- مقومات الصحة النفسية والعوامل المؤثرة فيها
- أهم الأمراض النفسية المتفشية وأسبابها

- مظاهر تدهور السلوكيات ودور الحكومات في تكريسها

- أهمية التعليم وتأثير التفاعل بين المسؤول والمواطن

أحمد منصور
هاني السبكي
أحمد منصور: أحييكم على الهواء مباشرة من القاهرة وأرحب بكم في حلقة جديدة من برنامج بلا حدود. تعكس الصحة النفسية للشعوب جوانب كثيرة وهامة في حياتها فالشعوب التي تعيش تحت القمع والاستبداد وانتهاك الآدمية الإنسانية والعدوانية وتزوير إرادتها وتيئيسها وتعجيزها ونشر ثقافة الجهل والتدليس بين أبنائها لا يمكن أن تنتج إنسانا سويا أو صالحا أو مبدعا أو منتجا على الإطلاق، وسرعان ما تنتشر فيها ثقافة العجز ومصطلحات الجهل، فالفهلوات تصبح غطاء للسرقة والأونطة تصبح غطاء لانعدام الأمانة والشطارة تصبح غطاء للغش والكذب، والكذب يصبح غطاء للذكاء الاجتماعي، أما التطاول على القانون فإنه يصبح غطاء للسطوة والنفوذ، والتدليس والغش يصبح غطاء للفساد، ولكن الأخطر من كل ذلك أن تتعايش الشعوب مع هذه الأمراض الفتاكة وتتحول هذه المفاسد إلى ثقافة مجتمعية تهوي بالأمم إلى الحضيض. وفي حلقة اليوم نحاول التعرف على المعالم الأساسية للصحة النفسية للشعوب العربية ودور الحكام والحكومات في هذا ووسائل الوقاية مع الدكتور هاني السبكي استشاري الطب النفسي، وللمشاهدين الراغبين في المشاركة يمكنهم الاتصال بنا على أرقام هواتف البرنامج التي ستظهر تباعا على الشاشة، دكتور مرحبا بك.

هاني السبكي: أهلا وسهلا.

مقومات الصحة النفسية والعوامل المؤثرة فيها

أحمد منصور: ما هو وضع الصحة النفسية للإنسان العربي؟

هاني السبكي: للأسف وضع الصحة النفسية للإنسان العربي أصبح في تدهور مستمر.

أحمد منصور: ما هي أسباب ذلك؟

هاني السبكي: الأسباب عديدة جدا ولكن قبل أن نتطرق للأسباب نحاول أن نعلم ما هي الصحة النفسية، يعني نعرف جميعا ما هي الصحة الجسدية، أن تقوم جميع أعضاء الجسم بوظائفها كما خلقها الله، نفس الفكرة في الصحة النفسية، أن تقوم النفس بدورها كما فطرها الله.

أحمد منصور: النفس البشرية.

هاني السبكي: نعم.

أحمد منصور: السلوك.

هاني السبكي: السلوك الوجدان المشاعر التفكير الوعي الإدراك التصرف الحكمة كل هذه الأمور بعض من محتويات النفس البشرية.

أحمد منصور: هل النفس البشرية وفق هذه المعطيات ووفق هذا الخلق السوي الذي خلقها الله عليه تتأثر سلبا أو إيجابا بمجتمعها؟

هاني السبكي: طبعا، سوى الله النفس كما خلقها سوية.

أحمد منصور: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا}[الشمس:7].

هاني السبكي: بالضبط.

أحمد منصور: {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا}[الشمس:8]

هاني السبكي: {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} واضحة. ونلاحظ أنه ألهمها الفجور الأول ذكر الفجور أولا لأن الفجور هو ما سأختبر فيه، الفجور هو النزعات والشهوات وكل نوازع الإنسان حتى يفجر عن الطبيعي، فألهمها هذا الفجور وألهمها التقوى وهو القانون الذي يحميها من الفجور، إذاً الاثنان عندي. إنما إذا حرم الله شيئا عادة بيبقى شيئا محبب إلى النفس حتى يختبر الإنسان كيف سيكبح جماح نفسه، ربنا ما حرمش الأشياء اللي فطريا إحنا ما بنحبها مثلا ما حرمش أكل التراب، إحنا مش حنأكل تراب، النفس مش حتفكر تراب، فلن أختبر في مسألة مثل هذه ولكن حرم أشياء أخرى تدعوني نفسي بشهوتها إلى السعي وراءها، هنا الاختبار.

أحمد منصور: النفس السوية هل يملك الإنسان أن يجعل نفسه سوية ولا نفسه بتخلق هكذا نفس غير سوية؟

هاني السبكي: النفس في البدء كانت سوية ثم تركها الله أمانة للأب والأم والمجتمع ليكملوا هذه التسوية حتى تصل في النهاية إلى روح بارئها ونقول يا أيتها النفس المطمئنة التي خلقك الله مطمئنة عودي إلى ربك مطمئنة، أمانة، فإذا سلمتك شيئا عليك أن ترده لي كما كان.

أحمد منصور: معنى ذلك أن مسؤولية المجتمع ومسؤولية الأسرة ومسؤولية النظام هي التي تكون هذه النفس في النهاية وهي التي تلعب الدور النهائي في فجورها أو صلاحها.

هاني السبكي: بالطبع. فعلشان تصل النفس إلى الشكل السوي ببساطة شديدة أن يكون الإنسان متصالحا مع نفسه، متصالحا مع ربه متصالحا مع مجتمعه.

أحمد منصور: طيب الأول متصالح مع نفسه، كيف يتصالح الإنسان مع نفسه؟

هاني السبكي: أن يسعى لأن يعطي نفسه المكونات الأساسية لتكوين هذه النفس واحتياجاتها الفطرية، مثل كل مرحلة من مراحل العمر لها احتياجات معينة الطفل في أول سنة يحتاج ما لا يحتاجه الكبير.

أحمد منصور: كاحتياجات نفسية.

هاني السبكي: احتياجات نفسية بتظهر في صور مادية، الأم ترضعه تضمه إلى قلبها أو إلى حضنها، يشعر بالأمان، إذاً الأمان ده احتياج نفسي ويرسخ في النفس ويكبر ثم ينتقل مرة أخرى إلى مرحلة أخرى يسعى فيها الأب والأم إلى إعطاء الطفل فرصة من الاستقلالية فيعتمد على نفسه ويمشي ويتحرك، بعدها المرحلة الثالثة يعطي هذا المتحرك فرصة ليكتشف ما حوله من أشياء فيكتشف الأشياء المادية والمعنوية ويكتشف الابتسامات والتصرفات وكيف يتعامل البشر مع بعضهم، بهذا المخزون ينتقل إلى مرحلة الإدراك أنه ذكر أو أنثى وعليه أن يقتدي بهذا الذكر وهو الأب لأن يكون مثله فيقلده إذا كان الأب حاجة كويسة حيقلده وإذا كان حاجة وحشة حيقلده.

