- ثقافة العمل الخيري.. مفاهيم ومشكلات
- سبل مواجهة المشكلات ونشر ثقافة العمل التطوعي
- تحويل العمل الخيري إلى تنمية مجتمعية

أحمد منصور
هاني البنا
أحمد منصور: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أحييكم على الهواء مباشرة من القاهرة وأرحب بكم في حلقة جديدة من برنامج بلا حدود ونعتذر عن هذا التأخير بسبب عطل تقني. في الوقت الذي لا تشغل فيه ثقافة العمل الخيري التطوعي حيزا لدى العرب فإن الدراسات تشير إلى أن 91% من سكان كندا الذين تتجاوز أعمارهم 15 عاما مشاركون فاعلون في العمل التطوعي، وأن 45% من سكان ألمانيا في نفس الشريحة العمرية منضمون إلى منظمات العمل التطوعي المختلفة، وأن عشرة ملايين ونصف المليون فرنسي يتطوعون في نهاية الأسبوع للمشاركة في تقديم خدمات اجتماعية مختلفة تخص الحياة اليومية، أما في الولايات المتحدة الأميركية فقد أظهرت الدراسات أن نسبة الذين يشاركون في العمل التطوعي تشكل 44% من جميع البالغين حيث يقدمون ساعات تطوعية تبلغ أكثر من 15 بليون ساعة سنويا وهذا ما يقارب عمل تسعة ملايين شخص بدوام كامل. أين نحن من ثقافة العمل التطوعي الخيري في ظل ما يقوم به هؤلاء في الغرب؟ في حلقة اليوم نحاول فهم بعض جوانب ثقافة العمل التطوعي الخيري وكيفية تنميتها ونشرها بين الشباب في العالم العربي بشكل خاص وذلك في حوار مباشر مع الدكتور هاني البنا مؤسس ورئيس المنتدى الإنساني. ولد هاني البنا في القاهرة عام 1950، تخرج من كلية الطب في جامعة الأزهر عام 1976 ثم انتقل إلى بريطانيا لاستكمال دراساته العليا، عمل طبيبا في خدمة الصحة القومية بين عامي 1978 و1994، حصل على جائزة هاملتون بيلي في علم الأمراض عام 1981 ثم حصل على الدكتوراه في علم أمراض الأجنة من كلية الطب بجامعة برمينغهام عام 1991. ناشط بارز في مجالات ثقافية ونقابية عديدة، منح في شهر يوليو من العام 2004 وسام الإمبراطورية البريطانية من الطراز الأول من ملكة بريطانيا لعمله في الإغاثة الإسلامية، كما منحته جامعة برمنغهام الدكتوراه الفخرية لدوره الإنساني العالمي في العمل الخيري، رأس الإغاثة الإسلامية في العالم منذ عام 1995 وحتى العام الماضي حيث أسس المنتدى الإنساني العالمي ليكون مظلة للعمل الخيري مظلة تضم منظمات إسلامية ودولية وانتخب رئيسا للمنتدى. وللمشاهدين الراغبين في المشاركة يمكنهم الاتصال بنا على أرقام هواتف البرنامج التي ستظهر تباعا على الشاشة 4888873 (974 +).

ثقافة العمل الخيري.. مفاهيم ومشكلات

أحمد منصور: دكتور مرحبا بك أنا بأعتذر لك على هذا الوقت اللي ضاع من الحلقة بسبب العطل التقني الذي كان موجودا. لكن في ظل الأرقام التي ذكرتها والتي تشير إلى ثقافة العمل الخيري أو العمل التطوعي المنتشرة في الغرب فإن ثقافة العمل التطوعي تكاد تكون شبه منعدمة في الدول العربية والإسلامية، أين نحن من ثقافة العمل التطوعي ومن ثقافة العمل الخيري؟

هاني البنا: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، نحن ما زلنا في المراحل الأولى من الحفاظ على فكرة التطوع فكرة العمل الخيري، الغرب بدأ منذ مئات السنين يحول فكرة التطوع إلى مؤسسة ويحول هذه المؤسسات إلى منظومة تحمي فكرة التطوع نفسها، نحن الآن ما زلنا في العالم العربي والعالم الإسلامي بنعمل في العمل الخيري التطوعي بطريقة عاطفية وطريقة غير مؤسساتية وطريقة تعتمد على الانفعال لجمع التبرعات بالطريقة التقليدية التي نحولها إلى مشروع إغاثي مش إلى برنامج عملي ينمي مجتمعات قائمة بذاتها كما فعل وسبقنا الغرب في هذا الموضوع، فالفارق ما بيننا وبينهم نحن ما زلنا الآن في بعض الجمعيات العربية والإسلامية أن إحنا في الطور اللي نحن نريد أن نحول هذه الجمعيات إلى مؤسسات تخدم الفكرة لا إلى مؤسسات تخدم الأفراد الذين بدؤوا بوضع هذه الفكرة على طاولة العمل الخيري، ما زال العمل العربي دلوقت يؤمن بالشخص أكثر من إيمانه بالمؤسسة نفسها.

