- مظاهر الفساد ومؤشراته وعوامل استمراره
- دور الأنظمة والشعوب في تفشي الفساد
- أفضل السبل لمحاربة الفساد
- دور منظمة الشفافية وإمكانيات الشعوب في ملاحقة المفسدين

 أحمد منصور
 
هوجيت لابيل
أحمد منصور: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أحييكم وأرحب بكم في حلقة جديدة من برنامج بلا حدود. يصادف اليوم التاسع من ديسمبر ذكرى اليوم العالمي للحرب على الفساد، الفساد الذي عم وطم وأصبح يكلف البشرية الكثير لكن الملاحظ حسب تقارير منظمة الشفافية الدولية أكبر المنظمات مراقبة لمؤشرات الفساد لدى الحكومات والتي تتخذ من برلين مركزا لها وتنشر تقارير منتظمة عن الفساد والمفسدين في الأرض أن معظم الدول العربية تحتل مراتب متدنية في الحرب على الفساد، بل إن كثيرا منها تقنن الفساد وتضع التشريعات التي تساعد المفسدين على ممارسة الفساد تحت حماية القانون وإفساد القضاء والشرطة والبرلمانات. وفي حلقة اليوم وفي ذكرى اليوم العالمي للحرب على الفساد نحاور الدكتورة هوجيت لابيل رئيسة منظمة الشفافية الدولية حول الفساد والمفسدين ووسائل إعلان الحرب عليهم ومواجهتهم، حصلت أوجيت لابيل على درجة الدكتوراه في التربية من جامعة أوتاوا في كندا كما حصلت على 12 درجة علمية شرفية من جامعات كندية مختلفة، كما حصلت على عدة جوائز من جامعات كندية أخرى، عملت 19 عاما نائبة لعدد من الوزراء في كندا من بينهم وزير الخارجية ووزير النقل، تعمل حاليا مستشارة لجامعة أوتاوا علاوة على رئاستها لمنظمة الشفافية الدولية، عضو مجموعة المستشارين الخارجيين للبنك الدولي حول الحوكمة وإستراتيجية مكافحة الفساد ومستشارة لمنظمات دولية ووطنية عديدة. دكتورة هوجيت مرحبا بك.

هوجيت لابيل: شكرا لك.

مظاهر الفساد ومؤشراته وعوامل استمراره

أحمد منصور: هل يمكن أن تصفي لنا في البداية ما هي الدولة الفاسدة؟

هوجيت لابيل: الطريقة التي ننظر من خلالها إلى الدولة الفاسدة تشير إلى أن الدولة التي فيها كثير من الأموال ينبغي أن تذهب من أجل التنمية للناس تجد نفسها إما تذهب لأغراض شخصية تخدم (الخادم) أو في ملاذات آمنة مالية خارج البلاد ثانية لاستخدام شخصي من قبل القادة أو الذين اختلسوا هذه الأموال، هذه الدول عادة أكثر فقرا والناس ليس لهم سبيل للوصول إلى معلومات بما تفعله الحكومة وهناك غالبا الكثير من العنف يميز هذه البلاد لأن الفساد يذكي الفساد أو العنف يذكي الفساد والفساد يذكي العنف وحيث تكون هناك ملاذات مالية آمنة تجد فيها شراء للمخدرات وعمليات غير مشروعة، إذاً فالدول التي هي في ذيل نظامنا التصنيفي هي غالبا دول فيها صراعات حيث الحكومات في هذه الدول غائبة في بعض الأحيان ولا تقوم بأداء وظائفها.

أحمد منصور: ما مظاهر الفساد في هذه الدول الفاسدة؟

هوجيت لابيل: هناك نوعان من الفساد، على القمة هناك أموال تختلس من قبل القادة والموظفين رفيعي المستوى وهناك شركات أيضا تشتري من خلال الرشى عقودا وغالبا عقود كبيرة، هذا هو جانب. الجانب الآخر هو الفساد المتدني حيث يطلب رجل الشرطة رشوة حتى عندما لا تقوم بشيء خطأ وإن أردت رخصة لسياقة سيارة أو تملك سيارة أو أن تبدأ عملا تجاريا صغيرا عليك أن تدفع الأموال من تحت الطاولة أيضا هذا يتم في الجمارك لا يمكن أن تقوم بشيء إلا أن تدفع الرشى، من يدفعون هذه الرشى غالبا ليس لهم دخل حقيقي أو كاف وغالبا ما يدفعونه من الرشى يشكل نسبة كبيرة من دخولهم حتى يدفعون الرشى أحيانا لإبقاء أبنائهم في المدارس أو حتى للحصول على رعاية صحية.

أحمد منصور: هل هناك علاقة بين الفساد والاستبداد؟

هوجيت لابيل: كما تعلم هذا من الصعب أن نظهره أو نجسده، إن نظرت للحكومات في العالم التي تعمل على مستويات رفيعة عادة لديها شبكة نظام قضائي منفصل عن السلطة التنفيذية وهي مستقلة بمعنى آخر عن زعيم البلاد وهناك نظام مالي شفاف بالكامل حيث كل المداخيل والعائدات وتوزيع الميزانية العمومية ينشر للكل لكي يراه، وأيضا التوظيف وتسخير الأموال إن كنت تريد بناء جسر أو ما شابه فالعملية شفافة للغاية وأيضا كما نرى أن لديها منظمات إشرافية في برلماناتها وهي تقوم بوظائفها بشكل جيد ومواردها تسخر بشكل جيد وهي منفصلة ومستقلة عن النظام التنفيذي إذاً في ظل ظروف كهذه وعندما يكون لديك منظمات غير حكومة ومنظمات مجتمع مدني تعمل كنظام رقابي في البلاد وتساعد الناس على أن يحملوا الحكومات المسؤولية عندما تتوفر كل هذه الظروف في العادة ترى فسادا أقل لأنه عندما يكون هناك شفافية عادة هذا يحول دون حدوث فساد نوعا ما ويعزز النزاهة والاستقامة في البلاد في العادة.

