- حقيقة الأزمة وأسبابها
- موقف الغرب وسبل مواجهة الأزمة

أحمد منصور 
 
جون زيغلر
أحمد منصور: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أحييكم على الهواء مباشرة من جنيف في سويسرا وأرحب بكم في حلقة جديدة من برنامج بلا حدود. تجتاح العالم موجة كبيرة من الغلاء ونقص الغذاء وفي الوقت الذي يتهم فيه الغربيون الهنود والصينيين بأنهم السبب حيث أنهم بدؤوا في شرب الحليب وأكل وجبتين في اليوم بدلا من وجبة واحدة فإن آخرين ومنهم غربيون يرون أن الأزمة مفتعلة من قبل الدول الكبرى لامتصاص مزيد من الأموال والخيرات من الدول الفقيرة. وهذا ما سوف نحاول التعرف عليه مع ضيف حلقة اليوم الذي يوصف بأنه من أكثر الخبراء في العالم دراية بأزمة الغذاء والجوع والفقر التي تجتاح العالم، البروفسور جون زيجلر مفوض الأمم المتحدة الخاص بالغذاء وعضو المجلس الاستشاري للجنة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة وأستاذ علم الاجتماع في جامعة السوربون وباريس في جنيف. ولد في مدينة برن السويسرية عام 1934، درس القانون وعلم الاجتماع والاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة برن وباريس وكولومبيا في نيويورك في الولايات المتحدة وحصل على درجتي الدكتوراه الأولى في القانون والثانية في علم الاجتماع، وعمل أستاذا في جامعات باريس والسوربون وجنيف وبرنوبل، حصل على وسام فارس من فرنسا في القانون والآداب والوسام الذهبي من إيطاليا والدكتوراه الفخرية من جامعة مون في بلجيكا. كان نائبا في البرلمان السويسري حتى العام 1999 وشغل منصب المفوض السامي لبرنامج الأمم المتحدة للحق في الغذاء حتى أيام قليلة مضت، وقد أثارت تقاريره حفيظة الولايات المتحدة وإسرائيل حيث طالبت الأولى بإقالته والأخرى بعقابه. يتحدث ويكتب باللغة الفرنسية والألمانية والإنجليزية والإسبانية والبرتغالية، صدر له كثير من الكتب التي أثارت زوابع في أوروبا ودول العالم المختلفة، منها "أسياد الجريمة"، "المافيا الجديدة"، "ضد الديمقراطية"، "الجوع كما أرويه لابني"، "حق الغذاء"، "حكام العالم الجدد"، "العولمة"، "النهابون"، "المرتزقة الفجّر"، أما آخر كتبه التي نشرت فهو "إمبراطورية العار"، ويكتب الآن كتاب جديدا ربما يفصح لنا عن تفاصيله سيخرج بعد أيام إلى الأسواق، مرحبا بك دكتور زيجلر.

جون زيجلر: شكرا جزيلا.

حقيقة الأزمة وأسبابها

أحمد منصور: هل أزمة نقص الغذاء والغلاء التي تجتاح العالم هي أزمة مفتعلة أم حقيقية؟