أحمد منصور: هنا تأثير الأسرة.

هاني السبكي: التأثير المباشر.

أحمد منصور: المباشر.

هاني السبكي: ويكتشف معاملتك مع زملائك مع جيرانك مع أسرتك مع الخادم اللي عندك في استرداد حقوقك من الآخرين في التعاملات عموما..

أحمد منصور: هنا القدوة.

هاني السبكي: القدوة، أهم شيء ألفاظك اللي تصدرها لغتك اللي تتكلم بها مظهرك تقاليدك عاداتك كل هذه الفترة الصغيرة من عمر الإنسان خمس ست سنوات بيتكون فيها كل ما نعيش به الآن ونتصرف.

أحمد منصور: يعني الخمس سنوات الأولى أو مرحلة الطفولة بتحدد النفسية والشخصية بعد ذلك؟

هاني السبكي: طبعا. أنا النهارده إذا كان عندي مثلا ستين سنة -ما تقولش لحد- أتصرف كما ربيت في أول خمس سنوات، تماما وما بعد ذلك هو اكتساب أضيفه على ما اكتسبته.

أحمد منصور: يعني أنت لما بتيجي بتحلل مرضا نفسيا عند شخص بترجع لطفولته دائما؟

هاني السبكي: لازم أستعين بأهله بيحكوا لي طفولته وكثير من الحالات المضطربة ألجأ فيها إلى الأهل يحكوا لي عن طفولته كيف كانت وماذا سمع وماذا رأى وماذا شاهد، في هذه الحالة أستطيع أن أضع يدي على العيب، ليه الرجل ده بيعامل زوجته معاملة قاسية معاملة شرسة فيها كراهية وعداء أو العكس، حتجد أولها..

أحمد منصور: في الطفولة.

هاني السبكي: في الطفولة عندما رأى أبوه يعامل أمه هكذا، يهدر كرامتها ويحط من شأنها ويتلفظ ألفاظا غير لائقة فيتصور أن هي دي وسيلة التعامل الطبيعية والعكس صحيح كل ما نراه من مشاهد هي الطفولة.

أحمد منصور: إحنا كلنا نتاج الطفولة.

هاني السبكي: كلنا نتاج الطفولة والطفولة هنا إذا كنا بنتكلم عن مرحلة الأمان الطفل في بطن أمه يشعر بأمان مطلق ما فيش ظروف أحسن من كده ويعيش في حالة سلبية تماما ويأخذ كل ما يحتاج ثم ينتقل إلى الحياة بمعتركاتها الجديدة عالم جديد بالنسبة له مخيف لأنه مجهول، وظيفة الأم هنا أن تعطيه هذا الأمان في الاحتضان والرضاعة وما شابه، كيف تعطيه الأمان إن لم يكن هي لديها أمان؟ لا بد أن تكون هي حصلت عليه في طفولتها ويكمن في نفسها، وحاليا تحصل عليه من زوجها، زوجها يعطيها الأمان الذي اكتسبه من أمه وأبيه ويعطيها الأمان الذي يكتسبه حاليا من الدولة التي توفر له رعاية صحية وقانون وحماية.

أحمد منصور: ده بينقلنا هنا إلى مسؤولية الدولة والمجتمع.

هاني السبكي: بالضبط بالضبط.

أحمد منصور: إيه طبيعة مسؤولية الدولة والمجتمع ودورها في البناء النفسي للإنسان؟

هاني السبكي: توفير لهذا الإنسان احتياجاته الطبيعية في الحياة من أمان وصحة ومأكل وملبس ومسكن وقانون وخدمات وحرية رأي وإشعاره بأنه جزء من هذه الدولة فعال يأخذ ويعطي.

أحمد منصور: في حالة الخلل في هذه المعطيات يحدث خلل لدى الإنسان.

هاني السبكي: فورا ثم ينتقل تباعا من الأب إلى الأم إلى الابن.

أحمد منصور: يعني القمع والقهر والظلم والاستبداد وانتهاك الآدمية قمع الحرية العدوانية تزوير إرادة الناس التدليس على الناس الكذب على الناس كل هذا يخلق إنسانا غير سوي في المجتمع؟

هاني السبكي: قطعا. وهذا ما نراه أحيانا في عصور متفرقة من التاريخ، نحكم على الشعوب وسلوكياتها ووجدانها ومزاجها وطريقة كلامها وملبسها وحتى الأدب اللي بيكتبه الناس والشعر كله بيؤرخ..

أحمد منصور: نتاج نظام الحكم.

هاني السبكي: بالضبط، كيف كان الوضع في ذلك الوقت.

أحمد منصور: طيب يعني أمامنا واقع وليس فقط التاريخ، أمامنا شعوب متقدمة أمامنا دول فيها تقدم فيها رقي فيها حضارة وأمامنا شعوب كان بها تقدم وكان بها رقي وكان بها حضارة، حينما تغيرت أنظمة الحكم فيها وجاءها حكام مستبدون يقمعون الناس تغير وضع الإنسان فيها، الظواهر التي نراها في المجتمعات الظواهر المرضية الكذب التدليس النصب الأشياء الأخرى التي تحدثنا عنها..

هاني السبكي: والفهلوة والنصب والطمع.

أحمد منصور: كل هذا نتاج للنظام السياسي وما يتركه في حياة الناس.

هاني السبكي: هو كل هذا نتاج للنظام السياسي المسؤول عن التربية الاجتماعية والتربية الثقافية والتربية القومية والتربية الدينية والتربية الوجدانية من خلال مؤسسات التعليم ومن خلال مؤسسات الإعلام ومن خلال كل ما يبث ويسمعه الناس ومن خلال ما يشعر به الإنسان في البلد من حريات زي ما حضرتك ذكرت، الفرصة لطلب حق وعدم الظلم وتكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية.

أحمد منصور: القدوة التي تحدثت عنها في البيت لو خرجت إلى نطاق المجتمع ونظام الدولة بتصبح للحاكم وتصبح للوزير وتصبح للمدير، هذه القدوة حينما تكذب وحينما تدلس وحينما تنصب على الناس وحينما تنهب وحينما تسرق، ما المنتج الإنساني؟

هاني السبكي: يعني إذا أعطيتك فراولة تعصرها تطلع عصير فراولة ببساطة شديدة، إنما إذا أعطيتك شيئا آخر حيطلع العصير بتاع الحاجة اللي أنا أديتك إياها، نحن عصير المعطيات، نحن خليط من كل ما بث فينا من أمور كثيرة جدا، ما فيش حاجة واحدة وما فيش اتجاه واحد مسؤول، كل من له إمرة أو مسؤولية فوقي مدرستي أبي جدي جيراني أخي الكبير وتدرج هكذا إلى أن تصل إلى الحكومة.

