- أسباب التغيرات وانعكاساتها على الفرد والمجتمع
- العلاقة بين النظام والولايات المتحدة الأميركية
- العلاقة بين الثروة والسلطة وانتشار الفساد
- تزايد أشكال الفقر وسبل إيقاف زحفه
- تنامي ظواهر الفساد ووسائل محاربته
- أثر الدور الخارجي في الفساد وفي إحداث التغيير

 
أحمد منصور
جلال أمين
أحمد منصور: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أحييكم على الهواء مباشرة من القاهرة وأرحب بكم في حلقة جديدة من برنامج بلا حدود. أصبحت التغيرات الاقتصادية والاجتماعية تعصف بالمجتمعات العربية بشكل مخيف فالتغيرات التي كانت تستغرق عقودا من قبل أصبحت الآن لا تأخذ سوى سنوات أو ربما حتى أشهر، فقد انقرضت الطبقة الوسطى في معظم المجتمعات العربية وأصبحت هناك طبقتان لا ثالث لهما، طبقة الغنى الفاحش التي لا تمثل سوى النصف في المائة وهي عادة ما تملك الثروة والسلطة، وطبقة الفقراء الذين يتدرجون في مراتب الفقر من الفقر المستور وحتى الفقر المدقع. والغريب في الأمر أن بعض فئات المجتمع الرئيسية مثل الأطباء والمهندسين وأساتذة الجامعات ومن هو في مستواهم أصبحوا يندرجون الآن في مراتب الفقر في بعض الدول العربية بعدما أصبحت دخولهم لا تكفي حاجاتهم الأساسية، وهذا ما ينبئ بالشر الخطير والويل المستطير. وفي هذه الحلقة نحاول قراءة هذه التغيرات الاجتماعية والاقتصادية التي تعصف بالمجتمعات والشعوب العربية ونبحث عن المخرج مع أحد أبرز المؤرخين الاقتصاديين والاجتماعيين العرب الدكتور جلال أمين، ولد في القاهرة عام 1935 تخرج من كلية الحقوق جامعة القاهرة عام 1955 ثم حصل على دبلومي الاقتصاد العام والقانون العام من جامعة القاهرة عامي 1956 و1957 ثم حصل على الماجستير في الاقتصاد من جامعة لندن عام 1961 ثم على الدكتوراه في الاقتصاد من نفس الجامعة عام 1964، عاد إلى مصر حيث عمل أستاذا للاقتصاد في جامعة عين شمس حتى العام 1974 ثم مستشارا للصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية حتى العام 1978 ثم أستاذا زائرا للاقتصاد في جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس في الولايات المتحدة الأميركية حتى العام 1979 حيث انتقل للعمل أستاذا للاقتصاد في الجامعة الأميركية في القاهرة ولا زال يعمل بها حتى الآن. حصل على العديد من الجوائز والأوسمة وصدر له حتى الآن أربعون كتابا منها 32 باللغة العربية وثمانية باللغة الإنجليزية، رصد خلالها التغيرات الاقتصادية والاجتماعية التي وقعت في العالم العربي خلال الخمسين عاما الماضية ولذا ينظر إليه على أنه أحد أهم المؤرخين الاقتصاديين والاجتماعيين العرب. وللمشاهدين الراغبين بالمشاركة يمكنهم الإتصال بنا على أرقام هواتف البرنامج التي ستظهر تباعا على الشاشة ولكن بعد الفاصل. دكتور مرحبا بك

جلال أمين: أهلا وسهلا.

أسباب التغيرات وانعكاساتها على الفرد والمجتمع

أحمد منصور: أنا قرأت لك كثيرا عن التغيرات التي وقعت من الناحية الاقتصادية و الاجتماعية في العالم العربي، كتبت كثيرا عنها خلال الخمسين عاما الماضية ولكنني أريد أن أركز معك في السنوات الخمس الماضية فقط لا سيما وأن حجم التغيرات الاقتصادية والاجتماعية كان بها كبيرا للغاية، كيف رصدت وترصد هذه التغيرات الاقتصادية والاجتماعية الهائلة في المجتمعات العربية؟

جلال أمين: أنا حأركز على على مصر التي أعرفها أكثر من غيرها، ولكنني أعتقد أنه في شبه طبعا مع تفاوت في  الدرجة بين مصر وغيرها، من المؤكد أنه في الأربع أو الخمس سنوات الماضية في مصر زادت درجة التوتر، الجو تكهرب الجو الاقتصادي والاجتماعي والسياسي أكثر مما كان. التوتر قديم في مصر أنا أقول أنه ابتدى منذ أربعين سنة على الأقل لأن السكان بيزيدوا بسرعة والتنمية الاقتصادية بطيئة والبطالة عمال تزيد والتضخم فالتوتر بيزيد والدولة أنا بأسميها دولة رخوة ومستسلمة إلى حد كبير للمطالب الخارجية طوال الأربعين سنة الماضية تقريبا.

أحمد منصور: أكثر من اهتمامها بالداخل والمواطن والتنمية الداخلية؟

جلال أمين: صحيح فكان ده لا بد أن ينعكس على حالة الناس اقتصاديا واجتماعيا وعلاقتهم ببعض وكان لا بد أن يزيد التوتر. إنما صحيح إن أي واحد بيراقب المناخ اللي بيحصل يلاقي الأربع أو الخمس سنين الأخيرة في شيء جديد حصل، التوتر زاد، البطالة زادت، التصخم زاد، الفجوة بين الدخول زادت بسرعة أكبر مما كانت، المظاهرات يوميا أو الإضرابات، الحوادث المرورية رهيبة كل يوم في حادثة، غرق عبارات ناس بتحاول تعبر البحر المتوسط علشان مش لاقية شغل فتغرق، كل ده زاد قوي في الأربع خمس سنين الأخيرة، فلا بد أن نحن نشوف إيه بالضبط اللي حصل؟

أحمد منصور: قل لنا إيه بالضبط اللي حصل؟ إيه الأسباب؟

جلال أمين: طبعا ممكن الواحد يقول ده مجرد تراكم أسباب قديمة بس هو في أشياء جديدة حصلت..