أحمد منصور: حينما تفسد الدول من أين تفسد من أي يبدأ الفساد؟

هوجيت لابيل: في العادة تبدأ من الجشع الشخصي ويبدو أنه في بعض الأحيان الناس الذي يمتلكون الموارد لا يبدو أنهم يجدون سبيلا لوقف استملاك المزيد من الموارد، إذاً فالجشع عادة أمر قائم والسلطة كلما كان لديك أموال أكثر كلما زادت سلطتك غالبا وأحيانا الأحزاب السياسية تشعر أن عليها أن تشتري الأصوات فهي بذلك تحاول أن تقدم الأموال لنفسها بطرق متعددة لشراء الأصوات لتجد طريقة تساعدهم على أن ينتخبوا بطريقة غير ديمقراطية هذه أيضا بالإضافة إلى أن هناك أناسا مهتمون بزعزعة الاستقرار في البلاد وبذلك فإنهم يصلون إلى أموال غير مشروعة ويقومون بذلك بزعزعة الاستقرار في بعض البلاد والبلاد التي فيها أصلا نزاعات تعاني من هذا.

أحمد منصور: حينما تفسد الدول من رأسها ما هو الحل؟

هوجيت لابيل: كما تعلم الرأس مهم جدا لأنه هو مصدر القيادة، وإن كان زعيم لدولة أو زعيم في حكومة يظهر للنزاهة نزاهته وكرامته فهذا أمر مهم وهذا يخدم الناس ويخدم العامة وتسخر من خلال ذلك الموارد بشكل جيد. بالعودة إلى سؤالك إن كان هناك زعيم فاسد جدا في دولة فيها نظام مفتوح ويمكن للناس أن ينتخبوا الزعيم أو ينحوه تأمل أنه في الانتخابات القادمة هذا الزعيم أو هذا الحزب السياسي سيكون أمامه بديل وخيار جيد عن هذا الوضع، ونحن رأينا في الأعوام الأخيرة بأن الانتخابات تخسر أو تكسب استنادا إلى قضية الفساد، أي إن كان هناك حكومة فاسدة فالمعارضة التي تنتظر للدخول إلى الحيز السياسي غالبا تدفع وتقول نحن سنقوم بتنظيم الحكومة، المشكلة الوحيدة هي أنهم غالبا هذه الحكومات تأتي إلى حيز السلطة وتبدأ بشكل ملائم أو مناسب ولكن خلال ستة أو ثمانية أشهر يبدو أنهم ينسون التزاماتهم وتعهداتهم لأن هناك الكثير من الدفع المعاكس، فهناك مؤسسات وهناك فساد في داخل المؤسسات وهو قوي ومتين ولذا نقول إن المجتمعات المدنية في بلادنا مهمة، لأنني قيل لي من قبل عدد من الزعماء والقادة بأن الناس والمنظمات في بلادي تدفعني لأن أستمر بتقديم إجراءات لازمة لمكافحة الفساد لأنه من ناحية أخرى هناك الكثيرون يدفعونني لكي لا أقوم بأي شيء أو أن أتوقف إذاً فهناك عملية محاسبة ومراقبة ورصد كلها مهمة.

أحمد منصور: لاحظت أن مؤشر الفساد في منظماتكم لها عشر نقاط، ما هي النقاط التي تقيسون بها معدل الفساد في الأنظمة وفي الدول؟

هوجيت لابيل: إن كنت تتحدث عن تصورنا لمؤشر الفساد وهو أحد العمليات التي نقوم بها كالاستطلاعات هذا مؤشر مركب نستخدم استطلاعات رأي أو مسوح تجرى من قبل خبراء داخل بلد وخارجه وهناك رد على عدد من الأسئلة فيما يتعلق برؤيتهم للحكومة القائمة إن كانت فاسدة أم لا وعندها نستخدم كل هذه الاستطلاعات أو الاستفتاءات ونقوم بإجراء أو إعطاء التقييم من 1 إلى 10 والمجموع يكون 100 في العادة عندما تنظر إلى عملية التقريب الحسابي.

أحمد منصور: لاحظت في تقارير منظمتكم على مدى السنوات الماضية أن الدول العربية تحتل مراتب متدنية في الحرب على الفساد وبعض هذه الدول هي الأكثر فسادا في العالم، لماذا؟

هوجيت لابيل: الدول التي نراها في أسفل التصنيف اليوم هي دول فيها صراعات حقيقية كالصومال والسودان وأفغانستان والعراق فهي تجد أنفسها في القاع وإن عدت إلى النقطة وهي أنه عندما يكون هناك صراع في دولة ما فالحكومة غالبا تكون غائبة ولا تقوم بأداء وظائفها، هناك الكثير من الأموال تتدفق كمساعدات إنسانية ولإعادة البناء ولخوض الحرب فيما يتعلق بالتمويل بالسلاح والناس عادة يودون أن تقدم الأموال لهم بسرعة إذاً فقواعد الشفافية غالبا يتم تجنبها وتنحيها جابنا بالإضافة إلى أنه عندما تكون الحكومة غير مسيطرة على الوضع فهذا يعتبر وصفة لكي تخسر الكثير من الأموال وتضيع وقد رأينا هذا في أفغانستان في برنامج الغذاء مقابل النفط وقد خسرت الأموال وانتهى بها الأمر في ملاذات آمنة وفي جيوب الناس لأنه لم يكن هناك نظام إشرافي على طريقة تحويل هذه الأموال وإنفاقها.