أحمد منصور: كلما يسوء النظام السياسي كلما تكثر الأمراض النفسية لدى الناس.

هاني السبكي: كلما اضطربت الأوضاع الاجتماعية مما يؤدي إلى أمراض نفسية.

أهم الأمراض النفسية المتفشية وأسبابها

أحمد منصور: أنت تمارس الطب النفسي ربما منذ ما يقرب من أربعين عاما، هل لاحظت مثلا -ولا تعالج مصريين فقط أنت تعالج ناس ربما من العالم العربي وربما أيضا غير عرب- هل لاحظت أن الأمراض النفسية تتغير؟ هناك أمراض جديدة تظهر لدى الناس من خلال الضغوط التي يعيشونها ومن خلال أنظمة الحكم المختلفة؟

هاني السبكي: قطعا المؤثرات العامة التي نعيش فيها المؤثرات البيئية والمؤثرات السياسية والاقتصادية تغير من أوضاع المرض النفسي كل عدة سنوات، فيعني حتى في جهة مسؤولة عن دراسة الأمراض المستحدثة التي تطرأ على الناس ووضع نسب لها تشوف هي قلت ولا زادت.

أحمد منصور: هل تأتيك حالات ما بتلاقيهاش في الكتب؟

هاني السبكي: كثير.

أحمد منصور: فعلا!

هاني السبكي: كثير، يعني بتستدعي أنك أنت تكون ملما بما يحدث من ظروف حول هذا الشخص حتى تستطيع أن تتوصل إلى العلاقة ما بين ما حدث له والمسبب، في كثير من الأمور دلوقت لم تكن مذكورة في الكتب أو بعضها كان مذكورا ولا نراه.

أحمد منصور: ممكن تقول لنا بعض الأمثلة لبعض الأمراض النفسية التي بدأت تدمر الصحة النفسية للشعوب العربية؟

هاني السبكي: يعني ممكن أقدر أقول إحنا عندنا الاضطرابات النفسية أنواع أو تصنيفات، تصنيفات مرضية وتصنيفات في الشخصية، التصنيفات المرضية تكاد تكون ثابتة يعني بنسبة معقولة طول عمرها لأنها فيها عوامل وراثية فيها عوامل كيماوية في الجسم فتكاد تكون ثابتة إلا مثلا مرض زي الاكتئاب والقلق زادت نسبته في الآونة الأخيرة طبعا وصل إلى أرقام لم نكن نحسبها من قبل وبدأت تصيب أعمار لم يكن يصحبها هذه الأمراض من قبل.

أحمد منصور: مركز السيطرة على الأمراض والوقاية في الولايات المتحدة نشر دراسة قال فيها إن 10% من الأميركيين يعانون من أعراض الاكتئاب. إحنا النسبة عندنا كم؟ ودي أميركا يعني.

هاني السبكي: والله النسب هنا غير مرصودة هنا بالضبط.

أحمد منصور: بشكل علمي دقيق.

هاني السبكي: آه، ولكنها تصل تقريبا فوق 20%.

أحمد منصور: ودي تعتبر نسبة.

هاني السبكي: نسبة عالية جدا لأنها بدأت تصيب الأطفال الصغار في سن الخامسة.

أحمد منصور: أطفال يصابون بالاكتئاب!

هاني السبكي: يصابون بالاكتئاب ومظاهر الاكتئاب تظهر في مشاكل المدارس، الطفل العنيف الطفل المكتئب المعتزل الذي لا ينتج الذي لا يسمع في الدرس، ما حال هذا الطفل إذا بحثنا..

أحمد منصور (مقاطعا): هنا في تقرير خطير لمنظمة الصحة العالمية بتقول فيه إن الاكتئاب سيكون المصدر الرئيسي لمعظم الأمراض في العام 2020.

هاني السبكي: طبعا ده تكهن إذا استمرت الأحوال في العالم على هذا النحو، لأنه حتى أسباب الاكتئاب تختلف من بلد إلى بلد، هناك بلاد فقيرة جدا تعاني من القحط الشديد يصاب أهلها بالاكتئابات، وهناك ترفهوا إلى أكثر ما يحتمل الإنسان فأصيبوا بالاكتئاب أيضا.

أحمد منصور: الدول الاسكندنافية أيضا نسبة الاكتئاب فيها عالية مع الرفاهية.

أحمد منصور: نعم. ولو بصينا للكلمة اللي كنت أبدأ فيها تصالح الإنسان مع نفسه وربه ومجتمعه حتلاقي المثلث ده يحكم الإنسان في دائرة الصحة النفسية دائما، إذا اختل نقص ضلع فيه المثلث شكله اختل يحصل على طول الاعوجاج كيفما حدث الاعوجاج في المثلث، شكل المثلث ده بيحدد لنا هو مكتئب ولا منفصم ولا قلقان ولا عنده أمراض كثيرة جدا.

أحمد منصور: إيه أهم الأمراض دكتور التي أصبحت الآن متفشية أو شائعة في المجتمعات العربية من خلال ممارسات أنظمة الحكم ومن خلال الأنظمة الاجتماعية؟

هاني السبكي: والله أقدر أقول لك يعني الاضطرابات الشخصية هي التي تشيع جدا والتي نراها كثيرا.

أحمد منصور: إيه مفهوم الاضطراب الشخصي؟

هاني السبكي: الاضطراب الشخصي، الشخص الذي لم يعد بتواءم مع الظروف المحيطة ولا يتعامل بصورة سوية مع المحيطين به سواء في عمله أو أسرته، الإنسان الذي ينظر إلى الأمور بنظرة سوداوية، مش مكتئب ولكن يراها بلا أمل، ولا يستطيع وليس له القدرات لإصلاح أوضاعه، الإنسان الذي يخفق في زواجه لا يعرف كيف يكون زوجا ولا كيف يختار زوجة.

أحمد منصور: طيب الآن نسبة الطلاق ارتفعت بشكل كبير جدا. بعض الدول العربية فيها إحصاءات أن الطلاق في العام الأول من الزواج يصل إلى 75% هل ده نتاج برضه أمراض نفسية وضغوط نفسية؟

هاني السبكي: ده نتاج الاضطرابات الشخصية اللي هو الجزء المسؤول عن السلوك والوعي والإدراك والتصرف والحكمة وما إلى ذلك، وده بنستمده من الأصول والتقاليد والعادات والدين كل هذه الأمور هي التي تحكم الإنسان وتضع له قانونا أن يسير في حياته الزوجية مثلا سويا يعرف واجباته وحقوقه أمام الطرف الآخر سواء كان رجلا أو امرأة، هذه الأمور عندما تختل بديهي أن التصرفات التي حتطلع من الإنسان حتبقى غير محكومة إما في شكل عنف إما في شكل طلب يطلب من زوجته أشياء ليست في قدرتها أو هي تطلب منه أشياء ليست في قدرته، في صورة طمع في صورة عدم قبول أو ازدراء وهي بتزدري شخص مثلا رجل ذو قيمة ومحترم ومتعلم ومثقف ولكن تزدريه هي بتزدريه الحقيقة هي بتزدري أباها في صورة هذا الرجل والعكس صحيح، علشان كده بأقول لك التربية في الصغر لها تأثيرها المباشر على معاملاتنا ونحن كبار.

