك فيه كبار القادة في البلاد وهناك تم نقاش عقدته وطلب منا مساعدة لاسترداد الأصول التي صدرت بشكل غير قانوني، لن أخوض بالتفاصيل لأنه ليس هناك تحرك الآن بشأن هذه المسألة ولكن في مرحلة ما سيكون هناك تحرك وقد سمعت أن مصلحة الحكومة تكمن في استعادة الأصول من الزعماء السابقين لهذا البلد وما حدث في الأعوام الماضية، إذاً إن طلب منا العراق أن نطلق هذه العملية كما أن عليهم هم أن يطلقوا هذه العملية شفهيا لاسترداد الأصول فسوف نكون مستعدين لعمل هذا الأمر.

أحمد منصور: أنت امتدحت تقرير الشفافية الدولية، هل هي مصادفة أن الدولتين اللتين تقعان تحت الاحتلال الأميركي وهما أفغانستان والعراق هما من أكثر الدول فسادا؟ ما مسؤولية الولايات المتحدة -وهاتان الدولتان تقعان تحت احتلالها- في أنهما أكثر الدول فسادا؟

أنطونيو ماريا كوستا: أنا أطعن في أصل طرحك هذا، أنا أعرف جدلية أخرى تتعلق بأفغانستان بأن انفجار زراعة المخدرات في أفغانستان حدث بالفعل بعد سقوط طالبان عام 2001 وأفترض من حيث الأحداث الزمنية والسبب والمسبب أعتقد أن هذا الأمر خطأ ولن أسير في هذا المسار.

أحمد منصور: لا، ليست قضية أن تسير في هذا المسار، إحنا الآن بنتحدث عن فساد موجود في دولة تقع تحت الاحتلال الأميركي وهي أفغانستان حسب التقارير الرسمية، قلت لك الآن أفغانستان والعراق تحت الاحتلال الأميركي من أكثر الدول فسادا، مسؤولية الولايات المتحدة عن نشر الفساد في الدول التي تحتلها؟

أنطونيو ماريا كوستا: الجدل حسبما أفهمه على الأقل من خلال الترجمة هو إن كان هناك سببية، علاقة سببية بين الاحتلال الأميركي والفساد، لا أرى هذه العلاقة ولا أراها في أفغانستان أيضا بين سقوط نظام طالبان والذي أسهمت فيه جهود دولية وانتشار حصاد وزراعة المخدرات، هناك عوامل أخرى تدخل في هذه العملية.

أحمد منصور: أنتم، الأمم المتحدة جان بيير هلوبش الذي يرأس الهيئة الدولية للاستشارة والمراقبة في الأمم المتحدة حول إدارة الولايات المتحدة للنفط مقابل الغذاء وما حدث من تورط لمسؤول الأمم المتحدة بينون سيفان من قبل واتهام للأمم المتحدة بأنها متورطة في بعض الفساد الذي يتم، كيف يمكن لمؤسسة دولية هي الأمم المتحدة أن تكون متورطة في بعض قضايا الفساد وتحارب الفساد؟

أنطونيو ماريا كوستا:  بهذا السؤال يا أحمد فأنت أصلت للسؤال السابق وأصله، أنت تحدثت عن الفساد الهائل في ظل الإدارة القائمة في العراق الآن، وأنا أعتقد أنه في العالم هناك إدراك بأن أكبر قضية فساد سبقت هذه الإدارة أي هي كانت تحت نظام صدام حسين في ظل ذلك الحكم. ولكن بالتحديد أنت تحدثت عن دور الأمم المتحدة، نحن نشعر بالخجل بأننا أسأنا إدارة -وأنا أستخدم هذه الكلمة بحذر- نحن أسأنا إدارة برنامج النفط مقابل الغذاء، ولكن إن نظرت إلى ما حدث آنذاك فلا ترى أن الأمم المتحدة كانت القوى الفاسدة التي كمنت وراء برنامج النفط مقابل الغذاء، نعم هناك مسؤول واحد..

أحمد منصور: معه جهاز.

أنطونيو ماريا كوستا: تم بالفعل إدانته لكمية من المال تعتبر نسبيا بسيطة وهي 160 ألفا لم يعرف مصيرها وقد وجدت في حساب مصرفي ولم يكن هناك تقديم تفسير منطقي لها ولكن قيل إنها إرث من قبل قريب، ولكن المشكلة الكبيرة فيما يتعلق ببرنامج النفط مقابل الغذاء لم يكن المسؤول الأممي ولكن كان هناك شريكان. المسؤولون العراقيون وخاصة إدارة الرئيس السابق صدام حسين وعدد كبير من مؤسسات مالية معروفة من ألمانيا ومن روسيا ومن الولايات المتحدة ومن أوروبا ومن دول نامية أخرى تطلب الحق باستكشاف النفط وبذلك دفعت تحت الطاولة رشى للنظام، إذاً بهذا المثال أود..

أحمد منصور (مقاطعا): ليس هذا المثال وحده، ليس هذا المثال وحده، أنتم لديكم ميزانية سنوية تقدر بخمسة مليارات دولار مهمتها الحالات الطارئة والحروب والحالات الإنسانية وهناك اتهامات بأن هذه الميزانية دائما عرضة للفساد والنهب من قبل مسؤولي الأمم المتحدة.

أنطونيو ماريا كوستا:أنا آسف، أي ميزانية تتحدث عنها؟

أحمد منصور: خمسة مليارات دولار الميزانية السنوية التي ترصد للحالات الطارئة الـ emergency الحالات الطارئة والحروب والحالات الإنسانية الناجمة عن الحروب، وهذه -كما تقول التقارير- أكثر الأموال فسادا في الأمم المتحدة.

