- أبعاد مشكلة دارفور والعوامل المؤثرة فيها
- مخاطر الانقسام وخيارات السودان في مواجهتها
- تأثير الوضع السوداني على الأمن القومي العربي

 أحمد منصور 
 محمود ممداني
أحمد منصور: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أحييكم وأرحب بكم في حلقة جديدة من برنامج بلا حدود. في الوقت الذي تعتبر فيه قارة أفريقيا هي أغنى قارات العالم بالموارد الطبيعية والتنوع الجغرافي والبيئي والإنساني فإنها تعيش منذ قرون مأساة كبرى تتمثل في خضوعها وأهلها لابتزاز الدول الغربية ومطامعها حتى أصبحت أغنى قارات الدنيا هي أفقرها أو أكثرها فقرا ومرضا ومعاناة من الظلم والاستبداد، وما تخرج أفريقيا من استعمار إلا ويأتي أسوأ منه، ويشير المراقبون إلى أنها تعيش في هذه المرحلة أجواء استعمار جديد. وفي حلقة اليوم نحاول فهم بعض جوانب ما يدور في القارة الأفريقية لا سيما في غربها الذي يتماس مع العالم العربي، ونعرف تأثيرات ذلك على الأمن القومي العربي وذلك في حوار مع أحد أبرز خبراء القارة الأفريقية على مستوى العالم البروفسور محمود ممداني، ولد في أوغندا عام 1947، حصل على الليسانس في العلوم السياسية من جامعة بتسبرغ في الولايات المتحدة عام 1967 وعلى الماجستير في التنمية السياسية والاقتصادية من كلية فيلدشر للقانون والدبلوماسية عام 1968 وعلى ماجستير آخر من الكلية ذاتها في القانون والدبلوماسية عام 1969، ثم حصل على الدكتوراه في علم السياسة من جامعة هارفرد عام 1974. عمل محاضرا وأستاذا في جامعة هارفرد في الولايات المتحدة وماكريل في كامبالا ودار السلام في تنزانيا كما عمل أستاذا ومديرا لمركز الدراسات الأفريقية في مركز الدراسات الأفريقية في كيب تاون في جنوب أفريقيا ومديرا لمعهد الدراسات الأفريقية في جامعة كولومبيا في نيويورك، كما عمل أستاذا زائرا لدى جامعات أخرى كثيرة، ومنذ العام 1999 وحتى الآن يعمل أستاذا في أقسام علم الإنسان والعلوم السياسية ودراسات الشرق الأوسط وجنوب آسيا وأفريقيا في كلية العلاقات الدولية والعامة في جامعة كولومبيا في الولايات المتحدة الأميركية. قام بتأليف عشرة كتب ترجمت إلى كثير من لغات العالم كما شارك في تحرير كتب أخرى كثيرة، يحظى بمكانة علمية ودولية رائدة كأحد أبرز الخبراء بالقارة الأفريقية. بروفسور ممداني مرحبا بك.

محمود ممداني: شكرا جزيلا.

أبعاد مشكلة دارفور والعوامل المؤثرة فيها

أحمد منصور: أود أن أبدأ معك من السودان حيث آخر كتبك الذي صدر عن دارفور "المخلصون والناجون، دارفور وسياسات الحرب على الإرهاب"، هل مشكلة دارفور هي صناعة سودانية أم صناعة غربية؟

محمود ممداني: إنها الأمران معا، هناك مشكلة محلية وهي لها تاريخ بدأ في 1989 وخلفية الأمر تعود إلى جفاف مروع والجزء من الصحراء امتد على مدى أربعين عاما وبعث بالبدو في الشمال إلى الجنوب وفي ذهابهم إلى الجنوب فقد ذهبوا إلى أفضل الأراضي وهي عبارة عن سلسلة جبلية طولها سبعون كيلومترا وهناك بدأ صراع بين الفلاحين والمتنقلين البدو الرحل على هذه الأرض، وهو صراع أيضا فيه إسهام من مصادر أخرى لأنه في منتصف الثمانينات كان وقت كانت فيه تشاد والتي هي مجاورة لدارفور كانت موقع حرب أهلية وهذه الحرب الأهلية اندمجت مع الحرب الباردة والتي كانت فيها الولايات المتحدة وفرنسا وإسرائيل تدعم جانبا من جوانب هذه الحرب الأهلية في تشاد، وليبيا والاتحاد السوفياتي كانوا يمولون الجانب الآخر، وكانت هناك حكومة في إنجامينا ودخلت فيها المعارضة إلى دارفور وفي دارفور المعارضة مسلحة ومحتشدة ولها موارد ومن دارفور كانت تهاجم وخلال ذلك أصبحت دارفور منطقة معسكرة وهذا الأمر يشابه العلاقة بين رواندا والكونغو الشرقية، بعد الإبادة الجماعية في رواندا قوات المعارضة ذهبت إلى الحدود إلى الكونغو الشرقية وبذلك أصبحت الكونغو الشرقية مسلحة ومعسكرة، إذاً النقطة المهمة بشأن دارفور هي أنه في المرحلة الأولى من الصراع القوى الغربية كانت مشاركة في وقت قبل الحكومة المحلية ما أن تستلم السلطة والإعلام الغربي كان صامتا بشأن تدخل ومشاركة القوى الغربية. النقطة الثانية أعتقد هي أنها عندما الصراع أعيد بدؤه عام 1993 المسؤولية عن زيادة سوئه تقع على عاتق السودان والتي اختارت الحل العسكري والحل العسكري يؤدي إلى قتل وإبادة من 2003 إلى 2004.