أحمد منصور(مقاطعا): ما هي؟

جلال أمين: أنا حأقول لحضرتك مش بالضرورة بترتيب الأهمية بس كما يرد إلى الذهن، من أربع سنين تقريبا بالضبط في صيف 2004 تغيرت الحكومة وجاء ناس رئيس الوزارة ووزراء كثير جدد ما كانوش متوقعين لا هم نفسهم كانوا يتوقعون أنهم يجوا ولا الشعب، برضه دي على فكرة مش جديدة لأن رؤساء الوزارة كانوا بيجوا في مصر وكأن الشعب المصري بيفتح لوترية، يعني يقول يا ترى مين اللي جاء رئيس وزارة؟ وده شيء غريب قوي أن الشعب ما لوش أي دور في اختيار مين اللي حيرأس حكومته وويفاجأ مفاجأة يقول لك رئيس الوزارة الفلاني، المهم بس في شيء جديد في الحكومة دي أن كثيرا من الوزراء الجدد كان لهم خصائص مشتركة فهم مع رئيس الوزارة بدا من الواضح أنهم جايين علشان ينفذوا أجندة معدة مسبقا، وأنا بقول الأجندة دي أجندة صندوق النقد والإدارة الاميركية.

أحمد منصور: ما هي تفاصيل هذه الأجندة؟

جلال أمين: التفاصيل هي دي بقى ابتدأت تبان يعني كان واحد ممكن يخمنها من البداية بس ابتدت بقى يوم بعد يوم تتضح، لا بد أن نقول لهم إن معدل الخصخصة يجب أن يسير بسرعة يعني بيع القطاع العام بسرعة أكثر بكثير من اللي كان بيحصل قبل كده، أن الحكومة والدولة تسحب إيدها من الدعم وحماية الفئات الفقيرة بأكثر مما كان، اتفاقات الاقتصادية مع إسرائيل هامة جدا أهمها في رأيي اتفاقية الكويز في ديسمبر 2004، يعني بعد شهور قليلة من مجيء الحكومة الجديدة ودي على فكرة في رأيي مهمة جدا، اتفاقية الكويز، دول يعني طبعا فتح المجال وتسهيل اجراءات الاستثمارات الأجنبية الخاصة بشدة، خلي الأموال الأجنبية تخش مش بس السلع، السلع فتحنا الباب من السادات، دي ابتدت.. ولكن لا بد أن ينعكس على حالة الناس..

أحمد منصور(مقاطعا): ما انعكاس هذا على الفرد والمجتمع؟

جلال أمين: ضروري حينعكس، أولا سيبك من الناحية السياسية أولا لأن دي مجرد..

أحمد منصور(مقاطعا): نحن منتكلم اقتصاد.

جلال أمين: الخصخصة كان لا بد أن يزيد معها معدل البطالة، لأن الرجل أو الشركة اللي جاية تشتري شركة مصرية قطاع عام، لازم هم بيسموها ترشيد والترشيد في نظرهم طرد العمالة..

أحمد منصور(مقاطعا): الموجودة..

"
سحب يد الحكومة من الاقتصاد لا بد أن يزيد أعباء المعيشة على الناس، فكلما انخفض الدعم لا بد أن ترتفع الأسعار
"
جلال أمين (متابعا): الزائدة، كذلك الحكومة بتدي لها بتدي الشركات الخاصة اللي اشترت القطاع العام حرية في التعامل مع موظفيها مع عمالها، ما بتدي لهم الحماية اللي كانت موجودة قبل كده. سحب يد الحكومة من الاقتصاد لا بد أن يزيد أعباء المعيشة على الناس، كلما انخفض الدعم لا بد أن ترتفع الأسعار الناس أحست البطالة زادت والأسعار عمال تزيد في نفس الوقت دي مهمة، السياسة الجديدة بتشجع على زيادة التفاوت في الدخول، لأن أنت بتجيب ناس حساسيتهم للفجوة بين الدخول مش كبيرة، اللي حينفذ لك الأجندة دي هم بطبيعتهم وميولهم الشخصية ما يهمهمش الفجوة بالعكس هم بيستفيدوا من اتساع الفجوة يعني..

أحمد منصور(مقاطعا): استفادة شخصية؟

جلال أمين: استفادة شخصية، وبعدين أنت جايب منهم ست وزراء لهم مشروعاتهم الخاصة التي تتعلق بالوزارات التي تولوها، وبالتالي لا بد أن الفجوة في الدخول تزيد والناس بتشوف ده كله فيزدادون إحباطا وتذمرا، في نفس الوقت لما الحكومة تسحب يدها من دعم التعليم تستطيع أن تتصور ما يحدث للجامعات والمدارس الوطنية..

أحمد منصور(مقاطعا): لأول مرة في تاريخ مصر يضرب أساتذة الجامعات.

جلال أمين: آه دي حاجة مؤخرا، لما تفتح الباب للجامعات الخاصة ويصبح التعليم مجال مربح جدا للاستثمار من أربح مجالات الاستثمار الخاص دلوقت أنك تنشئ جامعة خاصة أو مدرسة خاصة بتعمل ازدواجية في التعليم رهيبة يبقى إيه بتقسم البلد إلى أمتين، الحقيقة يتقسمهم إلى أمتين وشوية شوية الانقسام ده بيتكرس ناس درسوا بجامعة أجنبية وبلغة أجنبية وناس درسوا في جامعة وطنية مستواها التعليمي منخفض وهكذا.

أحمد منصور: إيه انعكاس هذا الأمر على العلاقة بين المواطن والدولة؟ المواطن والحكومة؟ المواطن والنظام؟

جلال أمين: طبعا لا بد أنك تخمن، لأن ناس أحوالهم المعيشية عمال تتدهور وشايفين ناس عمالة تراكم في هذه الثورات، لا بد أن نسميها إحباط، يأس، ضعف ولاء، ضعف ثقة، شك في أن النظام ده بتاعهم أنه بيشتغل لمصلحتهم فيحصل اضطراب ما بين جمهور الناس وما بين النظام، وطبعا منها الرغبة في الهجرة سواء كانوا ناس بيدوروا على شغل أو ناس مش طايقين المناخ العام كل ده لا بد أن يقود لنتيجة.