جون زيجلر: كلا، إنها كارثة، إنها ليست أزمة، إنها كارثة. في الحقيقة هناك كارثتان، الانفجار في أسعار الغذاء للمواد الأساسية مثل القمح والأرز والذرة  لأن 70% من سكان العالم يأكلون إما الذرة أو القمح أو الأرز وهذه أسعارها شهدت انفجارا، تضاعفت إلى مرتين أو ثلاث مرات، بإمكاننا أن نعطي أرقاما لاحقا منذ شهر يناير، لكن الكارثة الثانية التي اليوم تقف وتعرض مئات من الملايين تأتي في أعقاب الكارثة الأولى التي ما زالت مستمرة. الكارثة الأولى التي تسمى بالفقر المهيكل، في العام الماضي من خلال الإحصائيات الرسمية كل خمس ثواني مات طفل تحت سن العاشرة من الجوع ومائة ألف ماتو.. عفوا ماتوا كل يوم، و854 شخصا، واحد من ستة من سكان العالم يعانون من نقص التغذية، هذا الفقر المهيكل ومذبحة الفقر تستمر يوميا. واستنادا على هذا الفقر المهيكل تأتي الكارثة الثانية علاوة على ذلك وهي كارثة نجمت عن الانفجار الهائل في أسعار المواد الغذائية، 2,2 مليار شخص في العالم يعيشون على حافة الوجود الحد الأدنى مما يحتاجون لوجودهم، 2,2 مليار شخص هؤلاء لا يمتلكون الموارد ليشتروا الأرز، مثلا سعر طن الأرز تضاعف منذ يناير 2007، الآن يفوق الألف دولار، كان 447 دولارا في العام الماضي، في نفس الوقت من العام الماضي، إذاً أسعار القمح كذلك زادت بنسبة 84% نسبة الزيادة  منذ ستة أشهر عن أسعارها قبل ستة أشهر، الذرة أيضا تضاعف حوالي ثلاث مرات، لا أريد أن أطيل في الكلام ولكن بإمكاني أن أضيف أن هذا الانفجار في أسعار المواد الغذائية في العالم ما نسميه في المصطلحات البيروقراطية التي تستخدمها الأمم المتحدة، تسميها إنها من دون إضافة في أسعار النقل أو المواصلات والتي تضيف على السعر، مثلا في السنغال أو النيجر وهي بلدان أفريقية سواحلية فقيرة جدا عليهم أن يستوردوا 80%، السنغال على سبيل المثال تستورد 80% من غذائها لإدامة الحياة لسكانها، معظمهم من الأرز والأرز يأتي من كمبوديا وتايلاند وهذا الأرز يبقى في السفن شهرا ونصف في البحر حتى يصل، فبالإضافة إلى الأسعار التي تشهد انفجارا هائل عليك أن تضيف إلى ذلك سعر البترول، وهكذا فالكارثة تحل. البنك الدولي يقول على الأقل مائة ألف شخص سوف يضافون إلى إحصائيات الفقر والعوز، ومائة ألف شخص إضافة إلى الضحايا الذين من الآن موجودة مئات الآلاف في جنوب آسيا جنوب شرق وفي مرتفعات أميركا اللاتينية أو في أفريقيا الوسطى، سيموتون إضافة وعلاوة على الضحايا الذين أرقامهم تتجاوز مئات الآلاف، إذاً الكارثة التي نعيشها، الكارثة الثانية منذ يناير من العام الحالي منذ ثمانية أشهر شيء لم يحدث من قبل وهو حقيقة يضع أمام الأسرة الدولية أسئلة دراماتيكية، هل من الممكن في كوكب مثل كوكبنا تقارير منظمة الصحة العالمية الفاو التي لا يشك فيها أحد تقول إن الزراعة في العالم كما هي عليه الآن يمكن أن يغذي، يقدم ألفين ومائتي سعرة يوميا لـ 12 مليار شخص ونحن حوالي نصف ذلك العدد، إذاً حتى الآن لا توجد حالات وفاة ولا يوجد قانون موضوعي ممكن أن يفسر هذه الكارثة، الطفل الذي يموت ونحن نتحدث الآن بسبب الجوع هو طفل يموت اغتيالا.

أحمد منصور: الصورة المرعبة التي رسمتها، طفل يموت كل خمس ثواني من الجوع، في الوقت الذي العالم متخم فيه من الغذاء، تقول إن ما ينتج من الغذاء يكفي لـ 12 مليار إنسان أي ضعف عدد سكان العالم الآن، معنى ذلك أن هذه الأزمة هي أزمة مفتعلة، هذه الكارثة مفتعلة، هذه جريمة ضد الإنسانية كما وصفتها؟

جون زيجلر: نعم ، أنت محق تماما في قولك ولا أستطيع أن أضيف شيئا إلى ما قلته، إنها بالفعل جريمة ضد الإنسانية وإضافة إلى الكارثة المزدوجة من صنع البشر بسبب النظام السائد في العالم، النظام العالمي، ربما نبالغ إذا قلنا لكن الرأسمالية المعولمة وهي نظام قاتل ويتسبب بقتل الناس لأنه يقتل الكثير من الناس فعلا، وأيضا لأنه يقتل من دون ضرورة من دون حاجة، كانت هناك أوقات في حيات البشرية عندما كان الجوع سببا للوفاة، حتى في سويسرا ونحن جالسون في جنيف هنا وهي بلد غني اليوم، قبل 150 عاما بعض أسلافي اضطروا لترك قراهم ليذهبوا إلى أميركا الشمالية وأميركا الجنوبية لأنه لم يكن هناك غذاء كاف هنا لكن هذا انتهى، والتكنولوجيا والتقدم الصناعي وزيادة الإنتاجية في العالم تقدمت بشكل هائل واليوم الجوع يمكن، وأكرر هنا قولي، أن يزال ويجتث لو أن النظام الاقتصادي العالمي يضمن.. نظام توزيع جديد يضمن للكل الحصول على الغذاء إما بالشراء أو من خلال الإنتاج بحيث يكون هناك طعام كاف للجميع يوميا، لكن هذا ليس هو واقع الحال.