أحمد منصور: هل كانت هناك حلول أخرى؟

محمود ممداني: في الحقيقة عام 2003 ربما يمكنك القول بأنه لم يكن هناك حلول أخرى ولكن بحلول 2004 إمكانية الحل السياسي تقدمت بوجود الاتحاد الأفريقي وقدومه إلى دارفور والاتحاد الأفريقي كان مقتنعا بأن هذا الصراع يجب أن يكون حله سياسيا وليس عسكريا والاتحاد الأفريقي دعم المحادثات الأخرى في أنجامينا وهذا أدى إلى انخفاض العنف من سبتمبر 2004 عما كان عليه آنذاك لكن ما منع إمكانية الحل السياسي كان لوبي قوي في الولايات المتحدة أي حركة أنقذوا دارفور والتي كانت عازمة -أي هذا اللوبي- على أن يزيد عدد الموتى وهذه الحركة استمرت بالقول بأن أربعمائة ألف أو يزيدون قتلوا في دارفور بينما مؤسسة الصحة العالمية كانت تقول بأن عدد الموتى هو قريب من سبعين ألفا، إذاً حركة أنقذوا دارفور كانت تقول إن كل الموتى قتلوا بينما منظمة الصحة العالمية كانت تقول 80% من الذين ماتوا كانوا أطفالا ماتوا بسبب الديزنطاريا والإسهال وهكذا والتصحر وإن عدد الذين قتلوا بسبب العنف كانوا تقريبا نسبتهم 25%، هذه الحركة كانت تقول إن الإسهال والديزنطاريا لو لم تكن الحرب قائمة هناك..

أحمد منصور (مقاطعا): لمصلحة من؟ حركة أنقذوا دارفور لمصلحة من كانت تعمل ولمصلحة من كانت تؤجج الحرب في دارفور؟

محمود ممداني: هذه الحركة حركة أنقذوا دارفور شملت عددا متنوعا من القوى أهمها كانت تلك التي أتت من رحم الحرب على الإرهاب وإن ذهبت إلى موقعهم على الإنترنت فإنك سوف ترى أن وصفهم للعنف في دارفور لم يتحدث عن القضايا ولم يتحدث عن الجفاف بل تحدث فقط عن أن العرب يقتلون الأفارقة فقط، هذه الحركة وجدت أساسا للعنف في دارفور يمكن أن يتحدثوا عنه بأنه عنف وقتل جماعي من العرب ضد الأفارقة وهكذا صوروهم كالنازيين الذين قتلوا اليهود وهذا كان في جوهر حملتهم الدعائية منذ عام 2005.

أحمد منصور: هذا النوع من الترويج الذي تبنته حركة أنقذوا داروفور التي قلت إنها جزء من منظومة ربما أساسها جورج بوش لما يسمى بالحرب على الإرهاب وقامت على أن العرب يقتلون الأفارقة في دارفور، إلى أي مدى لعبت هذه الصيغة تحديدا، العرب يقتلون الأفارقة في دارفور، في تصعيد قضية دارفور ووضع السودان في المأزق الذي هي فيه الآن؟

محمود ممداني: في الحقيقة لقد لعبت دورا مهما جدا بمنع الحل السياسي لهذا الصراع على مدى الخمسة أعوام الماضية أو الأعوام الأربعة الماضية منذ 2005 لأن مستوى العنف انخفض وقد انخفض إلى حد كان فيه المبعوث الخاص للأمم المتحدة أدادا في السودان قال في خطابه بأن دارفور لم تعد أمرا يعتبر طارئا وأيضا القائد الخارج لقوات اليونيميد النيجيري قال إن المشكلة الأساسية في دارفور الآن تتمثل في جماعات وعصابات قطاع الطرق وهذا ما يمنع اللاجئين في المخيمات من أن يعودوا إلى أوطانهم، إذاً فحجم المشكلة على الأرض هو أقل بكثير مما يصور في الإعلام والتصوير في الإعلام هو الذي أصبح المانع والعائق الأساسي لإيجاد حل لهذا الصراع.