العلاقة بين النظام والولايات المتحدة الأميركية

أحمد منصور: هناك أيضا طالما تحدثت عن العامل الخارجي، فإن هناك ظاهرة أيضا هي ظاهرة العلاقة بين النظام والولايات المتحدة الأميركية تحديدا؟

جلال أمين: طبعا دي مهمة قوي لأن الولايات المتحدة ترى في الأجندة دي في الأجندة اللي أنا قلتها لحضرتك، بس المسألة أشمل من كده أن ساعات الولايات المتحدة بتحمي النظام لأنها لها أغراضها الخاصة، أغراضها الخاصة ممكن تلخصها بسرعة في الأغراض الاقتصادية اللي شركاتها تخش وتستثمر وتتمتع بمختلف أنواع الرعاية، دي  واحدة، أن إسرائيل تحقق أهدافها بالاتفاقات زي اتفاقات الكويز..

أحمد منصور(مقاطعا): والغاز.

"
أميركا منذ سبتمبر 2001 تعيد ترتيب المنطقة العربية، ومصر منوط بها أن تلعب دورا مهما وهو السكوت، السكوت عن ضرب العراق وعن دخول إسرائيل إلى  لبنان
"
جلال أمين: والغاز طبعا، أضف إلى هذا أن أميركا منذ حوالي سبتمبر 2001 بتعيد ترتيب المنطقة العربية، ومصر من المهم منوط بها أن تلعب دور مهم ساعات بيكون مجرد السكوت، يعني تنضرب العراق المفروض أن نحن ما نتكلمش، تخس إسرائيل لبنان المفروض أن مصر ما تتكلمش، واخد بالك؟ يعني يفتت العراق برضه ما تتكلمش، طيب دي مهمة قوي أنك أنت لازم تضمن يعني الولايات المتحدة تضمن أن النظام لن يخل بهذه المسؤوليات إذا.. طيب دي أهداف الأميركان طيب النظام فاهم ده كويس قوي وعينه على ما تريده أميركا منه لأن هو مدعوم منها وشاعر بالغربة ما بينه وما بين الشعب، وبالتالي كل ما الإغتراب يزيد والفجوة بينه وبين الناس تزيد يزداد اعتماده على الخارج، فتجري المساومة والكلام ما بين النظام والولايات المتحدة وكأن الشعب في الواقع مالوش في الموضوع. ده بيفكرني ونحن صغيرين كان في لعبة اسمها الكلب الحيران اثنين يرموا الكرة لبعض، في واحد يعني في النص المفروض أنه إذا شاطر..

أحمد منصور(مقاطعا): يحاول يمسك الكرة؟

جلال أمين (متابعا): يمسك الكرة، عمره ما بيمسكها، وساعات كده بيحمسوه زي ما بيقولوا في المصري يقول لك شوف الكرة أهه خدها أهه وبعدين يبعثها للثاني. أنا متصور أن العلاقة بين النظام والولايات المتحدة لعبة سائرة يعني يا ترى أنتم عايزين مننا إيه بالضبط؟ طيب إيه رأيكم في اللي نحن عملناه؟ دلوقت عايزين حاجة كمان؟

أحمد منصور(مقاطعا): كده يعني؟

جلال أمين: أنا متهيأ لي كده.

(ضحك)

أحمد منصور: طيب يا دكتور، هل المطالب الأميركية، طبعا ما ينطبق على مصر ينطبق على معظم الدول العربية في هذا الإطار، هل المطالب الأميركية في تصاعد أم أنها إستراتيجية ثابتة واضحة في الجوانب الاقتصادية في الجوانب السياسية في غيرها؟

جلال أمين: لا هو في أشياء ثابتة وأشياء متغيرة طبعا، في أشياء ثابتة من ساعة ما أميركا دخلت مصر من منتصف السبعينات وكان في قطيعة كبيرة لغاية منتصف السبعينات من ساعة ما جاء نيكسون في زيارته الشهيرة، من هذا يعني من خمسة وثلاثين سنة بالضبط..

أحمد منصور(مقاطعا): أو أربعة وثلاثين..

جلال أمين: تغيرت العلاقة، في أشياء ثابتة أن فتح باب ما سمي بالانفتاح ده كان طبعا مطلب أميركي، الصلح مع إسرائيل طبعا كان مطلب أميركي ومصرين عليه، التفكك العربي ده مطلب برأيي مطلب أميركي ما تكلموش الناس دول يعني ما تقعدوش تتكلموا مع بعض ولما تحبوا تتكلموا قولوا لي أنتم بتقولوا إيه أو تستأذنوا أنتم بتقولوا إيه، فده كله مطالب أميركية وأعتقد أنها مستمرة لغاية الآن. بس في حاجات تغيرت، أميركا موقفها دلوقت في العالم غير موقفها سنة 1975 تغيرت، اقتصادها ضعف أصابه ضعف شديد طبعا هي جاءت لها فترة الانتصار العظيم بسقوط الاتحاد السوفياتي سنة 1990 أواخر الثمانينات وأوائل التسعينات لكن الاقتصاد.. عسكريا هي أكبر دولة، اقتصاديا بتفقد مركزها النسبي في العالم، لما حصلت حوادث 11 سبتمبر 2001 ظهر وكأن أميركا تريد إعادة ترتيب الأوراق مرة أخرى وتحاول تعوض ضعفها الاقتصادي بأشياء مختلفة منها إعادة ترتيب الشرق الأوسط، فأصبح مطلوبا من النظام المصري وأنظمة أخرى عربية أشياء ما كانت مطلوبة منهم قبل كده..

أحمد منصور(مقاطعا): إيه أهم الأشياء دي؟

جلال أمين: الأشياء هي أنا أشرت لبعضها أنه لما نعمل كده ما تتكلموش، لما نعوز منكم  قوات معينة تروح الحتة الفلانية تروح، ما تعملوش مشاكل في إعادة الترتيب، لما الإسرائيليون بيضربوا في الفلسطينيين ما تتكلموش.

أحمد منصور: إلى أي مدى العلاقة دي يمكن أن تستمر بهذا الوضع مع تغييب الشعوب عن أن يكون لها قرار فيها؟

جلال أمين: إلى أي مدى ممكن أن تستمر؟ طبعا الأمر متوقف على شيئين، الوضع الدولي بيتغير ولا لا هذه واحدة، وهل في حركة اعتراض قوية من الداخل أو لا؟ يعني كل ما بان أن هذا الذي يتم أو يجري يقابل معارضة جديدة في الداخل طبعا ده ممكن يعطل الأمور بعض الشيء، فيتوقف على مدى قوة المعارضة.