أحمد منصور: لهذا "تخيروا لنطافكم" يعني؟

هاني السبكي: طبعا "فإن العرق دساس"، ما فيش شك. إذاً عندما يختار الزوج زوجته أو العكس يجب أن يبحث في الأصل زي ما كنا بنقول زمان "عن الأصل دور" الأصل كيف كان يعامل الأب زوجته وعلاقتهم ببعض كان شكلها إيه، الجو العام في البيت مستقر ومريح وله حدوده ولا لا، كلمة حدوده دي، نحن دلوقت أصبحنا بلا حدود -على رأي البرنامج- صحيح، تصور حضرتك الكباية دي فيها ماء، محدودة بجدار الماء خلاص ثبتت على هذا الحد قد تنقص قد تزيد ولكن هناك حدود تحددها، إذا رميت شوية ماء على البلور دلوقت تقدر تحدد لي اتجاهها حيكون فين؟

أحمد منصور: لا طبعا؟

هاني السبكي: حيبقى عشوائيا بحتا لأن الحدود راحت. الحدود دي هي حدود الحرية، يعني يطالب الكثير بالحرية، الحرية لها حدود، ما فيش شيء في الدنيا ما لهوش حدود إنما إذا رميتها كده وتقول دي حرية! لا، دي عشوائية، إذاً تصرفي في حريتي له حدود.

أحمد منصور: هنا اضطراب في السلوك وفي الفهم.

هاني السبكي: بالضبط، فحدودي في حريتي يجب ألا تتخطى هذا الحد حتى لا تجور على حريتك.

أحمد منصور: حتى في علاقتي مع زوجتي وأولادي.

هاني السبكي: طبعا.

أحمد منصور: ودي البوتقة الرئيسية التي ينصهر فيها الإنسان بنفسه.

هاني السبكي: دي نواة المجتمع، ده المصنع اللي بنعمل فيه الإنسان.

أحمد منصور: انتشار الكذب والتدليس والنصب والأمراض الكثيرة هذه التي أصبحت شائعة في المجتمع، ما مردها أيضا؟

هاني السبكي: دي مسألة تتوقف على الأوضاع العامة في كل مجتمع، يعني عندما يختل العدل أو عندما يختل قانون تكافؤ الفرص ماذا تتوقع؟ إذا اختل العدل كيف أحصل على حقي إن لم يعطه لي العدل أو المحكمة.

أحمد منصور: المحاكم فيها يعني مئات الآلاف من القضايا والناس كلها أصبحت بتلجأ للمحكمة والمشكلة أن كثير من القضايا هي صراعات عائلية، هذه النقطة سواء طلاق سواء ميراث سواء صراعات إخوان ودي أيضا يعني شيء له مؤشرات في الصحة النفسية للمجتمع.

هاني السبكي: قطعا. أنا عايش مثلا في صراح للحصول على حقي المغتصب مثلا اللي اغتصب شقتي أو اللي اغتصب عربيتي حقي من أي نوع..

أحمد منصور: وهنا غياب العدالة في الدولة.

هاني السبكي: غابت العدالة أو حكمت حكما غير منصف، كيف يتجه الإنسان لحل هذه المشكلة؟ انتزاع حقه بيده.

أحمد منصور: وده اللي بينتج عنه جرائم القتل والعنف والتي أصبحت أيضا في دوائر العائلات، ليه الآن بنسمع أخ بيقتل أخاه، أب بيقتل أولاده أو أمه أو شيء من هذا.

هاني السبكي: بالضبط، فقد الثقة في اللجوء إلى مصدر العدالة.

أحمد منصور: إحنا كل ده بنرجع لمن يحكم وكيف يحكم ونظام الحكم يعني مرد كل هذه الأشياء في المجتمع إلى من يحكم إلى نظام الحكم.

هاني السبكي: ما هو نظام الحكم يتشكل في الحكومات التي تشكل، الوزارات دي مؤسسات للدولة، مؤسسات الدولة إن لم يكن لها منهج ثابت تسير عليه جميع الحكومات المتعاقبة ولا يتغير كل حكومة دي حتؤدي إلى اضطراب الناس، يعني إذا جئت النهارده مثلا وزير إسكان وحطيت قوانين الإسكان خلصت مدتي في الوزارة وجئت حضرتك بعدي يجب أن يكون..

أحمد منصور (مقاطعا): بلاش الإسكان دي علشان بلاويها كثير.

هاني السبكي: ما هي دي القضايا نصفها فيها لأنها فعلا عاملة مشكلة كبيرة جدا اللي هي أنتجت العشوائيات، ما هو إحنا نتكلم عن ظاهرة واضحة.

أحمد منصور: هنا دي مهم كان سؤالي عندي الآن، انتشار العشوائيات وثقافة العشوائيات وأمراض العشوائيات النفسية.

هاني السبكي: ما هو العشوائيات الناس مش غاوية عشوائيات، الناس مش غاوية تقعد تبني مساكن عشوائية ليس لها أي نظام وتعيش فيها مكدسة، ده اضطرارهم لم يجدوا مكانا يسكنون فيه، أماكن السكن يا إما غالية على الأسعار مش في متناول الناس وغير كفاية، فحيسكن فيه؟ فبيتجه للعشوائيات لأنه ما أخذ فرصته في السكن، الحكومة أو الوزارة المسؤولة عن الإسكان، أنا لا أهاجم وزارة الإسكان بعينها ولكنها مثلا، كانت هناك سياسة مثلا..

أحمد منصور (مقاطعا): هي الوزارة جزء من نظام حكم يا دكتور.

هاني السبكي: طبعا.

أحمد منصور: وحينما يكون هناك نظام حكم رشيد هو لا يكون في الإسكان وحده ولكن في كل مناحي الحياة.

هاني السبكي: فأنا بأتكلم في الوزارة كلها بس بأتكلم في مقطع منها بيحصل أن الوزير بيجي يحط السياسة الإسكانية تستغرق خمس سنوات لحل جزء من المشكلة، الوزير ده مشي، مشي مش لأنه وحش أو لأنه حاجة، لأي سبب، لكي يعطي الفرصة للآخر يكمل المرحلة المقبلة..

أحمد منصور (مقاطعا): والدليل على كده مثلا وزير التعليم الآن بيحط حاجات جديدة كأنه ما كانش في وزارة تعليم قبله.

هاني السبكي: بالضبط، كل وزارة التعليم.

أحمد منصور: كل الوزراء، كل وزير يجي كأنه يبدأ من الصفر.