أحمد منصور: هذا يدفع إلى سؤال مهم وهو أن كثيرا من الجرائم والمذابح والمجازر ارتكبت وترتكب في أفريقيا على مدى العقود الماضية لم يتحرك العالم بالشكل الذي تحرك به فيما يتعلق بدارفور، لماذا دارفور؟

محمود ممداني: أنت محق، العنف في دارفور ليس مختلفا عن العنف في أماكن أخرى في أفريقيا، عدد القتلى في دارفور حتى ولو قبلت أرقام أنقذوا دارفور بأربعمائة ألف ما زال هناك 10% من الأرقام عما هو في الكونغو لكن دارفور سميت إبادة جماعية وليس الكونغو وليس أنغولا وليس أي مكان آخر، هذا يرتبط بالسياسات داخل الولايات المتحدة وسياسة الحرب ضد الإرهاب في الولايات المتحدة عما هو متعلق بالتطورات على الأرض في دارفور. الأمر الإيجابي على كل حال هو أنه يبدو أننا نبتعد عن هذا بحلول إدارة أوباما، هناك صراع داخل الولايات المتحدة كبير ولكن مبعوث إدارة أوباما الجديد الجنرال سكوت غريتشن كان واضحا جدا بأن حركة أنقذوا دارفور كانت تسوقها الأيديولوجية وأن هذا العنف ليس إبادة جماعية وأن إسقاط لغة الإبادة الجماعية سيجعل من المستحيل الخوض في حل سياسي والتفاوض بشأنه.

أحمد منصور: معنى ذلك أن هذه الحركة كانت تدفع باتجاه العنصرية واتجاه الكراهية للعرب ووضع العرب في إطار أنهم إرهابيون حتى ليس فقط في فلسطين وإنما حتى في السودان؟

محمود ممداني: انظر دعني أوضح لك أمرا هنا، حركة أنقذوا دارفور كانت حركة كبيرة وهي الأكثر نجاحا كحركة حشد مدني في الولايات المتحدة فيما يتعلق بقضايا السياسة الخارجية منذ التحرك ضد النظام العنصري ولكن كانت مختلفة عن حركة الـ apartheid أو مواجهتها لأن هذه الحركة مناهضة الـ apartheid كانت سلمية ولكن حركة أنقذوا دارفور لم تكن سلمية، وإن سمعت إلى شعاراتهم فهي تتعلق بالخروج من العراق إلى دارفور ووجود العسكر على الأرض وهي تطالب بالحرب وتطالب بأن تضع الولايات المتحدة منطقة حظر للطيران في دارفور وأن يكون هناك المزيد من القوات لكي تدخل دارفور وأن القوات يسمح لها أن تطلق النار بدون أوامر من الخارج فقط باختيار منهم، إذاً فهي كانت حركة حرب. ثانيا، معظم الناس المشاركين في هذه الحركة كانوا أميركيين عاديين وبشكل أساس طلبة وهذا أمر مثير لأنها تحشد من المدارس الثانوية أكثر مما هم من الجامعات وهي تحشد الطلبة الشباب الذين لا يوجهون الكثير من الأسئلة وأيضا ليس لديها مصلحة بتفسير القضايا ولكنها تنظر إلى نجوم سينما مثل جورج كلوني وميا فارو وأناس معروفين جدا وهم من المشاهر يمكن للأطفال أن يتبعوهم كما يتبع الخروف الراعي وإذاً فهذا يشكل فرقا بين ما تدعو إليه الحركة وبين ما يجري حقا على الأرض.

أحمد منصور: كيف نفهم إذاً مشكلة دارفور في ظل هذه الصورة ربما التي تكون جديدة التي تقدمها إلى المشاهد العربي؟