أحمد منصور: ما مشكلات العمل الخيري العربي الإسلامي مقارنة بالعمل المؤسسي الذي يقوم على الرؤية وعلى الخدمة العامة للناس؟

هاني البنا: العمل المؤسسي لا بد أن يؤمن بالتوريث والتتابع والتدريب وإحلال القيادات دوريا..

أحمد منصور (مقاطعا): توريث دي حساسة شوية.

هاني البنا: التوريث بمعنى التوريث القيادي بمعنى أن يكون في قيادات متتابعة داخل المؤسسات..

أحمد منصور: توريث المفاهيم وليس توريث الأشخاص.

هاني البنا (متابعا): توريث المفاهيم ليس الأشخاص ليست العائلات بالضبط يعني توريث الفكرة للأجيال التي تأتي من بعد، ما زال نحن في طور الشخص المؤسس يعني أنا كشخص وتشرفت بأني كنت من مؤسسي الإغاثة الإسلامية طرحت الإغاثة الإسلامية منذ سنة ونصف حاليا، الناس لا يستطيعون أن يستوعبوا أن إزاي واحد زيي يخرج بدون أن تكون هناك مشكلة يخرج هناك متروك..

أحمد منصور (مقاطعا): أنت الذي طلبت الخروج لتطور عملا خيريا آخر وتترك مجالا لغيرك.

هاني البنا: مضبوط يعني هو القصد دلوقت أن بعد 25 سنة في العمل الإغاثي داخل الإغاثة الإسلامية لا بد الإنسان يترك مكانه لقيادات أخرى، و25 سنة كثيرة..

أحمد منصور (مقاطعا): كثير طبعا.

هاني البنا: كثير جدا جدا لكن يعني زي ما بتقول لي يعني كفاية يعني Enough Is Enough كفاية جدا لهذا الموضوع فلا بد أن يترك هذا لأن في مجال كبير جدا للشباب وللشابات أن يقوموا بأشياء أنا ما استطعتش أن أقوم بها فدي تعتبر عنق الزجاجة في كثير من المؤسسات العربية والإسلامية..

أحمد منصور (مقاطعا): الفردية.

هاني البنا (متابعا): اللي هي جزء ما زال فيها الفردية ما زال نحن لم نخرج من الشخص أو الطفل المعجزة أو الشخص الذي يستطيع أن يقوم بكل شيء إلى مؤسسة الفكر الإداري داخل المنظمة نفسها أو داخل المؤسسة أو داخل الجمعية لا بد أن نخرج من فكرة النخبة إلى فكرة أن هو مؤسسة الفكر نفسه فتأتي القيادات..

أحمد منصور (مقاطعا): ثانيا، ثانيا. إحنا بنتكلم عن المشكلات داخل العمل الخيري العربي الإسلامي مقارنة بالعمل المؤسسي في الغرب.

هاني البنا: دي نمرة واحد، نمرة اثنين الكفاءات الموجودة، كثير جدا من الكفاءات العالية في الدول العربية والإسلامية تحجم عن أن تدخل أو تشارك أو تتوظف في العمل الخيري الإغاثي العربي والإسلامي أو الخيري بعموميته، ليه؟ لأنهم لا يعتبرون أن هذا مهنة، بالعكس العمل الخيري بعموميته هو مهنة وله علوم ُتدرّس تدرس فيها الماجستير والدكتوراه والدبلومات وهو يحرك دول ويحرك مؤسسات ويحرك قوانين لكي تدافع عن منظومة العمل الإنساني في العالم كله. إحنا ما زلنا ننظر للعمل الخيري الإسلامي والعربي على أنه مجرد شخص بيجمع بعض التبرعات من مسجد أو يذهب لمحسن من المحسنين يأخذ منه زكاته ويحول هذه الزكاة إلى بعض الصدقات في حفر بئر أو كفالة يتيم أو بناء مدرسة، لكن نحن نريد أن نقنع هذا الشخص ذو التقنية العالية سواء كان رجلا أو امرأة أن هذه أصبحت منظومة تحاول أن تدفع بأطر جديدة لتنمية المجتمعات من منظور إسلامي وعربي.