أحمد منصور: من خلال خبرتك بقضية الغذاء من الذي يدير أمر غذاء العالم في ظل هذا الوضع، غذاء يكفي لـ 12 مليار إنسان في الوقت الذي نصف الكرة الأرضية نصف عدد السكان يتضورون جوعا أو يعيشون تحت خط الفقر، من الذي يدير أمر الغذاء؟

أميركا أحرقت 138 مليون طن من الذرة لإنتاج الإيثانول، فملء خزان للوقود يسع خمسين لترا من الإيثانول يحتاج إلى 358 كيلوغراما من الذرة، وهذه الكمية يمكن أن يعيش عليها طفل في بلد مثل المكسيك يعتمد على الذرة كمادة رئيسية في الغذاء
جون زيجلر:
إذاً هذا سؤال مهم للغاية، لماذا الارتفاع في الأسعار من أين يأتي هذا ومن هو المسؤول؟ هناك ثلاث محاججات، الكل متفق على ذلك، أنا لا أريد أن أنتقدك ولكن أصحح فقط، الحكومة الأميركية تقول الأزمة في الأسعار بسبب عادات الاستهلاك الغذائي الجديدة في الصين والهند لأنها بلدان كبيرة فيها أكثر من مليار نسمة، لديهم طبقة وسطى جديدة بدأت تأكل بشكل مختلف تستهلك من الطعام ما هو أكثر الآن وجبات طعام أكثر من قبل، هذه ليست حجة خاطئة لكنها حجة ثانوية، هذا صحيح، إن التقدم الاقتصادي في الهند والصين أفرز طبقة جديدة، هذا صحيح وصحيح أيضا أن محصول القمح في العالم في الموسم الطبيعي هو بحدود ملياري طن وفي عام إنتاجه الطبيعي خمسمائة مليون طن أو ربع هذا يذهب لتغذية كعلف للحيوانات كالأبقار وغيرها، إذاً لو أن المزيد من اللحوم تستهلك في بكين وفي نيودلهي من الطبيعي أن الجزء من القمح الذي يحول كعلف للحيوانات سيتسبب في نقص لكن هذه حجة ثانوية وليست رئيسية. الديزل والإيثانول المستخدم كوقود حيوي وثانيا المضاربات وثالثا هذه البرامج التي تقوم بها المؤسسات مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، سأحاول بسرعة وفي عجالة أن أشرح لكم، البايوإيثانول أو الوقود الحيوي والولايات المتحدة المنتجة الأكبر في العالم قبل البرازيل والوقود الحيوي المستخدم للديزل، أميركا أحرقت 138 مليون طن من الذرة لإنتاج هذا الإيثانول فإذا عندك سيارة تسير بالوقود الحيوي على البايوإيثانول والكثير بدؤوا يشترون هذه السيارات والتي لا تعمل بالبنزين، وإذا لديك خزان للوقود فيه خمسين لترا من الإيثانول فتحتاج 358 كيلو غراما لتملأ خزان وقود من 50 ليترا وهذه الكمية من الذرة ممكن أن يعيش عليها طفل في بلد مثل المكسيك يعتمد على الذرة كمادة رئيسية في الغذاء، كل مرة أنت تملأ فيها خزان وقود سيارتك التي تعمل بالوقود الحيوي هذا يعني أنك استهلكت طعام طفل لعام كامل، الولايات المتحدة تستهلك المئات من الأطنان لإنتاج هذا الوقود. أنا لا أحب الرئيس بوش نهائيا، ليس بسبب سياسته في فلسطين والعراق أو، أعتقد أنه لا يحبني أيضا، هو لا يعلم إن كنت موجودا في هذه الحياة أم لا، لكن أقول بكل نزاهة إن محاججات الرئيس بوش ليست كلها تفتقر إلى المنطق، ما قاله في رسالة.. خطاب حالة الاتحاد، هو قدم محاججتين من أجل الدفاع عن قضية حرق المواد لإنتاج الوقود الحيوي، أولا قال لكي نضمن قدرتنا الحركية ولكي نكافح ضد التغيرات المناخية علينا أن نعوض السيارات بدلا من أن تعمل على البنزين نستبدلها بسيارات تعمل بالإيثانول الحيوي أو الديزل الحيوي وأيضا هذا له علاقة بالعمل للتخلص من آثار التغيرات المناخية، ثانيا يقول إن ثلثي البترول الذي نستخدمه نستورده من الخارج، خارج الولايات المتحدة، وهي بشكل رئيسي من مناطق غير آمنة علينا أن نرسل قوات لاحتلالها وما إلى ذلك، إذاً علينا أن نتخلص من هذه الاعتمادية، لذا خرج بمعادلة مثيرة للإعجاب، قال إن خليج المكسيك يجب أن يصبح الخليج الفارسي من دون إرهاب. بإمكانك أن تفهم هاتين المحاججتين، عندما نتحدث عن الاستهلاك اليومي للبترول الذي هو 86 مليون برميل يوميا، الولايات المتحدة تأخذ ربع أو ثلث الكمية إذاً اعتماديتها اعتمادية الولايات المتحدة واعتمادها على مصادر خارجية عليهم أن يدفعوا الميارات لإسرائيل لتصبح شرطيا في المنطقة وليضمنوا من خلال ذلك أن هذا الإدمان على البترول يتدفق البترول إليه بشكل سهل وسلس، المحاججة الثانية للرئيس بوش هي أيضا معقولة أيضا، ليست من المحاججات التي تفتقر إلى المنطق..

