- مستقبل حزب العدالة والتنمية في الحكم
- إستراتيجيات أردوغان لعلاج الفقر والفساد
- علاقة تركيا بإسرائيل والدول العربية

أحمد منصور: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وأهلا بكم في حلقة جديدة من برنامج بلا حدود، أوّد في البداية أن أتوجه بخالص الشكر والتقدير إلى ملايين المشاهدين الذين اهتموا بالسؤال عني ولازالوا يتصلون من أنحاء العالم ومن كل الأعمار وذلك بعد الاعتداء الجبان اللي وقع عليّ أمام مكتب قناة الجزيرة في القاهرة يوم الأربعاء الماضي وأوّد أن أشكر الجميع وأطمئنهم أني والحمد لله بخير وأن مثل هذه الاعتداءات لن تزيدنا إلا تصميما على الاستمرار في تبني الحقيقة وتقديمها إلى المشاهدين من خلال برامجنا وأخبارنا في الجزيرة، أما موضوع حلقة اليوم فقبل ثلاث سنوات من الآن تولى حزب العدالة والتنمية السلطة في تركيا وتحديدا في الثالث من نوفمبر عام 2002 وخلال ثلاث سنوات فقط تغيّر وجه تركيا في كافة الجوانب فيما وصِف من قِبل المراقبين بأنه الثورة الثانية بعد ثورة آتاترك وفي حلقة اليوم نحاور زعيم هذه الثورة الثانية في تركيا وقائدها رجب الطيب أردوغان رئيس الوزراء التركي وزعيم حزب العدالة والتنمية، وُلِد رجب الطيب أردوغان في والعشرين من فبراير عام 1954 في أحد الأحياء الشعبية في مدينة اسطنبول، تخرّج من ثانوية الأئمة والخطباء وكلية علوم الاقتصاد والتجارة في جامعة مرمرة، انتسب لحزب السلامة الوطني الذي كان يتزعمه رئيس الوزراء الأسبق نجم الدين أربكان وفي العام 1976 تولى منصب رئيس الحزب وكان من المقربين إلى أربكان حتى فُرض الحظر على أربكان بعد الانقلاب العسكري عام 1980، أسس أربكان بعد ذلك حزب الرفاه وتولى أردوغان رئيس حزب الرفاه في اسطنبول وشارك في الانتخابات البلدية عام 1994 ونجح وأصبح عمدة اسطنبول وتمكن خلال فترة وجيزة من تحقيق إنجازات كبيرة في المدنية، أسس بعد ذلك مع عبد الله غول حزب العدالة والتنمية بعد خلال مع أستاذهم أربكان وفي الانتخابات البرلمانية الماضية تمكن الحزب من الحصول على الأغلبية التي مكنته من حُكم تركيا وفي هذه الحلقة نحاول فهم أبعاد الثورة الصامتة أو الثورة الجديدة التي يقودها أردوغان في تركيا، سعادة رئيس الوزراء مرحبا بك.

رجب طيب أردوغان- رئيس الوزراء التركي وزعيم حزب العدالة والتنمية: شكرا.

أحمد منصور: كان لقائي السابق معك حينما كنت عمدة اسطنبول، أجريت معك حوارا قبل عشر سنوات وفي أخره قلت لك أتمنى أن أجري حواري القادم وأنت رئيسا للوزراء وها أنا بعد عشر سنوات أجري معك حوارا بعدما أصبحت رئيسا للوزراء.

رجب طيب أردوغان: متشكر.



مستقبل حزب العدالة والتنمية في الحكم

أحمد منصور: أود في البداية أن أسألك عن.. هذه الأيام تصادف ذكرى مرور ثلاث سنوات على تولي حزب العدالة والتنمية لمقاليد الحكم في تركيا، هل تعتقد أن الحزب سيكمل ولايته حتى العام 2007 بسلام في ظل أنه منذ العام 1983 وحتى اليوم لم يَستكمل أي برلمان ولايته كاملة في تركيا؟

