- الهيمنة الأميركية والتوازن الدولي
- أوروبا ومزاجية السياسة الأميركية
- الشرق الأوسط بين سياستي أميركا وأوروبا
- الديمقراطية الأميركية ومستقبل العراق
- السياسة الأميركية والدور الأوروبي
- السياسة الأميركية والصمت الصيني
- فرنسا ودورها في القضايا العربية

أحمد منصور: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أحييكم على الهواء مباشرة وأرحب بكم في حلقة جديدة من برنامج بلا حدود، لم تعد أوروبا هي فرنسا أو بريطانيا أو إسبانيا وإنما صارت كتلة اقتصادية وسياسية وسكانية تضم خمسا وعشرين دولة ومن ثم فحينما يخاطب الرئيس الأميركي أوروبا فإنما يخاطب كتلة منافسة دون شك أو موازية للولايات المتحدة الأميركية، فما هي طبيعة العلاقة التي تربط بين أوروبا والولايات المتحدة؟ وهل ثمة خلافات فعلية بينهما أم أن كلاهما وجهان لعملة واحدة؟ وما هي رؤية كل منهما تجاه ما يدور في منطقتنا العربية؟ وما هو الموقف الأوروبي مما يدور في العراق وفلسطين وسوريا ولبنان والسودان وإيران؟ تساؤلات أطرحها على الهواء مباشرة على أحد حكماء أوروبا كما يوصف وأحد أقطابها السياسيين البارزين السيد هوبير فيدرين وزير خارجية فرنسا الأسبق، ولد هوبير فيدرين في فرنسا عام 1947 حصل على دبلوم الدراسات السياسية من معهد باريس للدراسات السياسية وعلى دبلوم عال في التاريخ، تولى مناصب عديدة في وزارة الثقافة الفرنسية بين عامي 1974 و1979 ثم انتقل إلى وزارة الخارجية حتى العام 1981، انتقل بعد ذلك إلى قصر الإليزيه حيث عمل بين عامي 1981 و1986 مستشارا دبلوماسيا لرئيس الجمهورية الفرنسية ثم أصبح ناطقا رسميا باسم رئاسة الجمهورية في فرنسا بين عامي 1988 و1991، أصبح بعد ذلك أمينا عاما لرئاسة الجمهورية بين عامي 1991 و1995 ثم قاد دورة تدريبية عن طرق صناعة القرار بالسياسة الخارجية بمدرسة الدراسات والعلوم الاشتراكية، أصبح وزيرا للخارجية الفرنسية وأحد صناع السياسة الخارجية الأوروبية بين عامي 1997 و2003 وعُرف بمواقفه المنتقِدة للسياسة والهيمنة الأميركية على العالم، قام في العام 2003 بتأسيس مجلس هوبير فيدرين للاستشارات والخدمات في المجالات الاقتصادية والجيوسياسية والعلاقات الخارجية بمعهد الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا ميتران، أَّلف عدة كتب منها حقبة فرانسوا ميتران، أحياء فرنسا في زمن المواجهة وكتابه في مواجهة القوى العظمى.. ولمشاهدينا الراغبين في المشاركة يمكنهم الاتصال بنا بعد موجز الأنباء على 009744888873 أو عبر الفاكس هنا في الأستوديو 00974890865 أو عبر موقعنا على شبكة الإنترنت www.aljazeera.net معالي الوزير مرحبا بك.


الهيمنة الأميركية والتوازن الدولي

هوبير فيدرين– وزير خارجية فرنسا الأسبق: أسعدتم مساءً.

أحمد منصور: شكرا على مشاركتك معنا في بلا حدود وأسألك بداية عن الآثار المترتبة عن الهيمنة الأميركية على مسار القرار الدولي؟

هوبير فيدرين: أولا أود أن أشكرك على دعوتك لي إلى هنا وما يوفر لي فرصة لأعبر.. أن أعبر عن نفسي أمام جمهور كبير جدا هو جمهور مشاهدي قناتكم وهذه مناسبة أثمِّنها أجمل التثمين إذ تسمح لي أن.. ولو أنني لا أشغل منصبا رسميا حاليا، أن أطرح وجهة النظر الفرنسية على العالم العربي، فيما يتعلق بالهيمنة الأميركية بالإمكان أن أطرح أسماء كثيرة يمكن أن نستطيع أن نقول أنهم القوى العظمى الوحيدة، يمكن أن نقول إنها قوة الهيمنة ويمكن.. أنه أصبحت منذ عام 1990 القوة الخارقة في العالم، إن الأميركان يتحلَّمون عن (Leadership) القيادة الضرورية أي أنهم الدولة التي تنظم شؤون العالم ولكن نظرا لأن هناك الكثيرين في العالم منزعجون من هذا الموقف والوضع فأستطيع أن أقول لك فورا بأن الولايات المتحدة أصبحت قوى مهيمنة لأن قوى أخرى كثيرة فشلت وبالتالي فقد خلقت لها..

أحمد منصور [مقاطعاً]: مَن هي هذه القوى؟

هوبير فيدرين [متابعاً]: وآخر هذه الدول هي الاتحاد السوفيتي، فبعد الفشل الاقتصادي الكبير والسياسي الكبير اختفى الاتحاد السوفيتي في عام 1991 وخلال القرن الماضي واجهت الولايات المتحدة الكثير من الإمبراطوريات والقوى وكما تعلمون.. كما حصل في الحرب العالمية الثانية، إذاً فإن بروز الولايات المتحدة هو نتيجة فشل الآخرين، إذاً لا يجب النظر إلى الولايات المتحدة بطريقة منزعجة بل يجب أن ننظر لماذا وصلت إلى هذه النتيجة ووصلت إلى هذه..

أحمد منصور: هل أوروبا مرشحة لتُحدث توازنا دوليا مع الولايات المتحدة أم أن أوروبا هي الوجه الآخر للولايات المتحدة الأميركية وكلا الطرفين وجهان لعملة واحدة؟

هوبير فيدرين: هل أن أوروبا والولايات المتحدة وجهان لعملة واحدة؟ هذا أمر قابل للمناقشة، إن الطرفين يتبعان حضارة واحدة بمعنى واسع ولكن الاختلاف بينهم كبيرة جدا، إن من ينظر إلينا ومن يسافر إلى أوروبا وإلى الولايات المتحدة يجد أن البلدين أو العالمين هذين مختلفين جدا.

أحمد منصور: ما هي أوجه هذا الاختلاف بين هذين العالمين؟

"
أميركا كلاسيكية وتقليدية في نظرتها الإمبريالية بينما أوروبا كان لها نفوذ كبير في العالم وتريد هذا النفوذ عن طريق القدوة الحسنة والقانون
"
هوبير فيدرين: إن أوروبا أكثر ذات نزعة حِمائية أكثر فيما يتعلق بأفرادها وعلى الصعيد الاجتماعي أما الولايات المتحدة فتولي أهمية أكبر إلى مسألة الإبداع والخلق والطاقة ولو أن الضحايا يكونون في هذه الحالة أقل حماية مما هم عليه المواطنين في أوروبا وإن اللجوء للقوة ليس متشابه لدى الطرفين وهذا يتعلق بالعادات، أيضا في أوروبا لجوء القوة غير مقبول بشكل عام أما في الولايات المتحدة فهو أمر بشكل عام مقبول من الجمهور، إن الولايات المتحدة كلاسيكية تقليدية في نظرتها الإمبريالية بينما أوروبا كانت لها نفوذ كبير في العالم وتريد هذا النفوذ عن طريق القدوة الحسنة وعن طريق القانون..

أحمد منصور: ربما يكون هذا الخلاف خلاف في أسلوب الحياة في أسلوب التعامل في طريقة الحياة ولكن هل ثمَّة خلاف أوروبي أميركي حقيقي وما هي مواطن هذا الخلاف؟

هوبير فيدرين: إن كل شخص لديه أفكاره وكل طرف لديه آرائه وأن.. وسواء كنا عرب أو في الصين أو هندي فإن لكل طرف رأيه ليقول إن الأمر متشابه أم هناك اختلاف ولكن المهم أن تسمع الطرفين، فيما يتعلق بأوروبا والولايات المتحدة بالنسبة للأوروبيين ولو أنهم أصبحوا اتحاد وهو اتحاد قوي كما ذكرت أنت قبل قليل لا يحملون نفس الفهم والمفاهيم، إنهم يتقربون إلى بعضهم ولكن ولكي يصبح نوع من التنسيق بين الدول الخمسة والعشرين التي يضمها الاتحاد وهذا ينطبق على الدول العربية وعلاقاتهم بالصين والدول العربية، إذاً هذه العملية مازالت قيد الإنشاء والتطور ومازال الوقت مبكرا للإجابة على سؤالك هذا، أنا شخصيا أعتقد أن أوروبا مختلفة.