هاني السبكي: بالضبط.

أحمد منصور: ويطلق يده ليفعل ما يريد في الناس وفي النظام وفي الحكومة وفي كل شيء.

هاني السبكي: ما فيهاش أي نوع من التكميل لفقداننا للمنهج الأساسي..

أحمد منصور (مقاطعا): هل هذا الذي يولد عدم الانتماء؟ يولد الفساد؟

هاني السبكي: ما فيش شك، أنا أنتمي لشيء..

أحمد منصور (مقاطعا): نحن أحيانا نقول البلد دي بتاع مين؟ من كثرة ما ترى وكأن لا أحد يهمه هذه البلد أو هذه البلد.

هاني السبكي: ده صحيح، وده شعور ابتدأ ينتقل للناس فابتدأ كل واحد من الناس يحاول يمتلك ما يشاء، ينتزع ملكية أي شيء دون قانون دون أسانيد تملكه هذا وهو انتزاع الملكيات، دي قضية كبيرة، أنتزع ممكن جدا وصل الانتزاع أنه أنا أنتزع شهادة دكتوراه لم أؤديها، أسرقها من واحد زميلي وأحطها باسمي والمحاكم بقى تفض بيننا.

أحمد منصور: دكتور هذه ولدت ظاهرة عجيبة جدا أصبحت منتشرة في الكثير من الشعوب العربية من المغرب إلى المشرق وهي ظاهرة التعايش مع الفساد التأقلم مع هذه الأمراض، اعتبار أن الإنسان الصادق ده هو المنبوذ أو الإنسان العادل هو المنبوذ وأن الأصل في الناس هو الظلم والفساد وغيرها من الأمور الأخرى، ما الذي أدى بالشعوب العربية أو النسبة الأكبر منها إلى أن تتعايش مع هذا الفساد القائم وتتواكب معه وتصبح هذه الأمراض هي أمراض مجتمع ويصبح السوي والسليم هو الإنسان الشاذ فيها؟ أسمع منك الإجابة بعد فاصل قصير، نعود إليكم بعد فاصل قصير لمتابعة هذا الحوار مع الدكتور هاني السبكي استشاري الطب النفسي فابقوا معنا.

[فاصل إعلاني]

مظاهر تدهور السلوكيات ودور الحكومات في تكريسها

أحمد منصور: أهلا بكم من جديد بلا حدود من القاهرة مع الدكتور هاني السبكي استشاري الطب النفسي، موضوعنا حول مسؤولية الحكومات عن تفشي وانتشار الأمراض النفسية بين المواطنين في العالم العربي. الظاهرة الخطيرة هي ظاهرة التعايش مع الأمراض النفسية واعتبار أن الأصل في المجتمعات الآن هو المرض والتدليس والكذب والنصب وهذه الأشياء وأن الإنسان السوي أو الإنسان العادل أو الإنسان المستقيم ينظر إليه على أنه..

هاني السبكي: غريب الأطوار.

أحمد منصور: غريب الأطوار في المجتمع.

هاني السبكي: لأن الناس بتتعامل باللغة التي تنجح، لغة النجاح عندما أرى زميل لي تدرجنا سويا في الجامعة وتخرجنا وفجأة وجدت نفسي في وضع ووجدته في وضع آخر دون مبرر واضح ولا أصل إلى هذا المبرر إطلاقا هذا يشعرني بالإحباط ثم أجد آخر فعل هذا ويتضح لي أن النفاق أو التطلع أو الوصولية بأشكالها كلها كانت سلاحهم وتربيت على المثل وعدم اتخاذ هذا الأسلوب وسيلة للنجاح بيحصل عندي صراع مثلي لم تنفعني وهم بيعيبوا علي خليك كده قاعد زي ما أنت مش حتنجح طول ما أنت محبكها وماسك المذهب الحنبلي فأتصارع ما بين أسلوبهم وأسلوبي فأصاب بالإحباط والاكتئاب وإحساس بالعجز ومش قادر أتخلص من مثلي وأبقى زيهم أنا ما تعلمتهاش، فده بينعكس علي أنا بالحقد والضغينة والملل والإحساس بالعجز والفشل..

أحمد منصور (مقاطعا): لكن الناس وصلت إلى مرحلة كأنها تستمرئ الظلم كأنها تحب الظلم كأنها تحب الفساد كأنها حتى حينما يجدون إنسانا ينتقد الظلم أو الفساد ينتقدونه في بعض الأحيان.

هاني السبكي: ده صحيح لأن عدد هؤلاء المتسلقين أو المرتشين كثر لأن دي الوسيلة السهلة وعدد الملتزمين بيقل فأصبحوا محصورين في دائرة كبيرة كده، لما تبص حضرتك على صفحة بيضاء وفيها بقعة الغريب فيها إيه؟ البقعة. هذه هي بقعة الصلاح والباقي هو بقعة الفساد، فلما تشوف العموم فاسد وهناك لون متغير بتحس أنها غريبة عن الوضع العام، فيتهم بأنه لم يتناول اللغة الجديدة وهي لغة الفهلوة وإلى آخره.

أحمد منصور: حينما يعيش الناس مراحل من الظلم ومن الاضطهاد ومن الفقر ومن الجهل ومن المرض ثم يخرج عليهم الحاكم ليتحدث عن إنجازاته وعن الوضع الاقتصادي والنمو الاقتصادي والناتج المحلي وهذه الأشياء وهي تخالف الواقع، هنا أنتقل أنا إلى الحاكم، هل هذا الحاكم يصدق ما يقوله إلى الناس؟

هاني السبكي: والله هذا الحاكم قد يكون مقتنعا تماما داخل نفسه أن ما يفعله هو كذا كما يقول، وقد يكون مغيبا ممن يعطوه التقارير أو يوصلوه، يعني هنا إما الحاكم سليم النية ولا يعلم وإما الحاكم.. أستبعد أن الحاكم يضحك على الناس لأن ده حاكم وصل من الإدراك أن يعرف كل الأشياء عن شعب.

أحمد منصور: من قال إنه وصل من الإدراك؟

هاني السبكي: لا، ما هو علشان يحكم ويصل إلى هذه المكانة من الصعب أن يكون..

أحمد منصور (مقاطعا): أنت بتتكلم كده بالعموم عن الحاكم اللي شعبه بيختاره عن الحاكم اللي وصل إلى السلطة باختيار سليم وليس من اغتصب السلطة، حينما تغتصب السلطة ويتم التدليس على الناس هل نعتبر أن ده حاكم عنده وعي وعارف شعبه عايش إزاي؟

هاني السبكي: لا، اللي اغتصب السلطة ده وضع ثاني خالص، نحن الآن نرى شعوبا تنتخب والحاكم ينجح، ونرى مؤسسات تشريعية..

