- مستقبل أوروبا بعد رفض الدستور
- جنون البقر بين فرنسا وبريطانيا


أحمد منصور: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أحييكم على الهواء مباشرةً من العاصمة البريطانية لندن وأرحب بكم في حلقة جديدة من برنامج بلا حدود، تحول حلم أوروبا الموحد إلى كابوس بعد الرفض الفرنسي الهولندي للدستور والتأجيل على التصويت من قِبل بريطانيا والدانمارك والتشيك وبولندا وقد أعقب هذا قمة أوروبية طفحت فيها الخلافات والاتهامات لا سيما بين فرنسا وبريطانيا على السطح وفي الوقت الذي رأى فيه مراقبون أن هذا بدايةً لنهاية الحلم الأوروبي فإن آخرين يرون أن هذا نتاج طبيعي لمن يمارسون لعبة الديمقراطية وفي هذه الحلقة نحاول فهم الأبعاد المترتبة على ذلك وأثرها على مستقبل أوروبا وذلك في حوار مباشر مع البروفيسور جان بول بليد أبرز المؤرخين السياسيين في فرنسا ورئيس مجموعة التفاهم السيادي، وُلد في باريس عام 1942، حصل عام 1965على البكالوريوس في التاريخ الألماني من جامعة السوربون وفي عام 1972 على درجة الدكتوراه من جامعة السوربون أيضا في تاريخ النمسا وألمانيا وفي العام 1982 حصل على درجة أخرى للدكتوراه عن تاريخ النمسا، عمل أستاذا في جامعة ستراسبورغ وجنيف ويعمل منذ العام 1995 أستاذا لكرسي تاريخ ألمانيا المعاصرة والدول الناطقة بالألمانية في جامعة السوربون، عمل رئيسا لدائرة الدارسين والباحثين في فلسفة وسياسات الجنرال ديغول ويرأس منذ العام 2003 تجمع التفهم السيادي وهو تجمع سياسي يضم أحزابا لها رؤية خاصة لأوروبا الموحدة، صدرت له كثير من الكتب عن تاريخ أوروبا خلال القرنين الماضيين كما أشرف على عدد من الكتب البحثية الجمعية من أهمها الديمقراطية الأميركية والديمقراطية الأوروبية والدين والثقافة في المجتمعات الأوروبية ولمشاهدينا الراغبين في المشاركة يمكنهم الاتصال بنا على: 00442075870156 أو يكتبوا إلينا عبر الفاكس: 00442077930979 أو عبر موقعنا على شبكة الإنترنت www.aljazeera.net، بروفيسور جان مرحبا بك؟

جان بول بليد– مؤرخ ورئيس تجمع التفاهم السيادي في فرنسا: أهلا بكم.

أحمد منصور: هل تعتقد أن أوروبا الموحدة في طريقها للاحتضار أو الوفاة بعد التصويت الفرنسي الهولندي ضد الدستور؟



مستقبل أوروبا بعد رفض الدستور

جان بول بليد: أولا أعتقد بأن علينا أن نعود قليلا إلى الوراء وأن نذكِّر بأنه منذ البداية أي منذ أعوام الخمسينيات وأي بعد الحرب العالمية الثانية مفهومين لأوروبا، المفهوم الأول هو الذي كان يتضمن مشروع الدستور أي مشروع أوروبا تتجاوز الحدود الوطنية للدول الأعضاء والتي فيها شيئا فشيئا تبدأ الدول بنقل سيادتها إلى اتحاد أوروبي أو الاتحاد الأوروبي بشكل خاص، المفهوم الثاني لأوروبا والذي كان يمثله في ذلك الوقت الجنرال ديغول هو مفهوم يرتكز على التعاون.. تعاون الدول فيما بينها من أجل سياسات مشتركة ولكن بدون أن تصبح هذه الدول.. أو تتخلى هذه الدول عن سيادتها ومنذ الأعوام الخمسينات هذين المفهومين كانا يتواجهان ويمكن أن نقول هنا إنه منذ منتصف الثمانينيات أي منذ حوالي عقدين المفهوم الثاني هو الذي انتصر من خلال عدة اتفاقيات.. اتفاقية مايسترشت واتفاقية أمستردام واتفاقية نيس وقبل أن نصل إلى دستور الدول الأوروبية كانت قد فقدت جزءا كبيرا من سيادتها مثلا السيادة النقدية وأيضا السيادة التجارية لأنه اليوم مثلا منذ عدة سنوات ليست الدول الأوروبية هي التي تمثل بالمنظمات التجارية وإنما الاتحاد الأوروبي هو الذي يفاوض باسم هذه الدول والدول لم تعد موجودة، إذاً فقدان السيادة هذا كان كثير من الدول تعاني منه فمنذ اتفاقية مايسترشت كان هناك استفتاء وكان النصر فيها في فرنسا مثلا 51% فقط مقابل 49% ضد مما يظهر بأن هناك معارضة على الأقل في فرنسا وفيما يتعلق بالمشروع الذي عُرض على الشعب الفرنسي كما عُرض على الشعب الأيرلندي أيضا كان من المفترض أن نذهب أبعد من ذلك في فقدان السيادة وخاصة مع وجود سياسة خارجية مشتركة، إذاً هذا هو وأيضا هناك أسباب أخرى بالطبع ممكن أن نتحدث عنها هذا الفقدان للسيادة والفقدان للهوية هو الذي رفضه الفرنسيون في التاسع والعشرين من مايو الماضي من خلال الاستفتاء الذي عُرض عليهم؟