أحمد منصور: هذه الدول الأكثر فسادا ولكن هناك دولا أيضا تتقدم في درجات الفساد ذهبت بعد المائة مثل مصر السعودية سوريا السودان الجزائر، هل هو فساد أنظمة حكم أم فساد مجتمعات في العالم العربي؟

هوجيت لابيل: أعتقد أنه عند النظر إلى أي دولة ما تجده غالبا هو مؤسسات حيث القضاء لا ينظر إليه كمستقل أو ممول بشكل جيد وهناك دول فيها لجان مكافحة الفساد وهذا أمر جيد ولكنها لا تعطى الاستقلالية للقيام بعملها ولا حتى يسخر لها الموظفون الكافون، وهناك أوضاع في دول لديها قوانين سليمة وتشريعات سليمة ولكن عندما يتعلق الأمر بتنفيذ هذه القوانين فهذا لا يتم، على سبيل المثال القضايا تبقى عالقة في المحاكم قبل النظر فيها وبنهاية الأمر يلقى بها خارج المحكمة لأنها قضايا طويلة جدا وتطول عليها المدة، إذاً عندما تنظر إلى الدول المتدنية غالبا ما ترى فيها هذه المظاهر، وهذه الدول تعتبر ضحايا للفساد وغالبا ترى فسادا بسيطا يتم أحيانا من قبل القضاة أو رجال الشرطة بقبول الرشى من أجل أن يحكموا بطريقة ما أو غيرها، إذاً فالضحية الأول يصبح ضحية ثانية لأنه يخسر عندما يظن أنه سيكسب في المحكمة، هذه بعض الأشياء التي تجري في هذه البلاد ونأخذها بالاعتبار في استفتاءاتنا.

دور الأنظمة والشعوب في تفشي الفساد

أحمد منصور: السودان ردت بغضب على تقريركم، الحكومة المصرية ردت بغضب على تقريركم وقال المتحدث باسم وزارة التنمية الإدارية في مصر إن المعلومات الواردة في تقاريركم معلومات غير دقيقة ولا يمكن القبول بها وشكك في صحتها.

هوجيت لابيل: كما تعلم إن الدول التي هي في مرتبة رفيعة ومتقدمة في الاستفتاءات تجد منهجنا جيدا والدول التي هي تحتل مركزا متدنيا -بعضها ليس كلها- تشكك وتقول إنها طريقة سيئة، ولكن نأمل من الدول التي أداؤها ليس جيدا بما يكفي بدلا من أن تنتقد التقرير تقول حسنا دعونا أن نستخدم هذا كمؤشر ودليل بأنه علينا أن ننظر في مؤسساتنا ونتفحصها وأن نرى إن كانت الأموال التي ننفقها على الرعاية الصحية تصل الناس لكي يتم تطعيمهم على سبيل المثال والأموال التي ننفقها على المدارس هل تصل حقا وتصب في النظام التعليمي بشكل جيد، ما نأمل من هذه الدول بدلا من انتقاد هذا التقرير أن يقولوا دعونا ننظر ونتفحص ما يجري في بلادنا ودعونا نشخص إن كان هناك مجالات يمكن لنا أن نحسنها، هل نحن نخبر الناس حقا ما يكفي لكي يعلموا؟

أحمد منصور: لكن هم يقولون، الناطق باسم وزارة التنمية الإدارية في مصر قال إن مؤشرات وزارته أثبتت أن المواطنين المصريين هم الذين يقومون بعرض الرشاوى على موظفي الحكومة وليس العكس، في النهاية الحكومة تتهم الشعب بأنه هو الشعب الفاسد وهو الذي يريد إفساد موظفي الحكومة.

هوجيت لابيل: بالطبع عندما تذهب إلى أي دولة فالأمر يتطلب أكثر من كينونة واحدة لكي يكون هناك نظام فساد، هناك وكالات وإدارات حكومية وزعماء ينتفعون من الفساد وأيضا يطالبون بالرشى ولكن من ناحية أخرى هناك أيضا أطراف من خارج البلاد تريد أن تبرم عقودا وتقدم الرشى، وهناك أيضا أناس داخل البلد ومن أجل أن يتقدم دورهم للحصول على رخصة أو خدمات معينة فهم أكثر من جاهزين لتقديم الرشوة، إذاً على المرء أن ينظر إلى كيفية إمكانية تغيير الوضع في الدولة حيث الناس اعتادوا على أن يتم رشوتهم لتقديم الخدمات وهل الخدمات قائمة حقا بحيث لا يجب على الناس أن يقدموا الرشى، وفي النظام التعليمي على سبيل المثال..

أحمد منصور (مقاطعا): ولكن في النهاية هل يمكن أن يكون الشعب هو الفاسد وليس الحكومة وأن يكون الشعب هو الذي يسعى لإفساد الحكومة وليس العكس؟

هوجيت لابيل: يمكن أن تنظر إلى أي دولة على سبيل المثال إن كان الناس يعرضون الرشوة والشرطة تقول لا أنا لا أتقبل الرشوة وإن شخصا عرض رشوة على هيئة الجمارك والجمارك تقول لا أو الموظف يقول لا لن أقبل الرشوة عندها بالطبع يتغير الوضع في هذه الدولة، إذاً على المرء حقا أن يعمل بشأن قضية الفساد من كل جوانبه وزواياه من جانب الحكومة ومن جانب الناس وأن يطلق حوارا صحيا في البلد ولهذا الإعلام كان يقوم بكثير من هذا العمل.

أحمد منصور: لكن الفساد في كثير من هذه الدول التي صنفتموها يدخل في إطار أنه أصبح مقننا أصبح له تعرفة محددة، إذا أردت أن تقضي هذه المصلحة تدفع مائة وإذا أردت هذه المصلحة تدفع مائتين، أصبح الفساد مقننا ومنظما ومحميا من قبل الأنظمة.