أحمد منصور: كيف؟

هوبير فيدرين: التجربة التي عاشتها أوروبا مع العالم وبقية العالم لأسباب تاريخية فيها جوانب إيجابية وأخرى سلبية ولكنها تبقى تجربة، أعتقد أن الأوروبيين يفهمون أفضل تعقُّد وتنوع العالم العربي ولا ينتهجون أسلوب جعل الأمور كلها متشابهة وأعتقد أنه مقارنة بالولايات المتحدة إن نظرة الأوروبيين للعالم تختلف جدا إذ أنهم يحملون نظرة خاصة للغاية وليس من باب الصدفة أن الكثير من دول العالم في منطقتكم وفي خارجها يتجهون إلى أوروبا على أمل أن أوروبا تستطيع أن تلعب دور مازالت لا تلعبه اليوم ربما ستؤديه غدا علينا أن ننتظر..

أحمد منصور: لكن أوروبا لا تلعب هذا الدور وكثير من العرب ينظرون إلى أوروبا على أن سياستها لا تقل سوءا عن سياسة الولايات المتحدة الأميركية لا سيما تاريخيا، تاريخيا قامت فرنسا بارتكاب أعمال بشعة ضد الجزائريين، قامت بريطانيا أثناء احتلالها أيضا بالقيام بأعمال بشعة ضد الدول التي احتلتها مصر وغيرها من الدول الأخرى، فأنتم كأوروبيين بالنسبة لكثير من العرب لا تقلُّون سوءا عن الأميركان، الأميركان الآن يمارسون ما يمارسونه في العراق وإسرائيل تمارس ما تمارسه في فلسطين وأوروبا لها تاريخ حافل أيضا فيما يتعلق بالتعامل معنا فنحن ضحايا لكم وللأميركان بشكل أساسي كعرب يعني.

هوبير فيدرين: أعتقد أن العرب لديهم أفكار وآراء مختلفة جدا عن هذه الفكرة، إنني أعرف جميع الدول العربية وحول هذا الموضوع تذكرت هناك.. أعرف آراء مختلفة ومناقضة فيما بينها.. هو أن في بعض الدول العربية التي كانت مستعمرة من قِبل هذه أو تلك الدولة الأوروبية فرنسا أو بريطانيا أو غيرها، هناك عادة علاقات وثيقة جدا بقيت ما بعد فترة.. في فترة ما بعد الاستعمار وبعد الاستعمار شهدت علاقات جديدة وحُكما جديدا..

أحمد منصور: لأنكم عمليا لم تخرجوا بعد الاستعمار، عمليا لم تغادروا هذه الدول وجئتم بحكام ولاؤهم لكم أنتم وليس لشعوبكم وليس لدولهم وهم الذين يحكمون الآن.

هوبير فيدرين: هذه وجهة نظر قابلة للنقاش، لنقُل أولا إن قادة هذه الدول لا.. غير راضين ولا يشعرون بالسعادة عندما يسمعون رأيكم هذا، إن قادة الدول ذات الاستقلال والسيادة وذات الاستقلال الحديث لا يسعدهم كلامك هذا، إن الكثير من الدول التي كانت مستعمرة سابقا قررت بنفسها أن تجري علاقات قوية مع الدول المستعمِرة أو القديمة، ليست جميع الدول بعضها فضلت الانفصال تماما وأقُل لكم.. لحظة أن اليوم معظم الدول العربية سواء كانت مستعمرات قديمة لأوروبا أم لا جميعها تتمنى أن تلعب دور.. أوروبا دورا أكبر، إذاً فإن الذكريات التي تحملها نحو أوروبا..

أحمد منصور: ربما..

هوبير فيدرين: ليست سلبية تماما، يبدو أن هنا أفكارا إيجابية حولها أيضا..

أحمد منصور: لا أريد الخوض في التاريخ أريد أن أبقى قليلا في الواقع، في فبراير من العام 2002 وَصفتَ دبلوماسية بوش بأنها على طريقة أهل تكساس ووَصفتَ واشنطن بالسذاجة والتبسيطية في تناول شؤون العالم وتقسيمه بين محور للخير ومحور للشر، رَدَّت عليك واشنطن بعنف واتهمتك بالمزاجية والهلوسة، هل لازلت على مواقفك المتهَمة بالمزاجية والهلوسة تجاه السياسة الأميركية؟ أسمع منك الإجابة بعد فاصل قصير، نعود إليكم بعد فاصل قصير لمتابعة هذا الحوار فابقوا معنا.



[فاصل إعلاني]

أوروبا ومزاجية السياسة الأميركية

أحمد منصور: أهلا بكم من جديد بلا حدود، في هذه الحلقة التي نستضيف فيها وزير الخارجية الفرنسي الأسبق السيد هوبير فيدرين، هل لا زلت على مواقفك المتهمة بالمزاجية والهلوسة تجاه السياسة الأميركية؟

هوبير فيدرين: نعم في بداية عام 2002 أطلقتُ تحذيرا بقولي إنه من الخطر جدا إجراء تحليل مبسط للعالم بهذه الطريقة ففي السياسة الأميركية الخارجية لم تكن هناك سوى مسألة الإرهاب واختفت جميع القضايا الأخرى، فقلت إن هذه طريقة مبسطة لمعالجة موضوع الإرهاب عن طريق القوة العسكرية فقط، قد تكون القوة العسكرية ضرورية أحيانا ولكن قد تكون هذه الطريقة مبسطة أكثر من اللازم فالقضية معقدة وكما قلت إن على الولايات المتحدة أن تحلل تعقيد العالم ودرجة تعقيده بشكل أفضل وهذا ينطبق على سياستها هي وإنني أعتقد أن الأوروبيين لا يعرفون مدى خطر أو ما هو موجود في العالم وبالتالي عليهم أن يكونوا أكثر.. إذاً هناك وجهان للغرب غير متشابهان تماما..

أحمد منصور: معنى ذلك أن أميركا لا تفهم العالم بالشكل الذي تفهمه أوروبا؟

"
إن لأوروبا ماضيها العريق بما في ذلك ماضيها الاستعماري وهذا يعطيها معرفة متبادلة مع الشرق الأوسط، أما أميركا فهي تعتقد أن نظامها هو أفضل الأنظمة وأن العالم عليه أن يستفيد منها
"
هوبير فيدرين: نعم لأنه.. بالضبط إن لأوروبا ماضيها العريق، الماضي بما في ذلك ماضيها الاستعماري الذي تطرقت إليه قبل قليل وإن هذا يعطيها معرفة متبادلة مع الشرق الأوسط، أما الولايات المتحدة فهي تعتقد وبإخلاص أن نظامها هو أفضل الأنظمة وأن عليها.. أن العالم عليه كله أن يستفيد منها وبالتالي فإن السيد بوش يعتقد أن لديه مهمة كبيرة جدا كان يحملها الأوروبيون في السابق أما الآن فهم قد تغيرواُ،إذاً فإن أسلوب تعاملهم مع العالم الخارجي قد اختلف، إذاً أميركا تريد أن تطلق الحرية والديمقراطية وهذا أمر جيد ولكن طريقة نظرتها إلى نشر الديمقراطية طريقة مبسطة، إذاً وجهتان النظر مختلفتان..

أحمد منصور: سأتناول معك هذا بالتفصيل ولكن في كلمة ألقيتها أنت في 19 مارس 2002 أمام الجلسة الافتتاحية للدورة الثانية للمعهد الدبلوماسي التابع لوزارة الخارجية، قلت للدبلوماسيين الفرنسيين ما خلاصته أن فرنسا يجب أن تتعلم أن تقول لا لأميركا، لماذا لا تقولون لا لأميركا؟

هوبير فيدرين: أولا إن فرنسا تفعل ذلك غالبا، بل أقول إن فرنسا عليها أن تقول دائما كلا فهي بلد قوي ومستقل وقوى عظمى وبالتالي فهي تقول لا ولكن أقول إن فرنسا وأوروبا كما أتمنى يجب أن تستطيع في أحيان أن تواجه الولايات المتحدة وتقول لها لا ولكن أوروبا لا تقول نعم أيضا للولايات المتحدة فكل قوى العالم اليوم تفعل ذلك، الدول العربية تفعل ذلك وتقول أحيانا لا وأحيانا نعم..

أحمد منصور: ليتها تفعل.

هوبير فيدرين: الصين تفعل ذلك هذه حقائق..

أحمد منصور: ليت الدول العربية تفعل ولكن الدول العربية للأسف لا تفعل كما يرى كثير من المراقبون، هل نجح الرئيس الأميركي..

هوبير فيدرين: ولكن تتفق معي أنه لا يمكن أن نقول أتوماتيكيا تلقائيا نعم أو تلقائيا كلا طوال الوقت هذه ستكون محنة..

أحمد منصور: الكثيرون يقولون تلقائيا نعم والذين يقولون لا ربما لتحقيق مصالح معينة مثل فرنسا تقول لا من أجل مصالحها هي وليس من أجل مصالح الآخرين.

هوبير فيدرين: نعم أترك لك تعليق على الدول العربية لك ولكن منذ الجنرال ديغول فإن التقليد الذي تبعه فرنسوا ميتران واليوم شيراك فرنسا تحتفظ بحقها بالقول نعم أو لا حسب الحالات، إنه من المفضل أن نتعاون مع الولايات المتحدة إذا ما اتفقنا معها حول الأهداف ولكن نعم التي نقولها لا تكون ألا عندما لا تكون لدينا قدرة على أن نقول كلا، إذاً هناك اليوم.. معظم الأوروبيين اليوم يودون أن يقولون تقريبا تلقائيا نعم للولايات المتحدة رغم عدم إيمانهم بذلك تماما أما فرنسا سواء اليسار أو اليمين فأنهم لديهم سياساتهم ويحاولون التوصل إلى نوع من التوازن وإن دول أوروبا الخمسة وعشرين ليست تسير.. لا تسير جميعها على الرأي الفرنسي..