أحمد منصور: أنت قلت الآن في الغرب هناك مناهج جامعية لتدريس العمل الخيري والعمل التطوعي وهناك حتى تصل إلى درجات علمية للماجستير والدكتوراه هناك مؤسسات تقوم على نقل فكرة أن العمل الخيري ليس نقل مال من غني إلى فقير وإنما.. ما هي الأشكال التي أدت إلى نمو العمل الخيري في الغرب إلى هذه الدرجة؟

هاني البنا: أنهم حولوا فكرة العمل الخيري إلى مؤسسات وأصبحت المؤسسات تدفع منظومة العمل الخيري دون الحفاظ على الأفراد نفسهم دول يعني مثلا مننظر هذا تقييم العمل الغربي لمؤسستين كبيرتين واحدة مؤسسة "بلا حدود" أخذت جائزة نوبل للسلام منذ حوالي ثلاث سنوات أو أربع سنوات، محمد يونس الدكتور محمد يونس في بنغلاديش أخذ جائزة نوبل للسلام لإنشائه بنك الفقراء، كل هذا يعطينا كيف تقيّم المؤسسات الإنسانية الغربية قيمة العمل الخيري بفاعلياته وببرامجه التي تغير من منظومة المجتمعات التي تعمل فيها.

أحمد منصور: أنت خلال العام والنصف التي أعقبت إنشاء المنتدى الإنساني يعني اجتمعت بشخصيات عالمية كثيرة منها الرئيس الأميركي الأسبق كلينتون وشخصيات أخرى وأقنعت هؤلاء بأن يعملوا يدا بيد مع مسلمين ومع يعني أناس يعملون ضمن المنظمة في الوقت الذي يتهم فيه العمل الخيري الإسلامي بالإرهاب منذ فترة جورج بوش وهناك تأثر كبير في هذا الموضوع، كيف استطعت أن تحقق هذه الشراكة؟ باختصار.

هاني البنا: هي كانت تعتبر هذا هو الحل اللي كان يغيب عنهم أن محاربة العمل الخيري الإسلامي لن يؤدي إلى القضاء على الإرهاب بل بالعكس السماح للعمل الخيري الإسلامي والعربي أن ينمو لكي يحاول بطرقه المختلفة من أي يخفف من وطأة الفقر الصعب الذي يواجه الشعوب ويخفف من معاناة هذه المجتمعات لكي تنمو ولكي يكون للعمل الإسلامي الخيري دور رائد في المجتمع الدولي، المجتمع الدولي الإنساني لا يستطيع أن يعيش حاليا في غياب منظومة العمل الخيري العربي والإسلامي فلذلك إحنا لا بد من جانبنا كمسلمين وعرب أن نرتقي بأداء وكفاءة العاملين والمؤسسات العاملة الخيرية العربية والإسلامية لكي توازي في عملها المؤسسات الدولية في الخارج، لا بد أن نخرج للمنظومة، هم اقتنعوا بهذا الموضوع لماذا؟ لأن في فجوة كبيرة جدا حدثت بعد 11 سبتمبر، كثير جدا من الدول العربية والإسلامية تعاني من مشاكل اللاجئين تعاني من النزاعات تعاني من التهجير تعاني من الحاجة الشديدة في التصحر والجفاف سواء في أفريقيا أو في دول أخرى، فنجد أن هذه البلاد تحتاج إلى ناس يفهموا الثقافة الإسلامية لهذه الشعوب وتاريخ هذه الشعوب كي تتعامل معهم، فغياب العمل الخيري العربي والإسلامي من على هذه المنظومة يعد فجوة كبيرة جدا لم يستطع الغرب ولم تستطع مؤسسات الأمم المتحدة أن تقوم بها فلذلك نحن استطعنا بفضل الله سبحانه وتعالى إخفاء هذه الفجوة بعد 11 سبتمبر أن ندفع بهذا الفكر لكي يكون هناك شريك دولي عربي إسلامي يحاول أن يسد هذه الفجوات.