هوجيت لابيل: نعم، كما تعلم ثانية يمكن أن تكون الأوضاع هكذا والبعض يقول إنه في بعض الدول الحكومات ليست مهتمة بحل القضايا لأنها تشعر أنه يمكن لها بأن تستمر بعدم الدفع للمسؤولين الكبار، رأيت في بعض الدول الحكومات تقرر أن تدفع لقوات الشرطة رواتب جيدة جدا ولكن دون أن تدرب أو تقدم الحوافز والعقوبات في حالة الأخطاء وحتى لو دفع لهم رواتب جيدة فإنهم ما زالوا يقبلون الرشى ولكن الدفع الراتبي أمر جيد جدا ولكن إن أتت الأموال من الميزانية العمومية لتذهب إلى جيوب الأفراد فعندها لا يدفعون رواتب جيدة لطواقمهم، ولذا فإن الشفافية في الميزانية أمر مهم ودفع الرواتب للناس بشكل ملائم أيضا أمر مهم.

أحمد منصور: ما هي أكثر الأجهزة فسادا في الأنظمة؟

هوجيت لابيل: الأمر مختلف ولكن تلك التي نجدها على القمة عندما نستفتي الناس في البلاد، الشرطة تحتل مكانة مرتفة عالية في الفساد والأحزاب السياسية أيضا تحتل مرتبة عالية وأيضا النظام القضائي والجمارك، هذه تعتبر نوعا ما الأطراف التي تجدها على القمة بغض النظر عن أي بلد تطرح فيه السؤال.

أحمد منصور: في الوقت الذي تحتل فيه السودان والصومال والعراق وأفغانستان وهاييتي الأكثر فسادا بالنسبة لتصنيفكم نجد دولا مثل الدنمارك والسويد ونيوزيلاندا هي الأكثر شفافية والأكثر.. ما هي السلوكيات التي تجعل هذه الدول أكثر فسادا والسلوكيات التي تجعل هذه الدول أكثر نزاهة؟

هوجيت لابيل: دعنا ننظر إلى الدول التي تحتل القمة مثل نيوزيلاندا وفنلندا أو الخمسة الأوائل تجد أن هذه دول ناضجة فيما يتعلق بمؤسساتها الحكومية وقد قام نظامها القضائي بأداء واجبه بشكل جيد لفترة من الزمن وأيضا عندها شفافية متوفرة في نظامها المالي كله، الناس في البلاد يعرفون قدر المال الذي يضخ إلى الحكومة وإلى أين يذهب بعد ذلك إذاً يمكن تتبعه فلديهم أنظمة إشرافية مهمة جدا وحاسمة لتحديد المسؤوليات، إذاً فهنالك أساليب لكشف ما يجري لأن كل دولة فيها بعض الفساد وهم أيضا لديهم بعض الفساد ولكن هناك كشف مبكر يتم التعامل معه بشكل سريع وهناك عمليات وقاية واحتياطات فعلى سبيل المثال هم يبنون الأخلاقيات في المدارس لدى الأطفال وفي عقولهم وبعض هذه الدول الآن تهاجم بشكل أكبر قضية تمويل الأحزاب السياسية لأن هذا يمكن أن يكون جزءا من المشكلة بشكل كبير لأنه إن دفعت الكثير من الأموال لمرشح لكي ينتخب هذا عادة يستخدم بعض الأموال وأيضا الآن فنلندا على سبيل المثال..

أحمد منصور (مقاطعا): تجربة فنلندا في الحرب على الفساد تجربة مميزة جدا.

هوجيت لابيل: نعم هي كذلك، وهناك نماذج جيدة، كل دولنا عليها أن تقرر ما هو الأفضل لها ولكن هذه ليست فكرة سيئة بالنظر إلى تجربة دولة كفنلندا لنرى ماذا فعلت وكيف الناس ينظرون للحكومة هناك ولماذا ينظرون إلى الحكومة بهذا المنظار الإيجابي.

أحمد منصور: بعض الدول تسجل تراجعا مثل مصر، سوريا تتراجع عاما بعد عام وينتشر الفساد فيها وبعض الدول تشكل تقدما مثل قطر التي احتلت المكانة الأولى عربيا وأيضا عمان ألبانيا تركيا هذه الدول شكلت تقدما، ماذا فعلت هذه الدول حتى تزداد تقدما في حربها على الفساد وفي الشفافية، والدول الأخرى مثل مصر وسوريا التي تزداد فسادا وتنزل إلى الأسفل في المؤشر؟

هوجيت لابيل: في الحقيقة أعتقد أن الدول التي تنمو سواء كانت قطر أو عدد من الدول الأخرى في العالم ما نراه هو أن هذه الدول أصبحت منفتحة والشفافية فيها في تزايد وتربط نفسها بشكل متزايد في بقية العالم وتعيش في عالم معولم وتوفر فيها قدر كاف من الاستقرار يسمح للاستثمارات كي تتدفق إليها إذاً فهناك نمو متزايد ونمو يتم تقاسمه مع الناس من خلال برامج أفضل وتقديم مساعدات عادلة منصفة للناس عندما يفقدون وظائفهم أو يواجهون صعوبات مالية، إذاً فالانفتاح الكبير والشفافية الكبيرة وتقوية المؤسسات العاملة في الدولة والإتيان بمؤسسات جديدة أيضا أمور مهمة، على سبيل المثال في قطاع النفط والغاز تم تبني منهج مثير للاهتمام انبثق قبل بضعة أعوام اسمه الشفافية في مبادرة الصناعات الاستخراجية حيث الدول التي تعمل في الحكومة في الدولة والحكومة تتفقان على اتفاقية لنشر كل ما يعطى للحكومة كضرائب وحقوق استثمار وهكذا والحكومة أيضا تقوم بنشر هذه المعلومات بطريقة سهلة للناس وهذا الأمر يسهل وييسر ويوجد قدرا كبيرا من الشفافية في الأموال من أين تذهب ومن أين تأتي.