أحمد منصور: مَن الذي بحاجة أكثر إلى الآخر أوروبا أم الولايات المتحدة؟

هوبير فيدرين: اليوم الولايات المتحدة قوة.. قوة مهيمنة في كل المجالات، في مجال الصواريخ النووية والتكنولوجيا وكل شيء أما أوروبا فليست كذلك كما أنها لا تزال قوة غير متكاملة مقارنة بالولايات المتحدة، إن الولايات المتحدة وبعض القادة الأميركان يعتقدون أنه بإمكانهم أن يعيشوا دون الآخرين وهذا ما فعلته إدارة بوش في ولايته الأولى أما في ولايته الثانية لا أقول إنهم غيَّروا أهدافهم لكن غيروا أساليبهم وقد اكتشفوا أنهم ما زالوا بحاجة إلى أصغر الدول وبالتالي حتى الدولة الكبيرة قد تكون بحاجة للآخرين وهذا لا يعني أنهم قرروا أن يقبلوا مشاركة في اتخاذ القرار بل فقط غيَّروا أسلوبهم..

أحمد منصور: هل نجح الرئيس بوش بزيارته لبروكسل الأخيرة وعشائه مع ميتران في أن يردم الهُوَّة التي كانت قائمة بين أوروبا وفرنسا تحديدا والولايات المتحدة؟

هوبير فيدرين: في جميع الأحوال لقد وضَّح، بيَّن بأن الفترة العدائية قد انتهت، خلال فترة الولاية الأولى لبوش كان الأميركان يهزؤون من حلفائهم ولا يُبالون بهم، إن الأميركان ليسوا أغبياء فلقد اكتشفوا أن كل هذا كان ذو نتائج سيئة بالنسبة لهم وأنه من الأفضل أن يكونوا مؤدبين ويعقدوا علاقات جيدة مع الأوروبيين ومع حلفائهم ودول أخرى لذلك.. لكي يحصلوا على دعم سياسي أفضل، أمَّا بقية العالم فسيقولون إننا مستعدون أن نعمل معكم إذا ما أصبحتم مؤدبين معنا ولكن لابد أن نتحدث عن الأهداف، عن السياسة، عن الفحوى، فإن هذا التغيير.. لكن هذا التغيير في هذه الأهداف غير واضح لحد الآن.

أحمد منصور: من الواضح أن أوروبا ليست على قلب رجل واحد في علاقتها مع الولايات المتحدة، الولايات المتحدة نجحت في استقطاب بعض الدول الأوروبية مثل بريطانيا، مثل إيطاليا، مثل بعض الدول الأخرى وهناك دول لها مواقف أخرى، هل يمكن لكل من بريطانيا وإيطاليا الحليفان التابعان الآن بشكل بارز للولايات المتحدة الأميركية أن يبقيا في هذا التحالف أم أن مصالحهما ومصالح الدول الأخرى التابعة لأميركا سوف تجبرهم على العودة للاتحاد الأوروبي؟

هوبير فيدرين: إن هذه ليست تحالفات ثابتة، في زمن الرئيس كلينتون ونظرا للسياسة التي كان يتَّبعها التي اختلفت كثيرا عن سياسة بوش لم يكن هناك هذا التقسيم الكبير مع الأوروبيين، إن سياسة بوش هي التي خلقت هذه التجزئة والتقسيم، إن إسبانيا بأزنار كانت مع بوش وأما إسبانيا حاليا فهي ليست مع سياسة بوش وبالتالي قد تتغير مواقف الدول الأوروبية، إن بلير لا يمكن أن ينقطع تماما عن الأوروبيين وبالتالي فالمواقف ليست ثابتة، الأمر ليس مثل التحالفات السابقة الماضية إذ أن التطور جعل أن الأوروبيين يريدون أن يفعلوا شيئا سَويةً ليبينوا اختلافهم..

أحمد منصور: ما تقييمك للسياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط؟ أسمع إجابتك بعد موجز قصير للأنباء، نعود إليكم بعد موجز قصير للأنباء لمتابعة هذا الحوار فابقوا معنا.



[موجز الأنباء]

الشرق الأوسط بين سياستي أميركا وأوروبا

أحمد منصور: أهلا بكم من جديد، بلا حدود في هذه الحلقة التي نستضيف فيها وزير الخارجية الفرنسي الأسبق هوبير فيدرين لنتحدث عن العلاقات الأوروبية الأميركية وتأثيرها وتأثير كل منها على الشرق الأوسط والدول العربية، أرحب بمداخلاتكم على أرقام هواتف البرنامج والفاكس التي ستظهر تباعا على الشاشة أو تكتبوا إلينا عبر موقعنا على شبكة الإنترنت www.aljazeera.net بعد الاستعراض الذي قدمناه في الجزء الأول من البرنامج عن العلاقات الفرنسية الأميركية.. الأوروبية الأميركية أقدم لكم بعض المعلومات الهامة الآن عن كلا الكتلتين الأوروبية والأميركية، عدد الدول الأوروبية يصل إلى خمسة وعشرين دولة، الآن تظهر خريطتها الآن بشكل مفصل، انضمت عشر دول إلى الاتحاد الأوروبي مؤخرا هي استونيا ولاتفيا وليتوانيا وبولندا وسلوفاكيا وهنغاريا وسلوفينيا.. والولايات المتحدة الأميركية تضم خمسين ولاية، ظهرت أيضا الآن الولايات الأميركية وبيناتها هناك جدول الآن سيبيِّن عدد الدول، دول الاتحاد الأوروبي 25 دولة، الولايات الأميركية 50 ولاية أميركية، عدد سكان أوروبا بالمليون 455 مليون، بينما يبلغ عدد سكان الولايات المتحدة الأميركية 287 مليون نسمة، المساحة الكُلية بالكيلو متر.. بالمليون كيلو متر مربع هي ثلاثة مليون 973 ألف كيلو متر مربع مساحة أوروبا، أما مساحة الولايات المتحدة الأميركية فهي تسعة ملايين 809.155 ألف كيلو متر مربع، أما إجمالي الناتج المحلي بالترليون فهو في أوروبا تسعة و607 ألف ترليون يورو سنويا، أما في الولايات المتحدة فهو 11.7 ترليون دولار 11.7 سنويا، يعني تقريبا الدخل أو الناتج القومي شبه متعادل بعد ارتفاع سعر اليورو مقابل الدولار، الاتحاد الأوروبي بعد توسعه أظهرناه لكم أيضا في شكل آخر، الدول التي تمثل الكتلة الزرقاء هي دول الاتحاد القديمة خمسة عشر دولة، أما التي تمثل البُقع الحمراء فهي العشر دول الجديدة، من خلال المساحة الإجمالية الدول الجديدة أضافت 9% فقط إلى مساحة أوروبا الحالية وأضافت 16% من عدد السكان البالغ 455 مليون نسمة، أما في الناتج المحلي فقد أضافت العشر دول 5% فقط من إجمالي الناتج المحلي الأوروبي الذي يُقدر بتسعة ترليون يورو و607 ألف، هذه المعلومات تبين حجم الكتلتين الأوروبية والأميركية من الناحية السكانية، من الناحية الجغرافية، من الناحية الاقتصادية، أعود معالي الوزير إلى ما كنا نتحدث عنه وسؤالي لك عن السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط هل هي سياسة واضحة المعالم أما أنها سياسة ضبابية؟

"
أميركا دولة واحدة ومقسَّمة إلى ولايات أما أوروبا فهي دول عمرها نحو ألف سنة، والتقارب بين الدول الأوروبية لا مثيل له. ومن الناحية السياسية الجانبان مختلفان تماما
"
هوبير فيدرين: أولا اسمح لي أن أنتقد كلمة حول المقارنة التي أجريتها، لا يمكن أن نقارن.. إن الولايات المتحدة دولة واحدة ومقسَّمة إلى ولايات وهذا التقسيم هو تقسيم للأراضي فيما بينها، أما أوروبا فهي دول عمرها ألف سنة أقل أو أكثر، إذاً هذا التقارب بين الدول الأوروبية لا مثيل له، إذاً من الناحية السياسية المجموعتين مختلفتين تماما، سؤالك حول السياسة الأميركية، نعم السياسة الأميركية واضحة جدا إما أن نكون معها أو ضدها، قد نجدها خطرة وقد نجدها عادلة ولكن هناك سياسة أميركية، هناك سياسة أميركية حول إسرائيل وفلسطين وحول النفط وسياسة حول العراق وسياسة حول الديمقراطية المُسرَّعة في العالم، إنها السياسة الأميركية، إن هذه السياسة قد تتغير طالما أن كلينتون وبوش قد غيَّرا سياستهما حول.. في الشرق الأوسط حول إسرائيل وفلسطين ولكن هناك سياسة أميركية.. وأما الأميركان فلديهم سياستهم أيضا فرغم أنهم اختلفوا فيما يتعلق بحرب العراق ولكن فيما يتعلق بالشرق الأوسط فإنهم متفقون بشكل عام، مثلا جميعنا متفقين على الدولة الفلسطينية، فرنسا صحيح كانت الأولى ولكن كل دول أوروبا متفقة على أنه الدولة الفلسطينية أمر عادل ويجب أن يحصل، إذاً السياسة الأميركية لا تشبه.. ما يمكن السياسة الأوروبية وقد لا نكون متفقون مع الولايات المتحدة إن حاليا أميركا لديها السلطة والقوة وتفرض الأمر الواقع.