أحمد منصور: سؤال مهم، الدستور ضخم ومعقد يزيد عن أربعمائة صفحة وكثير من البنود فيه، هل كل من صوت ضد الدستور قرأ الدستور أو اطلع عليه أم علي أي شيء رفض الهولنديون والفرنسيون والشعوب التي كان من المرتقب أن ترفض أيضا هذا الدستور؟

جان بول بليد: لم أذهب إلى حد أن أدعي بأن كل الفرنسيين وكل الهولنديين قرؤوا الدستور الأوروبي من أول صفحة إلى آخر صفحة بالطبع هذا عبارة عن نص معقد للغاية ولكن ما هو مؤكد هو أن كان هناك نقاش حقيقي وقد رأينا ذلك من.. خاصة في فرنسا ومن خلال برامج متكررة وأيضا من خلال البرامج التلفزيونية والإذاعية التي كانت تتناول هذا الموضوع فقد فهمنا من كل ذلك بأن الفرنسيين كانوا يعتبرون أنفسهم معنيين بهذا النص الدستوري وبالعواقب والنتائج المترتبة عليه ولذلك..

أحمد منصور [مقاطعاً]: على أي شيء رفضوا؟ أي شيء رفضه الفرنسيون؟

جان بول بليد [متابعاً]: كان هناك أدنى خطاب، كان هناك كما قلت قبل قليل هو فقدان السيادة وأعتقد بأنها كانت..

أحمد منصور: لكن فرنسا لم تفقد أيا من سيادتها ولا الدول الأوروبية الأخرى، لازالت السياسات الخارجية كما هي مستقلة، لازالت السياسات الاقتصادية كما هي أيضا لم تفقد أي دولة.. لم نر أي دولة أوروبية فقدت شيئا من سيادتها.

جان بول بليد: منذ.. عندما أن.. أو طبقا لهذا النص كان ينص على إنشاء وزير أوروبي للشؤون الخارجية، كان ذلك يشكل جزء.. سياسةً بالنسبة لهم.. سياسة خارجية مشتركة ممكن أن يسهل بالطبع هذا كثير من الأمور وهذا قابل للنقاش ولكن هذا كان الهدف في الدستور وكان موجود تماما نصا في الدستور، كذلك أبعد من ذلك كان هناك سياسة أمنية مشتركة أيضا، إذاً كان هناك أيضا أسباب أخرى أيضا لعبت دورها، كان هناك الخشية من أن هذا الدستور الأوروبي.. أن يشكل خطرا على النظام الضمان الاجتماعي الفرنسي أي أن هذا الدستور يفتح الباب على نوع من التحرر الاقتصادي الكبير مثل النموذج الأميركي أو البريطاني وهذا الفرنسيين في معظمهم لا يقبلونه.

أحمد منصور: هل يعني هذا التصويت هو نهاية حلم أوروبا الموحدة؟

جان بول بليد: كلا لأنه عندما نقبل فكرة بأن هناك فكرتين لأوروبا.. مفهومين مختلفين لأوروبا إذا كانت إحدى.. أحد هذه المفاهيم قد فشل أو في طريقه إلى الفشل يبقى المفهوم الآخر موجودا وما نستطيع أن نقوله هنا هو أن هذه الاستفتاءات أظهرت بأننا تقريبا في نهاية مرحلة من المراحل، هذه المرحلة التي بدأت قبل عقدين من الزمان لإنشاء السوق المشتركة المبنية على أساس الليبرالية والحرية، هذه أوروبا التكامل المتزايد والمتسارع أعتقد أنها مريضة الآن ولكن هذا لا يعني مع ذلك بأن كل الأفكار الأوروبية قد ماتت وبدلا من هذه أوروبا المتكاملة.. أوروبا التي ستتكون من دولة واحدة نستطيع أن نخلق أوروبا التكامل والتعاون والتي هي موجودة بالأصل ولدينا إنجازات كبيرة ورائعة في هذا المجال وأعتقد مثلا بأن الكل سمع من..