أحمد منصور: وكلا الأمران مش متوفران معارضة ضعيفة ومشتتة والظرف الدولي أيضا.

جلال أمين: الاثنان سيئان، المقاومة بتقابل بالأمن والأمن عمال يقوى والمقاومة ولو أنها زادت بشدة في الخمس سنين اللي فاتوا إنما واضح أن الأمن كمان بيتصرف بشراسة.

العلاقة بين الثروة والسلطة وانتشار الفساد

أحمد منصور: أنت حضرتك تحدثت أو ألمحت إلى العلاقة بين الثروة والسلطة، كيف ترصد هذا التزاوج القائم بين الثروة والسلطة؟

جلال أمين: أظن هذا التزاوج والتحالف وثيق جدا بينهم اللي هو عمال يزيد في العشرين سنة اللي فاتوا وزاد بشدة في الخمس سنين اللي فاتوا، دي نتيجة طبيعية لعدة أشياء منها أن الدولة رخوة وبالتالي تغري أصحاب المال بالقفز عليها، يعني الدولة مش قوية المال لم يكن يجرؤ على أن يتزوج من السلطة في الستينات وكان تجرؤه على السلطة قبل الثورة حتى ضعيف، إنما ابتداء من السبعينات الدولة بقيت رخوة بقت ضعيفة لعدة أسباب ده شجع المال على أنه يتزوج، أضف إلى هذا مش بس رخاوة الدولة، شمولية الدولة، المدهش في النظام المصري أنها دولة رخوة مع شمولية يعني تتدخل في أشياء كثيرة قوي وفي نفس الوقت ضعيفة، يعني مثلا الثقاقة مؤممة دي مش من سمات الدولة الضعيفة لا، الصحف المهمة ملك الدولة، فطبعا ده يسمح أن الذي يرأس صحيفة يتزوج مع السلطة مش كده علشان يرتب..

أحمد منصور(مقاطعا): طيب نحن عندنا الآن زواج الأمن مع السلطة، زواج الثروة مع السلطة، زواج الوظائف العليا مع السلطة، تأثير ده إيه على الجانب الاجتماعي والاقتصادي في منظومة الدولة؟

جلال أمين: أولا هذا التزاوج بيقوي الطرفين بيقوي أصحاب المال لأنه بيضيف إليهم النفوذ، بيقوي السلطة لأنه بيبقى معاها فلوس تصرف، وتأثيره على المناخ العام سيئ جدا لأنه بيزيد الاغتراب وبيزيد الاحباط وبيزيد الفساد لأنه هو زواج السلطة مع الثروة هو ده نفسه يعني جوهر الفساد.

أحمد منصور: أنت الآن تكتب عن الفساد بشكل أساسي آخذ الفساد قبل الملك إلى اليوم يعني أكثر من ستين سنة تعرضت للفساد، إيه المرتكزات والأسس التي يقوم عليها الفساد؟

جلال أمين: أنا في المقالات دي اللي كتبتها واللي باكتبها كنت عايز أبين أن الناس الشعور الشديد قوي بالاحباط ساعات لما تقرأ وتشوف التعبيرات عنه وكأن المصريين أصابهم كأنهم فيهم ضعف أساسي أفرز هذا الفساد، أنا عايز أقول إنه عبر الستين سنة اللي فاتوا دي كان في أوقات حلوة قوي من ناحية قلة الفساد وأوقات سيئة قوي أنه بتغير الظروف يتغير.

أحمد منصور: لكن الوقت اللي نحن فيه ده؟

جلال أمين: من أسوأ مناخ سيء جدا لتنمية الفساد، هي بالضبط أنا شبهتها ميكروبات موجودة في كل حتة بس في مناخ بيشجع على تكاثر الميكروبات وفي مناخ يقتلها، أنا باقول أولا الفساد بيزيد لما الدولة بتبقى ضعيفة، وبيزيد لما تكثر سلطتها مع ذلك، وتزيد لما الانتماء يضعف. يعني أنا فاكر وكنت واعي في الخمسينات والأربعينات كان الواحد اللي يثبت عليه رشوة يعني كان على وشك أن يموت نفسه لأن الاحتقار الذي يقابله من الناس شديد لدرجة لا يستطيع أن يتحمله، المناخ لما يبقى فيه انتماء يعني الناس تقول لك ما يصحش تعمل كده، والناس مثلا فقراء ولا أنت بوظيفتك مرتاح في وظيفتك، دلوقت هذا الخجل راح. أنا باسأل نفسي الخجل راح ليه؟ أحد الأسباب أن الشعور بالانتماء كل واحد بيدور على قضيته الخاصة.

أحمد منصور: رئيس وزراء تركيا رجب الطيب أردوغان قبل عام ونصف تقريبا حاورته حول مرور ذكرى ثلاث سنوات على توليه السلطة قال إنه استطاع من حربه على الفساد في تركيا أن يوفر لميزانية الدولة خلال ثلاث سنوات فقط 70 مليار دولار. لو قامت حرب حقيقية على الفساد في مصر تتوقع ما هو شكل التغيرات التي يمكن أن تعم..

جلال أمين (مقاطعا): أنا حتى مستغرب السبعين مليار دول قليلين، ده لازم الفساد ما كانش كبير قوي في تركيا..

أحمد منصور(مقاطعا): لا هو كان ضخم.