أحمد منصور: يعني أنت نائبك بريطاني هو مدير الصليب الأحمر وهناك منظمات غربية كثيرة مشاركة معكم في هذا الأمر، الاتحاد الأميركي للحريات المدنية في الولايات المتحدة وجه رسالة للرئيس أوباما في منتصف يونيو الماضي قال فيها إذا كانت لديك الرغبة في إذابة الجليد مع العالم الإسلامي تخلص من إرث إدارة جورج بوش التي تسببت في تقييد العمل الخيري الإسلامي تحديدا، هل هناك انفراج الآن؟ هل استطعتم في خلال هذه الفترة أن تحلحلوا هذا العداء الأميركي تحديدا الغربي عموما تجاه العمل الخيري وتجاه مساعدة الفقراء المسلمين؟

هاني البنا: التضييق على العمل الخيري الإسلامي ليس فقط من الغرب بل من الشرق أيضا فهناك تضييقات كثيرة جدا للدول العربية والإسلامية لا تستطيع أن ترى قيمة للعمل الطوعي لا تستطيع أن ترى قيمة للعمل الخيري لا تستطيع أن ترى البعد الذي يراه الغرب في تنمية مثل هذه المجتمعات، التضييق على تحويل الأموال التضييق على السفر التضييق على الحصول على التأشيرات إلى آخره، فما زالت بعض الدوائر العربية والإسلامية تنظر للعمل الإسلامي بنظرة الريبة على أنه يعتبر امتداد للعمل الإرهابي الذي وصم به العمل الخيري الإسلامي منذ 11 سبتمبر 2001.

أحمد منصور: هل ده اللي جعل صحيفة نيويورك تايمز تصف هذا الوضع بأنه نشر ثقافة الخوف لدى الحكومات العربية الإسلامية وتأثيرها على العمل الخيري؟

هاني البنا: أصبحت الكثير من الحكومات العربية الإسلامية تخشى من أن تخطئ أي مؤسسة فتلام هي عليها فأصبحت تغلق الأبواب أمام هذه المؤسسات لكي لا يحدث خطأ، فبالعكس نحن ننظر أن نحن نفتح الأبواب لمثل هذه المؤسسات ونفتح الأبواب لأبنائنا لكي يكونوا سفراء خيريين في العالم يفوق أداؤهم السفراء الدبلوماسيين بمئات المرات لأنهم يستطيعون أن يدخلوا أماكن لا يستطيع أن يدخلها السفير أو الدبلوماسي أو الملحق الثقافي أو إلى آخره ونشجعهم على هذا مع وجود منظومة لتقنن وتراقب وتنظم العمل الخيري في الدول العربية والإسلامية، نحن مع تنظيم العمل الخيري العربي والإسلامي لكن مع فتح المجال له ودعم الحكومات له، الغرب ليس فقط هو الذي يعيق العمل الخيري الإسلامي العربي هناك إعاقات كثيرة جدا من دوائر حكومية كثيرة في الدول العربية والإسلامية تنظر لهذا العمل بمنظور الشك والريب خوفا من الضغط الإعلامي الذي يأتي من الغرب.

أحمد منصور: خلال العام الماضي تقريبا استطعتم أن تعقدوا عدة مؤتمرات لأكثر من 1200 منظمة خيرية إسلامية على مستوى معظم دول العالم الإسلامي واستطعتم أن ترصدوا أهم المشكلات القائمة في هذه الأشياء وكيفية التغلب عليها. بعد الفاصل أسمع منك الإجابة على هذا السؤال. نعود إليكم بعد فاصل قصير لمتابعة هذا الحوار مع الدكتور هاني البنا مؤسس ورئيس المنتدى الإسلامي فابقوا معنا.



[فاصل إعلاني]

سبل مواجهة المشكلات ونشر ثقافة العمل التطوعي

أحمد منصور: أهلا بكم من جديد بلا حدود من القاهرة، ضيفي هو الدكتور هاني البنا مؤسس ورئيس المنتدى الإنساني أحد أكبر المؤسسات العاملة في المجال الخيري العالمي. دكتور كان سؤالي لك حول أهم المشكلات الموجودة بعد فرز أكثر من 1200 مؤسسة خيرية إسلامية في معظم الدول، رصدتم عددا من المشكلات ما هي أهم هذه المشكلات؟

هاني البنا: خمس مشكلات وجدناها يعني في كافة المؤسسات التي تقابلنا معها في الـ 14 دولة، بناء القدرات، القيادة الحكيمة والرشيدة للمؤسسات، فهم المعايير الإنسانية العمل الإنساني، بناء الشراكات وبناء الجسور والتواصل ما بيننا وبين الآخر، هذه الأشياء الخمسة أصبحت هي المعوقات لدى نمو مؤسسات أو المجتمع المدني أو العمل الخيري الإسلامي والعربي اللي وجدناها في حوالي 1200 جمعية ومؤسسة التقينا بها في خلال 14 مؤتمر هذا.