أحمد منصور: كوقوف على الواقع الأوروبي الآن رئيس الاتحاد الأوروبي المستقل جان كلو جنكر رئيس وزراء لكسمبرج قال إن الاتحاد الأوروبي ليس في أزمة وإنما في أزمة عميقة.

جان بول بليد: بالطبع السياسيون أو جزء من الطبقة السياسية الأوروبية وجان كلو جنكر هو ممثل رائع لهذه الطبقة السياسية الأوروبية يربطون مستقبلهم ومصيرهم بهذه الفكرة.. فكرة الولايات المتحدة الأوروبية وبالطبع بما أن الناخبين الفرنسيين وربما آخرين سيأتون بعدهم لو أُجريت هذه الاستفتاءات لو مثلا في الدانمارك أو بريطانيا أو التشيك أو هولندا الشعوب.. هذه الشعوب لديها رؤية مختلفة ولكن هذا لا يعني.. مرة أخرى أكرر ذلك بأن فكرة أوروبا قد أصبحت ميتة ولكن هناك أوروبا أخرى وهي موجودة.

أحمد منصور: كمؤرخ أوروبي وليس فقط فرنسي، ما الذي يمكن أن تكتبه من وصف دقيق ومختصر ومباشر عن هذه المرحلة التي تمر بها أوروبا؟

جان بول بليد: أعتقد أن المشكلة هي مشكلة أيضا فرنسية وفرنسا بدأت تفتح الطريق أمام الآخرين عندما ننظر إلى ردود الأفعال في الدول الأوروبية المختلفة نرى بأن هناك تساؤل كبير وهناك فجوة كبيرة بين الرأي العام.. الرأي العام في الشارع وبين الطبقة السياسية وطبقة المثقفين.

أحمد منصور: ما وصفك لهذا باختصار؟ كيف تصف هذا باختصار.. كيف تصف هذه الحالة؟

جان بول بليد: ببساطة أن هؤلاء المسؤولين السياسيين يميلون إلى تجاهل صف الشعوب فقد رأينا.. فيه ناحية عديدة بأنه كان هناك استفتاءين سابقين في الدانمارك وفي أيرلندا.. في الدانمارك كان هذا الاستفتاء على مايسترشت وفي أيرلندا كانت عن اتفاقية نيس وفي الحالتين الدانمركيين والأيرلنديين صوتوا لا وإذا احترمنا المفهوم الديمقراطي والمبادئ الديمقراطية فإن هذه الاتفاقيات يجب أن تعتبر ميتة ولكن أجبرنا هؤلاء.. هذين الشعبين الدانمركيين عام 1993 والأيرلنديين.. أجبرناهم على التصويت مرة أخرى وتحت ضغوط قوية من أجل الحصول على تصويت إيجابي ولكن في كل حال هذا يظهر بأن هناك فارق كبير وفجوة كبيرة بين النخبة السياسية والاقتصادية والإعلامية في تلك الدول وبين رأي الشارع وإذا أخذنا حالة فرنسا على سبيل المثال فإن الدستور الأوروبي قد تم اعتماده من قبل البرلمان بأغلبية ساحقة من قبل النواب الفرنسيين أي 92% من نواب الفرنسيين والأعيان.

أحمد منصور: معنى ذلك أن البرلمان الفرنسي تحديدا لا يعبر عن رأي الشارع الفرنسي حيث صوت الفرنسيون في البرلمان بـ 72% وصوت الشعب الفرنسي ضد الدستور؟

جان بول بليد: نعم صحيح هذا يشكل مشكلة فيما يتعلق بمبدأ الديمقراطية ولكن ليست هي مشكلة فرنسية فقط لأنني أكرر مرة أخرى في التصويتين السابقين في أيرلندا وفي الدانمارك وفي السويد أيضا فيما يتعلق باليورو فإن معظم النواب كانوا مؤيدين لذلك.. مؤيدين في السويد لليورو ولكن الشعب السويدي رفض ذلك، هذه ظاهرة موجودة وعامة في الدول الديمقراطية عندما نعطي الكلام للشعب حول هذه القضايا المحددة فإنه يتميز بشكل كبير جدا عن نخبته السياسية وعندما تكون هناك انتخابات عامة حول قضايا عامة جدا والتي تؤسس عليها دول أوروبية فإن الوضع مختلف تماما لكن عندما تكون قضايا محددة حول أوروبا بالطبع نرى هناك.ز بأن هناك فجوة كبيرة.