أحمد منصور: الحكومات التي تدرجونها في مراتب أكثر فسادا ويتدهور وضعها والفساد فيها عاما بعد عام وضربنا أمثلة بمصر وسوريا وغيرها يتهمونكم أنتم الشفافية الدولية بأنكم مغرضون ولكم أهداف خبيثة تريدون تشويه سمعة هذه الدول التي يحكمها النظفاء والشرفاء بينما أنتم تصرون على أن هذه الدول يحكمها المفسدون، أسمع منك الإجابة بعد فاصل قصير، نعود إليكم بعد فاصل قصير لمتابعة هذا الحوار مع هوجيت لابيل رئيسة منظمة الشفافية الدولية في ذكرى اليوم العالمي للحرب على الفساد فابقوا معنا.

[فاصل إعلاني]

أفضل السبل لمحاربة الفساد

أحمد منصور: أهلا بكم من جديد بلا حدود في ذكرى اليوم العالمي للحرب على الفساد التاسع من ديسمبر كل عام، ضيفتنا هوجيت لابيل رئيسة منظمة الشفافية الدولية أكبر المنظمات العالمية في متابعة الفاسدين والدول الفاسدة والمفسدين في الأرض وإصدار تقارير دولية تفضح فسادهم. كان سؤالي لك عن اتهام هذه الدول التي تتهمونها بالفساد بأنها يحكمها النظفاء والشرفاء بينما أنتم تسعون لتلويث سمعة هؤلاء ولأغراض خاصة بكم.

هوجيت لابيل: أعتقد أن هذه الدول عليها أن تفهم أنه عندما ننشر استفتاء فهو ليس قرارا من منظمة الشفافية الدولية بشأن هذه الدولة ولكن الاستفتاء يطرح على الناس الذين هم إما يعملون على الناس كالاقتصاديين والعاملين في قطاع الأعمال والناس داخل البلد لكي يكون هذا الاستفتاء يعكس آراء هؤلاء الناس داخل البلد ومن يعملون داخل البلد وهذا ينعكس في استفتاءاتنا ومسوحنا إذاً على هؤلاء أن يسألوا أنفسهم سؤالا وهو لماذا الناس في بلادنا والعاملون في بلادنا يصنفوننا بهذه الطريقة؟ ولماذا يتصورون دولتهم بأن فيها مشاكل أو أنها معرضة للفساد في بعض القطاعات؟ أعتقد أن هذا سيخدمهم ويقدم لهم إجابة أفضل بدلا من أن يقولوا إن منظمة الشفافية الدولية لا تقوم بالنظر إلينا بطريقة سليمة، هذا ليس انعكاسا لما ننظر نحن إليهم ولكن ما ينظر الناس في الداخل إليهم.

أحمد منصور: إذا أرادت أي دولة من هذه الدول الغارقة في الفساد وفي مستنقعات الفساد ويحكمها فاسدون أن تغير نهجها وأن تتجه نحو الشفافية وأن تغير حتى درجتها من 147 أو 120 أو 180 من بين 180 دولة لتصبح أكثر تقدما مثل دول مثل قطر مثل تركيا مثل ألبانيا مثل عمان ماذا يفعل هؤلاء؟ ما هي الأجهزة التي يجب أن يصلحوها حتى يحققوا تقدما؟

هوجيت لابيل: سؤال وجيه جدا، أعتقد أن الأمر الأول الذي ينبغي للدولة أن تفعله هو أن تقرر إن كانت تعرف موقع المشكلة أم لا في بلدها، هل تكمن المشكلة في قوات الشرطة أو في النظام القضائي أو الجمارك..

أحمد منصور: حينما يكون كل هذا من الرأس إلى القدمين كله فاسد.

هوجيت لابيل: بكل تأكيد عندها إن كان الأمر من الأسفل إلى الأعلى فهناك أمران..

أحمد منصور (مقاطعا): لا، الفساد يكون من الأعلى وليس من الأسفل، يبدأ من الأعلى من الرأس.

هوجيت لابيل: هناك مجالان مهمان جدا للتنظيف، أولا النظام القضائي أي القضاة والشرطة لأنه إن لم ينجح هذا الجهاز فلا يشعر الناس بالأمن والثاني هو الشفافية في النظام المالي، هل هذا ناجح؟ هل عليهم أن يصلحوا نظام العائدات بما فيها الجمارك والميزانية العمومية وأيضا طرق توزيع المال؟ وعندما ينجح الأمران هذان بشكل أفضل فأنت بالفعل تكون قد خلقت تغييرا كبيرا في الدولة ولكن أيضا عليهم أن يشركوا شعوبهم لأنه إن فعلت هذا وراء الأبواب المغلقة فالناس لن يعرفوا بأنك جدي بشأن إصلاح المشكلة وسوف يستمرون بعرض الرشى على الشرطة وسوف يستمرون بعرض الرشى على القضاة، إذاً فالقيادة يجب أن تكون قوية، إذا نظرت إلى ليبيريا على سبيل المثال الرئيس الحالي إيلين سيرليف جونسون تحاول أن تقوم بهذا الأمر بطريقة رائعة وهي تواجه الناس كل يوم وتحاول أن تقوم بهذه الأمور بشكل جيد، ودول أخرى في العالم أيضا قررت أنها تريد أن تغير التيار وتوجهه وهذا ممكن.

أحمد منصور: إذاً الإصلاح يكون من الرأس من الأعلى.

هوجيت لابيل: نعم.

أحمد منصور: وإذا كان الرأس فاسدا؟

هوجيت لابيل: هذا يعتبر أمرا خطيرا، إن كان الرأس فاسدا وليس له مصلحة واهتمام بإصلاح الأوضاع فإنه سيكون من الصعب جدا للناس وخاصة في المجتمع ذو التعليم المتدني ولا يصل الناس فيه إلى المعلومات أو حتى ليس هناك معلومات تقدم وليس هناك نظام منفتح يمكن للناس أن يصوتوا على أساس منتظم ليحددوا من سيقودهم عندها هذا الأمر قد يستغرق وقتا طويلا.