محمود ممداني: في الحقيقة أعتقد أنه اليوم علينا أن نطرح مسألة دارفور في سياق كل السودان، السودان ليس مختلفا عن الدول الأفريقية الأخرى، من الخمسينيات فما بعد ذلك كان هناك ثورات في مناطق مختلفة ضد المركز وتطالب بالمشاركة في العمل السياسي، هذه الثورة بدأت في جنوب السودان ومن ثم انطلقت إلى الشرق ومن ثم إلى دارفور، والثورة والعنف هو جزء من الصورة والجزء الآخر من هذه الصورة هو أن العنف كان ناجحا في دفع الدولة لكي تتبنى الإصلاحات، الآن أي جانب سيكسب، الانقسام وهو نتيجة العنف أو الاستقرار نتيجة الإصلاحات من الدولة؟ المشكلة في الجنوب حيث كان هناك المزيد من العنف عما كان فيه في أي مكان في السودان ولوقت طويل كان قد تم حله من خلال الاتفاقية، دارفور لا يمكن حلها من خلال الاتفاقية بسبب استخدام لغة الإبادة الجماعية حسب رأيي، إلا أن السودان الآن أصبح كمنطقة غليان على وشك أن تنفجر لأنه يفترض أن يكون هناك انتخابات في مطلع العام القادم في مارس 2010 وفي يناير في 2011 يجب أن يكون هناك استفتاء في الجنوب إذاً فهي منطقة غليان، هل لها أن تستخدم وأن تتحمل كل هذه المهل؟ أعتقد أن إدارة أوباما الإدارة الأميركية أيقنت بأن مصلحتها ليست في مواجهة قضية دارفور والسؤال الحقيقي الآن هو الجنوب، إذاً يجب أن يكون هناك سياسة متكاملة لتحويل الاهتمام عن دارفور إلى الجنوب، أعتقد أن هذا في صالح الجميع ولكن المسألة هي أنه في الوقت القصير هل سنكون قادرين على أن نجد بدائل في الجنوب بدائل عن الاستقلال أو عدم التغيير؟

أحمد منصور: قبل أن أذهب إلى الجنوب مع هذه الصورة الرائعة التي ترسمها للمشهد السوداني أريد أن أسألك عن المخاطر الحقيقية التي تهدد السودان الآن من ناحية دارفور، ما هي مخاطر دارفور وما يحدث فيها على وحدة السودان؟

محمود ممداني: الخطر يتمثل في أن القوى المتناحرة ومستوى القتال قد انخفض، من الجانب الحكومي القوات ما زالت موجودة وداخل الحكومة هناك نزاع بين المتشددين واللينين والآن اللينون الذين يؤمنون بأن حلا سياسيا هو أمر ممكن يكسبون ولكن المتشددين ما زالوا هناك، في الحركة حركة التمرد هناك حركتان، الأولى تحظى بدعم أكبر على الأرض ولكنها ليست قوية عسكريا الأخرى تحظى بدعم أقل ولكنها عسكريا أقوى وهي تنتظر على الجانب، إذاً ما لم يكن هناك حل سياسي فإن هذا الوضع قد يتغير ويمكن أن يكون هناك مرة أخرى مواجهة عسكرية بين الطرفين، هذا الأمر قائم. ثانيا هناك مشكلة إقليمية، هناك مشكلة تشاد والسودان في دارفور خاصة وأيضا هناك قوى دولية هناك مشكلة فرنسا في تشاد، الفرنسيون عادة عملوا من خلال القيادة في تشاد والولايات المتحدة كانت تعمل من خلال هذه القيادة في حقبة ريغن إلا أن الولايات المتحدة لها مصالح كبيرة في تشاد وفي النفط التشادي وهي غارقة في النفط التشادي كما هي الصين في النفط السوداني، إذاً هذه المصالح قائمة لكن المصالح يمكن التفاوض بشأنها والأيديولوجيا لا يمكن التفاوض بشأنها إذاً عندما تنتقل وتبتعد عن الحديث عن الإبادة الجماعية إلى الحديث عن النفط يمكن أن تتفاوض بهذا الشأن.

أحمد منصور: حركة أنقذوا دارفور هل لا زالت بنفس القوة التي كانت فيها في عملية التأثير على الاتجاه العنصري ضد العرب وعلى عملية التقسيم وعلى إذكاء الحرب وإبعاد الحل السياسي أم أنها ضعفت الآن وأصبحت سياسة أوباما تساعد على إمكانية حل سياسي في المنطقة؟ أسمع منك الإجابة بعد فاصل قصير، نعود إليكم بعد فاصل قصير لمتابعة هذا الحوار مع البروفسور محمود ممداني أبرز خبراء العالم في أفريقيا في القضية الأفريقية فابقوا معنا.