أحمد منصور: معنى ذلك أن الديمقراطية في أوروبا أصبحت مهددة الآن؟

جان بول بليد: إحدى أشكال الديمقراطية هي مهددة، نعم هناك أزمة ديمقراطية في هذه الدول ولهذا السبب..

أحمد منصور: وهل أفهم منك أيضا أن نخبة السياسيين الأوروبيين والإعلاميين والاقتصاديين يختطفون السياسة ويوجهونها باتجاه يخالف رأي الشعوب الأوروبية؟

"
المسؤولون السياسيون يميلون إلى تجاهل صف الشعوب وهذه المشكلة يمكن أن تحل من خلال الديمقراطية أي من خلال استخدام مفهوم الاستفتاء
"
جان بول بليد: الأمثلة التي رأيناها تظهر ذلك نعم بالطبع وأكرر بأن هناك مشكلة حقيقية مشكلة يمكن أن تحل بالطبع من خلال الديمقراطية المباشرة أي من خلال استخدام مفهوم الاستفتاء ومن خلال الاستفتاء نستطيع أن نصل إلى حل هذا المشكلة الديمقراطية.

أحمد منصور: الإعلام.. هل إعلام بريطانيا وبعدها الدانمارك وتشيك وهولندا عن تأجيل التصويت على الدستور هو خوف حكومات هذه الدول من رد فعل الشعوب الذي سيخالف توجهات هذه الحكومات؟

جان بول بليد: أعتقد بالطبع بأنه بعد التصويت في فرنسا وفي هولندا رأينا هناك تصاعد كبير لردة الفعل السلبية في هذه الدول تجاه الدستور مع تحفظ نوعا ما في بريطانيا لأن بريطانيا منذ فترة طويلة تعطي انطباعا بأنها ضد الدستور الأوروبي وربما نستطيع أن نقول هنا بأنه بشكل أو بآخر فإن الرفض الفرنسي والرفض الهولندي قد سحبت نوعا ما الشوكة من رجل توني بلير لأن توني بلير كان قد وعد البريطانيين باستفتاء على اليورو عندما وصل إلى الحكم للمرة الأولى وننتظر لحد الآن هذا الاستفتاء ووعد باستفتاء حول الدستور الأوروبي وكان بالطبع سيخسره وهذا الرفض الفرنسي والرفض الهولندي بالطبع ينقذه من هذه المشكلة وبرأيي..

أحمد منصور: هل هذا تأجيل للتصويت على الدستور أم إلغاء غير مباشر له؟

جان بول بليد: فيما يتعلق بمشروع الدستور بالطبع فإن الرفض الفرنسي والرفض الهولندي بالطبع يعني بأن هذا الدستور قد مات ودُفن فالقانون الأوروبي يقول ذلك لأن أحد المبادئ التي يرتكز عليه هذا النظام هو أنه من أجل أن تكون اتفاقية قد تم تبنِّيها وتدخل حيز التنفيذ لذا يجب أن يوافَق عليها بالأغلبية.. بالإجماع وهنا بالطبع.. هناك دولتين رفضتهما وأضيف إلى ذلك دولتين مهمتين صحيح أن الفرق السكاني واضح لكن الدولتين مهمتين لأنهما دولتان من المؤسسين للاتحاد الأوروبي حتى أوروبا التي بدأت بستة أعضاء فهولندا وفرنسا شاركتا بهذه.. كانتا ضمن هذه الدول الست التي أسست الاتحاد الأوروبي ولا أستطيع أن أتخيل لحظة واحدة بأنه بعد هذا التصويت السلبي يمكن لأي كان أن يطلب من غدا مثلا أو بعد غد أو في أي وقت ما من الفرنسيين أن يصوتوا مرة أخرى على نفس هذا النص فذلك مستبعد تماما.

أحمد منصور: بعد هذا التصويت الذي قلت به أن الدستور يعتبر الأوروبي قد مات كانت القمة الأوروبية في بروكسل في شهر يونيو الماضي قمة مليئة بالصراعات وبالانتقادات لا سيما بين فرنسا وبريطانيا، الرئيس الفرنسي شيراك وصف فرنسا قال إن فرنسا لم تقدم لأوروبا سوى مرض جنون البقر وكان هذا نقدا لاذعا للسياسة الأوروبية وكذلك انضمت ألمانيا إلى فرنسا ضد بريطانيا وتصاعدت الخلافات الأوروبية بشكل كبير للغاية، ما الذي يعكسه تصريح شيراك وهو مستقبل العلاقة بين بريطانيا وفرنسا وألمانيا في ظل هذا الوضع، أسمع منك الإجابة بعد فاصل قصير، نعود إليكم بعد فاصل قصير لمتابعة هذا الحوار فابقوا معنا.