أحمد منصور: في المقابل السياسة الأوروبية هل هي واضحة المعالم مثل السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط؟

هوبير فيدرين: إن المبادئ.. نعم المبادئ العامة للسياسة الأوروبية نعم واضحة ،إن الأوروبيين واضحون خصوصا حول القضية الفلسطينية المواقف واضحة ومن حيث المبدأ إنها تقم على مبادئ متوازية وكذلك حول العراق، الأوروبيين اختلفوا ولكن فيما يتعلق بالسلطة العراقية الجديدة التي ستخرج من الانتخابات حالما يتم كتابة الدستور سيتحد الأوروبيون في موقفهم، أما الاختلاف فكان سابقا حول الحرب، أما فيما يتعلق بدعم الديمقراطية فأعتقد أن هذه رغبة الجميع ولكن الأساليب قد تكون مختلفة، ليس هناك اختلاف كبير بين الأوروبيين حول هذا الموضوع ولكن أوروبا كما هي لا.. ليس.. لا تستطيع أن تفرض سياستها على الأرض في الواقع..

أحمد منصور: هل الموقف الأوروبي الذي لا يدخل بتأثير مباشر الآن في السياسة في الشرق الأوسط معناه أن هناك رضا أوروبي عما تقوم به أميركا في المنطقة؟

هوبير فيدرين: هذا يعتمد.. على أي أوروبيين تتحدث؟ فحول العراق هناك دول مؤيدة وهناك دول ضد وهناك دول أوروبية لا تستطيع..

أحمد منصور: معنى ذلك أننا لا نستطيع أن نقول إن هناك سياسة أوروبية موحدة وواضحة تجاه الدول العربية أو تجاه الشرق الأوسط.

هوبير فيدرين: ليس هناك لحد الآن سياسة خارجية أوروبية موحدة، هذا ليس فيما يتعلق بالعالم العربي فقط هناك اختلافات أيضا حول موضوع روسيا والصين وقضايا أخرى، إذاً حتى في واشنطن التي موحدة منذ زمن بعيد، هناك اختلافات في واشنطن نفسها حول مراكز السلطة الكثيرة هناك المختلفة، إذاً الأوروبيون يبذلون جهودا كبيرة في خلال السنوات الماضية لتقليب مواقفهم ولكن هذا لا ينطبق على كثير من المواضيع لحد الآن ولكن من حيث المبدأ أنهم لديهم مواقف متقاربة جدا حول العالم العربي، إننا نقدِّر منذ.. نعرف منذ زمن بعيد أن الدول العربية تتمنى أن يكون لأوروبا وزنا أكبر في قضاياها ويبدو أن هذا الأمر إيجابي كما أراه.

أحمد منصور: الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش في حوار أدلى به لصحيفة لوفيجارو الفرنسية قال أن نظيره الفرنسي جاك شيراك هو الذي اقترح عليه في صيف العام 2004 فكرة مشروع القرار 1559 الذي يطالب القوات السورية بالانسحاب من لبنان وأثناء لقائهما الأخير في بروكسل وجَّه الرجلان تحذيرا شديد اللهجة إلى سوريا وطلبا منها فورا أن تُنهي احتلالها للبنان، معنى ذلك أن ما يتم الآن في لبنان هو بتنسيق أميركي فرنسي؟

هوبير فيدرين: في هذا الوقت بالذات لا أستطيع أن أحدد السياسة الخارجية لشيراك لأني لست وزيرا للخارجية ولن أستطيع أن أقول ما جرى بينهما، ما أستطيع قوله إنهما توصلا لاتفاق بسهولة حول هذا الموضوع وهذا هو رأي الأوروبيين.. من كل الأوروبيين.. أنه ليقولوا إنه آن الأوان لجلاء القوات السورية من لبنان فإن اتفاق الطائف يجب أن يُطبَّق ومثال.. وهذا مثال على أنه ليس هناك أي رأي للأوروبيين في بعض القضايا..

أحمد منصور: لماذا غيَّرت أوروبا رأيها بشكل مفاجئ تجاه هذا الأمر وفي العام 2003 حينما زار شيراك لبنان ألقى كلمة في البرلمان اللبناني ورأى أن الوجود السوري كان وجودا شرعيا تُمليه المصالح المشتركة بين الشعبين الشقيقين وأن السوريين سيخرجون من لبنان كما دخلوا إليه، لماذا تبدَّل الموقف الفرنسي بهذه القوة وبهذه السرعة أيضا؟

هوبير فيدرين: كلا إن الموقف لم يتغير بل تطور، هناك تطور حتمي، أعتقد هناك رأي صدم الأوروبيين وهو الشروط التي جرى فيها تمديد ولاية الرئيس لحود بما يتناقض والدستور القائم وكان هناك نص..

أحمد منصور: تعتقد هذه هي كما يقال في المثل العربي هي القشة التي قسمت ظهر البعير وجعلت الموقف الأوروبي ينحاز للموقف الأميركي ويكون بهذه القوة؟

هوبير فيدرين: نعم إن هذا تشبيه أجمل، جيد جدا نعم هذا صحيح.

أحمد منصور: أما زالت فرنسا تعتبر أن لبنان يمثل إرثا تاريخيا في ميراثها الاستعماري في المنطقة؟

هوبير فيدرين: كلا لا إطلاقا إن طلب من أن.. المطالبة بأن تصبح دولة حرة وتتخلص من الاحتلال الأجنبي، فإنني أقول وأطالب بنفس السياسة فيما يتعلق بالعراق..

أحمد منصور: لكن فرنسا..

هوبير فيدرين: وإذا ما تحدثنا عن الاستعمار في لبنان اليوم فإن لبنان لن تكن لفرنسا ولا دولة أخرى.

أحمد منصور: لكن فرنسا لازالت تلعب على موضوع الأقليات كما كانت تعلب عليه من قبل، الذي يجعل الرئيس الفرنسي يسعى لمقابلة وليد جنبلاط ووليد جنبلاط ربما لا يمثل أكثر من مائة أو مائة وخمسين ألف لبناني، الذي يجعل فرنسا تهتم بهذا الموضوع، الذي تجعل الرئيس الفرنسي يُهمل الدولة اللبنانية حينما يحضر جنازة الرئيس الحريري، هذه التصرفات من فرنسا بِتدل على أن لبنان لا زالت إلى الآن تمثل محمية وإرث استعماري فرنسي.

هوبير فيدرين: أولا ليس هناك ورقة تلعبها فرنسا بل هناك أمر استراتيجي.

أحمد منصور: ورقة الأقليات دائما تلعبون بها.

هوبير فيدرين: كلا بالعكس إننا نلعب بورقة وحدة لبنان، إننا نهتم بوحدة لبنان وهذا أمر واضح، أن فرنسا هي من تهتم بورقة وحدة لبنان وليس الطوائف أو الطائفية..

أحمد منصور: ما طبيعة الدور الذي تلعبه فرنسا الآن في لبنان؟

هوبير فيدرين: نفضل لبنان.. كما ينص القرار فلبنان مستقل ليس فيه احتلال أجنبي مهما كان نوعه وخاصة وأن اللبنانيين سعدوا وفرحوا بإجلاء القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان فبنفس الطريقة سيكونوا سعداء بانتهاء احتلال أراضيهم وإن فرنسا ليس لديها أي مصلحة هنا، إذاً أن هذا التشجيع من قبَّل فرنسا لعملية تحديث العالم العربي ومزيد من الديمقراطية والحريات وتقرير المصير ولا داعي أن نربط هذا على ما جرى في الماضي.

أحمد منصور: يعني أي حرية تنادون بها الآن وأنتم الذين دعمتم معظم الأنظمة الاستبدادية التي طوال الخمسين سنة الماضية التي تطالبون الشعوب الآن بالثورة عليها، أي حرية تطالبون بها ولماذا الحرية الآن وليس قبل خمسين عاما؟

هوبير فيدرين: هذا ليس سؤال صحفي.

أحمد منصور: أي سؤال، هذا سؤال صحفي أجبني عليه.

هوبير فيدرين: كلا هذا ليس سؤال صحفي لأنك تلخص كل الفترة الماضية، فهذا تلخيص متحيز إذا كنت تمثل هذه القوة السياسية أو العربية أو غيرها..

أحمد منصور: كل الشعوب العربية الآن.

هوبير فيدرين: فإنني أحترم رأيك لو فعلت ذلك..

أحمد منصور: الشعوب العربية تتساءل الآن لماذا أوروبا والولايات المتحدة تدعم الحرية والتغيير الديمقراطي الآن في هذه المرحلة ولم تدعمه طوال الخمسين عاما الماضية، أليس هذا سؤالا صحفيا أي سؤال؟ هذا سؤال واضح جدا.