[فاصل إعلاني]

مخاطر الانقسام وخيارات السودان في مواجهتها

أحمد منصور: أهلا بكم من جديد بلا حدود في هذه الحلقة التي نحاول فيها فهم ما يحدث في السودان وربما بعض مناطق أفريقيا في حوار مع الدكتور محمود ممداني أبرز خبراء العالم في القارة الأفريقية والأستاذ في جامعة كولومبيا في الولايات المتحدة. كان سؤالي لك حول حركة أنقذوا دارفور واستمرارية ضغطها، هل لا زالت بنفس القوة التي كانت تدفع بها الأحداث من قبل؟

محمود ممداني: كلا ليس الأمر كذلك، لا تمتلك نفس النفوذ أو القوة بشكل أساسي لأن سياسة الإدارة قد تحولت، ومبعوث أوباما الجديد الجنرال سكوت غريتشن كان متشككا وبشكل مفتوح بنوايا أنقذوا دارفور والمزيد من الأصوات الآن في أوساط المثقفين في الولايات المتحدة أشاروا إلى أن مزاعم أنقذوا دارفور بشأن الموتى أو القتلى هي أمر مضخم جدا ولا يعكس الواقع، إذاً هذه الحركة فقدت مصداقيتها وأيضا فقدت الكثير من تعبئتها وحشدها في المدارس والجامعات إذاً لم تعد بتلك القوة ولكن ما زالت قوية بما يكفي لتقوم بعمل حقيقي إذاً ما زال هناك صراع كبير بشأن أميركا ودارفور والسودان والسياسات المرتبطة بذلك وتأثير هذه الحركة واضح في الكونغرس وواضح في وزارة الخارجية.

أحمد منصور: هل تهدف هذه الحركة في النهاية إلى فصل دارفور عن السودان؟

محمود ممداني: من الصعب أن نجيب عن هذا السؤال ولكن أقول لك ما يلي، قبل عامين حركة أنقذوا دارفور نظمت مؤتمرا في جامعة كولومبيا التي أدرس فيها وعنوان المؤتمر كان هل هناك أربع مناطق أو أقاليم في السودان؟ ودعيت لأشارك وكنت مصدوما بأن العنوان أفصح عن أجندة تشير بوجود أربعة سودانات، وسألتهم إن عقدوا مؤتمرا في الولايات المتحدة بعد انتخابات عام 2000 هل كانوا سيعقدون مؤتمرا عن أميركيتين، أميركا الحمراء وأميركا الزرقاء وهكذا أو هل كانوا ليتحدثوا عن حلول سياسية للقضايا المطروحة على الطاولة؟ ولكن أعتقد أنه نعم -لكي أجيب عن سؤالك- إن هناك أصواتا قوية داخل هذه الحركة تود أن ترى سودانا مفككا مقسما.

أحمد منصور: هل معنى ذلك أن هناك مخططا لتقسيم السودان وفق منظور هذه الحركة إلى أربع دويلات؟

محمود ممداني: لا أعرف إن كان هناك خطة أو إن كان هناك خطة في بعض الأوساط والتي هي ليست حقا خطة لدى الجميع ولكن أقول إن هناك قوى تتواجه ورؤى تتواجه، أنقذوا دارفور هي إحدى القوى وتأثيرها في تناقص ولكنني لست متأكدا بأن إدارة أوباما تشاطرهم هذه الآراء قدما والطريقة الفضلى هي ليست ذلك، أعتقد أن إدارة أوباما قلقة بأن الجنوب المستقل قد يقود إلى نتائج غير متوقعة قد لا تستطيع الولايات المتحدة التعامل معها وقد يجعل المنطقة تنزلق في مستوى أكبر من عدم الاستقرار ولست متأكدا بأن الإدارة تظن بأن هذا هو النتاج الأفضل.

أحمد منصور: هذا ينقلني إلى الجنوب، هناك استفتاء في العام 2011 حول الجنوب ومدى استقلاله وهناك بعض الرؤى ترى أن هناك إمكانية كبيرة لكي يحصل الاستفتاء على نسبة نعم وليس نسبة لا، ما الذي يخطط لجنوب السودان؟

محمود ممداني: في الحقيقة أعتقد بأنه إن كان هناك استفتاء في يناير 2011 والسكان في الجنوب طلب منهم أن يختاروا وينتقوا بين البقاء جزءا من السودان كما هو الوضع الآن أو الاستقلال فإن الأغلبية العظمى ستصوت من أجل الاستقلال ولا شك لدي بذلك، لماذا؟ لأن عملية الإصلاح ما زالت ليست في حالة تقدم والسكان في الجنوب سيصوتون استنادا إلى تجربتهم الأساسية فيما يتعلق بالسودان الأساسي وليس فيما يتعلق بتطلعات أولئك الذين يأملون أن يصلحوا السودان ولذلك بوجهة نظري خيار ثالث يجب أن يطور ويجب أن يوضع وهو يعطي الإصلاح فرصة وهذا البديل الثالث يجعل منظمة القوة في السودان أكثر بألا تكون مركزية والبديل هذا يعطي القيادة السودانية في السودان المزيد من الوقت والمزيد من الأعوام وهذا الخيار الثالث يتطلب اتفاقية بين إدارة أوباما وصوت أفريقي قوي كصوت الاتحاد الأفريقي.