أحمد منصور (مقاطعا): ولكن..

جون زيجلر (مقاطعا): لو سمحتم لي أن أضيف شيئا هنا، لكن هناك حق فوق كل الحقوق والاعتبارات السياسية الأخرى وهو حق الحياة، حق الطعام والغذاء، وإذا ما أحرقت مئات الآلاف من طعام البشر لتنقله ليصبح إلى إيثانول ووقود حيوي إذاً أنت مسؤول عن موت مئات الآلاف بل ملايين البشر وهذا غير مقبول.

أحمد منصور: وكالة رويترز نشرت تقريرا في الأول من أغسطس الجاري تساءلت فيه إن كانت وجبات الأميركيين هي التي تقف وارء أزمة الغذاء العالمية وأشارت إلى الحميات الهائلة من الطعام التي يأكلها الأميركيون في وجباتهم، ونقلت عن أحد مطاعم البرغر وصفه لوجبته بقوله إنه مثال للانغماس في اللذات، بينما وصفت سلسلة مطاعم أخرى شطيرتها بقولها إنها جبل من المذاق الذي يسيل اللعاب، هذا في الوقت الذي تشير فيه التقارير وأنت أكدت أن هناك طفل يموت تحت عشر سنوات كل خمس ثوان من الجوع، هل الولايات المتحدة لها دور في أزمة الغذاء التي يعيشها العالم؟