أحمد منصور: ما هي مساعيكم لعلاج هذا الأمر؟ وما مدى استعداد القائمين على هذه المؤسسات لهذا؟

هاني البنا: كثير جدا منهم أقروا بهذه.. أن هم كانت النتائج.. إحنا لم نضع الأجندة لمثل هذه المؤتمرات هم الذين وضعوها والذين ناقشوا وقالوا نحن نحتاج أن نقيم ألف وباء وجيم ودال وهاء وإلى آخره. ونحن الآن نبدأ بأربع دول وضعناها على طاولة العمل اللي هي السودان واليمن وأندونيسيا والكويت وبعد قليل سنذهب إلى مقدونيا أيضا لأنها تعتبر بلد مشاكل وإن شاء الله نيجيريا، فكل هذه الدول بدأت ترحب بوجود منظمة أو منظومة داخلية وطنية تستطيع أن تبني جسورا مع المؤسسات الدولية والغربية والعالمية لكي نرتقي بهذه المؤسسات إلى المستوى الدولي فتخرج من هذه المؤسسات فعاليات دولية تستطيع أن تقود العمل الخيري الإنساني في العالم ليس فقط في اليمن أو في الكويت أو في السودان أو في أندونيسيا أو في نيجيريا إلى آخره.

أحمد منصور: هل معنى ذلك أننا ممكن أن نشهد طفرة في أداء وطريقة عمل المؤسسات الخيرية الإسلامية في الفترة القادمة؟

هاني البنا: نتمنى في خلال العشر سنوات القادمة، يعني ما فيش طفرة ستظهر بين عشية وضحاها لكن في العشر سنوات الأخيرة ستخرج قيادات مجتمعية خيرية إنسانية من منظومة العمل الخيري العربي والإسلامي تستطيع أن تتعامل مع المؤسسة الدولية بثقافة محلية ومفهوم دولي يعني بمعنى أن أنا كرجل يمني أستطيع أن آتي بثقافتي كي أقنع بها أهل جنيف وأهل لندن وأهل روما والمجتمع الدولي، ولماذا أنا فقط أقتنع بثقافة جنيف ولندن وروما ونيويورك ولا يقتنعون هم بثقافتي؟ الآن أقنعهم بثقافتي لا بد يكون عندي بعض المعايير التي أستطيع أن أتحدث بها معهم وأرى كيف أتفاهم معهم بلغة الحوار الإنساني الخيري الدولي الذي نستطيع فيه أن نبني مثل هذه الشراكات، أهم معيار في هذه المشاكل هي بناء الشراكات، مفهوم بناء الشراكات عند الغرب أصبح جزءا من الثقافة المجتمعية الغربية لكن هو بالنسبة لنا جزء من عقيدتنا  {..وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى..}[المائدة:2]، نحن نريد أن نقيم مفهوم عقيدي داخل الفكر الإسلامي لكي نبني الشراكة، الشراكة بيننا وبين المؤسسات الإسلامية، الشراكة بين المؤسسات الإسلامية داخل الوطن الواحد والمؤسسات غير الإسلامية سواء كانت مسيحية أو أخرى ثم الشراكة بين المؤسسات الوطنية هذه ومؤسسات دولية في الخارج كي نستطيع أن نبني بهذه الشراكات الجسور ونستطيع أن نأخذ الخبرات داخليا وخارجيا لكي نستطيع أن نحمي النسيج المجتمعي الوطني. الحكومات صعب عليها أن تحمي كافة أجزاء النسيج المجتمعي المحلي الوطني، لا بد أن يكون القطاع الخيري الإنساني الوطني هو القطاع الثالث مع القطاع الحكومي والقطاع الـ private اللي هو الخاص في الدفاع عن النسيج المجتمعي لأن العاملين في العمل الخيري داخل المجتمع الوطني سواء كان في ليبيا أو في اليمن أو في سوريا أو في مصر أو في السودان إلى آخره هم الذين يستطيعون أن يروا نبض الشارع ويستطيعون الدفاع عن المنظومة الثقافية والمنظومة الاجتماعية، فلا بد أن تسمح الحكومات العربية والإسلامية لنمو مثل هذا القطاع ونمو هذه المنظومة لكي تتوازى في عطاءاتها مع المؤسسات الدولية الخارجية ونبرز من هذه الدول يعني سفراء وقادة للمجتمع الخيري الدولي.