أحمد منصور: الخيار الثالث هذا لم يعد هناك وقت للخيار الثالث، عام واحد غير كاف لعمل أي شكل من أشكال التنمية، والدول العربية التي من المفترض أن أمن السودان هو أمنها أيضا لم تبادر بأي شيء في تنمية الجنوب، والإدارة الأميركية لا زالت رؤياها ضبابية إلى الآن، هل أوباما مهتم بأن يبقى السودان وإدارته مهتمة بأن يبقى السودان موحدا؟

محمود ممداني: مبعوث أوباما مهتم بذلك، الجنرال سكوت غريتشن ولد في الكونغو من أبوين مبشرين ويتحدث السواحلية بشكل بارع وقد تحدثت إليه باللغة السواحلية على مدى نصف ساعة ولديه فهم وتعاطف وجداني مع أفريقيا غير طبيعي من قبل شخص بهذه المكانة السياسية في الولايات المتحدة، إدارة أوباما ممتدة جهودها أكثر من اللازم ولا تستطيع تحمل صراع عسكري في أي جزء آخر من العالم فمشكلة عسكرية في السودان هي الأمر الأسوأ تفوق ما يجري الآن في أفغانستان والعراق إذاً فالأمر مفتوح لأشخاص مثل غريتشن لكي يعملوا قدما ورغم أن معظم الناس البارزين في إدارة أوباما أقوياء في حركة أنقذوا دارفور كوزيرة الخارجية وحتى أوباما نفسه كان أحد المتحدثين..

أحمد منصور (مقاطعا): هذا سؤالي..

محمود ممداني (متابعا): في حشد مؤتمر لهذه الحركة.

أحمد منصور: هذا سؤالي بروفسور، هناك إستراتيجية دولة وهناك رغبة رجل ورؤية رجل، هل يمكن لمبعوث أوباما وحده أن يغير سياسة الولايات المتحدة في وقت لا زال فيه أعضاء حركة أنقذوا السودان موجودين داخل الإدارة الأميركية؟

محمود ممداني: كلا، شخص لوحده لا يمكن أن يغير السياسة ولكن إن سألنا أنفسنا لماذا وجهة نظر أوباما يبدو أنها تغيرت؟ أعتقد أن الإجابة هي أنه قبل ثلاثة أعوام أوباما كان يتجاوب لحركة محلية قوية داخل الولايات المتحدة وهي حركة أنقذوا دارفور ولكنه الآن يرد على أصوات أميركية وليس يتجاوب مع هذه الحركة لأنه اليوم هو رئيس لكن قبل ثلاثة أعوام كان يعمل ويرد ويتجاوب كمرشح للانتخابات إذاً فالعوامل تغيرت.

أحمد منصور: في ظل تغير هذه العوامل وفي ظل العرض الأخير الذي قدمته إدارة أوباما للسودان قبل فترة وجيزة رأى البعض أنه هناك في تغيير ورآى آخرون أنه ليس فيه تغيير، لو سارت الأمور دون أن يتحرك أحد للحل الثالث الذي تتحدث عنه، ما مدى تأثير انفصال جنوب السودان على السودان نفسه على بنية السودان؟

محمود ممداني: انظر، أعتقد أن المبادرة الآن تكمن لدى الاتحاد الأفريقي لأنه بالأمس إمبكي ولجنته قدمت تقريرا للاتحاد الأفريقي والاتحاد الأفريقي قبل التقرير وجدد حياة هذه اللجنة وطلب من هذه اللجنة أن تقود مبادرة لكل السودان وخاصة فيما يرتبط بالجنوب، وأنا أعتقد أن الاتحاد الأفريقي الآن سيحاول أن يتحرك ربما بمباركة أميركية ليقدم بديلا للأمم المتحدة ليضع توقيفا لعمل المحكمة الجنائية وخطتها لتحاكم رئيس السودان وذلك من خلال التأجيل إلى أن تتم عملية الإصلاحات في السودان، هذا يعطينا عاما يمكن للاتحاد الأفريقي والقوى المختلفة في السودان وربما الولايات المتحدة أن تكون قادرة على أن تركز على عملية الإصلاح.