[فاصل إعلاني]

أحمد منصور: أهلا بكم من جديد بلا حدود، في هذه الحلقة التي نستضيف فيها المؤرخ الفرنسي البارز البروفيسور جان بول بليد، كان سؤالي لك عن التنابذ الشديد الذي حدث بين فرنسا وبريطانيا لا سيما الرئيس شيراك حينما قال إن بريطانيا لم تصدر لأوروبا سوى مرض جنون البقر؟



جنون البقر بين فرنسا وبريطانيا

جان بول بليد: هذا النزاع بين فرنسا والمملكة المتحدة ليس بجديد وأستطيع أن أقول بأن هو الشيء الثابت في تاريخ العلاقات بين دول الاتحاد الأوروبي ويجب أن نتذكر أيضا بأن الجنرال ديغول كان معارضا لدخول بريطانيا في السوق الأوروبية المشتركة في الستينيات وأيضا، كان هناك أيضا اختلافات كثيرة وكبيرة جدا وأشير هنا إلى بداية هذا العِقد وأيضا اليوم الاتفاقيات حول الحرب على العراق، هذه القضية قضية الميزانية لأن الخلاف الرئيسي كمفهوم وموضوع القمة في يوليو الماضي كان عن الميزانية، قضية الميزانية هذه كلنا نعرف منذ فترة طويلة بأنها ستؤدي إلى صعاب وإلى أزمة لأنه كان هناك خلاف كبير وعميق منذ فترة وظهر من خلال المفاوضات التمهيدية قبل القمة وكنا نعرف بأن هذه الخلافات كانت هامة وبالطبع فإن الأزمة التي نشأت من التصويت السلبي في فرنسا وهولندا قد عزز من هذه الصعاب وربما أيضا لأن جاك شيراك كان يشعر بأنه أصبح ضعيفا بعد التصويت السلبي ورفض الدستور الأوروبي في فرنسا ولذلك هذا ربما دفع به إلى أن يحاول أن يبدو في مظهر آخر أمام الأوروبيين.

أحمد منصور: هل رئاسة بريطانيا للاتحاد الأوروبي لهذه الدورة يعني مزيدا من الانتكاسات؟

جان بول بليد: نحن ما زلنا في بداية الرئاسة البريطانية ومن الصعب أن نعرف ما الذي ستكون عليه النتيجة ولكن ما نعرفه هو أن توني بلير قد ألقى خطابا هاما أمام البرلمان الأوروبي كان ذلك في نهاية يونيو قبل أن يتسلم الرئاسة وما يظهر من هذا الخطاب هو أنه يبرز النظام الاجتماعي لأن النظام الاجتماعي لأوروبا غير النظام الاجتماعي في فرنسا.. في ألمانيا أي النظامين الاجتماعيين الفرنسي والألماني تتدخل فيه الدولة بشكل كبير وفي مرات عديدة وخلال المؤتمر الصحفي الذي عقده في الرابع عشر من تموز الماضي جاك شيراك دافع عن هذا النظام الاجتماعي الفرنسي وعارض النظام الاجتماعي البريطاني الذي لا يعطي الدولة نفس صلاحية حماية الشعب ويبدو لي بأن أحد النقاشات خلال الأشهر المقبلة سيكون حول هذه القضية ولكن تبقى هناك مسألة.. لأنه منذ الخطاب.. خطاب نهاية يونيو في ستراسبورغ في أن الأحداث..

أحمد منصور: لا أريد أن أدخل في التفاصيل أنا يعني أريد أن أسأل.. أريد دائما إجابات مختصرة ومباشرة كما قلت لك قبل بداية الحلقة لأن التفاصيل يعني كثيرا مغرقة في التفاصيل، هذه الأمور الآن هل التصويت ضد الدستور الأوروبي والوضع الذي وصلت فيه أوروبا الآن ضد مصالح أميركا أم لصالح أميركا؟

جان بول بليد: حول هذه النقطة جوابي سيكون واضحا أن رفض الدستور الأوروبي لم يكن مرضيا بالنسبة لمصالح الولايات المتحدة.