جلال أمين: لأن طبعا في مصر ممكن توفر أكثر من كده بكثير، وممكن أثبتها لك بسهولة خالص، أن أنت شوف الأموال التي هربت إلى الخارج ودي بلايين الدولارات التي هربت من الفساد ضد القانون، شوف القروض التي أخذت من البنوك بدون ضمانات وده فساد، شوف الأراضي اللي اشتريت بأسعار بخسة ثم ارتفع سعرها أضعافا مضاعفة بسبب علاقتها بالسلطة، شوف شركات القطاع العام التي بيعت بأقل من قيمتها الحقيقية، ده كله، شوف البذخ الإستهلاكي الذي ينفقه الوزراء وكبار الموظفين دون أن يتناسب هذا مع حاجة البلد يعني يستلم وظيفة يروح يجدد مكتبه مثلا بمليون جنيه، مش ده برضه فساد؟ أنا أعتقد أنه أحسن ما نقيسه بالأرقام نقيسه بحاجة ثانية يعني مش نقول كذا مليون أو كذا بليون، نقول قد إيه كان لو نحن كافحنا الفساد قد إيه كان ممكن نحقق كمية أسرع؟ ما تتصورش أنك تضاعف معدل الادخار والاستثمار في البلد بما توفره من محاربة الفساد أنا أعتقد أن الأثر الإيجابي خيالي.

أحمد منصور: مصر تملك المقدرة لكي تقوم بهذه النقلة؟

جلال أمين: طبعا لولا هذا لولا اللي نحن منتكلم عنه ده..

أحمد منصور(مقاطعا): لولا الفساد.

جلال أمين: لولا الفساد ولولا البذخ الإستهلاكي الرهيب، مرة اقتصادي كبير، آرثر لويس بيقول الدولة اللي تنفق هذا الكم على السلاح مهما كانت دولة متخلفة تستطيع أن تعمل تنمية عظيمة. أنا بقى عايز أقول لك مش السلاح شوف الأفراح بننفق عليها إيه؟ شوف السيارات اللي ماشية في الشوارع شوف الشباب الصغير بيصرف على إيه..

أحمد منصور(مقاطعا): طيب كل ده من طبقة النصف في المائة؟

جلال أمين: طيب وهي نصف بس في العدد، بس في الثروة.

أحمد منصور: أيضا هناك إفراز ظهر خلال الفترة الماضية وهو الفقر، وأنت رصدت الفقر في كتاباتك معظم الكتب رصدت الفقر وكتبت عن الفقر، الفقر الآن في السنوات الأخيرة ما عادش فقر الفقراء وإنما أصبح فقر الذين كانوا يحسبون على الطبقة الوسطى أستاذ الجامعة  أصبح فقيرا، الطبيب أصبح فقيرا، المهندس أصبح فقيرا، كيف ترصد ظاهرة الفقر؟ واسمح لي أسمع الإجابة بعد فاصل قصير، نعود إليكم بعد فاصل قصير لمناقشة هذا الحوار مع الدكتور جلال أمين حول التغيرات الاجتماعية والاقتصادية التي حدثت في العالم العربي خلال الفترة الماضية فابقوا معنا.

[فاصل إعلاني]

تزايد أشكال الفقر وسبل إيقاف زحفه

أحمد منصور: أهلا بكم من جديد. بلا حدود من القاهرة، ضيفنا هو الدكتور جلال أمين المؤرخ الاقتصادي والاجتماعي العربي المعروف، نتحدث عن التغييرات الاقتصادية والاجتماعية التي تعصف بالعالم العربي خلال السنوات الأخيرة. دكتور كان سؤالي لك حول الفقر وأشكال الفقر الجديدة وزحف الفقر على طبقات في المجتمع لم تكن تحسب على أنها طبقات فقيرة.

جلال أمين: الفقر تغير في مصر، ما بقاش زي زمان، أنا أذكر الفقر قبل 1952 كان مدقعا صحيح لكن ما كانش في المذلة، ما كانش مقترنا بدرجة الذل الذي هو يقترن بها الآن. القصد من هذا، انظر إلى منادي السيارات أو كمسري القطار أو البنت اللي بتشتغل جرسونة أو في مطعم وشوف معاملتهم لك، شوف الشيال مثلا في محطة القطار شوف نظرتهم لك، شوف حتى عسكري البوليس الصغير المرور وهو بيحاول يتودد لك ويتقرب منك علشان تدي له بقشيش بسيط، شوف التعبيرات اللي موجودة على وجهه، ما كانتش موجودة زمان. وتفسيرها إيه؟ تفسيرها أن الفقير في مصر فقد احترامه لنفسه بدرجة أكبر بكثير مما كان الفقير زمان، إيه السبب؟ السبب عدة أسباب منها أن التضخم بقى رهيب جدا وأنه كان عنده طموحات بيغذيها باستمرار الإعلام والتلفزيون إلى آخره، وكان عنده طموحات ولدتها فترة سابقة أفضل أن الأولاد لما يتعلموا حيبقوا أحسن فهو عنده آمال، أولاده دخلوا المدارس ويمكن بعضهم دخلوا الجامعة ومش عارف يلبي احتياجاتهم، فهو خايف يتعرض لاحتقار من أسرته حتى لو فشل في تلبية مطالبهم، ما كانش الشعور ده موجود زمان، فبيبقى الفقر قاس جدا.

أحمد منصور: طيب الآن الطبقات يعني أساتذة الجامعات يقولون إنهم غير قادرين على تلبية احتياجاتهم.

جلال أمين: آه ده نوع، اللي أنا اتكلمت عنه ده في الطبقات الدنيا، الطبقات المتوسطة خايفة من التدهور، هو مش بالضبط فقر هو بمعنى من المعاني فقر أيضا إنما خايفين أن التضخم اللي بيحصل ده عمال يشدهم إلى أسفل السلم الاجتماعي، ودي قاسية جدا على النفس كمان لأنه هم كانوا فاكرين أنه متى بقى دكتور أو بقى مدرس في الجامعة انتهت المشكلة، أنا أبي كان في رأيه، جيله كله كان أول ما أولاده يأخذوا شهادة جامعية انتهت المشكلة إلى الأبد..

أحمد منصور: وكانت كذلك بالفعل.

جلال أمين: وكانت كذلك. ويطمئنوا إلى الأبد، دلوقت ممكن تتخرج وتأخذ دكتوراه وتأخذ وظيفة شكلها ممتاز وتبقى تعبان اقتصاديا.

أحمد منصور: هل يمكن إيقاف زحف الفقر؟

جلال أمين: لا يمكن وقفه إلا بما يمكن أن نسميه تنمية حقيقية، لأن اللي بيحصل دلوقت في معظم البلاد العربية ليس تنمية حقيقية..

أحمد منصور: أمال إيه؟ أنت سميتها في مصطلح سميتها تنمية مزيفة.