هوبير فيدرين: حسنا لكن يمكنني القول بأنني استفهمت السؤال بهذه الطريقة، حتى لو كان الأمر صحيح أنا لست متفق معك في طريقة صياغة السؤال، حتى لو كان هذا الصحيح فإنه كان يجب أن نقُل منذ فترة أن ما فعلتموه مع لبنان يجب أن تفعلوه مع دول أخرى، كيف يمكن أن ننتقد أو تنتقد ما موجود في القرار 1559 لا أرى أنك تتحدث عن قرار لمجلس الأمن أي قرار وافقت عليه عدد من الدول وفرنسا اهتمت به وتبنته انطلاقا من مبدأ عام موجود في هذا القرار، ما هو مهم هو أن نرى كيف يمكن تطبيق ذلك على الدول العربية الأخرى وإذا ما كانت فرنسا قد اتفقت مع أميركا في هذا الحدث فهناك حرية أكثر.. لو كانت هناك حرية في الدول العربية أكثر فإنه سيساعدها..



الديمقراطية الأميركية ومستقبل العراق

أحمد منصور: هل أوروبا تدعم الآن مسيرة تشجيع الديمقراطية والحرية في العالم العربي التي تقودها الولايات المتحدة الأميركية؟

هوبير فيدرين: إن أوروبا تود تشجيع الديمقراطية في العالم العربي ولكن أوروبا لا تحب أن ذلك يجئ عن طريق الحرب والقوة فهنا الاختلاف من جهة أخرى، أعتقد أن أوروبا تعي أكثر من الولايات المتحدة بأن عملية الديمقراطية هي عملية ضرورية لا غنى عنها ولكن قد تكون خطرة لأنه من السهل إجراء انتخابات ولكن الأكثر صعوبة هو أن نجعل الغالبية تحترم الأقلية وحقوق الأفراد في الدول الأوروبية التي تعطي دروس للآخرين.. واستغرق الأمر فترة طويلة لكي نتكيف مع هذه الأوضاع ونطبق الديمقراطية كما ينبغي، إذاً إننا نود دعم تطور العالم العربي ولكن مع شيء من الحذر، إذاً الأمر يعتمد أيضا على ما يريده العرب أنفسهم، القادة العرب، المجتمعات العربية ووسائل الإعلام مثلكم ماذا تريدون أنتم، إني أعتقد أن علينا أن نفعل أمور.. أن تجري أمور على يدكم أنتم وأن يكون هناك تشجيع فقط خارج لكم..

أحمد منصور: ما هو شكل أنظمة الحكم التي تسعى أوروبا والولايات المتحدة إلى قيامها في المنطقة العربية الآن؟

هوبير فيدرين: إن أوروبا الولايات المتحدة لا يختلفان وليس بالضرورة متشابهان في وجهة نظرهما وإن هذه العملية هي يجب أن تكون عن خطوات، بينما الولايات المتحدة تعتقد أن هذه العملية يمكن فرضها أو يمكن أن تجري مباشرة وقد قال أحد المسؤولين أن الديمقراطية ليست مثل قهوة النسكافيه، إنها عملية تستغرق وقتا أطول يجب أن تجئ عن طريق مراحل وخطوات ويجب تقديم مساعدة سياسية واقتصادية لكل الحكومات العربية التي تلجأ إلى الإصلاح والتحديث وأعرف أن هذا أمر صعب جدا ومعقد ولكن يجب القيام به لأن الشعوب تطالب به، أنتم هنا قناتكم لم تكن موجودة في السابق وإن وجود قناة مثل قناتكم وإجراء النقاشات مثل هذا النقاش بيننا هو يعني أن هناك تطور في وسائل الإعلام العربية ما يعني أن هناك تغيير وتغير مهم وهذه العملية تتطلب وقت، أعتقد أوروبا تريد تشجيع هذه العملية ولا تريد أن تقرر هي بنفسها ما يجب أن يحصل وكيف.

أحمد منصور: ما رأيك في الموقف الأوروبي من احتلال أميركا العراق؟

هوبير فيدرين: عفوا.. ممكن تعيد السؤال.

أحمد منصور: الموقف الأوروبي من احتلال أميركا للعراق؟

هوبير فيدرين: إن الأوروبيين منقسمين في هذا المجال.. في هذا الموضوع فهناك من ساهم في هذه الحرب وهناك من كان ضده، إن الأوروبيين يحاولون الآن المصالحة والاتفاق حول مستقبل العراق، إذاً هذا بقولهم هذا ما نستطيع أن نقدمه ونساهم فيه في عملية بناء العراق الحديث ولكن هذا يعني أن العراقيين بمختلف مجاميعهم يتفقون فيما بينهم ويكتبون الدستور ويشكلون حكم وبالتالي يكون الأوروبيون مستعدون للتعاون مع السلطات العراقية الشرعية الجديدة وهذا يعني من جهة.. أننا من جهتنا.. أن كل الأوروبيين يتمنون أنه في فترة معقولة يكون الوجود العسكري الأميركي قد اختفى وتوقف أو قلَّ فترة في البداية ثم يَقلّ في نهاية الأمر.

أحمد منصور: فرنسا كانت من الدول التي عارضت وربما قبيل الحرب قُدتَ أنت حينما كنت مسؤولا عن الدبلوماسية أو رئيسا للدبلوماسية الفرنسية انتقادا شديدا لسياسة الولايات المتحدة تجاه المنطقة وتجاه العراق، هل كان موقف فرنسا قائم على مصلحة خاصة لفرنسا من خلال العلاقات الخاصة التي كانت تربطها بالعراق أم من خلال مبادئ أساسية؟

هوبير فيدرين: لا أجد أي مصلحة خاصة في هذا الموقف.. لنتحدث عن المجال الاقتصادي، فرنسا كانت قد قدمت فرص كثيرة للعراق أيام لم يكن هناك عقوبات عليها وقبل الحرب الغريبة الشاذة التي شنَّها العراق ضد الكويت وكان العالم كله يتعاون مع العراق، إذاً ليس هناك من علاقات خاصة بين العراق وفرنسا تتطلب أي استمرارية، إن الموقف الشجاع الذي اتخذه الرئيس شيراك في آنذاك كان يقوم على مبادئ واضحة وموجودة في العالم كله..

أحمد منصور: ما هي هذه المبادئ؟

هوبير فيدرين: المبدأ هو وبشكل خاص رفض أن نجد دولة وحتى لو كانت دولة مهمة تتدخل بطريق القوة لحل مشكلة ما في حين أنه ليس هناك شرعية دولية في هذا التدخل وليس هناك قرار من مجلس الأمن بينما في الحرب الأولى للخليج كان هناك قرار مجلس الأمن.. إن من يعتقد أن العالم يجب أن يُنظَّم بشكل دولي..

أحمد منصور: أنتم غيرتم موقفكم..

هوبير فيدرين: فإذاً هذا معيار ضروري وأساسي.

أحمد منصور: فرنسا غيَّرت موقفها حينما صار هناك تقارب أميركي فرنسي فيما يتعلق بتغيير قرار مجلس الأمن المتعلق بتحويل وضع أميركا من دولة محتلة للعراق إلى دولة غير محتلة مع وجود القوات الأميركية في العراق إلى الآن كاحتلال شرعي موجود.

هوبير فيدرين: أُذكِّركم بأنني لست في منصبي كوزير خارجية وبالتالي..

أحمد منصور: أنا أعرف، أنا أكلمك عن أحداث ووقائع..

هوبير فيدرين: فلا أتحدث باسم الدبلوماسية الفرنسية..

أحمد منصور: أنا أعرف ذلك ولكن أيضا للتعبير عن الموقف الفرنسي، أين المبادئ الفرنسية الآن وقد تهاونت فرنسا في موقفها حينما أصبح هناك تقارب أميركي فرنسي؟ هل تغير الوضع في العراق؟ الاحتلال كما هو لكن الموقف الفرنسي تغير.

هوبير فيدرين: إن موقف فرنسا وألمانيا والدول الأخرى لم يتغير بما يتعلق بالحرب نفسها فإن الإنذار الذي وُجه آنذاك لا زال قائما كما هو وأعتقد الأميركان كان عليهم أن يستمعوا لذلك الإنذار، أما الآن ولأسباب إيجابية ولأسباب ملموسة مقارنةً تتعلق بمستقبل العراق لأن الموجودين هناك.. العراقيين المسؤولين هناك ليسوا نفس المسؤولين وبالتالي قد تكون هناك سياسة مختلفة، إن الدول الأوروبية بما في ذلك فرنسا وألمانيا ترى أنه يجب أن نتخذ خطوة بنَّاءه ليس بالعودة إلى الماضي بل أن نقول للعراقيين أنه لكي تبنوا بناءً جديدا أو نظاما جديدا نحن مستعدون نتعامل معكم ونتعاون معكم، إن هذا ليس تراجع، هذا يعني أننا لا نبقى منغلقين على أنفسنا وبل يعني مد يدنا لعراق المستقبل والغد، أعتقد هذه هي الفكرة وأن ألمانيا وفرنسا والدول الأخرى جميعها لا تعتقد أنهم مخطئين في ذلك.