أحمد منصور: لماذا؟

جان بول بليد: لماذا، بالطبع لأننا إذا قرأنا نص الدستور سنجد الفقرة 41 والتي تقول إن الدفاع عن أوروبا يجب أن يكون في إطار حلف الناتو، إذاً هذا يعني بشكل واضح تماما أن هذا الدستور الأوروبي لا يمهد الطريق لاستقلال دبلوماسي وعسكري لأوروبا عن الولايات المتحدة الأميركية وأضيف أيضا هنا مشكلة أخرى تاريخية وهذا ليس بشيء جديد لأنه بعد نهاية الحرب عام 1952 وبدأت الحرب الباردة عندما قام المسؤولون الأوروبيون وبضغط من أميركا بوضع مشروع للجيش الأوروبي كان يمكن أن يكون كان سيكون جزءا من حلف الناتو وبالطبع رُفض هذا المشروع لاحقا من قبل الفرنسيين ولكن نرى جيدا هنا بأن خلف هذا النشأة الأوروبية كانت هناك بشكل أو بآخر وعلى الدوام الوجود نوعا من الوجود.. من التأثير الأميركي..

أحمد منصور: معنى ذلك أن أوروبا لازالت تابعة في سياستها للولايات المتحدة الأميركية ولا توجد سياسات أوروبية مستقلة؟

"
الدول الأوروبية إذا تصرفت على شكل دول منفصلة يمكن أن تكون سياساتها مستقلة عن أميركا، مثال ذلك الأزمة العراقية ففرنسا وألمانيا اتخذتا موقفا معارضا للسياسة الأميركية، فلو كانت هناك سياسة مشتركة للأوروبيين لاتخذ الاتحاد الأوروبي موقفا مؤيدا لأميركا
"
جان بول بليد: هناك إمكانية بالنسبة للدول الأوروبية أن تكون مستقلة من الولايات المتحدة إذا كانت تتصرف على شكل دول منفصلة وقد رأينا ذلك مؤخرا خلال الأزمة العراقية لأن خلال هذه الأزمة فرنسا وألمانيا كانا يتصرفا كدول لوحدها اتخذت مواقف معارضة للخط أو للسياسة الأميركية أنه لو كان هناك سياسة مشتركة للأوروبيين في ذلك الوقت لكان على الأرجح أن الاتحاد الأوروبي قد اتخذ موقفا مؤيدا لأميركا لأن كان هناك أغلبية في أوروبا.. في أوروبا الجديدة التي وصفها رامسفيلد كان هناك أغلبية في أوروبا تؤيد الموقف الأميركي في ذلك الوقت ولذلك لو كان هناك قرار بالأغلبية لكانت فرنسا وألمانيا قد أصبحت هي الأقلية في أوروبا وكان من الممكن لهاتين الدولتين أن تكون لها سياسة مستقلة وقد حياها أعتقد الكثير من الناس في العالم لأنهما تصرفتا بشكل فردى.

أحمد منصور: اسمح لي ببعض المداخلات، حسن عبد الكبير من تونس تفضل، يبدو أن هناك مشكلة في الاتصال، لديّ هنا حمدي حيدر رجل أعمال من ألمانيا يقول إن مستقبل الاتحاد الأوروبي مرهون بتحديد سياسة أوروبا من الولايات المتحدة الأميركية هل تعتقد ذلك؟

جان بول بليد: بالطبع هذا يتوافق مع ما قلته قبل قليل أنه حتى الآن وبشكل جماعي يبدو بأنه من الصعب للغاية أن يتخذ الاتحاد الأوروبي موقفا مختلفا عن الولايات المتحدة بشكل جماعي ولا يمكن لذلك أن يتم إلا بشكل فردى أن تتصرف كل دولة بشكل منفصل عن الاتحاد الأوروبي ولكن كما تعرفون بأنه عندما تطرأ قضايا حاسمة مثل قضية الأزمة العراقية فإننا نرى اختفاءً نوعا ما من الاتحاد الأوروبي.

أحمد منصور: لماذا انقسمت.. في تصورك لماذا انقسم الموقف الأوروبي تجاه العراق ولماذا خالفت بعض الدول الولايات المتحدة.. بعض الدول الأوروبية وعلى رأسها فرنسا الولايات المتحدة في غزوها للعراق؟

جان بول بليد: بالطبع السبب هو أنه كان هناك كثير من الدول أو على مستوى النخب السياسية نوع من التقليد أو التراث بمساندة الولايات المتحدة أو تكون سياستهم مساندة للولايات المتحدة وإذا عدنا إلى التاريخ في نهاية الحرب العالمية الثانية وينستون تشرشل قال للجنرال ديغول.. كان يقول بينكم أنتم.. أي الأوروبيين والولايات المتحدة فإنني سأختار الولايات المتحدة أي أنه لم يكن هناك شيء جديد فيما يتعلق.. فتوني بلير وبشكل منطقي وطبيعي أتخذ سياسة أسلافه.