أنطونيو ماريا كوستا: أنا لست متأكدا عما تتحدث، هناك ميزانية الأمانة العامة وهي أربعة مليارات دولار وهناك ميزانية لعمليات حفظ السلام وهي ثمانين مليار دولار، ليس هناك شيء آخر..

أحمد منصور (مقاطعا): هي جزء من الثمانين مليار دولار، جزء منها يقدر بأربعة، خمسة مليارات دولار.

أنطونيو ماريا كوستا: ولكن هذه لعمليات عسكرية ولأغراض عسكرية وليست إنسانية، وأنا لم أسمع عن نقد واحد يوجه ضد ميزانية عمليات حفظ السلام وميزانيتها، نحن بشر دائما..

أحمد منصور (مقاطعا): منذ حرب أفغانستان الأولى التي حدثت إبان الاحتلال السوفياتي ودائما من آن لآخر هناك فضائح تتعلق كانت في سيراييفو في حرب البوسنة والهرسك كانت هناك فضائح تتعلق بهذه الميزانية، في أفغانستان فضائح تتعلق بهذه الميزانية، في كل الحالات هناك فضائح كثيرة، وأنت في الأمم المتحدة منذ ثلاثين عاما ولم تسمع بها!

أنطونيو ماريا كوستا: كلا، أعتقد أنك مخطئ تماما على الأقل بوصف الخمسة مليارات دولار، هذا أمر وميزانية استثنائية..

أحمد منصور (مقاطعا): لست أنا، ربما التقارير كذبت، يعني منشورة في عدة أشياء وليس في تقرير واحد، أنا لا أؤلف أحداثا يعني مصادري موثوقة وأعرف ماذا أقول.

أنطونيو ماريا كوستا: أنت قد تعرف ما يجول في خاطرك ولكنني أنا لا أعرف عن هذا، ليس هناك شيء اسمه خمسة مليارات دولار كمساعدات إنسانية في الأمم المتحدة، هناك ميزانية تحدثت عنها للعمليات العسكرية وهكذا.

أحمد منصور: لنقل إذا ابتعدنا عن الرقم ولكن الميزانية الخاصة بالمساعدات الإنسانية التي تتم عن الحروب هذه التي أقصدها، لا نريد أن يكون الرقم هو العائق في الإجابة على السؤال.

أنطونيو ماريا كوستا: حسنا إن كنت تتحدث عن العمل الإنساني..

أحمد منصور (مقاطعا): لست سهلا في الحوار أنت.

أنطونيو ماريا كوستا: لا، لا.

أحمد منصور: تمسك بجزئية وتنسى الأصل.

أنطونيو ماريا كوستا: إن قدمت لي دليلا، هناك هيئة أو كينونة.. أنا اقتصادي وأود أن أتعامل بالقياس لأعرف ما الذي تتحدث عنه، هناك هيئة اسمها أوتشندا وهي تقدم مساعدات إنسانية ولكن الميزانية هي عشر أقل مما تحدثت عنها، ولكن أكثر من ذلك على سبيل المثال في وقت تسونامي المأساة الأكبر التي شهدها التاريخ كان هناك مناشدة هائلة وقد قمنا باستثمار مئات المليونات من الدولارات ولكن كنا نخشى أن يكون هناك أخطاء، ونحن تم الطلب منا أن نراقب كل دفعة وكل مساعدة تقدم وتمت مراقبة الأمر بشكل دقيق للغاية، في نهاية الأمر نحن بشر ولكننا لم نسمع أي انتقاد، إذاً أنا لا أستطيع أن أتفهم ما تقوله بالنظر إلى الأدلة التي لديك، أنا مطلع من الداخل على حقيقة ما يجري.

أحمد منصور: من حقك وأنت في هذه المؤسسة، من حقك وأنت مساعد للأمين العام للأمم المتحدة أن يكون لك رؤيتك. كيف تنظر في الختام إلى مستقبل الحرب على الفساد والحكومات الفاسدة والحكام الفاسدين؟

أنطونيو ماريا كوستا: كما قلت أنا متفائل تماما بشأن الإنسانية وخطة الإله لتنظيم الإنسانية سوف تستمر لا محالة وهذا ينطبق على العلاقات بين الدول والعلاقات بين الأديان وما من شك ينطبق الأمر أيضا على السلوك الفردي، كما ترى ليس هناك دولة في العالم نهضت بسبب الجريمة أو المخدرات أو الفساد، اليوم وبفضل الجزيرة وبفضل الـ CNN وبفضل الشبكات الإعلامية الأخرى وبفضل المنظمات غير الحكومية هناك محاولة جدية لخلق بيئة من الصراحة والصدق والشفافية، من المستحيل اليوم أن تبقي شيئا سريا فهناك دائما تسريب في المعلومات وهكذا، إذاً فكل التقنيات التي نراها اليوم ورغبة الإنسانية للتقدم والتحسن وتقليد البلاد لبعضها البعض كلها تثمر بقدر كبير من الشفافية، الإنترنت أيضا تزيد من تحقيق الشفافية كلما يحدث شيء كل العالم يعرفه، إذاً فأنا متفائل لأن كل القوى تتآمر بشكل إيجابي لكي تقدم حلا لهذه المشكلة.

أحمد منصور: أنطونيو ماريا كوستا مساعد الأمين العام للأمم المتحدة أشكرك شكرا جزيلا، كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن متابعتكم آملين أن نكون قدمنا لكم رؤية عن هذه الوثيقة التي تلاحق الفساد والمفسدين في الأرض، في الختام أنقل لكم تحيات فريق البرنامج وهذا أحمد منصور يحييكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.