أحمد منصور: كيف تنظر لمستقبل الاحتلال الأميركي للعراق؟

هوبير فيدرين: لا أعرف إنْ كان الأميركان بإمكانهم أن ينجحوا الآن فيما لم ينجحوا فيه منذ البداية، أي التوصل إلى اتفاق بين الشيعة والسُنة والأكراد لإدارة شؤون البلاد فيما بينهم، لا يبدو أن هذا سينجح وبالتالي فإن مستقبل هذه العملية يبقى معلقا، قد تنجح العملية لأنني أعتقد داخل كل مجموعة هناك أشخاص لا يريدون أن يلعبوا سياسة الأسوأ ويريدون المحافظة على بلدهم العراق وهناك مجموعات أخرى يقومون باتباع سياسة أسوأ النتائج وبالتالي لا أعرف إن كانت للولايات المتحدة السلطة السياسية والأخلاقية لتحقيق ذلك، إذا ما نجحت العملية فسيكون ذلك بفضل العراقيين المجلس الوطني العراقي الذي يضم مجموعات إثنية مختلفة وانطلاقا من ذلك سنرى إنه ستظهر شرعية عراقية وحكومة عراقية تقول للأميركان أنه لم يعد بإمكانكم البقاء في بلادنا وأن دوركم قد انتهى، سواء كان إيجابيا أم سلبيا قد انتهى هذا الدور وأن الأميركان لن يغادروا هكذا بسهولة لأنهم يريدون أن يحصلوا على دور متميز على الصعيدين الأمن والاقتصاد، لا أستطيع أن أُعطي تفاصيل حول هذا الموضوع لأنه مجرد توقعات.



السياسة الأميركية والدور الأوروبي

أحمد منصور: أوروبا لماذا لا تتدخل بقوة لحل القضية الفلسطينية؟

هوبير فيدرين: لأن أوروبا ليست موحدة، أوروبا خمسة وعشرين دولة مختلفة وذات رأي عام مختلف، إن الأوروبيين متفقين على مبدأ التسوية وكما قلت قبل قليل وإذ يرى الجميع أنه يجب أن تؤسَس دولة فلسطينية قابلة للحياة مع إعطاء ضمانات لإسرائيل وإذا ما كانت أوروبا قوية فإن هذا الأمر كان قد حل أو هذه المشكلة كانت قد حُلت منذ زمن بعيد ولكن موقف العالم ليس كذلك، من جهة أخرى الأوروبيون ليسوا متفقون فيما بينهم حول ما يتعدى مسألة المبادئ الأساسية، فهم غير متفقون فيما بينهم حول مسألة الخلاف مع الولايات المتحدة أو حول ممارسة الضغط على الإسرائيليين أو على العرب، إن الموقف الدبلوماسي لمعظم الأوروبيين ما زال مختلفا لأن أوروبا الآن في مرحلة انتقالية من التنظيم ولم تصبح لحد الآن قوة واحدة..

أحمد منصور: ألا نستطيع أن نقول إن كلا من فرنسا وألمانيا باعتبارهما يمثلان الثقل الرئيسي في أوروبا.. يعني الآن عشر دول انضمت إلى أوروبا مؤخرا لكن لا تشكل إلا 5% فقط من الناتج الإجمالي في الوقت الذي دول مثل ألمانيا مثل فرنسا تعتبر دول ذات ثقل سكاني وسياسي واقتصادي كبير جدا، أما يمكن أن تقود هذه أو هاتين الدولتين أوروبا بحيث تُكوِّن رأي عام أوروبي إذا كانت فرنسا تابعة الآن.. والآن تغيرت سياسة إسبانيا مثلا وتستطيع أن تنضم إلى هذا التكتل؟

هوبير فيدرين: مع الأسف كلا لأن ملاحظاتك صحيحة جدا حول التكامل الأوروبي وفيما يتعلق بالميكانيكية الاقتصادية والقانونية والمعاهدات المختلفة التي وقَّعتها أوروبا حول.. وإن كل هذه وحتى مسألة معاهدة الدستور ما زالت موضع مناقشة، فيما يتعلق بالسياسة الخارجية ليست هناك نفس طريقة التفكير بين ألمانيا وفرنسا حول شؤون كثيرة، إن ما نتحدث عنه كأن هناك إدارة مركزية ولكن أوروبا ذات منهج واحد لذا أقول أننا الآن في مرحلة أنه نستطيع أن نتخذ موقف موحد ولكن ليس في الوقت الحالي فورا، إن أوروبا تستطيع أن تقول للأميركان والإسرائيليين والفلسطينيين إذا ما كان.. إذا ما جرى توقيع اتفاقية سلام بأنهم مستعدين أن يساهموا كثيرا، يقدموا ضمانات أمنية، بإمكان أوروبا أن تقدم.. أولا تساعد الفلسطينيين في إدارة غزة مثلا وإذا ما حصل اتفاق أوسع بإمكان أوروبا أن تقدم ضمانات أكبر، تستطيع أن تقدم هذا المنظور المستقبلي للإسرائيليين والفلسطينيين.. مستقبل الشرق الأوسط اقتصاديا وسياسيا ولكن في الحالي لا يمكن أن نؤثر على قرار السلام والاتفاق بينهما كما نود وأقول هذا مع الأسف أن نقول مع الأسف لا نستطيع ذلك حاليا.

أحمد منصور: هل نجحت أوروبا في إقناع الولايات المتحدة الأميركية في تغيير موقفها تجاه إيران؟

هوبير فيدرين: إيران، لنقل أنه حاليا الولايات المتحدة تترك ثلاث دول أوروبية لتجد حلا فرنسا وبريطانيا وألمانيا في الوقت الحالي.. أما أن الولايات المتحدة، المتشائمون في الولايات المتحدة إنهم متشائمون حول النتيجة وبالتالي فإنهم يحتفظون بجميع الخيارات وقد قال ذلك بوش.. الرئيس بوش قال كل الاحتمالات.. الخيارات موجودة ولكن حاليا قد نستطيع أن نوقف أو نضع حدا لتدهور الأمور بين الولايات المتحدى وإيران، إن الدول الأوروبية تواصل جهودها وإذا ما كان الإيرانيون أذكياء فإنهم سيقدمون شيئا للأوروبيين لحل المشكلة.

أحمد منصور: ما مصلحة أوروبا في نزع فتيل المواجهة بين إيران والولايات المتحدة؟

"
أوروبا بشكل عام تكره الحروب والمواجهات والنزاعات، والفكرة السائدة أنه يمكن دائما التوصل إلى حلول سلمية وإلى حلول وسط عن طريق القانون
"
هوبير فيدرين: مصلحة أوروبا هي تجنب تدهور الوضع إلى حد الصدام والتي قد يكون له نتائج سيئة جدا لإيران وللمنطقة كلها وستنتج عن ذلك ردود فعل كثيرة وتأثيرات كثيرة ومن جهة أخرى إن أوروبا بطبيعتها اليوم ولا أتحدث عن أوروبا الاستعمارية المافيا، إن أوروبا بشكل عام اليوم تكره الحروب، تكره المواجهات والنزاعات، قد يكون هناك انقسامات حول هذا الموضوع ولكن الفكرة السائدة أنه يمكن دائما التوصل إلى حلول سلمية وإلى حلول وسط عن طريق القانون، هذه طبيعة أوروبا إنها تتجنب النزاعات وربما تكون هذه إحدى نقاط ضعف أوروبا ولكن صدقني أن العالم كله يتمنى نجاح هذه الجهود السلمية..

أحمد منصور: معنى ذلك أن خيار المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران لا زال خيارا قائما؟

هوبير فيدرين: نعم أعتقد أنه في واشنطن هذا الخيار ما زال قائما لا أعتقد أنه قد تقرر الأمر، لا أعتقد أن الرئيس بوش قد اتخذ هذا القرار ولكن القرار أو الاحتمال قائم وقد أعدته أحد أقسام الإدارة الأميركية بالتأكيد.

أحمد منصور: وماذا عن سوريا؟

هوبير فيدرين: إن سوريا وضعها.. إن هناك ما يكفي من الناس في قيادة هذا البلد المهم بحيث إنهم يعرفون ما يجري في العالم ويعرفون ما يجري في المنطقة ولكي يعرفوا ما هي موازين القوى وبالتالي عليهم هم السوريين أن يعرفوا ويقرروا..

أحمد منصور: معنى ذلك أن هناك خطورة أيضا على سوريا من خلال السياسة الأميركية؟

هوبير فيدرين: كلا لا أقول ذلك إنني أتحدث كشخص خارجي، أنا لست في الوظيفة وأتناول هذه المواضيع وأعرف أنه لو إن المسؤولين السوريين.. أن يدرسوا هذا الموضوع ويراقبوا تطوره حول ما جرى في لبنان وعلاقاتهم مع الدول المجاورة وحول السياسة في المنطقة لا يمكن الأمر.. لا يمكن للسوريين أن يبقوا غير متحركين، هناك حركة في كل المنطقة وخاصة في الشرق الأوسط..