أحمد منصور (مقاطعا): حينما تجد شعوبا تنتخب والحاكم ينجح هل تجد وضع الشعوب هو الوضع الذي نتحدث عنه أم أن الصحة النفسية للشعوب تكون مختلفة عن هذا الواقع؟ نحن بنتكلم علشان ما نتكلمش برضه..

هاني السبكي: آه، علشان ما نتكلمش عن واقع عام.

أحمد منصور (متابعا): إحنا مش بنتكلم عن شيء وهمي يعني نحن بنتكلم عن الواقع العربي الآن.

هاني السبكي: الواقع العربي لا زلنا بعيدا عن الوصول إلى هذه التسوية..

أحمد منصور: لما نجد شعبا يعيش 60% تحت خط الفقر مثلا أو أكثر في بعض الدول العربية والحاكم طالع يتكلم عن إنجازاته.

هاني السبكي: هو بيتكلم عن إنجازات ولكن هذه الإنجازات لا تتماشى مع عدد الناس اللي هم 60% اللي بتقول عليهم.

أحمد منصور: بتتماشى مع عدد الشلة المحيطة حوله المستفيدة من إنجازاته.

هاني السبكي: أو البعض أمله في امتداد هذه المعرفة أو هذه النجاحات إلى عدد أكبر.

أحمد منصور: حينما تطالع أنت الحكام وهم يتحدثون بهذه الطريقة هل بتدرك أن الحاكم مريض نفسيا.

هاني السبكي: صعب أن يكون في حاكم مريض نفسي بتعريف المرض، المرض النفسي يصيب أي إنسان لأي أسباب يعني ما فيش حد كبير على المرض.

أحمد منصور: السلطة والتشبث بالسلطة أليس مرضا نفسيا؟

هاني السبكي: لا، ده سلوك.

أحمد منصور: سلوك؟

هاني السبكي: سلوك أو اضطراب في الشخصية.

أحمد منصور: ما هو ده برضه أليس هذا نتاجا لمرض نفسي؟

هاني السبكي: لا، كلمة مرض لا بد أن يكون مرضا له مواصفات ثابتة في كل البشر، أما اختلال السلوك فبيختلف من إنسان لآخر حسب نشأته وثقافته وتربيته وخبرته.

أحمد منصور: عشق السلطة والتشبث بها ده سلوك أيضا ولا مرض؟

هاني السبكي: لا، ده فطرة، فطرة في البشر.

أحمد منصور: علشان كده حتى -لا مؤاخذة- الزبال اللي ماسك مكنسة واقف في مكان متشبث في سلطته في هذا المكان.

هاني السبكي: طبعا دي فطرة في البشر عموما يعني حأقول لك حاجة يعني في فرنسا بيحددوا مدة رئاسة الدولة بعدد محدود من السنوات وفي أميركا لا يسمحون بأكثر من فترتين لأنهم لو تركوها الحاكم مش حيمشي حيرشح نفسه طول عمره، فاللي يحدد هذه المسألة..

أحمد منصور (مقاطعا): حينما تطول مدة الحاكم في السلطة ويتكلس في السلطة ما هي انعكاسات هذا نفسيا عليه وعلى من حوله وعلى شعبه؟

هاني السبكي: انعكاساتها أن فكر الحاكم فكر شخص ثبات هذا الفكر مدة طويلة بيستدعي نوعا من التجديد في الفكر يعني حتى لو أنا ناجح في مكان معين نجاحي حيبقى في اتجاه معين ثابت بثبات تفكيري لأنه أنا إنسان واحد هنا الاستعانة بالمؤسسات الأخرى..

أحمد منصور (مقاطعا): ده إذا في مؤسسات في الدولة؟

هاني السبكي: بالضبط.

أحمد منصور: لكن إذا ما فيش مؤسسات والحاكم مطلق؟

هاني السبكي: خلاص حيبقى التقدم قليلا جدا.

أحمد منصور: والحاكم مطلق يحكم بشكل مطلق.

هاني السبكي: لا، ما أنتظرش تقدما ملحوظا ولا أنتظر تطورا لأنه أنت ماشي على سياسة واحدة فترة طويلة من الزمن دون تطوير أو تغير، فالتغير بيصبح ضرورة في هذه الحالة.

أحمد منصور: فاروق الحمودي من الإمارات، سؤالك يا فاروق.

فاروق الحمودي/ الإمارات: السلام عليكم. أحييك يا أستاذ منصور عودتنا على البرامج القيمة والطيبة وأحيي ضيفك الكريم على تحليله البناء. حقيقة الفساد يعني والمرض النفسي عادة بصورة عامة أنا أشوفه أنه يعني هي حالة الفشل لكن الذي يسوقه بشكل إيجابي أو سلبي بشكل عام هو القادة والزعامة، وأنا لاحظت من خلال إقامتنا في عدة دول أن الشعوب تتغير سلوكيا على تغير القائد، القائد عندما أو الحاكم كان إيجابيا كانت إيجابية خطاباته توصياته لشعبه تلاحظ أن الشعب يعني فيه صفات إيجابية متأثرة في هذا القائد وإذا رحل القائد هذا أتى قائد أقل منه إيجابية تلاقيه كذلك ينعكس على الشارع، في بعض الدول العربية منتشر الفساد بشكل كبير، الفساد الإداري الكذب الوصول إلى المال الوصول إلى السلطة، الحكومات، الحكام بعض الدول أتاحوا المجال هذا ليكون سلوكا سائدا في الشعب على أساس أن السلطة ما يكون عليها ملامة لأن الوضع خربان من أساسه، فإذا كان الشارع إيجابيا وكان الشارع لا توجد فيه هذه الصفات السلبية فسيكون العبء على الحاكم أكثر، لا يمكن أتصور مثلا في دولة أوروبية أو في أميركا مثلا قائد يكون سلبيا في ظل الوعي أو في ظل السلوك اللي عند الشارع فلا يمكن أن يدوم..

أحمد منصور (مقاطعا): شكرا يا فاروق، ملاحظتك مهمة جدا جدا. منى شامي من مصر.

منى شامي/ مصر: مساء الخير. يعني أنا أسأل هل يعني فكرنا في الشارع المصري إزاي بيعكس، إزاي إحنا المسؤولون بتوعنا بيعاملونا، فشيء رهيب، أنا يتهيأ لي أنه في يوم من الأيام حنصحو على أن الناس كلها بتضرب بعض وطريقة وجود العربيات ما فيش حاجة فيها نظام أبدا، أنا عايزة أفهم ده ناتج لإيه؟ الحاجة اللي إحنا كلنا فايتينها ناتج إيه؟ هل ده ناتج الحكام بتوعنا ولا ناتج إيه يا دكتور؟ شكرا.

أحمد منصور: شكرا لك. فاروق سؤاله مهم جدا وهو انعكاس الحاكم على الشعب وأنا عندي مثالا أضعه في هذا الموضوع، انظر إلى الشعب التركي قبل 2003 وانظر له في 2010 في سبع سنوات فقط كيف غيره الحاكم وحوله إلى شعب آخر وإلى أداء آخر وإلى، كأن تركيا لم تكن موجودة قبل 2003.