أحمد منصور: هم يفسدون النظام الانتخابي فيضمنون وصول برلمانات مزيفة، يفسدون النظام القضائي فيضمنون عدم تعريضهم للمحاكمات، يأتون بجهاز شرطة فاسد ليحمي فسادهم أيضا، في ظل هذه المنظومة الثلاثية كيف يمكن للشعوب أن تدفع باتجاه الحرب على الفساد؟

هوجيت لابيل: بالنسبة لي هناك وجهان لهذه المسألة هذا الوضع صعب للغاية وللأسف هو قائم في عدد من الدول، يمكن أن تحصل على دعم من الخارج ومن الناس.

أحمد منصور: كيف؟

هوجيت لابيل: في الحقيقة غالبا هذه الدول تتلقى مساعدات تنموية من البنك الدولي ومن بنوك إقليمية ومن مانحين ثنائيين وهؤلاء المانحون عليهم مسؤولية أيضا وإن كانوا يريدون أن يستخدموا رؤوس أموال من مناطقهم عليهم أن يضمنوا أنهم عندما يقدمون المساعدة أن يجلسوا مع هؤلاء القادة والمسؤولين ويقولوا هذه هي الشروط ولن نكون قادرين على مساعدتكم ما لم تقوموا بهذه الإصلاحات وسنساعدكم على القيام بالإصلاحات وهذا يعتبر منهجا واحدا، المنهج الآخر هو أنه عندما يكون هناك في بلد ما على الأقل قدر من الانفتاح يسمح بوجود منظمات مجتمع مدني يمكن لها أن تقدم عروضا للحكومة وتعمل مع الأجهزة الإعلامية لتضمن أن هناك حوارا انطلق في البلد وضغوط على القمة، إذاً عندما يأتي الأمر من القاع افتراضا أن الشروط مناسبة ومن الخارج بمرور الوقت سيكون هناك تغيير لا محالة.

أحمد منصور: جيد أنك ذكرت المساعدات الخارجية وأنت مستشار للبنك الدولي، البنك الدولي يعلم أن هذه أنظمة فاسدة ويدعمها، الولايات المتحدة تعلم أنها أنظمة فاسدة وتدعمها من أجل مصالحهم، البنك الدولي يدعم الفاسدين والدول الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة تدعم الفاسدين والأنظمة الفاسدة لأنها تريد هذه الأنظمة خدما لمصالحها وليس لمصالح شعوبها.

هوجيت لابيل: في الحقيقة يأمل المرء أن حقبة الحرب الباردة وقد انتهت فما من شك أنه غالبا المانحون بمن فيهم البنك الدولي يجدون أنفسهم على سبيل المثال هناك دولة على سبيل المثال في وقت الانتخابات هناك حكومة جديدة تقول سنكافح الفساد إذاً هنا يأتي دور المانحين وهم يريدون تقديم المساعدة والعون وفجأة كما قلت سابقا لا يتغير شيء.

أحمد منصور: المانحون ليسوا شرفاء، المانحون يعملون من أجل مصالحهم وربما يتقاسمون الأموال مع المفسدين الذين يدعمونهم، المؤسسات المالية الدولية أيضا هي مؤسسات فاسدة تدعم أنظمة فاسدة والشعوب هي التي تدفع الثمن.

هوجيت لابيل: من حيث كمنظمة الشفافية الدولية نحن نقول للمانحين عليكم أن تضمنوا بأنه إن كنتم تريدون أن تقدموا موارد لحكومة ما عليكم أن تكونوا قادرين على العمل مع الحكومة لتغيير الأوضاع وإلا فإنه من الأفضل لكم أن تسحبوا هذه الموارد ولكن دون معاقبة الناس لأن هذا مكمن المعضلة، إن كان المجتمع الدولي سيخرج فإن القيادة لن تغير طريقتها في العمل والناس يموتون بشكل أكبر لأنه لا يتوفر لهم الغذاء والرعاية الصحية وهكذا، إذاً نحن نقول للمانحين حاولوا أن تجدوا طرقا مختلفة لتقديم الدعم للناس فيما يتعلق بالخدمات الأساسية وإن شعرتم أنه عندما تقدمون الأموال للزعماء فهي تذهب إلى الجيوب بدلا من أن تذهب إلى سعادة الناس في هذه البلاد فهذا أمر مهم.

أحمد منصور: هل المشكلة في الدول الفاسدة هي مشكلة التشريعات أم مشكلة التطبيقات أم مشكلة الشعوب الغافلة أم مشكلة الحكام الفاسدين، أين المشكلة في هذه المنظومة الفاسدة؟

هوجيت لابيل: في الحقيقة هناك الكثير من المشاكل للأسف، ولكن هناك دولا يكون فيها قلة أو عدد قليل من التشريعات ولكن هناك دول لديها تشريعات قائمة ونظام رقابي ولكن ليس لديها الناس لينفذوها أو أنهم يعتقدون أنهم عندما يسنون قانونا ما وتشريعا بأن عملهم قد انتهى وبذلك لا يقومون بتسخير الموارد والطاقة لتطوير النظام لينفذها أو أنهم لا يعطون موارد كافية للأنظمة الرقابية لتقوم بعملها فهناك أوراق ولكن ليس لديك نتائج، إذاً غالبا نحن نقول يجب أن تدفع من أجل عملية التنفيذ والتطبيق في هذه القوانين وعندما لا يكون هناك قوانين قائمة عليك أن تنظر لترى إن شعرت أنك بحاجة إلى دعم فهناك الكثير من الناس في العالم مستعدون لكي يشاطروكم بتجاربهم وأيضا يساعدوا.