أحمد منصور: بصفتك خبير بالولايات المتحدة الأميركية، هل تستطيع الولايات المتحدة مع تورطها العسكري في أفغانستان والعراق أن تدخل في مواجهة عسكرية جديدة مع سوريا أو إيران؟

هوبير فيدرين: لا أعتقد أن الولايات المتحدة تستطيع أن تدخل في صراع مع العالم في الوقت كله، أعلم جيدا أن رامسفيلد رئيس.. عندما أصبح وزيرا للدفاع قال في البداية أن الولايات المتحدة تستطيع أن تُدير أربعة صراعات وحروب في آن واحد وفيما يتعلق.. إنهم ركَّزوا كل قواتهم في العراق من الناحية التقنية العسكرية وبالتالي لا يستطيعون تحقيق مثل هذه الطموحات، لذلك لا أتصور أنه الولايات المتحدة تستطيع أن تقوم بعملية عسكرية على الأقل في بلد آخر قد يكون هناك بعض المحافظين المتشددين الذين قد يفكرون بهذه الطريقة ولكن لا أعتقد أن هذه ستكون السياسة الأميركية بشكل عام ولكن هناك وسائل أخرى كثيرة تستطيع بواسطتها الولايات المتحدة أن تمارس الضغوط، قد نقبل ذلك وقد نقول إن هذا فظيع أو غير مقبول ولكن إن كل قادة المنطقة عليهم أن يدرسوا الموضوع بشكل جيد ويدرسوا توازن القوى بشكل جيد.

أحمد منصور: قلت إن قوة الولايات المتحدة وهيمنتها على العالم نابعة من ضعف الآخرين، ما هي القوة المرشحة لأن تواجه الولايات المتحدة وتقوم بتوازن قوى معها في الفترة القادمة؟

هوبير فيدرين: أولا هناك الأميركان أنفسهم لأن هناك عدد كبير من الأميركان لا يتفقون مع السياسة الحالية الأميركية ورغم إعادة انتخاب بوش بغالبية كبيرة فإن الأميركيين ما زالوا تحت تأثير تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر وحرب العراق ولكن هناك مناقشات وآراء مختلفة كثيرة في الولايات المتحدة وبالتالي هناك عدد كبير من الأميركان يؤيدون القيادة الأميركية واحترام الأحادية وأن كلينتون وبوش غير متشابهين أو الرؤساء إلى آخره، إذاً إن أول تحديد لهذه القوة الأميركية هي أميركا نفسها فهي دولة قانون، ثانيا التحديد الثاني أيضا قد يأتي.. إن هناك مشاكل كبيرة وهي الصين، الصين في نمو كبير ولكن هذا على المدى البعيد قد يكون القوة المواجهة والقوة الأخرى وقد تكون إيجابية هي أوروبا، إذا ما أوروبا تجاوزت تناقضاتها وإذا ما رغب الأوروبيون بأن يمتلكوا هذه السلطة والقوة، إن هناك سوء فهم في العالم العربي أحيانا، أنهم يريدون أوروبا أن تكون قوية لمواجهة الاتحاد.. الولايات المتحدة ولكن كثير من الأوروبيين لا يريدون يكونوا قوة لمواجهة أو موازنة الولايات المتحدة بل أن يكونوا قوة لكي يزيدوا اقتصادهم ويحرصوا على مصالحهم.. لكن بالنسبة لكثير من الأوروبيين إن الولايات المتحدة امتداد لهم وبالتالي فليس هناك اختيار لدى الأوروبيين وإذا ما اختاروا فإنهم قد لا يريدون يصبحوا قوة عظمى ولكن لو نظرت إلى الإحصائيات التي ذكرتها تبين أنه بإمكانهم أن يصبحوا ذلك إذا ما رغبوا في ذلك ولكن هل يريدون ذلك أم لا فهذا أمر لم يتقرر لحد الآن.

أحمد منصور: تحدثت عن الصين كيف تنظر إلى الصمت المريب للصين تجاه ما تقوم به الولايات المتحدة الأميركية في العالم؟ وأسمع منك الإجابة بعد فاصل قصير، نعود إليكم بعد فاصل قصير لمتابعة هذا الحوار فابقوا معنا.



[فاصل إعلاني]

السياسة الأميركية والصمت الصيني

أحمد منصور: أهلا بكم من جديد، بلا حدود مع هوبير فيدرين وزير الخارجية الفرنسي الأسبق لنتحدث عن العلاقات الأميركية الأوروبية وتأثيرها على منطقة الشرق الأوسط، كان سؤالي لك عن الصمت المريب للصين في هذه المرحلة إزاء الهيمنة الأميركية على العالم؟

هوبير فيدرين: أعتقد أن الصين لا تريد أن تبدد طاقاتها وأن هدف الصين هو أن تعيد تكوين قوتها العظيمة التي كانت تتمتع بها في القرن الماضي.. القرون الماضية وتود أن تنسى القرن الثامن العشر والقرن التاسع عشر فهي فترات انحدار وتفتت البلاد وفترة احتلال للبلاد من الأجنبي وفترة حروب قاسية وبالتالي تريد إعادة تكوين نفسها كقوة وبالتالي وضعت لنفسها برنامجا ليس مكتوبا على الورق بل في أذهان الصينيين وأعتقد أن هذا سيتحقق في خلال عشرين.. ثلاثين عاما، إن القوة العظمى الآن القوية هي الولايات المتحدة لذلك فإن الصين تنظر إلى الولايات المتحدة الآن وترى كيف بإمكانها تتفاوض معها وإن اهتمامها الرئيسي الآن هو أن لا تحصل هناك تحالفات رئيسية كبيرة ضد بروز للصين وقوتها ولكن لا تقدر أن تتدخل يوميا للاحتجاج على هذا أو ذاك من جوانب السياسة الأميركية هذه ليست مشكلتها الحالية، إن اقتصادها ينمو ويكبر وبالتالي فإنها قد تصبح بقوة الولايات المتحدة في اقتصادها ولا أعرف إلى أين سيصلوا ولكن ذلك، أشرح ما قلته ما تسميه بالصمت المريب..

أحمد منصور [مقاطعاً]: يلاحظ أيضا أن الصين من أكبر الدول التي تضخ في الاقتصاد الأميركي بأموال ضخمة جدا ما مصلحة الصين في بقاء اقتصاد أميركا قوي إذا كانت هي المنافس القادم للولايات المتحدة؟

هوبير فيدرين: نعم هناك علاقة شديدة وثيقة لأن الولايات المتحدة قوة اقتصادية عالمية لديها عجز مالي كبير ومَن يشتري أسهم وسندات الخزينة الأميركية؟ إنها الصين ودول آسيوية أخرى، إن هذه مشكلة واجهناها في الماضي أيضا في اليابان كانت العلاقة متشابهة مع الولايات المتحدة، إذاً هناك الآن نوع من العلاقة ولكن في الوقت نفسه لأن الصين ليس لديها دولارات كثيرة ولا يهمها إنْ انهار الدولار أم لا وبالتالي إذاً هناك مصلحة، إن الصين بإمكانها أن تعيش بهذا النوع من العلاقة لزمن طويل مع الولايات المتحدة وإن الرئيس الأميركي قال أن بلاده لابد أن تزيد من قوتها لمواجهة الصين المستقبلية التي تشكل خطرا على الولايات المتحدة، أما الآن فإن العراق.. حديثي عن الشراكة إذاً هناك علاقة وثيقة جرت بين الاقتصادين الصين والولايات المتحدة ولو أنه لا يمكن مقارنة اقتصاد الصين باقتصاد الولايات المتحدة لفترة بعيدة من الزمن.

أحمد منصور: في ظل هذه الشراكة أوروبا تستعد فعليا الآن لرفع حظر تصدير السلاح إلى الصين ولكن الولايات المتحدة غاضبة من وراء هذا الأمر لأن أوروبا كانت قد أوقفت تصدير السلاح إلى الصين بعد مذبحة يامينغ الشهيرة، لماذا أوروبا.. لماذا الولايات المتحدة في ظل هذه العلاقة مع الصين لا تريد لأوروبا أن تصدر سلاح إلى الصين؟

هوبير فيدرين: أولا إن الأوروبيين يريدون رفع الحظر لأن الحظر فرض على الصين بعد أحداث يامينغ المأساوية ويرى الأوروبيون أن الأمر قد مضى عليه زمن طويل وأن الصين قد تطورت في مواقفها ولا داعي للإبقاء على هذا الحظر، إذاً أولا إن رفع الحظر لا يعني أن أوروبا مستعدة لبيع أي شيء أو كل شيء للصين من الأسلحة إذ أنها تود أن تبيِّن للصين أنها لن تبيع لها أسلحة حتى إذا لم تكن هناك حظر، من الجانب الأميركي هم يضعون عينهم على تايوان وبما أنهم يرون أنفسهم مسؤولين عن سلامة وأمن تايوان وكذلك اليابان في الوقت نفسه ولكن الحظر لا يعني اليابان فإن الأميركان لا يريدون توازن القوى يتغير بين تايوان والصين إذ أن ذلك قد يضعهم في محنة صعبة واقعية في أحد الأيام، إذاً هناك منطقان وبالتالي فإن الاتفاق بين أوروبا والولايات المتحدة حاليا لم يتحقق حتى بعد زيارة بوش لأوروبا حول هذا الموضوع.