أحمد منصور: هل يُفهم من ذلك أنه لا توجد سياسات أوروبية واحدة تجاه العالم الإسلامي وتجاه الدول العربية؟

جان بول بليد: فيما يتعلق مثلا بالأزمة العراقية كان ذلك واضحا لأنه حتى اليوم هناك عدد من الدول في الاتحاد الأوروبي لديها قوات على الأرض في العراق وتشارك بقوات التحالف التي تقوده الولايات المتحدة مثل بريطانيا وغيرها وأيضا إيطاليا وأيضا الدانمارك وأيضا هولندا.. أيضا.. وأيضا بولندا ورومانيا أيضا رغم أنها ليست عضوة في الاتحاد الأوروبي بعد، إذاً وبشكل معاكس هناك دول أخرى في الاتحاد الأوروبي مثل فرنسا ومثل ألمانيا وبلجيكا ولوكسمبورغ وإسبانيا الآن التي ترفض ذلك تماما، إذاً الخلاصة هي واضحة بأنه لا يوجد هناك موقفا أوروبيا موحدا فيما يتعلق بهذه القضية الحاسمة التي كانت قبل ثلاث سنوات ومازالت لليوم.

أحمد منصور: ناصر الدين سلماني من الجزائر تفضل يا أخ ناصر.

ناصر الدين سلماني: السلام عليكم يا أخ أحمد.

أحمد منصور: وعليكم السلام يا سيدي.

ناصر الدين سلماني: الأخ أحمد فيما يخص الدستور الأوروبي أخ أحمد.

أحمد منصور: نعم سؤالك.

ناصر الدين سلماني: أسمع فيا..

أحمد منصور: نسمعك تفضل سؤالك.

ناصر الدين سلماني: الدستور فيما يخص الدستور الأوروبي هما والأنظمة العربية الدساتير العربية أو الدساتير الأوروبية أسمع فيا أخ أحمد؟

أحمد منصور: ناصر نسمعك، سؤالك مباشرة يا ناصر نسمعك يا أخي نسمعك تفضل.

ناصر الدين سلماني: فيما يخص الدستور الأوروبي هناك ضغط من أميركا على إقرار هذا الدستور ولكن رأي الشعوب الأوروبية بذلك لم..

أحمد منصور: شكرا يا ناصر، هو يقول إن أميركا ضغطت من أجل إقرار الدستور ولكن الشعوب الأوروبية صوتت ضده، هل يعني ذلك موقفا من الشعوب الأوروبية مضادا لسياسة الولايات المتحدة وعلاقة الدول الأوروبية بالولايات المتحدة؟

جان بول بليد: لا أعرف إذا كانت الإدارة الأميركية قد مارست ضغوطا على الحكومات والدول الأوروبية أو على الشعوب الأوروبية ولكن ما هو أكيد هو أنه على مستوى الرأي العام كان هناك ميلا كبيرا ناقدا لسياسة الولايات المتحدة كان منذ فترة بسيطة استفتاء نُشر قبل عدة أيام والذي يسأل الفرنسيين والبريطانيين والألمان والأوروبيين الآخرين إذا كانوا يعتقدون أن اليوم كان الأكثر آمنا مما كان قبل غزو العراق فكان هذا بالطبع بعض الأمور القوية التي ينادي بها بوش وكان جواب هذه الشعوب الأوروبية في هذا الاستفتاء بأن في معظم.. بين كل الشعوب الأوروبية ليست على مستوى الحكومات لكن على مستوى الشعوب كانوا يقولون أو أجابوا بشكل واضح وصريح بأنهم كانوا معادين للسياسة الأميركية ويعتبرون أن العالم لم يصبح آمنا بل على العكس أصبح أقل أمنا منذ غزو العراق وأضيف هنا أيضا بأن في فرنسا هو بالطبع هو التي كانت أكثر معاديا لأميركا أكثر من 75%.

أحمد منصور: ما هي الخطوة القادمة للاتحاد الأوروبي في تصورك؟

جان بول بليد: الخطوة التالية بالطبع هي أنه بعد أن حصل ما حصل ورُفض الدستور في دولتين أن نحاول أن نحدد أو نعرف تنظيم جديد كما قلنا في البداية بأن هذا الرفض الأوروبي لا يعني نهاية أوروبا ولكن إذ علينا الآن أن نتخيل أو نتصور صيغا أخرى وحلولا أخرى تعطي أو تعطي سيادة أكبر.