أحمد منصور: الأرقام التي ذكرتها كانت من مقال كتبه الكاتب العماني عقيل اللواتي في مقال نشره في 28 يناير 2008 حول رغم كل ما يحض فيه الإسلام على فعل الخير والتطوع ومساعدة الفقير وإعطاء الوقت إلا أن ثقافة العمل التطوعي شبه منعدمة في الدول العربية والإسلامية في الوقت الذي بلغت فيه 91% في كندا، 45% في ألمانيا، عشر ملايين ونصف مليون فرنسي يتطوعون في نهاية الأسبوع من أجل مساعدة الناس، ما الذي يؤدي إلى أن الناس الآن بتحجم عن أن ينفق جزءا من وقته، طلاب المدارس طلاب الجامعات كله ما فيش حد بيعمل على أن يتطوع بوقته من أجل خدمة المجتمع؟

هاني البنا: نحن نريد أن نجعل ثقافة العمل الطوعي والعمل الخيري جزءا من المنهج الدراسي فلا بد..

أحمد منصور: كما هي هناك.

هاني البنا: كما هي هناك، يعني جزء من بما معنى أن الطفل الصغير في المدرسة يبدأ يعمل أعمالا مجتمعية يبدأ أن يرتبط بالبيئة يبدأ أن يرتبط بالخلائق اللي في البيئة يتمتع بهذه.. أصبح الطفل العربي والطفل الإسلامي دلوقت هو طفل روباتسي يعني كالرجل الآلي قاعد أمام الكمبيوتر والألعاب اللي بيعملها دي كلها ومنعزل تماما عن المجتمع فلا بد أن نشجع هذا الطفل على الحصول على درجات عليا إذا أصبحت مادة العمل الخيري والعمل الطوعي هي جزء من المنهج الدراسي وأتمنى أن أي دولة من الدول تبدأ بهذه المنظومة..

أحمد منصور: والمناهج دي موجودة قسم منها..

هاني البنا: المناهج موجودة، إحنا كنا وإحنا صغيرين في مصر في الخمسينات وفي الستينات كنا بنروح نعمل حصة تربية زراعية وحصة تربية منزلية كنا بنعمل مربى وبنعمل زبادي والحاجات دي وبنفس الوقت نروح نزرع بعض الأشجار إلى آخره، فالحاجات دي بتنمي في الطفل..

أحمد منصور (مقاطعا): تنظيف الشواطئ تنظيف الشوارع..

هاني البنا: تنظيف الشوارع..

أحمد منصور: الأحياء اللي بيعيش فيها الناس اللي بقيت مزابل كلها.

هاني البنا: بتكون خدمة مجتمعية بيئية بينمو شعور الطفل بانتمائه للمجتمع فنستطيع بنفس الوقت أننا ندربه وبعدين نحل بعض المشاكل المجتمعية وننشئ في داخله فكرة اللي هو ارتباطه بالمجتمع وانتماءه للوطن وتكوين القيادة الفكرية والمجتمعية داخل فؤاد هذا الطفل أو الطفلة منذ صغره، ما نستطيعش أننا نجيب الأطفال بعد ما أصبحوا رجالا في الجامعة ونبتدي نعلمهم، من الصعب تعليم الكبير لكن من السهل أن نضع هذه المنظومة من الصغر داخل أفئدة هؤلاء الأطفال.