أحمد منصور: أنت قلت طرفا أفريقيا، هل الاتحاد الأفريقي أم أن هناك دولا أفريقية أيضا يمكن أن تلعب أدوارا فردية في التأثير مع إدارة أوباما وترتيب أوراق السودان؟

محمود ممداني: أعتقد أنه فيما يرتبط بالسودان الاتحاد الأفريقي هو شريك أفضل، الدول المجاورة هي أيضا مهمة ولكن أحيانا تتغول وتتورط لخدمة مصالحها الخاصة سواء كان ذلك تشاد أو أريتيريا أو أوغندا أو كينيا كلها لها مصالحها الخاصة وإثيوبيا لها مصلحة خاصة ولكن إثيوبيا حسبما أعتقد هي قلقة جدا باحتمال الانقسام في السودان وآثار ذلك على مصالحها الخاصة الداخلية، أوغندا وكينيا وبسبب القيادة السياسية الضعيفة فيما يتعلق بالرؤى يبدو أنها تتحرك حسب مصالحها قصيرة المدى إذاً فهما يريان مصالح اقتصادية من موارد نفطية لكن دون أن تكون هناك بنية مطورة، هم يعتقدون أنهم يمكن أن يكونوا وسطاء بين جنوب السودان وبقية العالم وخلال ذلك سيكسبون الكثير. أعتقد أن الاتحاد الافريقي طور فهما أكثر تماسكا في السودان عكس ما هو في الصومال، الاتحاد الأفريقي فشل في الصومال وهو..

تأثير الوضع السوداني على الأمن القومي العربي

أحمد منصور (مقاطعا): ليس وحده، كل القوى فشلت في الصومال. فيما يتعلق بالسودان فيما يتعلق بإمكانية التصويت في الاستفتاء للتقسيم، السودان هي امتداد إستراتيجي لمصر وكانت مصر والسودان إلى خمسين عاما مضت بلدا واحدا على مدى مئات أو آلاف السنين، ما تأثير ما يحدث في السودان تحديدا على مصر؟

محمود ممداني: في الحقيقة هذا سؤال تاريخي أنت أشرت إليه وقضية تاريخية وهي تتعلق بالحكم المشترك الإنجليزي المصري هو كان حكما من البريطانيين ولكنه كان حكما مشتركا بين مصر وبريطانيا..

أحمد منصور (مقاطعا): لا، لو رجعنا لآلاف السنين نجد أن موضوع مصر والسودان من أيام الفراعنة وليس نتاجا للنظام الذي وضعه البريطانيون.

محمود ممداني: نعم، نعم..

أحمد منصور: وعمق مصر الإستراتيجي، نعم السودان هي العمق الإستراتيجي لمصر، من هذا الباب إذا تعرضت السودان الآن للتقسيم إذا تطور موضوع دارفور إذا أصبحت أربع دويلات كما يخطط هؤلاء في الولايات المتحدة لها، ما تأثير هذا على العمق الإستراتيجي لمصر؟ والنيل هو منبع الحياة في مصر يأتي الجزء الرئيسي منه يمر في السودان.

محمود ممداني: نعم، نحن نعرف أن النيل يمر بالسودان ونعلم أيضا أن 80% من مياه النيل تذهب إلى مصر تأتي من المرتفعات الإثيوبية إلى المناطق في جنوب السودان ومن هناك إلى القاهرة. لا أحد يمكن له حقا أن يتنبأ بالآثار والتداعيات بشأن انقسام السودان إلى الكثير من الدويلات ولا أعتقد أن أي شخص بعقله السليم يريد أن يواجه وضعا كهذا إذاً فمصر بأي رؤية إستراتيجية لن تنظر إلى هذا المستقبل بأمل ولكنها سوف تتجهز للأسوأ، ماذا يعني ذلك؟ يعني ذلك أن مصر تطور علاقات مع حركة تحرير السودان في الجنوب وإن كانت هذه الحركة ستقود حكومة في الجنوب فإن مصر ينبغي أن تكون جاهزة لذلك بشكل أفضل، هذا هو التحضير الوحيد الذي أراه حقيقيا الآن وإلا فإن مصر ستضع وزنها مع الذين يريدون أن يبقوا السودان متماسكا.

أحمد منصور: أنا أبتسم لأني أسأل شخصية تعتبر مرجعية لكثير من زعماء العالم فيما يتعلق بأفريقيا وأنت عشت في هذه المنطقة وولدت بالقرب منها وبالتالي نحن لا نتحدث عن مائة عام قادمة، نحن نتحدث عن يناير 2011 يعني على الأبواب صرنا، الكل لا يتخيل أن يصبح السودان دولتين ولكن في يناير 2011 يمكن أن يصبح دولتين.

محمود ممداني: نعم هذا ممكن، ليس بالضرورة سوف يكون وأحيانا الطاقات السياسية تولد من رحم إدراك بالخطر الوشيك وأعتقد أن هذا حدث لإدارة أوباما، إدارة أوباما وفي وقت قصير من الزمن تحركت لتتطلع إلى بدائل عن جنوب مستقل، حركة تحرير السودان تدرك ذلك وبدأت الآن تتطلع إلى إيجاد وإلى الدول المجاورة التي تجاور الجنوب لدعم في استقلال محتمل، إثيوبيا أصبحت أكثر علوا في صوتها المعارض ضد سودان منقسم، إذاً أمامنا الآن فترة عام واحد وأنت محق بذلك ولكنه عام هناك إحساس متعال بالخطر والإمكانيات إذاً المزيد سوف يحدث أو قد يحدث في هذا العام ما قد يحدث في عقد من الزمن.