أحمد منصور: ما هي أهم هذه الحلول باختصار؟

جان بول بليد: يجب بالطبع أن يكون هناك اتفاقية جديدة واتفاقية تعطى الدول الوطنية والأولوية على الاتحاد وإلى التعاون مع إمكانية بالنسبة لبعض الدول إذا أرادت أن يكون هناك تعاون أكبر لكن لا أن نكون مجبرين دائما أن نفعل كل شيء على خمسة وعشرين أو ثلاثين دولة لو انضمت دول أخرى إلى الاتحاد الأوروبي مثل بلغاريا ورومانيا ولكن أن تكون هناك إمكانية لخمس أو ست دول أن تكون لها سياسة موحدة ضمن الاتحاد الأوروبي.

أحمد منصور: معنى ذلك أن الاتحاد الأوروبي يمكن أن ينكمش إلى الدول الست الأولى التي شكلت نواته الأساسية؟

جان بول بليد: ليس بالضرورة لأن من ضمن هذه الدول التي ممكن أن تشترك بتعاون أوثق هناك بعض الدول التي ليست عضوا في نادي الستة مثل إسبانيا والنمسا ولكن هذا التعاون الوثيق هو ذو طبيعة متغيرة ويتم وفقا للموضوع والمسألة ممكن أن يكون تعاون وثيق مع بعض الدول حول هذه المسألة ومع دول أخرى على مسألة أخرى.

أحمد منصور: إسماعيل محمد زين من السودان تفضل يا أخ إسماعيل.

إسماعيل محمد زين: نعم بأسأل الدكتور وأقول له الحرب النفطية بالنسبة للدول العربية هل مؤثرة كتاريخ في الغد؟ مؤثرة في المستقبل يعني..في يد العرب كسلاح؟

أحمد منصور: أي حرب قلت؟

إسماعيل محمد زين: الحرب النفطية لحرب البترول.

أحمد منصور: آه حرب النفط نعم.

إسماعيل محمد زين: اليوم البترول يحصل 65 دولار في أميركا.

أحمد منصور: نعم شكرا لك حمزة عبد الرحمن من فلسطين تفضل يا أخ، حمزة.

حمزة عبد الرحمن: السلام عليكم.

أحمد منصور: وعليكم السلام، سؤالك.

حمزة عبد الرحمن: تحياتي لك ولضيفك الكريم يا سيدي.

أحمد منصور: شكرا لك.

حمزة عبد الرحمن: سؤالي مباشر لماذا هذا الدعم الهائل والمستمر من قبل الاتحاد الأوروبي لإسرائيل برغم كل اللمسات العاطفية تجاه العرب إن الفعالية الأوروبية لدعم إسرائيل مستمرة منذ خلقت إلى اليوم..

أحمد منصور: طب حتى نترك له الفرصة للإجابة لأن لا يوجد وقت لم يبق وقت كثير لماذا كل هذا الدعم الأوروبي من الاتحاد الأوروبي لإسرائيل رغم ما تقوم به إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني؟

جان بول بليد: حول هذه النقطة قد لا أكون واثقا تماما ولكني أعتقد بأن الاتحاد الأوروبي لديه موقف مختلف عن الموقف الأميركي ولكن ما هو مؤكد وهو مثال آخر على ضرورة الاستقلال فيما يتعلق بفرنسا فمنذ سنوات طويلة لديها سياسة واضحة حول هذا الموضوع أي أنها مؤيدة لإنشاء دولة فلسطينية وهذا موقف تم اتخاذه منذ سنوات عديدة ويعود وهذا منطق للسياسة التي أسسها الجنرال ديغول بعد حرب عام 1967 وفي ها الحالة الراهنة أي اليوم فإن الأحداث التي تحدث اليوم في فلسطين فإن فرنسا بالطبع تدعم الانسحاب الذي أُعلن من قطاع غزة ولكن بشرط هو أن هذا الانسحاب لا يشكل خطرا من أجل أن يكرس احتلالا آخر في الضفة الغربية أو من أن يضفي شرعية على الجدار العازل ومن خلال ذلك يؤدى إلى قضم الأراضي الفلسطينية ضد مصالح الفلسطينيين وأضيف هنا أيضا بأن الوضع الموجود حاليا على الأرض أي بعد مغادرة بنيامين نتنياهو من الحكومة الإسرائيلية هو وضع غير واضح المعالم وغير مستقر بالنسبة للحكومة الإسرائيلية وممكن أن يعزز معسكر المتشددين في إسرائيل وممكن أن نضيف أيضا أو ربما سنذهب إلى انتخابات مبكرة في إسرائيل وفترة عدم استقرار.

أحمد منصور: المؤرخ الفرنسي البارز البروفيسور جان بليد شكرا جزيلا لك كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن متابعتكم، في الختام أنقل لكم تحيات فريقي البرنامج من لندن والدوحة وهذا أحمد منصور يحييكم بلا حدود من لندن والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.