جون زيجلر: نعم، بالتأكيد، أنت محق في القول، الولايات المتحدة ليس العالم الغربي الصناعي فقط لكن من خلال الترويج للوقود الحيوي هذا الكاربوهيدرات كبديل عن البترول، نعم،  الهيدروكربونات، المترجم يساعدني شكرا له، الهيدروكربونات، الاتحاد الأوروبي يعمل الشيء نفسه الذي يفعله الأميركيون، هناك قرار جديد صدر في الربيع عن الاتحاد الأوروبي يقول إن في العام 2020 بعد 12 عاما من الآن في البلدان السبعة والعشرين الأعضاء في الاتحاد الأوروبي ، 10% على الاقل من كل.. 20% يجب أن يأتي من الوقود الحيوي وليس من الوقود العادي العضوي هذا يعني أن الاقتصاد الأوروبي لا يستطيع التحمل أو إنتاج هذا داخل منظومة الاتحاد والذي فيه أكثر من 420 مليون شخصا في الـ 27 بلدا، إذاً الفلاح الأفريقي عليه أن يتحمل عبء ذلك، عليه أن يزرع القمح والذرة وغير ذلك والذي يتم بعد ذلك تحويله إلى بدائل عن مصادر الطاقة النباتية والعضوية، هذا يعني أن كارثة ثالثة ستحل علينا وستضرب القارات الأفقر في العالم، إذاً المفوضية الأوروبية في بروكسل تفتقر إلى المسؤولية تماما في هذا. قد يكون هذا نوع من المضاربات ونحن قلنا السبب الثاني للأزمة هو المضاربات، تعلمون أن في نوفمبر 2007 كان هناك انهيار كبير في الأسواق المالية وبإمكان المرء أن يقول إن آلاف المليارات من الدولارات تدمرت أو ذهبت نتيجة هذه الأزمة، فمنذ بداية شهر يناير المضاربون، كبار المضاربين تحركوا أو تركوا سوق الأسهم في نيويورك إلى سوق البضائع في شيكاغو الذي هو أقدم سوق أسهم للمواد الزراعية والمواد الخام للزراعة ومليارات الدولارات تم استثمارها فيما يسمى، في مضاربات، على سبيل المثال آخذ مثلا من سويسرا لأننا في جنيف، إذا ما فتحت أي صحيفة يومية سترى أن الـ(يو. بي. إس) وهو أكبر بنك موجود في سويسرا ربما في العالم يعلن الإجازات والترخيصات عن الأرز والقمح والذرة والإعلانات تقول استثمر في الأرز واستثمر في القمح وفي الذرة وما إلى ذلك وسوف تحصل على 35% من الأرباح الصافية في ستة أشهر، وهذا حدث بين يناير إلى يونيو/ حزيران، وقد تحدثنا قبل قليل حسب تعريف البنك الدولي لأزمة الأسعار فالأسعار تضاعفت في عام واحد والأرز كما تعلمون إن أكبر جزء من الإنسانية تعتمد على الأرز في غذائها اليومي وعندما يتضاعف سعر الأرز فهذا يعني.. وأونكتات المنظمة الأخرى وهي الخاصة بتحديد الأسعار والتعريفات تقول إنه على الأقل 37% من زيادة أسعار الذرة بسبب المضاربات، إذاً من جهة لديك، عليك أن تحظر نهائيا مسألة استخراج الوقود الحيوي وحرق الغذاء، هذا يجب أن يحظر، ثانيا عليك أن تنهي المضاربات وأن تحظر وتحرم التعاملات المستقبلية فيما يخص المواد الغذائية الأساسية وأيضا أقول وهي المواد الأساسية الثلاثة التي ذكرتها والتي هي القمح والأرز والذرة التي تشكل 70% من غذاء البشر، وإذا ما قمنا بهذه الخطوات ربما أسعار الطعام ستهبط على الأقل بنسبة الثلث وملايين الناس ستكون لديهم الفرصة ليعيشوا. هناك محاججة ثالثة ولكنني لا أريد أن أخوض فيها الآن.

أحمد منصور: يعني لا أترك ضيفا يتكلم بهذا القدر ولكن كل كلمة تقولها، لا أريد أن أقاطعك، كل كلمة تقولها معلومة مهمة أن يفهمها المشاهد وأن يفهم أبعاد ما يحدث من خلال خبرتك الطويلة في هذا الموضوع. المستشارة أنجيلا ميركل اتهمت الهنود بأنهم بدلا من، ثلاثمائة مليون هندي كانوا يأكلون وجبة واحدة أصبحوا الآن يأكلون وجبتين فهم الذين تسببوا في الأزمة، وأيضا قالت لو أن هناك مائة مليون صيني تناولوا الحليب كل يوم فإن هذا سيضر بمنتجات الحليب الأوروبية التي فرض عليها حظر، يعني هكذا الغرب ينظر إلى مصالحه وإلى طعامه وينظر إلى الآخرين في طعامهم ومصالحهم، في ظل هذه الصورة القاتمة المرعبة المخيفة للحصول على الاحتياجات الأساسية من الغذاء، القمح والأرز والذرة، كيف تستطيع الدول التي تعاني من هذه الأشياء ومعظمها دول العالم الثالث من حل أزماتها؟ واسمح لي أسمع منك الإجابة بعد فاصل قصير، نعود إليكم بعد فاصل قصيرة لمتابعة هذا الحوار مع الدكتور جون زيجلر عضو هيئة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان والمفوض السابق للحق في الغذاء في الأمم المتحدة فابقوا معنا.



[فاصل إعلاني]

موقف الغرب وسبل مواجهة الأزمة

أحمد منصور: أهلا بكم من جديد، بلا حدود من جنيف في سويسرا حيث يتحدث إلينا الدكتور جون زيجلر مفوض الأمم المتحدة السابق للحق في الغذاء والعضو الحالي في المجلس الإستشاري للأمم المتحدة لحقوق الإنسان. كان سؤالي لك حول ما ذكرته المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل أن الهنود هم السبب لأن ثلاثمائة مليون هندي بدؤوا يأكلون وجبتين في اليوم وكانوا يأكلون وجبة واحدة من قبل، وأيضا كيف يمكن للدول التي تعاني من أزمة في الغذاء أن تخرج من أزمتها؟