فرنسا ودورها في القضايا العربية

أحمد منصور: لديّ مشاهد على الإنترنت يسألك، مصطفى خليل من بلجيكا يقول.. يشكرك على ما أدليت به ويقول إن فرنسا بالفعل كان لها مواقف متوازنة تجاه العالم العربي خاصة في قضيتي فلسطين والعراق وهذا تُشكر عليه فرنسا ولكن للأسف غيَّرت فرنسا نهجها خصوصا فيما يتعلق بلبنان وسوريا وقضية السودان أو مشكلة دارفور الآن وأصبح وجه فرنسا الاستعماري القديم ظاهرا في هذا الأمر.

هوبير فيدرين: إذا كان هذا فرنسا استعمارية فإن ذلك لا يهُم، فإن بريطانيا حاليا هي التي كانت مستعمِرة للسودان وما أود أن أقوله إن هذا كلام حول الاستعمار الفرنسي وحول قرار جيد، إذا كان قرار الطائف قد طُبق قبل زمن طويل.. اتفاق الطائف القديم جدا لما ظهرت هذه المشكلة، لو أن ولاية الرئيس لحود لم تُمدد بشكل مصطنع لما ظهرت هذه المشكلة، إذاً لو كان الأمر مرتبطا بالتاريخ الاستعماري الفرنسي وإن ذلك قديم جدا فيما يتعلق بلبنان فإن مجموع الأوروبيين ما كانوا يتفقون معنا بل لاستفادوا من ذلك ولَقالوا ليس هناك ما يدعو دعم الاستعمار الفرنسي، إذاً عليّ أن أشكر مشاهدكم هذا للجزء الأول من ملاحظته ولكني أجد أن الجزء الثاني من سؤاله لا مبرر له.

أحمد منصور: عندي مشاهد، سفيان سيف طبيب مقيم في فرنسا يقول أنا طالب سوري في باريس أدرس وأرى أن هناك ازدواجية في المعايير داخل فرنسا بين العرب والمسلمين واليهود، هناك برامج تليفزيونية فرنسية ضد الإسلام لا يتهمها أحد بشيء بينما تُتهم قناة مثل المنار أو أي شيء من القنوات العربية بأنه ضد السامية وأنه تحيز لهذا وبالتالي ففرنسا تكيل بمكيالين إزاء العرب واليهود، أنت لك تصريحات سابقة انتقدت فيها الإسرائيليين وربما اتُّهمت بالعداء للسامية أو شيء قريب من هذا؟

هوبير فيدرين: لا ولكن هذا السؤال يتعلق بالسياسة الداخلية الفرنسية وأنا عادة لا أتحدث عن ذلك عندما أكون في الخارج ولو كنت أعرف هذا الموضوع لم أكن في الحكومة آنذاك ولكن أعتقد أن هذه عملية طبيعية في المؤسسات العامة في الجمهورية الفرنسية المكلفة بالمراقبة والحرص على احترام القوانين من قِبل وسائل الإعلام، إن هذه عملية طبيعية في دولة تحترم القانون ولذلك.. كما أني لا أود أن أعلق على أكثر من ذلك ومن جهة أخرى يجب أن نميز بين الأمور، أنا شخصيا دائما كنت صارما تماما أمام أي نوع من أنواع معاداة السامية وإنني أرى بأن على فرنسا أن تكون لديها حرية التعبير وتقدير لسياسة.. أن يكون لها رأي حول سياسة إسرائيل والأمر يختلف، هذه السياسة مختلفة بموجب مختلف الحكومات فأنا شخصيا في عام 2000 ساهمت في جهود للتوصل إلى حل المشكلة ولكن الأمر تأخر والمقترح باراك.. لم يكن باراك عفوا.. لم يكن واضحا ولم تكن المفاوضات لم تنجح وحصل فشل أنا أُعزيه على الأطراف الثلاثة المعنية وأنا.. لو شاركوا ولو أن ذلك سبَّب خيبة أمل كبيرة..

أحمد منصور: هناك تقدير عربي للفترة التي كنتَ فيها وزيرا للخارجية وأمينا لرئاسة الجمهورية بأنك حاولت أن تلعب دورا متوازنا بالنسبة لهذه القضايا، بالنسبة لك فيما يتعلق بالكيل بمكيالين أنتم الآن كفرنسيين وكأوروبيين تطالبون بمحاكمة المسؤولين عن مذابح دارفور، في نفس الوقت هناك مائة ألف مدني عراقي قُتلوا منذ دخول القوات الأميركية إلى العراق وفق إحصاءات نشرتها منظمات بريطانية، أليس كيلا بمكيالين أن تطالبوا بمحاكمة السودانيين ولا تطالبوا بمحاكمة المسؤولين عن مقتل العراقيين المدنيين؟

هوبير فيدرين: أولا شكرا لتعليقك، في البداية أعرف أن رد الفعل المتعلق بالكيل بمكيالين ماذا أستطيع أن أقول، في العالم هناك ألف حالة مختلفة ولا نستطيع دائما.. أبدا أن نقارن بين حالتين كما تشبه الحالة عندما تذهب إلى طبيب قد يكون هناك شخصان يصفان حالة مرضية مشابهة ولكن من يحتاج يقول إن هناك كيل بمعيارين ولكن نستطيع أن نقول إن هناك خمسين كيل وخمسين معيار ما الذي تَغير، أنه ليس هناك تغيير.. فيما يتعلق بدارفور الأمر لا يتعلق إطلاقا بالعراق، إن قضية دارفور حظيت برد فعل كثير ليس فقط من فرنسا بل عالمي مقارنة بالمآسي الأخرى التي شهدتها أفريقيا، ففي سنوات الستينيات حصلت خمسة عشر مأساة كبيرة في أفريقيا أدت إلى مقتل مائتين ألف.. مليون شخص.. مليوني شخص، في السودان وفي السودان أيضا قد يكون الأمر مختلفا، في الحرب الأهلية الأمر قد يختلف في دارفور أو فيما يتعلق بالمشاهد السوري لابد أن نقول إن العالم قد تغير، الأمر لا يتعلق بمؤامرة ضد الدول العربية، الأمر لا يتعلق بمعاداة العربية بل بتغير عام بما في ذلك الحكومات، بعض الحكومات الأوروبية التي هناك شكوك حول مواقفها حول هذا الموضوع وإن هناك رد فعل كبير منتشر.. هناك سلسلة أخطاء وأخطاء متكررة مختلفة ما كنا لنقبلها ولكن الآن نقول لا يمكن أن نقبل تكرر المأساة.. تكرر المذابح أينما كان ذلك، إذاً إن الجمهور العربي قد يعتقد أن هناك علاقة عامة في هذا الموضوع، إن الجمهور العربي أيضا يعيش في حركة مشابهة، إن هناك أعمال ظالمة وغير عادلة في كل مكان ولكن هناك أيضا وعود وآمال كبيرة لمستقبل العرب.

أحمد منصور: سؤالي الأخير لك حول الحرب على الإرهاب، بعد الحادي عشر من سبتمبر أعلنت الولايات المتحدة عن حرب على ما يسمى بالإرهاب، إلى أي مدى يمكن أن تصل الولايات المتحدة في هذه الحرب المعلنة على الإرهاب وما هو الموقف الأوروبي منها؟

هوبير فيدرين: إن القوة الأوروبية أو الرأي الأوروبي هو القبول، تعبئة وشن حرب ضد الإرهاب إذ ليس من المعقول أن نقبل إرهاب.. الإرهاب يهاجم المدنيين الأبرياء بل ويريدون أن يمارسوا ضغوطا سياسية بهذه الوسيلة وهذا أمر غير مقبول، إذاً الأوروبيون متفقون حول هذا الموضوع ولكن هناك شيئان في آن واحد، هناك التنسيق في أعمال الشرطة والمراقبة وما شابه ضد الإرهاب ثم هناك المعالجة السياسية للموضوع وهنا يكمن خطأ الاختلاف الكبير في منهجنا مع المنهج الأميركي وإن الخلاف يقع في مسألة أن الأوروبيين يقولون أن الأعمال الإرهابية.. الأعمال العسكرية لا تكفي لوحدها فإن الإرهابيين ليسوا في كل مكان حتى لو أن الرئيس الإرهابي أو غير الرئيس الإرهابي قد لا يستخدم.. قد يستخدم قضية ما ذريعة ولكن ذلك لا يمنع من القول أن هناك بيئة سياسية تقلقنا أيضا، إن الأميركان.. كلا لا يجب أن نخلط بين الأمور بينما الأوروبيون يقولون إن هذا كله جزء من عملية الإرهاب وهكذا هناك نعم التعاون بين أوروبا والولايات المتحدة كما يفعلوا مع دول أخرى ولكن الأمر صعب للغاية..

أحمد منصور: شكرا معالي الوزير، أشكرك شكرا جزيلا على مشاركتك معي وأشكرك على تحمُّلك لبعض أسئلتي القاسية أيضا.

هوبير فيدرين: كلا إطلاقا لم تصدمني أيا من أسئلتك وأرجو أن تكون أجوبتي لم تصدمك وأشكرك على دعوتك لي.

أحمد منصور: شكرا لك باسم كل مشاهدي الجزيرة كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن متابعتكم، في الختام أنقل لكم تحيات فريق البرنامج وهذا أحمد منصور يحييكم بلا حدود والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.