جلال أمين: هي تنمية مزيفة، وفي كتاب قديم سميتها تمدين الفقر، يعني تدي منظر متمدين والحقيقة فقر، الفقر مستمر والصورة من بره أن..

أحمد منصور: أنه في مدنية وفي حضارة وفي شكل.

جلال أمين: أن في مدنية يعني تمشي في الشارع وتقول ما شاء الله..

أحمد منصور: ده الناس معاها فلوس والدنيا..

جلال أمين: آه تشوف الناس بتصرف وتقول الفلوس إيه ده دي البلد فيها فلوس كثيرة قوي، شوف أسعار الشقق المعروضة تقول يا سلام دي البلد نهضت، وبعدين بس تترك القشرة السطحية دي تلاقي الناس واقفة على مخابز العيش بيموتوا بعض!

تنامي ظواهر الفساد ووسائل محاربته

أحمد منصور: اسمح لي ببعض الأسئلة، الدكتور رؤوف عكاشة من القاهرة، سؤالك يا دكتور.

رؤوف عكاشة/ القاهرة: سؤالي للدكتور جلال الحقيقة هل لسيادته أن يلقي نظرة على الكيفية اللي تمت بها عملية الخصخصة في ألمانيا الشرقية بعد الوحدة سنة 1990، إذا ما كان هناك ثمة مقارنة بين ما جرى هناك وما يجري هنا؟ أشكرك جدا.

جلال أمين: لا، يعني أنا مش متخصص فيما يحدث في أوروبا الشرقية بس أستطيع أن أخمن الفارق بين هناك وبين هنا، أن سيادة القانون هناك، حتى رغم طول الفترة الشيوعية، سيادة القانون لها احترامها واعتبارها أكثر بكثير من عندنا وبالتالي إذا حصل بيع للقطاع العام هناك الذي أتوقعه أنه يتم بشروط محددة وتحت رقابة معينة ودرجة معينة من الشفافية للأسف ماهياش متوفرة هنا. ده اللي أنا أتوقعه ممكن قوي يكون حصل أشياء حتى في روسيا نفسها بيتكلموا على فساد في عمليات الخصخصة بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، مؤكد.

أحمد منصور: إبراهيم يحيى من القاهرة.

إبراهيم يحيى/ القاهرة: السلام عليكم

أحمد منصور: عليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

جلال أمين: أنا لأول مرة أشارك في برامج تلفزيونية وأنا مبسوط أنني مع حضرتك في هذا البرنامج، أحب أشكر قناة الجزيرة..

أحمد منصور: أهلا بك، سؤالك.

إبراهيم يحيى: سؤالي يا افندم أنا لي تعليق بسيط، أن الفساد يعني دائما بيقول لك يأخذ السلم من أعلى، هل الناس تعمل إيه في الفساد المستشري في البد دلوقت؟ كل حاجة فيها فساد، تعال عندنا شوف البلاد عاملة إيه.

أحمد منصور: شكرا يا إبراهيم، الفساد مستشري أو متوحش، المشكلات أصبحت متوحشة.

جلال أمين: طيب، السؤال هو ما العمل؟ وده سؤال كبير قوي، ما الذي يمكن أن يثني أصحاب القرار عن هذا السلوك الذي يستمر في تشجيع الفساد؟ طبعا الإجابة الجاهزة: الديمقراطية. طيب تجيب الديمقراطية إزاي؟ الرقابة والشفافية، طيب تحققهم إزاي وأنت ضعيف الحيلة، قليل الحيلة؟

أحمد منصور: أو ليس لديك رغبة.

جلال أمين: لا طبعا، الناس اللي اتكلمت على.. آه طبعا اللي فوق ما عندهمش، إنما جمهور الناس طبعا عندهم رغبة بس ما عندهمش..

أحمد منصور: كيف يستطيع الناس على المستوى الفردي أن يحاربوا الفساد؟

جلال أمين: قبل ما أجاوب على سؤالك أنا أحيانا أختم محاضراتي في التنمية بأقول المشكلة في النهاية تتلخص في، وده يصلح في الإجابة على السؤال ده، أن أصحاب القدرة ليس لديهم رغبة وأصحاب الرغبة ليس لديهم قدرة. هي في الواقع هي دي المشكلة كلها في الواقع، وطيب وتحلها إزاي؟ سؤال حضرتك كان إيه بالضبط؟

أحمد منصور: سؤالي على يعني كيف يستطيع الأفراد، كيف يستطيع المجتمع الأهلي المجتمع المدني أن يحارب قضية الفساد واستشراءها في المستقبل؟

جلال أمين: تعالوا يعني لا ننكر فضل الناس اللي فعلا في حركات نبيلة جدا بدأت خصوصا في الخمس سنين الماضية لمكافحة الفساد. في حركة في مصر، حكاية "لا لبيع مصر"، ودي ناجحة وفجرت مشروع مثلا عمر فانتي وبنجاح كبير وأنا في رأيي خوفت الحكومة. وفي حركة ممتازة في الجامعة أنه تحقيق استقلال..

أحمد منصور: الدكتور أبو الغار..

جلال أمين: الدكتور أبو الغار، تحقيق درجة من الاستقلال معقولة للجامعة وعدم تدخل السلطة في اختيار العمداء..

أحمد منصور(مقاطعا): يعني تجزيء الفساد وتجزيء القضايا..

جلال أمين: أنا ميال إلى هذا، أنا ميال إلى أنه بدل المواجهة العنيفة مع..

أحمد منصور: حتقول الفساد كله حتصطدم بكل حاجة..

جلال أمين: لا مش حتعمل حاجة.

أحمد منصور: لكن خذ جزئيات صغيرة واشتغل عليها.

جلال أمين: أنا أحب أفكر المشاهدين وأصل اتنست الحكاية دي، في أواخر القرن 19 أصحاب الميول الاشتراكية في بريطانيا ما عجبهومش فكرة الثورة الماركسية أو الشيوعية وقالوا الأحسن أننا نحاول نواجه قضية بقضية ونمشي بالتدريج ونكسب مواقع متتالية، دي الجمعية الفابية لأنه نسبة إلى قائد روماني قديم كانت الإستراتيجية بتاعته ما يخشش مع العدو في مواجهة شاملة، لقى أن الأحسن يقعد يستدرجه في قضية بعد قضية يضعفه ويحقق الانتصار. أنا ميال إلى أنه..