دور منظمة الشفافية وإمكانيات الشعوب في ملاحقة المفسدين

أحمد منصور: ما الذي يمكن أنتم كأكبر منظمة للشفافية في العالم تقاريركم الحكومات تخشاها وتقف عندها، ما الذي يمكن أن تقدموه للشعوب ومنظمات المجتمع المدني التي تحارب في الدول الأكثر فسادا لا سيما في الدول العربية؟

هوجيت لابيل: عدد من الأمور، أولا علي أن أقول إننا أيضا نجهز من خلال الأدوات لمساعدة الحكومات لتنظر لذاتها، على سبيل المثال هناك نظام النزاهة الوطني يسمح للدولة بأن تنظر إلى كل ما عندها وأن تحدد أين المشاكل إذاً نحن لا نقوم بإجراء مسح أو استفتاء ولكن نحاول أن نقدم المساعدة من خلال تقديم الأدوات ونقوم بالأمر ذاته مع القطاع الخاص فقد قمنا بعمل كبير مع قادة القطاع الخاص الذين لا يريدون أي فساد بأي نسبة كانت وأن نطور معهم الأدوات لمكافحة الرشى ولكي أيضا نساعدهم على أن تتوقف الطواقم العاملة عن تلقي الرشى، هنا أجد الأمور التي نفعلها ويمكن لها أن تساعد ولكن هناك أيضا مواثيق في أكثر من تسعين دولة في العالم أو فروع لنا ونحاول أن نساعدها في الدول التي تعمل فيها للعمل مع منظمات المجتمع المدني وللعمل مع الحكومة المحلية لمساعدتها، غالبا ليس الحكومة الوطنية ولكن الحكومة المحلية أيضا تكون فاسدة وتبقي الأموال بدلا من أن تقدمها كخدمات للناس، إذاً بعض فروعنا على سبيل المثال طورت نظاما رقابيا اجتماعيا يساعد الناس محليا على أن يقوموا بعملية جرد ورقابة وتدقيق بإن كانوا يتلقون الخدمات أم لا وذلك أمر يناقش مع الحكومة المحلية نقول لها نحن نقدم أو أنتم تقولون أنكم تقدمون هذه الخدمة ولكنها غير متوفرة فالواقع يعكس غير ذلك، إذاً فنحن نحاول دعم الناس ونساعد المؤسسات التعليمية أيضا للعمل مع الناس وأن تساعدهم، إذاً فهناك الكثر من الطرق التي نحاول من خلالها أن نغير الأوضاع وهذا أمر صعب للغاية.

أحمد منصور: في تقريركم السنوي للعام 2008 قلتم إن الفساد يعتبر كارثة إنسانية وأنت في تصريح لك قلت إن الفساد يمكن أن يكون مسألة حياة أو موت لكثير من الشعوب.

هوجيت لابيل: نعم وهو كذلك، إن كنت في حالة تجد اللقاحات تلوث والمضادات الحيوية تستبدل بالماء والمدرس لا يدفع له راتبه فهو بالتالي لا يأتي للمدرسة وهكذا يتدهور النظام التعليمي وإن كان هناك عنف وهناك تجار مخدرات وأموال تأتي من الفساد الذي يقومون به يحكمون منطقة ما فالناس في هذا المكان وفي هذا الظرف يموتون وإن كانت الخدمات غير متاحة للنساء عندما يلدن الأطفال لأن الأموال تذهب إلى مكان آخر بدلا من أن تضخ في قطاع الصحة النسائية فالناس يموتون إذاً فهي كارثة إنسانية بأسوأ الأصناف وأسوأ الصفات.

أحمد منصور: تحدثت عن الملاذات الآمنة وهناك في الدول العربية الحكام الفاسدون ومن حولهم معروف أنهم يحولون مليارات الدولارات إلى ملاذات آمنة في أوروبا وفي غيرها، أنتم كمنظمة شفافية دولية سعيتم لمقاضاة ثلاثة من القادة الأفارقة بتهمة الاحتيال بعد تقرير لمنظمتكم يفيد أن كل من رئيس الكونغو رئيس غينيا الاستوائية رئيس الغابون يقومون بإنفاق أموال وشراء منازل فارهة في فرنسا ومحكمة الاستئناف الفرنسية أوقفت القضية في 29 أكتوبر الماضي، ما الذي يمكن فعله أمام هؤلاء الحكام الفاسدين ومن حولهم الذين يمصون خيرات شعوبنا ويضعونها في ملاذات آمنة تساعدهم الدول الغربية في ذلك؟

هوجيت لابيل: ما من شك بأن هذا الأمر يجري في العالم، نفهم نحن أن هناك ترليونات من الدولارات من الأموال غير المشروعة والأموال التي تغسل تتحرك في العالم في كل ثانية من الوقت، هناك كميات كبيرة منها وإن نظرت إلى قمة العشرين منذ بدأت تصبح مجموعة من الدول تعمل معا فلقد قامت بتحديد التخلص من هذه الملاذات الآمنة وجعل المراكز المالية الأخرى لأن الأمر ليس متعلقا بالملاذات الآمنة لأن المال يجد نفسه في آخر الأمر في بنك كبير في لندن أو في نيويورك أو في مكان آخر في العالم وهذا يسمح بشراء ممتلكات أو ما شابه، إذاً أعتقد أنه إن قمت بإغلاق هذه الملاذات المالية الآمنة وجعلتها تتوقف عن قبول المال من أي إنسان كان وبكميات كبيرة بالإضافة إلى الاتفاق حتى ولو من خلال تشريع أن تتعاون عندما تكون هناك عملية تحقيق لأن هذا يسمح للمحققين أن يروا الأموال وأن يتتبعوها إلى منشئها ونأمل أن يكونوا قادرين بعد ذلك أن يأمروا ويقدموا البيانات للمحاكم لكي تعاد الأموال إلى شعوب هذه الدول ولكن الأمر يتطلب تعاونا دوليا ويتطلب من كل هذه الحكومات أن تعمل معا لتضمن أن بنوكها الخاصة تتعاون وبشكل تام عندما تكون هناك عملية تحقيق وأن السرية بشأن هذه المراكز لن تعود قائمة لأنه طالما هناك يوجد مكان آمن يمكن للناس أن يخبئوا الأموال فيه بأمان فهنا خطر بأنهم سيستمرون بضخ هذه الأموال إلى هذه الأماكن.