هاني السبكي: ده صحيح.

أحمد منصور: وشوف شعوب حكامها بقى لهم ثلاثين سنة بيحكموها ودوها فين!

هاني السبكي: ما هو ده واقع لا يمكن أن ننكره، أن انعكاس الحاكم والحكومات على شعبه يدل على سياسته ما فيش شك، يعني أنا أصدق على هذا الكلام تماما زي ما بنشوف في ماليزيا زي ما بنشوف في سنغافورة دول كثيرة جدا تغير الأسلوب فتغير الشعب، الجزء..

أحمد منصور: تغير الحاكم.

هاني السبكي: تغير الحاكم بأسلوبه. الجزء اللي أنا عايز أركز عليه أنه في بعض الدول التي تمكنت ورسخت فيها الأسس زي الدول المتحضرة جدا إذا جاء حاكم وذهب حاكم لا يغير من الناس.

أحمد منصور: ده بالعكس ده الناس هي اللي بتغير الحاكم.

هاني السبكي: بالضبط.

أحمد منصور: شوف ساركوزي الشعب الفرنسي عامل فيه إيه! شوف رئيس وزراء بريطانيا بقرارته النهارده الشعب رد إيه، الشعب بيتظاهر.

هاني السبكي: هنا الشعب هو اللي بيحكم.

أحمد منصور: لأن الشعب هو اللي بيختار.

هاني السبكي: هو اللي بيختار وهنا حنتكلم عن الفرق بين ديمقراطيتنا وديمقراطيتهم، إحنا لسه بنحبو في طريق الديمقراطية.

أحمد منصور: ما فيش هنا ديمقراطية ولا حبو حتى.

هاني السبكي: بنحبو، لا، الفكرة طلعت، الفكرة طلعت ولكن علشان شعب يمارس الديمقراطية لا تنتظر من شعب أن يمارس الديمقراطية أبدا إلا إذا ارتفعت بمستوى التعليم والثقافة وجعلت له قومية وجعلت له قومية وشخصية.

أهمية التعليم وتأثير التفاعل بين المسؤول والمواطن

أحمد منصور: أنا سألت رئيسة فنلندا سؤالا مهما في حوار معها، قلت لها إيه سر نهضة فنلندا هذه؟ قالت التعليم ثم التعليم ثم التعليم، مهاتير محمد سألته نفس السؤال قال لي التعليم ثم التعليم ثم التعليم. هو نهض ببلده بالتعليم لأنه كان وزير تعليم قبل ما يكون رئيس وزراء. إحنا هنا ما شاء الله في التعليم!

هاني السبكي: لا، التعليم إحنا بننحدر به إلى مستويات تبعدنا أكثر وأكثر عن الديمقراطية، لم يعد الناس، مش بتطالب بحقوقها لا، لم يعودوا  يعرفون واجباتهم، أنت ملاحظ الكلمة اللي قلتها الفهلوة والبلطجة ما هو ده إيه؟ أنا عايز بس مش عايز أعمل حاجة، تعلمت أن آخذ وأن أطالب ولم أتعلم أن أعطي فكيف تطلب مني أن أكون ديمقراطيا؟

أحمد منصور: سؤال منى هنا مهم جدا يعني الناس حتصل لفين في ظل هذا الوضع؟ الآن لم يعد أحد يحتمل الآخر يعني حتى تلاقي ناس محترمين وفي أماكن -شكلهم يعني- وفي أماكن راقية وتلاقي ناس -بالذات في موضوع العربيات- الناس بتشتم بعض وتضرب بعض يعني إلى أين سيذهب الناس في سلوكهم الإنساني وفي سلوكهم النفسي؟

هاني السبكي: هم وصلوا.

أحمد منصور: وصلوا.

هاني السبكي: آه، بس إحنا مش واخدين بالنا لأننا عايشين وتأقلمنا مع الأوضاع المتردية، إحنا بننزل الشارع دلوقت واخدين على أنه واحد يكسر عليك أو يهاجمك وكل واحد في نظره أصبح صاحب حق، ليه كل واحد فينا أصبح صاحب حق؟ لأنه لم يوضع نظام للحق، الشارع..

أحمد منصور: ضاع الحق.

هاني السبكي: ضاع الحق فضاع الحق بيننا.

أحمد منصور: محمد العوض من أميركا.

محمد العوض/ أميركا: السلام عليكم ورحمة الله. عندما بدأت البرنامج قلت كلاما جميلا للأسف الشديد والله العظيم آلمني الكلام كثيرا كثيرا، لماذا آلمني؟ لأنك ذكرتني بوضع العالم العربي فوضع العالم العربي للأسف الشديد هو ما قلته في بداية البرنامج، وجئت أميركا أنا قبل أربع سنوات وصعقت، صعقت بالواقع الموجود في أميركا وكيف الناس عايشين وكيف العدل وكيف التساوي وسألت نفسي السؤال إيش الحكاية؟ إيش اللي حاصل؟ المفروض أن هذا الكلام يكون في بلدي وليس هنا، وللأسف الشديد وجدت الجواب، الجواب يا سيدي أن أميركا لا تؤمن بالله ولا بمحمد ولكنهم يطبقون الإسلام، يطبقون الإسلام وتقاليده وأعرافه وكل ما نزل في القرآن يطبقونه من العدل ومن كل شيء، إذاً ما هو الحل؟

أحمد منصور: شكرا يا محمد. المشكلة الآن فيمن يضع القانون الذي يسير عليه الناس، بنرجع بنلف وندور في دائرة الحاكم ومن يحكم.

هاني السبكي: نعم نعم نعم، دي مشكلة يعني إحنا لم تكلم أي واحد في الشارع حيعطيك الحقوق في ورقة منظمة جدا ويعطيك الواجبات ويعطيك القانون كمان، أنت بتقعد مع سواق تكسي بيقول لك المفروض يعملوا كذا المفروض يعملوا، هو كلام صح، من المفروض يعملوا؟ ما هو هنا الغريب، الحكومات المتعاقبة دي ما فيش واحد فيهم كان في يوم من الأيام رجلا من الشعب ويعاني؟

أحمد منصور: كان من الشعب بس لما بقى في الحكومة بقى مش من الشعب.

هاني السبكي: بالضبط هي دي نقطة انفصال المسؤول عن المسؤول منهم، يتباعد..

أحمد منصور: ولذلك لما  الشعب بينتخبه بيقدر يحاسبه، هنا نقطة الحساب ما حدش بيحاسب حد، ما حدش بيحاسب حاكما ولا حد بيحاسب وزيرا ولا حد بيحاسب مسؤولا.