أحمد منصور(مقاطعا): يعني كل الناس اللي شايلين السلم بالعرض دول مش حيجيبوا نتيجة؟

جلال أمين: يعني أنا أشك أنهم يجيبوا نتيجة.

أحمد منصور: لكن التجزيء هذا مهم؟

جلال أمين: أنا أعتقد أنه ممكن يجيب فائدة، غير أنه كمان كل مادا بتكسب ناس جدد، وفي ناس متحمسين..

أحمد منصور: من الفئات المختلفة التي تهمها هذه القضايا.

جلال أمين: بالضبط.

أحمد منصور: لأن أنت لو قلت الديمقراطية ممكن الشعب مش مهم عنده، لكن لما تقول الآن توفير الرغيف، جمعية توفير الرغيف، وهكذا..

جلال أمين: بالضبط. أنا حأضرب يعني مثل تقول حماية اللغة العربية، واخد بالك؟ لازم نحميها من الفساد اللي بيحصل ده، إصلاح برامج التلفزيون. وهكذا.. لأنها مسؤولة عن  الشاشة.. وهكذا. ممكن تأخذ معارك صغيرة وتحاول النجاح فيها ويمكن دي تجيب نتيجة.

أحمد منصور: يعني تفتيت المعركة مهم.

جلال أمين: صحيح.

أحمد منصور: أحمد عبد الحميد من القاهرة، سؤالك يا أحمد... أحمد.. أحمد عرفة من القاهرة، سؤالك يا أحمد.

أحمد عرفة/ القاهرة: السلام عليكم.

أحمد منصور: وعليكم السلام.

أحمد عرفة: بأقول لحضرتك بالنسبة..

أثر الدور الخارجي في الفساد وفي إحداث التغيير

أحمد منصور: انقطع الاتصال مع أحمد عرفة. إحنا تحدثنا عن عملية التغيير وتكلمنا عن الدور الخارجي، أنت تكلمت عن موضوع الدور الخارجي في التغيرات الاجتماعية. ما طبيعة الدور الخارجي والمتغيرات أن تلعب دورا في المساعدة على عملية التغيير هذه؟

جلال أمين: أنا بس عايز ألفت النظر أنه في المائتي سنة اللي فاتوا مصر، وأظن ينطبق على بلاد عربية أخرى، لم تحقق انتصارا وتقدما حقيقيا إلا لما كان في توازن دولي، ما كانش في انفراد قوة عظمى في السلطة. محمد علي نجح، ممكن تفسر نجاحه في مصر بأن إنجلترة وفرنسا كانوا واقفين وجها لوجه، الند للند، أول ما بريطانيا استفردت بالعالم أو قويت بشدة بالنسبة لفرنسا سقط محمد علي. عبد الناصر عمل شيء مماثل، طول ما كان في روسيا وأميركا في توازن بينهما حقق انتصاراته، بمجرد ما حصل الوفاق بينهما في أواخر الستينات حصلت هزيمة 67. وكأن الاثنين الكبار دول قالوا سيبونا إحنا للعرب نعمل فيهم اللي إحنا عايزينه وأنت تعملي في تشيكوسلوفاكيا، لأنه تقريبا في السنة الثانية مباشرة دخلت الدبابات الروسية تشيكوسلوفاكيا. أنا قصدي أنه في أمل كبير أن شيئا قد يحدث..

أحمد منصور: هناك يأس، الناس تعيش فيه.

جلال أمين: بسبب، أحد الأسباب تسلط قوة واحدة وأنه ما فيش شيء بيوزنها. هل الضعف المتزايد في الاقتصاد الأميركي والوقوف والتصدي له من أوروبا من ناحية من روسيا ومن الصين يمكن أن يجلب لنا مناخا دوليا أصلح للتقدم؟ ممكن، بس ده يأخذ وقت قد إيه؟

أحمد منصور: محمد عبد الحميد من القاهرة، سؤالك يا محمد.

محمد عبد الحميد/ القاهرة: السلام عليكم.

أحمد منصور: وعليكم السلام.

محمد عبد الحميد: عايز أسأل الدكتور جلال، هل في مخاوف عند بعض المعنيين في الأمر في المجتمع المصري من أن يبقى مستقبل مصر شبيها بمستقبل دول مجاورة زي مستقبل العراق، فهل ده ممكن يحصل؟ هل ممكن يحصل فوضى عارمة ولا الموضوع ممكن يتحل بطريقة متحضرة وتؤدي يعني إلى..

أحمد منصور: شكرا لك يا محمد.

جلال أمين: طبعا ده سيناريو يدعو إلى الاكتئاب الشديد طبعا وأنا ميال إلى استبعاده، أنه مثلا يحصل تفتيت لمصر كما حصل للعراق؟ أظن مستبعد، لأن مصر دولة متماسكة من قديم الزمن أكثر من العراق، هذه من ناحية. ومن ناحية ثانية، أنه من سوء حظ العراق ما لديها من ثروة البترول..

أحمد منصور(مقاطعا): نحن عندنا ثروات أكبر من العراق..

جلال أمين (مقاطعا): في مصر؟

أحمد منصور(متابعا): في كل شيء، عندك ثروة إنسان، ثروة موقع إستراتيجي..

جلال أمين (مقاطعا): آه بس مش ده اللي هو له جاذبية شديدة لهم الآن، الجاذبية الشديدة علشان يقووا مركزهم ضد الكتل المنافسة..

أحمد منصور(مقاطعا): وبعدين زي ما حضرتك قلت ده هم بيروحوا يعرضوا أنتم مبسوطين كده؟ عايزين زيادة؟ فهو يجي ليه ويتعب حاله؟

جلال أمين: لا، أنا أعتقد تفتيت مصر يمكن صعب شوية.

أحمد منصور: راجي أحمد من القاهرة، سؤالك يا راجي.

راجي أحمد/ القاهرة: السلام عليكم.

أحمد منصور: وعليكم السلام.