تحويل العمل الخيري إلى تنمية مجتمعية

أحمد منصور: هناك نقطة مهمة أيضا في العمل الخيري وهي التنمية، أن العمل الخيري يقوم على تنمية المجتمع وليس فقط نقل المال من الغني إلى الفقير، ما هي الجهود التي بذلتموها في هذا الموضوع والأمثلة على ذلك؟

هاني البنا: أهم شيء في التنمية في أي دولة من الدول هو الاستقرار سياسي وجود استقرار سياسي واستقرار أمني، بدون استقرار سياسي واستقرار أمني يعني مثلا بعد الانتخابات في جمهورية الكونغو الديمقراطية حصل clashes، بدأت الحكومة في شبه استقرار سياسي لكن بدأت clashes ما بين المتحاربين، أنا أخشى أن يحدث هذا الأمر أيضا في بعض الدول الأخرى العربية والإسلامية بعد أن تنتخب يعني مثلا ما حدث في موريتانيا كان واضحا للعيان أنه أصبح عدم استقرار أمني إلى أن أصبح في استقرار أمني إلى آخره بعد الانتخابات. فأهم جزء من عناصر التنمية الاستقرار السياسي والاستقرار الأمني لأنه لا تنمية بدون استقرار أمني، يعني لو أخذنا المثل على غزة مثلا، غزة تحتاج يعني الكثير من الأكل الشرب الكذا لكن ما فيش استقرار أمني هناك فلا تستطيع أن تقوم بمشاريع التنمية، بقى لنا يمكن 10 سنوات في غزة أو 12 سنة في غزة منذ أن فتحت الإغاثة الإسلامية مكتبها هناك تعمل أعمالا إغاثية لم تستطع أن تنتقل هذه النقلة من الإغاثة إلى التنمية. في أماكن أخرى زي بنغلادش وزي باكستان بعض الأماكن في باكستان أو كشمير وزي يعني بعض الأماكن في السودان انتقلنا إلى التنمية، التنمية..

أحمد منصور (مقاطعا): طيب، إيه هي مشروعات التنمية التي تتم في تلك المجتمعات؟

هاني البنا: التنمية تدخل فيها مشاريع التعليم تدخل فيها مشاريع التنمية الأسرية، إحنا مثلا في البوسنة يعني في مشروع هناك يعتبر من مشاريع التنمية الإسلامية هو زي بنك الإقراض أو بنك التسليف اللي بدأ عمله..

أحمد منصور: المشروعات الصغيرة..

هاني البنا: الصغيرة اللي هي تطبيق..

أحمد منصور: يعني نفس مشروع بنغلادش.

هاني البنا: نفس الفكرة بس إحنا لا نأخذ ربحا عليه، نأخذ مصاريف إدارية 7% إلى 10% ونشترك في هذا مع كثير جدا من المؤسسات الإسلامية ببعض.. هذا أقام عائلات كثيرة جدا داخل كوسوفو وداخل البوسنة كذلك، أصبح اللي هو العائد.. مش العائد، السداد قيمة السداد 98% من القروض أو 97% من القروض، أعلى من قيمة استرداد البنوك نفسها، فلا بد أن نجعل هذه الثقافة موجودة في كافة المؤسسات العربية والإسلامية لكي تنقل هذه النقلة، ليه؟ لأن في استقرار جزء من الاستقرار الأمني داخل كوسوفو حاليا وداخل البوسنة وداخل.. ممكن أن..

أحمد منصور (مقاطعا): يعني النقطة المهمة الآن هي كيف أن تتحول الأسرة من أسرة متسولة أو تنتظر إلى أسرة..

هاني البنا: إلى أسرة منتجة..

أحمد منصور: إلى أسرة مانحة عن طريق منحهم بعض القروض التي تساعد على ذلك، إيه أمثلة المشروعات التي بتمنح؟

هاني البنا: في يعني إذا كانت.. تعتمد على بيئة ومناخ المجتمع نفسه يعني مثلا في البوسنة كان في بعض الفلاحين فكانوا بيحتاجوا أبقار وبعض الفلاحين احتاجوا ماعز وبعض الفلاحين احتاجوا خلايا للنحل وبعض الناس كانوا يعملون يعني مصانع صغيرة للألبان إلى آخره، في بنغلادش كان في مشروع اسمه مشروع الريكشا وكان في مشروع صيد السمك اللي هو الحصول على القوارب ثم الحصول على شباك صيد السمك وفي المناطق الزراعية اللي هو إعطاء الآلات زي الآلات الزراعية الـ tractors أو اللي هو الجرار الصغير بالنسبة اللي على حسب كمان قيمة القرض الذي سيعطى لمثل هذا الفقير لأن إحنا نريد أن نغني الفقير ونجعله من..

أحمد منصور (مقاطعا): وهؤلاء يحملون عبئا كبيرا عن الدولة بس الدولة تتركهم يشتغلوا.