هاني السبكي: بالضبط، الرجل كان بيبقى رجلا عاديا ساكنا جنبي وأول ما يبقى وزير الشارع بيتقفل ويبقى له مستعمرته يعيش فيها منفصلا عن معاناة جاره، فكيف يدرك المسؤول عن المرور مأساة المرور إلا إذا نزل ساق عربيته الظهر زي الناس ومشي في الشارع..

أحمد منصور (مقاطعا): هم الناس دول ما بيمشوش في الشارع زينا ولا إيه؟!

هاني السبكي: لا ما بيمشيش في الشارع..

أحمد منصور: ولا بيأكلوا من أكلنا ولا عيشنا.

هاني السبكي: الشارع بيفضى علشان هو يمشي.

أحمد منصور: آه صح ده بيفضوا له الشارع!

هاني السبكي: بالضبط كده، وزير الصحة لن يدرك عن كم المأساة إلا إذا احتاج وراح المستشفى زي الناس، ده بيروح المستشفى أو أي وزير بيروح بيبقى في خبر قبل ما يروح بيعملوا المستشفى..

أحمد منصور (مقاطعا): لا، ده بيروح مستشفاه، هو يروح مستشفى عام زي الناس؟!

هاني السبكي: بيروح وينظفوها له ويبيضوها له ويصرفوا الميزانية على زيارة الوزير. إذاً الاحتكاك بالشعب والاحتكاك بفئات الناس المحكومة هو ده المصدر الوحيد لكي أشعر بما يحتاجون، ما ينفعش أبقى قاعد في مكتبي وأسن قوانين وتشريعات وأنا لا أدري بما.. إحنا قاعدين هنا في تكييف وجو لطيف جدا، لا نعلم الجو بره تراب ولا حر ولا زحمة ولا إيه.

أحمد منصور: ده ما نحن جايين منه حنرجع له. محمد الشمري من السعودية سؤالك يا محمد؟

محمد الشمري/ السعودية: السلام عليكم. أول شيء قبل السؤال أبغى أوجه تحية خاصة لك أشكرك على كل برامجك.

أحمد منصور: تسلم يا أخي شكرا لك، واجبي.

محمد الشمري: بالنسبة للحكم نحن تنقصنا الأيديولوجية، الأيديولوجية غائبة، أبو بكر وعمر والرسول صلى الله عليه وسلم كانت لهم أيديولوجية وكانت لهم أهداف وكانت لهم رؤى وتطلعات، أما نحن الآن للأسف الشديد كعالم عربي لا يوجد أي أيديولوجية واضحة لأي حاكم أو سياسة أو أي حاجة رح يعني نصل لها..

أحمد منصور (مقاطعا): شكرا يا محمد، نفس المحور، كلنا مشكلتنا في الحاكم ومن يحكم. جامعة مونيستر في غرب ألمانيا أجرت دراسة حول المصابين باضطرابات وأمراض نفسية قالت إن الإيمان بالقدر يساعد الإنسان على التعامل بشكل أفضل على ما يواجهه، كيف نستطيع نحن أن نواجه ما حولنا من ضغوط واضطرابات لحد ما ربنا يبعث لنا حكاما، يرضى علينا ويبعث لنا حكاما يقوموا بواجبهم نحونا، كيف نستطيع؟ ما هي العوامل التي تساعد كل إنسان عربي الآن على أن..

هاني السبكي: يتحمل.

أحمد منصور: نعم.

هاني السبكي: نحن مؤمنون بالقدر بلا شك ولكن القدر في نظري هو الأشياء التي ليس لي دخل فيها، كوارث طبيعية زلازل فيضانات أما أقدار الناس، الناس بتصنعها بأنفسهم نحن نصنع أقدارنا.

أحمد منصور: كيف؟

هاني السبكي: كيف. الناس ما بتطلبش حقها يا أستاذ أحمد.

أحمد منصور: آه، هنا مسؤولية الناس.

هاني السبكي: آه طبعا.

أحمد منصور: السلبية اللي الناس تعيشها، المشاركة في الفساد السكوت على الظلم.

هاني السبكي: السكوت على كل الحقوق أو اللجوء للحصول على الحق بطرق ملتوية بدل ما أطلب حقي كحق أنا بأشتريه.

أحمد منصور: لن يستوي حال الشعوب إلا بتحرك الشعوب.

هاني السبكي: بالضبط، فإذاً أنا مسؤول، مش ممكن كل حاكم حيبقى مسؤولا عن كل هفوة أنا وأنت نعيش فيها..

أحمد منصور (مقاطعا): لا، هو المسؤول عن كل اللي إحنا بنعيش فيه.

هاني السبكي: مسؤول عندما أطالبه كمان، ما هو لازم يعلم، الوصلة بيني وبين الحاكم فين؟ دي نقطة مهمة جدا، من الوصلة..

أحمد منصور (مقاطعا): بالأول لما أختاره.

هاني السبكي: افرض يا سيدي الحاكم موجود اخترته أو ما اخترته، كيف تصل إليه؟ من يوصل كلامك للحاكم، من؟ الفئة اللي في النص إذا كانت فئة تشريعية أو تنفيذية لا توصل كلامك للحاكم حتى لا يغضب عليه، لأنه أولا حيقول له أنت مسؤول أنت سايب الناس دي ليه، فبدل ما يوصلوا كلمتك بيقول له تمام، كلمة تمام اللي إحنا عايشين عليها.

أحمد منصور: كيف تنظر إلى مستقبل الصحة النفسية للإنسان العربي؟

هاني السبكي: الحقيقة أنا أصل إلى نقطة تخيفني كثيرا وهي أنه أنا حاسس أن الشخصية العربية تكاد تكون اغتربت عن كلمة عربية بكل معانيها.

أحمد منصور: خطيرة هذه.

هاني السبكي: طبعا. وكل شيء لا بد أن يكون له مواصفاته الثابتة لا تتغير بتغير الزمن، الخشب خشب والحديد حديد والعربي عربي والخواجة خواجة.

أحمد منصور: لا بد أن نعود إلى جذورنا.

هاني السبكي: لا بد أن نعود إلى جذورنا.

أحمد منصور: ونعرف كيف يكون العرب ومسؤولية العرب وتاريخ العرب وواجبات العرب وثقافة وأيديولوجية العرب ودين العرب.

هاني السبكي: التي صنعت حضارات العالم، فإذا عدنا إلى هذا بدل أن ندرس في المدارس دراسات غربية تبجل وتعلي من الشخصية الغربية ويعني نلغي الشخصيات العربية.

أحمد منصور: شكرا جزيلا يا دكتور، شكرا جزيلا.

هاني السبكي: شكرا.

أحمد منصور: لا بد أن نعود إلى أصولنا.

هاني السبكي: إن شاء الله.

أحمد منصور: كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن متابعتكم، في الختام أنقل لكم تحيات فريق البرنامج وهذا أحمد منصور يحييكم بلاد حدود من القاهرة والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.