جون زيجلر: أنا حقيقة أعتقد أن هذا التصريح للسيدة ميركل هو ينم عن روح عنصرية وشاهد على العقلية الاستعمارية الجديدة على كثير من الأوروبيين، أنا أقول ذلك وأنا أوروبي، كثير وكثير جدا من الأوروبيين وقادة الأوروبيين أيضا لم يتخلوا ولم ينبذوا وجهة نظرهم الاستعمارية ونظرتهم الدونية إلى العالم، إن مستشارة ألمانيا وهي القوة الاقتصادية الثالثة في العالم تقول إن أزمة الغذاء يعود سببها إلى أن ثلاثمائة مليون هندي يأكلون وجبتين في اليوم بدلا من وجبة، هذا كلام شرير حقيقة كما أن الشر لدى الأوروبيين هذا نراه في سياستهم الزراعية، سأعطي مثلا، تعلمون أنه في البلدان الصناعية يعطون تعويضات أو دعما قويا ماليا لمزارعيهم، لا أستطيع أن أعطي الكثير من الأرقام، في العام الماضي كل البلدان الصناعية سوية الأعضاء في منظمات الأمن والتعاون الأوروبي دفعوا أكثر من 329 مليون لمزارعيهم، في أي سوق أفريقية الآن في داكار وغير ذلك  يمكن أن تشتري حسب الموسم تشتري مواد أو منتجات خضار وفواكه منتجة في فرنسا والبرتغال وغيرها بأسعار تفوق الأسعار الأوروبية لكن على الجانب الآخر ترى أن شخصا سنغاليا يعمل 14 ساعة في اليوم، لديه أسرة لا يستطيع إطعامها لا يستطيع أن يتخلص من الفقر والجوع، وحوالي 37 من أكثر من أربعين دولة أفريقية هي دولة زراعية لكن إغراق السوق هذه بالمحاصيل الزراعية وإغراق أسواق العالم الثالث بمنتجات أوروبية مدعومة، هذه إستراتيجية قاتلة تؤدي إلى القتل، قتل الناس، تساعد الناس من الأوروبيين من أمثال ساركوزي وغيره أن يحصلوا على الأصوات في الانتخابات وهي كلها قرارات سياسية، ولكن الدعم دعم هذه الصادرات لغرض التصدير، هذا المنتج لغرض التصدير يؤدي إلى قتل الناس لأن الفلاح أو المزارع في البلد الأفريقي لا فرصة لديه ليبيع محاصيله والأوروبيون هم أغنياء جدا، وعندما يأتي مئات الآلاف من الهاربين من الجوع كاللاجئين يأتون إلى ليبيا أو جزر الكناري بحثا عن طعام أو مئات آلاف من الصوماليين يعبرون البحر الأحمر ليصلوا إلى اليمن فالأوروبيون يقولون لهؤلاء الجياع لماذا يفعلون ذلك؟ فالصوماليون كلاجئين مقبولون في اليمن من قبل حكومة اليمن والمفوضية العليا للاجئين لديها معسكرات هناك على الأرض اليمنية، إذا منطقة البحر الأحمر أفضل لهم لكن في المتوسط والمحيط الأطلسي الإجابة، إجابة الاتحاد الأوروبي هي إجابة أو رد عسكري فقط، لديهم النظام يعتمد على المروحيات والرادارات وأجهزة المراقبة الليلية لحماية الحدود فهم يحاولون طرد هؤلاء فقط وحجبهم ومنعهم من الدخول وهم لاجئون هاربون من الجوع، وهم خلقوا، أزمتهم خلقت من قبل أوروبا نفسها، بالنسبة لي كإنسان أوروبي هذا شر لا أستطيع قبوله.

أحمد منصور: أنت كإنسان أوروبي، أوروبا الآن ومعها دول عربية وإسلامية تقوم كما وصف الكاتب الأميركي ستيفن لندمان بأكبر جريمة منظمة لتجويع مليون ونصف المليون إنسان في غزة حيث يحاصرون، ومن بين أكثر من ثلاثمائة سلعة لا تدخل إلا سلع قليلة للغاية، هناك نقص في الأدوية، نقص، وهؤلاء الناس الآن يتعرضون لمجاعة منظمة، بصفتك كنت إلى أيام قليلة مسؤولا عن حق الغذاء كيف تنظر لهذه الأزمة التي حاصر فيها هؤلاء الناس؟ إذا هناك جريمة كبرى تتم في العالم يتم فيها تجويع الناس وقتلهم، كيف بهذه الجريمة التي يراها العالم كله بل ويشارك فيها؟