أحمد منصور: هل يمكن لشعوبنا التي تنهب ثرواتها، ينهبها الحكام الفاسدون ويحولونها، هل يمكن لهذه الشعوب أو منظمات المجتمع المدني أو غيرها أن تلاحق حكامنا الفاسدين وتطالب بإعادة هذه الأموال إلى الشعوب؟

هوجيت لابيل: في الحقيقة يأمل المرء إن كان في دولة ما هناك نظام قضائي مستقل تأمل من الناس الذين يريدون أن يقدموا قضايا دعوية جماعية أن يقدموا قضيتهم أمام المحكمة وأن يوفروا المعلومات الكافية لإطلاق عملية تحقيق بهذه المزاعم من قبل قضاة مستقلين عن النظام التنفيذي، في وضع مثالي كهذا تقول نعم هذه هي الطريقة الفضلى لحل هذه المشكلة وطالما أن الزعيم لا يحظى بحصانة أو الوزراء لا يحظون بحصانة ولا البرلمانيين أيضا وطالما أنهم عاملون بدون حصانة عندها يمكن التعامل مع هؤلاء الأشخاص، اليوم بعض المخاوف..

أحمد منصور (مقاطعا): هؤلاء ليس الوزراء أو الرؤساء عندهم حصانة، العسكر والحراس على أبوابهم لديهم حصانة.

هوجيت لابيل: نعم، بالضبط، بالضبط وهذا يعتبر مشكلة كبيرة، بالإضافة إلى ذلك عندما يكون هناك أشخاص يحاولون أن يقدموا هذه القضايا أمام المحكمة فإنهم يزج بهم في السجن أو يتم تهديدهم، إذاً لهذا هذا الأمر خطير جدا وصعب للغاية، وكمجتمع دولي يمكن أن نعمل معا من خلال معاهدة الأمم المتحدة لمكافحة الفساد للضغط على الدول لكي تقدم المشاريع والقوانين والأنظمة القضائية للتعامل مع هذه المسألة وهذا أيضا يخلق ضغطا عالميا على هذه الأنظمة الفاسدة لكي تبدأ بالتغير لأنه إن توفر ضغط كاف على سبيل المثال بعض الناس الذين زج بهم في السجن في دول لأنهم قدموا قضايا أو دعاوى ضد قادتهم كان هناك حشد لضغوط دولية وتم إطلاق الناس من السجن خلال بضعة أيام ولو لم يكن هناك حشد وتعبئة للضغوط من منظمات دولية وهكذا لكان الناس هؤلاء في السجن ولزج بهم في السجن.

أحمد منصور: لا نريد أن نبرئ المجتمعات ولكن حين يتحول الفساد إلى أسلوب حياة في كثير من المجتمعات العربية من أين يمكن أن يبدأ الناس إذا هناك رغبة الآن أو إذا هناك مسؤولية على الشعب على منظمات المجتمع المدني على منظمات الشفافية التي بدأت تنتشر في بعض الدول وهناك ثماني منظمات شفافية في مصر تحاول أن تواجه الحكومة في قضية الفساد، من أين يبدأ الناس حتى يتغير المجتمع من مجتمع فاسد يمارس الفساد كأسلوب حياة إلى مجتمع يبدأ في مواجهة الفساد؟

هوجيت لابيل: مرة ثانية دعني أقدم لك بعض الأمثلة لما قامت به بعض هذه المنظمات، أولا أن تكون هناك معلومات وأن يكون هناك سبيل لوضع تشريعات تجعل الناس يصلون إلى المعلومات بشكل سهل وعندها يقدم الناس قضايا ودعاوى لأن نقص المعلومات يزيد من حدة هذه المشكلة، هذه المؤسسة يمكن أن تشكل ائتلافات وتحالفات لتكون أقوى من أن يكون الأمر مرتبطا بأشخاص أو منظمات فردية، إن توحدوا وقدموا دعاوى ومطالبات بناءة وجذرية استنادا إلى البيانات ستكون أكثر نجاحا عندها وأيضا إن يتعاونوا مع النظام الإعلامي ووسائل الإعلام والذي نأمل أن يكون مستقلا ومهنيا على الأقل في بعض هذه الدول رأينا كيف قامت هذه المؤسسات بتقديم معلومات للإعلام والإعلام كان قادرا على تقديم هذه المعلومات للناس، إذاً هذه بعض الطرق ولكن هناك المزيد منها بالطبع.

أحمد منصور: في الختام أخبريني كيف تنظرين إلى مستقبل الحرب على الفساد؟

هوجيت لابيل: أنا متفائلة بطبعي وأشعر أنه مدمر بحيث لا يمكن لنا أن نستسلم وهناك ما يكفي من الناس في العالم اليوم الذين ينظرون إلى هذه المشكلة بأنها خطيرة، لا تفتح صحيفة بأي مكان ولا تستمع إلى الأخبار على التلفزيون في أي مكان في أي يوم دون أن تسمع عن قضايا فساد ودون أن تسمع إلى نقاشات بهذه المسألة، على الأقل حقيقة أننا نتحدث عن هذه المسألة اليوم تعتبر جزءا من الحل بحد ذاتها وحقيقة أيضا أننا نقوم بكشف حالات فاسدة أيضا يعتبر جزءا من الحل، ولدينا عدد من الدول أعطت لنفسها أو قدمت لنفسها وأنشأت قيادة جيدة ومؤسسات سليمة وهذا جعل الناس يشعرون أكثر ارتياحا من حيث حقوقهم في هذه البلاد.

أحمد منصور: دكتورة هوجيت لابيل رئيسة منظمة الشفافية الدولية أشكرك شكرا جزيلا على ما تفضلت به ونأمل أن يكون اليوم العالمي للفساد في العام القادم أفضل حالا مما هو عليه هذا العام، شكرا جزيلا لكم. كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن متابعتكم، في الختام أنقل لكم تحيات فريق البرنامج وهذا أحمد منصور يحييكم بلا حدود والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.