أحمد منصور: يعني ما هو تقييمك للعالم العربي الذي يقف متفرجا على أكبر دولة عربية وهي السودان واحدة من أكبر الدول، أكبر دولة عربية أو أكبر دولة أفريقية السودان وهي دولة عربية على وشك أن تنقسم، ربما تكون البداية إلى دولتين ولكن النهاية لا يعلم أحد إلى أين يمكن أن تصل، يعني كيف تنظر إلى العرب إلى الدول العربية إلى العالم العربي وموقفه مما يدور في السودان؟

محمود ممداني: العالم العربي ليس مختلفا عن العالم الأفريقي، هاتان منطقتان الأغنى بالموارد في العالم وهما منطقتان في العالم غارقتان في الأزمات، العالم العربي كان عنده موقف بشأن مشاكله الخاصة إذاً فهذا الأمر ليس مدهشا بأنه ليس لدى العالم العربي بدائل للمشاكل التي تسير إلى جانبه، والعالم الأفريقي أظهر ذات النقص والعجز في تقديم المبادرات والرؤية طويلة المدى، كلا هاتين المنطقتين العالم العربي والأفريقي تعانيان من أزمات سياسية عميقة.

أحمد منصور: في ظل هذا العجز العربي ما هي مسؤولية العالم العربي التاريخية والإستراتيجية تجاه السودان؟

محمود ممداني: في الحقيقة أعتقد أن العالم العربي عليه أن يدرك بأن السودان هو دولة أفريقية والسودان دولة أفريقية ولها تأثير تاريخي عريق فيما يتعلق بالثقافة واللغة العربية ولكن السودان يمكن أن يكون له مستقبل كدولة موحدة فقط إن كان هناك إدراك من أصدقاء السودان بأن السودان دولة أفريقية، الأفارقة من ناحيتهم عليهم أن يدركوا أيضا بأن أفريقيا ليست دولة أو أرضا واحدة متجانسة ولكنها مكونة من تأثيرات تاريخية متعددة وكلما توغلت شمالا كلما كان تأثير الثقافة العربية وثقافتها وحضارتها أكثر بروزا، وأن هؤلاء العرب أو معظم العرب الذين يعيشون في أفريقيا هو أفارقة أو الأفارقة عليهم أين يدركوا بأن هؤلاء الأفارقة هم عرب، يعتمد على أي منظار تنظر من خلاله.

أحمد منصور: أنا كنت سأتحدث معك حول أفريقيا ولكن أنا غرقت معك في دولة واحدة هي الأهم وهي الأكبر وهي الأكثر اهتماما من العرب وهي السودان فقط ولم نخرج منها طوال حلقة كاملة وهذا يستدعي أن تكون لنا حلقات حول أفريقيا، لا سيما في بعد مهم أنت أشرت له هو بعد الثروة والغنى الذي تتمتع به أفريقيا، والناس التنوع الإنساني الموجود في أفريقيا وآمل أن تكون هناك فرصة لهذا وأتمنى أيضا أن نكون أعطينا المشاهد بعدا جديدا فيما يتعلق بالصراع في السودان. لكن كيف تنظر في النهاية إلى مستقبل السودان في ظل هذا المشهد الموجود في دارفور وفي الجنوب وفي السودان نفسها وفي العالم العربي وفي أفريقيا من حولها؟

محمود ممداني: في نهاية الأمر إن كان هناك سودان واحد أو متعدد فإن شعب السودان عليه أن يدرك وسوف يدرك بأنه مهما كانت الترتيبات السياسية فليس لهم خيار إلا أن يكافحوا من أجل حقوق المواطنة ولا خيار سوى المكافحة من أجل حقوقهم الوطنية بغض النظر عن حدود هذه الدولة،إذاً فالكفاح من أجل الحرية والتحرر من الهيمنة الأجنبية والاستبداد سوف يستمر.

أحمد منصور: بروفسور محمود ممداني أستاذ الدراسات الأفريقية في جامعة كولومبيا في نيويورك بالولايات المتحدة الأميركية وأبرز الخبراء المتخصصين في القارة الأفريقية أشكرك شكرا جزيلا على ما تفضلت به، كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن متابعتكم، في الختام أنقل لكم تحيات فريق البرنامج وهذا أحمد منصور يحييكم بلا حدود والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.