جون زيجلر: للأسف أنت محق تماما في توصيف هذه الحالة، مليون ونصف إنسان يعيشون في قطاع غزة هو الذي أقل من خمسمائة كيلومتر مربع مساحة، هو السجن المفتوح الأكبر في العالم كما يقال، الأرقام المتوفرة لدينا من أبريل حتى الآن أن 81% من مجموع العائلات بإمكانها أن تأكل وجبة واحدة في اليوم فقط وهي ليست سوى خبز وشاي، وأيضا الأطفال والذين مصابون بفقر الدم هم بنسبة 15%، الأونروا المسؤولة عن إغاثة اللاجئين الفلسطينيين لأن 80% من سكان القطاع هم من اللاجئين، اضطرت الأونروا لإغلاقها الكثير من برامجها ومدارسها لأن الأطفال ينهارون ويسقطون بسبب معاناتهم من فقر الدم وغيره بسبب الجوع ونقص التغذية ولا يستطيعون متابعة برامجهم الدراسية، نعم هذه جريمة ضد الإنسانية ترتكبها قوات الاحتلال الإسرائيلية المحتلة لقطاع غزة. هذه مشكلة قوة الأمم المتحدة، أنا عضو في الهيئة الاستشارية لحقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة وهي منتخبة من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة فيها 47 دولة عضو، وفي ثلاث دورات خاصة، ثلاثة منذ العام 2007 يونيو/ حزيران المجلس أدان باعتبار أن هذا العمل، لاتفاقيات جنيف الأربعة والاتفاقيات والبروتوكولات الملحقة بها الإضافية الاثنتين، أدان استخدام التجويع كسلاح في الحرب ضد المدنيين، أدان الإستراتيجية الإسرائيلية في تجويع سكان قطاع غزة وحرمانهم من الغذاء والدواء. ومن الواضح تماما معظم البلدان الغربية إما امتنعت عن التصويت أو صوتت ضد هذا القرار، لكنه قرار إدانة متخذ بشكل ديمقراطي. لكن إسرائيل لا تأبه البتة للقانون الدولي، إذاً لا نستطيع أن نلوم الأمم المتحدة لأن وجههم أبيض وناصع ويحاولون (إصداءنا)، أدافع عنهم بعض الشيء ليس لأنني أعمل لديهم ولكن هم يفعلون ما يستطيعون، ولكن لديك دولة واحدة ترفض تماما وبكل بساطة أي عمل قانوني دولي يمليه القانون الدولي، ماذا يمكن أن نفعل؟ تفاوض وتفاوض وتفاوض وضغط دولي إشاعة مشاعر الوعي والضمير، صحوة الضمير، هذا مهم لكي نخلق مثل هذا الوعي، دعما للشرعية الدولية وتطبيق اتفاقيات جنيف وبروتوكلاتها الإضافية التي تحرم بشكل واضح استخدام التجويع كسلاح في الحرب.

أحمد منصور: متى يمكن أن تتوقع، باختصار شديد، نهاية أزمة الغذاء، نقص الغذاء وارتفاع الأسعار القائمة الآن، هل هناك مدى ستنتهي وتعود فيه الأسعار إلى طبيعتها أم أنها صنعت لتستمر؟

جون زيجلر: الكارثة الأولى، المذابح اليومية في الجوع المهيكل المنظم مستمرة لأنه في العام 2006، 542 مليون شخص كانوا يعانون من نقص الغذاء، بعد عام تجاوز العام التالي 850 مليون وهكذا إذا ما نظرت إلى الرسم البياني الديموغرافي أو السكاني ترى أن الجوع يزداد بشكل مضطرد، إذاً ما يحدث في الأسعار المواد الغذائية كما سألت في سؤالك الوجيه، هناك نوع من عدم الاستقرار في الأسعار لكنها لم تنخفض وهي لم تنخفض لأن الأسباب لم يتم معالجتها، المضاربات كما قلنا في سوق أسهم شيكاغو مستمرة، المليارات تتحقق كأرباح للبنوك والمضاربين، هذه نظرية السوق الحرة طالما أنت تقبل بالعولمة والاقتصاد المعولم لا تستطيع أن تتوقع من كبار بنوك العالم أن لا تغتنم الفرصة لتحقيق أرباح فلكية في المضاربات المستقبلية للأرز، لماذا عليهم أن يفعلوا ذلك؟ إذاً عليك أن تهاجم جذور الأزمة.