راجي أحمد: أسأل الدكتور بس ما مدى تأثير الفساد الدولي يعني فساد الاقتصاد الدولي أو فساد الاقتصاد الأميركي على وجه الخصوص يعني بيؤثر إزاي أو بيصدر لنا الفساد إلى الوطن العربي والمنطقة العربية مثلا على سبيل المثال مصر مثلا؟

أحمد منصور: شكرا لك.

جلال أمين: والله الملاحظة صحيحة ومهمة، لأنه في.. ما أعرفش مين اللي قال، أظن مالك ابن نبي، الفيلسوف الكاتب الجزائري الكبير، قال إن إحنا عايشين في عصر الاقتصاد. أنا عايز أعدلها شوية، إحنا عايشين في عصر المال المسيطر بشدة بالمقارنة بالخمسين سنة اللي قبلها، وبالتالي الفساد فعلا بينتشر مش بس في الولايات المتحدة، في أوروبا وفي كل العالم بدرجات متفاوتة.

أحمد منصور: لكن لما يكون فساد في ظل قوانين ونظم يبقى شكله مختلف يعني.

جلال أمين: بس على فكرة حتى أصحاب المال وطريقة تحايلهم على القوانين في الدول الصناعية مش بسيط، لأنهم بيتحايلوا على القوانين ويتدخلون في تعيين القضاة بدرجة أكثر مما نتصور. الشكل أجمل من الحقيقة، فطبعا لما يزيد الفساد، لما تكون الشركات الأميركية وغيرها مستعدة لارتكاب الفساد، طبعا بيلاقوا أن إفساد المصريين عملية بسيطة.

أحمد منصور: دكتور حمدي الحديدي من القاهرة، سؤالك يا دكتور.

حمدي الحديدي/ القاهرة: مساء الخير يا افندم.

أحمد منصور: مساك الله بالخير ياسيدي.

حمدي الحديدي: كنا عايزين رأي الدكتور جلال في الدعوة للإضراب يوم الأحد القادم اللي هو ستة أبريل، يعني إيه مداه؟ إيه تأثيره؟ إيه، يعني هل يجب المشاركة فيه؟ ده عمل وطني ولا مش وطني ونتائجه يعني؟

جلال أمين: تقصد أي..؟

أحمد منصور: هناك دعوة دعت لها كثير من الحركات في مصر إلى أن الناس تبقى في بيوتها لإشعار الحكومة بالخطر الداهم الذي يعيش فيه الشعب، هو نوع من.. إضراب سلمي يعني ليس فيه.. يعني الناس تعبر عن غضبها بالبقاء في بيوتها مايروحوش مدارس ما يروحوش أعمالهم ما ينزلوش الشارع يحسسوا الحكومة أن الشعب المصري كله غاضب على ما يتم.

جلال أمين: أنا لا أستطيع أن أعترض على هذا بس أنا أشعر بمسؤولية أن أقول إن المناخ غير مساعد، المناخ غير مساعد أنك تقدر تعبئ عدد كافي من الناس أنهم يقوموا بهذه العملية، أظن مش مساعد. أنه يعني في ظروف أخرى كان ممكن تجيب نتيجة..

أحمد منصور: يعني قضية المناخ دائما مهمة، حضرتك بتركز عليها، المناخ والظروف مهمة لنجاح أي شيء ممكن أن تسعى له.

جلال أمين: مظبوط.

أحمد منصور: رضا عبد المقصود من القاهرة، سؤالك يا رضا.

رضا عبد المقصود/ القاهرة: سؤالي أن الدكتور بيقول، اتكلم عن الفساد وكل الفساد الموجود في البلد لكن ما فيش فيه معالجة للفساد شايفينها. من كلام الدكتور المناخ مش مناسب، الفساد بيزيد، وده كلنا كمصريين شايفينه. أنا بس أرجوه لي طلب واحد عنده أن يوجه للحكومة المصرية اللي كل شيء بترتبه حتى الاعتصام في البيوت اللي بيتكلموا عليه منظم ومرتب مع أجهزة الأمن يعني تحت السيطرة ما فيش حاجة خارجة عن السيطرة ولا إرادة شعب..

أحمد منصور(مقاطعا): طيب خلينا يا رضا نبقى في إطار..

رضا عبد المقصود(متابعا): فنحن عايزين بس طلب من الدكتور أن هو يقول للحكومة بتاعتنا أو أصوات الحق في العالم كله تقول للحكومة بتاعتنا وفوروا لهم زكاة المال اللي عند الأغنياء، الأغنياء بتدي للفقير زكاة المال بس علشان يلتقي رغيف العيش.

أحمد منصور: شكرا يا رضا. القضية مش قضية أنك تقول للحكومة ما الناس بح صوتها للحكومة. لكن هو عنده شق هنا حضرتك ألمحت له وهو كيفية التحرك ضد الفساد وقلت يجب تجزيء المسألة والعمل وفق الجزئيات وليس وفق الكليات. أريد أن أسألك عن الأساليب والوسائل المتاحة، يعني مثلا هم عرضوا الآن وسيلة عملية الاعتصام في البيوت يوم ستة أبريل، إيه الأساليب المتاحة الآن للعمل على إيقاف هذه الوحوش التي تلعب دورا خطيرا في عملية التغيير الاقتصادي والاجتماعي في العالم العربي؟

جلال أمين: طيب، الكتابة وسيلة، وأدينا بنعملها، ولو أنه طبعا جرائد المعارضة عليها قيود شديدة قوي. الكتابة وسيلة، التظاهر وسيلة، التجمع المهني في القضايا، كل قضية يتصدى لها مهنيا ومن المهمومين بها، يعني مثلا لما نلاقي الحكومة عايزة تلغي الدعم للرغيف نواجهه نتصدى له، بس مرة أخرى أؤكد على أن معاملة قضية بعد قضية لوحدها بدون إثارة شعارات عامة أكثر من اللازم.

أحمد منصور: دكتور جلال أمين المؤرخ الاقتصادي والاجتماعي وأستاذ الاقتصاد في الجامعة الأميركية في القاهرة أشكرك شكرا جزيلا، كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن متابعتكم. في الختام أنقل لكم تحيات فريقي البرنامج من القاهرة والدوحة وهذا أحمد منصور يحييكم بلا حدود من القاهرة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.