هاني البنا: هو للأسف الدولة المعبأة بكافة المشاكل دي لا تنظر للفقير تنظر فقط وللأسف لكيف تستثمر أموالا لكي تأتي بعائد عال جدا أما هذه الفئات المهمشة داخل بنغلادش أو داخل الهند أو داخل بعض الدول الأخرى في أفريقيا زي..

أحمد منصور: حتى في مصر والسودان وكل الدول العربية كلها مستنقعات للفقر يعني.

هاني البنا: آه كل هذه الدول العربية كذلك يعني فيها كثير جدا، مستويات الفقر في بعض الدول العربية وصل حوالي 40% أو 50% يعني تحت حد الفقر اللي هو بتاع الدولار في الكسب اليومي الدولار للعائلة أو الأسرة فلذلك نحن نريد أن ننقل هذا الفكر لهؤلاء الناس، الصدقة ليست فقط إطعاما، لا بد أن نحول فكر المفهوم العملي الخيري من أنه مجرد أن يعطي صدقة رمضان لكي يطعم الفقير إلى أن يعطي صدقة رمضان لكي نقوم ببرنامج وهناك فرق كبير جدا بين عمل برنامج وعمل مشروع، المشروع قد تحده ستة أشهر أو سنة أما البرنامج فيخش في تنمية البيئة كلها في المجتمع لمدة سنة واثنتين وخمسة وعشرة، وهذا الذي سبقنا فيه الغرب أنهم برمجوا مشاريعهم وليس أقاموا مشاريعا فقط، هم خرجوا من الإغاثة إلى المشاريع إلى البرمجة لذلك هم يدخلون معهد الأمم المتحدة يأخذون أغلب أموال الأمم المتحدة اللي إحنا لا بد يكون لنا نصيب فيها والاتحاد الأوروبي كان له نصيب فيها للجاليات الإسلامية الموجودة في أوروبا من أن تأخذ هذا بحيث تحول مشاريعهم إلى برنامج، يقول لك مثلا أنا عايز.. ما هو برنامج التعليم؟ مش كيف تنشئ مدرسة؟ ما هو برنامجك في التصحر؟ مش كيف مثلا تحفر بئرا؟ ما هو برنامجك في محاربة المناخ؟ مش كيف تزرع شجرة فقط؟ زراعة الشجرة جزء من برنامج وليس هو البرنامج نفسه فهو يريد أن ينقل.. نحن نريد أن ننقل الفكر العربي والإسلامي -بفضل الله سبحانه وتعالى- إلى برمجة مشاريعنا على سنوات لأن إحنا لنا منظومة نتميز بها عن الآخرين في العالم كله سواء كان في السعودية أو في مصر أو في سوريا أو في لبنان أو في كافة الدول في قطر أو في الكويت إلى آخره وهذا الإبداع لا بد أن يطرح على مائدة العمل الخيري الإنساني الدولي لأن إحنا نكمل وندفع هذا العمل كي يتألق ولن يتألق العمل الدولي الإنساني دون وجود العرب والمسلمين.

أحمد منصور: باختصار كيف تنظر إلى مستقبل العمل الخيري الإسلامي في ظل الوضع الراهن؟

هاني البنا: أنا متفائل، يعني أنا أديك من تفاؤلي أنه مثلا كلما أذهب إلى دولة وترجعني بأرجع فيها ثاني، مرة رحت دولة من الدول فسجنوني يوما كده فوأنا كنت نائما في السجن -يعني أعزك الله- يعني كنت متيقنا أنني خارج ويقيني بالله هو الذي وقاني فخرجت ورحت نفس الدولة دي مرة واثنتين وثلاثة وأربعة وعملنا شغلا وبنجمع منها ملايين الدولارات، فلذلك أنا متفائل جدا جدا جدا أننا كعمل خيري وإسلامي قد نكون نتعثر الخطا الآن لكننا نمشي على الطريق الصحيح وسنصل وسيحتاجنا بل إن العالم يحتاجنا الآن لكي ندفع معه عجلة العمل الإنساني الخيري الدولي.

أحمد منصور: دكتور هاني البنا مؤسس المنتدى الإنساني أشكرك شكرا جزيلا، كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن متابعتكم وأعتذر عن ضيق الوقت وأعتذر مرة أخرى عن العطل الفني الذي أدى إلى تأخرنا في بث البرنامج. في الختام أنقل لكم تحيات فريقي البرنامج من القاهرة والدوحة وهذا أحمد منصور يحييكم بلا حدود من القاهرة والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.