أحمد منصور: ما الذي ينبغي للدول المتضررة والفقيرة أن تفعل الآن؟ قل لي في نقاط، العالم العربي فيه فقر شديد فيه غلاء شديد فاحش الآن، ما هي النصيحة باختصار التي توجهها لمن يريد أن يعمل لمصالح شعبه لمواجهة هذه الأزمة؟

جون زيجلر: ثلاثة أشياء، مصر على سبيل المثال فتحت مخابز عامة لتخفيض الأسعار، مصر دولة قوية ممكن أن تفعل ذلك لكن موريتانيا لا تستطيع، أتحدث عن توزيع الطعام بشكل عام. ثانيا، في النهاية سأقول شيئا مهما، ثانيا أن المؤسسات الدولية موجودة هناك، هذه المؤسسات التي للدول العربية فيها قوة ونفوذ كبير نحن لا، في صندوق النقد الدولي ليس التصويت على أساس كل فرد صوت، هناك لكل دولار صوت، في الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك هم أقوياء هناك أيضا وأيضا منظمة المؤتمر الإسلامي ككتلة لديهم 53 دولة مسلمة والباكستان الآن في مجلس حقوق الإنسان وهي.. منظمة المؤتمر الإسلامي يقصد..

أحمد منصور (مقاطعا): منظمة المؤتمر الإسلامي.

جون زيجلر: نعم، هم كتلة تصويت منظمة جيدا مؤلفة من 53 دولة من مجموع 192 دولة في الجمعية العامة..

أحمد منصور (مقاطعا): أنت تعلم أن هذه الدولة كلها مستعمرة بشكل آخر من الغرب والغرب يملي عليها قراراته وحكامها يطيعون الغرب ولا يعملون لمصالح شعوبهم، معظمهم يعني. أنت كتبت هذا في كتبك وتقوله، ليس كلامي أنا..

جون زيجلر: نعم، أنت صريح جدا.

أحمد منصور: أريد كلاما عمليا، قل لي شيئا عمليا.

جون زيجلر: المسألة ليست بهذه البساطة، لو أن شيئا ما حدث في قطر أو في السعودية أو في مصر ليست الأمور بهذه البساطة، دعني أقل شيئا..

أحمد منصور (مقاطعا): أنا أعرف أنها ليست بالسهلة.

جون زيجلر (متابعا): ربما خارج السياق، لكن شيء إيجابي على الأقل، كما تعلمون أريد أن أقول شيئا إيجابيا للغاية، برنامج الغذاء العالمي هو الذي عليه أن يعطي مساعدات إنسانية لـ 71 مليون شخص في العالم، برنامج الغذاء العالمي خسر 40% من قدرتهم الشرائية في أبريل، السعودية أعطت خمسمائة مليون دولار لبرنامج الغذاء العالمي لإطعام الناس في الصومال وفي دارفور وأوغادين وبنغلادش، هذه إيماءة مهمة للغاية.

أحمد منصور: انتهى الوقت، كتبك كلها ضد العولمة وضد العالم الغربي وضد أوروبا التي تنتمي إليها وما يفعلونه في العالم، ما هو آخر كتاب تكتبه الآن أو على وشك الصدور الآن؟

جون زيجلر: سينشر في فرنسا..

أحمد منصور (مقاطعا): تتحدث عن إمبراطورية العار؟

جون زيجلر:  نعم إمبراطورية العار سيصدر في القاهرة..

أحمد منصور (مقاطعا): مع سادة العالم الجدد منشور في مصر..

جون زيجلر (متابعا): وهو قد تم إصداره في القاهرة، الكتاب الجديد سيصدر في باريس في الأول من أكتوبر وكتابي الجديد اسمه "كراهية الغرب"، لماذا الناس في النصف الكرة الجنوبي اليوم يكنون الكراهية للغرب، لم يعودوا يصدقون، يؤمنون بحقوق الإنسان أو بالشرعية الكونية للغرب ولأوروبا، شكرا جزيلا لكم.

أحمد منصور: الحوار معك يعني غير ممل ونحتاج إلى حلقات طويلة معك، شكرا جزيلا لك على ما تفضلت به. كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن متابعتكم آملا أن تكونوا قد تعرفتم من خلال الدكتور جون زيجلر أبرز المتخصصين فيما يتعلق بالغذاء في العالم، حول طبيعة الأزمة وجوهرها والدول والأنظمة التي تقف وراءها. في الختام أنقل لكم تحية فريق البرنامج، وهذا أحمد منصور يحييكم بلا حدود من جنيف في سويسرا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.