"
أصبحت تركيا في ظل حكم حزب العدالة والتنمية بلد الثقة والاستقرار، وستكمل الحكومة الحالية فترتها إلى نهايتها خاصة أنها تتمتع بأغلبة تفوق الـ 60% في البرلمان
"
رجب طيب أردوغان: منذ انتخابات الثالث من نوفمبر 2002 وحتى الآن أكملنا ثلاث سنوات وكانت هذه الفترة جيدة جدا وقمنا فيها بواجبنا وأمامنا الآن سنتان لإكمال فترة خمس سنوات التي انتخبنا الشعب لنقوم بوظيفتنا خلالها ولدينا العزم والقدرة على مواصلة القيام بهذه الوظيفة دون أي تنازلات، للأسف في الماضي لم تستطع الحكومات السابقة إتمام فترة حكمها لأن معظمها كانت حكومات ائتلافية والقليل منها حَكمت بمفردها ولا أدري ما السبب بالضبط لعدم نجاحها لكن الآن توجد حكومة العدالة والتنمية التي تُشكل أغلبية تفوق الـ 60% في البرلمان وتَحكم بمفردها ومسار تركيا بفضلها جيد جدا، لقد أصبحت تركيا بلد الثقة والاستقرار وإجراء انتخابات مبكرة أو السماح بإجرائها في تركيا التي تعيش الاستقرار والثقة حاليا يُعتبر إهانة لهذا الوطن، بالنسبة لنا نحن غير قلقين من الوضع، فنحن نُجري استطلاعات للرأي العام شهريا وهي تشير إلى وضع ممتاز لنا ولا يمكن المقارنة بين وضعنا ووضع المعارضة في نظر الشعب.

أحمد منصور: ما هي المقومات التي تملكونها والتي تجعلكم واثقون من تحقيق ما فشلت الحكومات التركية في القيام به منذ العام 1983 وحتى الآن؟

رجب طيب أردوغان: لقد تولينا مقاليد الحكم كحكومة تتحلى بالحماس والعزم وكنا نعرف مشاكل تركيا وقضاياها وتعاملنا معها بحسم وأهم هذه الأمور البطالة والفقر والفساد وعلاقات تركيا بالبلدان الأخرى ومسيرة انضمامها للاتحاد الأوروبي، نحن قمنا بخطوات هامة جدا في معظم هذه القضايا.

أحمد منصور: ما هي أهم هذه الخطوات؟

رجب طيب أردوغان: نجحنا في مسيرة الاتحاد الأوروبي، أي نجحنا في مرحلة السابع عشر من ديسمبر ومن ثم حققنا النجاح في مرحلة الثالث من أكتوبر، أما الآن فوصلنا مرحلة التمشيط والمفاوضات والتي تسمى شراكه الانضمام للاتحاد وحول هذه الشراكة يواصل الزملاء القيام بأعمال موّفقة جدا ونحن نؤمن بأننا وبشكل تضامني مع مؤسساتنا سنحقق النجاح بالشكل المثالي وسنتبوأ مكانتنا داخل عائلة الاتحاد الأوروبي.

أحمد منصور: هل يمكن أن تقول لي بالأرقام والإحصاءات القريبة كيف تسلمت تركيا قبل ثلاث سنوات على الصعيد الاقتصادي، على الصعيد السياسي، على الصعيد الاجتماعي؟

رجب طيب أردوغان: أشكركم جدا فإن هذه ستكون فرصة جيدة لي أمام كل مشاهدينا في قطر والبلدان الأخرى لبيان حقيقة الوضع، عندما تولينا مقاليد الحكم كانت نسبة التضخم في تركيا 34% ولكن خلال فترة الثلاث سنوات الأخيرة انخفضت هذه النسبة إلى ما دون 8% وآخر نسبة هي 7.52%.

أحمد منصور: كيف تمكنت من تحقيق هذا تحديدا فيما يتعلق بالتضخم؟

رجب طيب أردوغان: في هذا الموضوع توجد علاقة مع مُعدل الفائدة وعدم التراجع أبدا عن البرنامج الاقتصادي المطبّق والالتزام بالنظام المالي وهي أمور تصرفنا بحساسية كبيرة فيها، مثلا عندما تولينا الحكم كانت معدلات الفائدة عالية جدا، نسبة الفائدة الاسمية كانت 70%، أما الآن فانخفضت إلى 14% والفائدة السوقية كانت في حدود 34%.. 35%، أما الآن فأصبحت تتراوح ما بين 8%، 9%، 7% وهذا جعل نسبة النمو الاقتصادي في تركيا تصل إلى 8% في السنوات الثلاث الأخيرة وهذا جلب الاستقرار وإلى جانب ذلك هدفنا لهذا العام الوصول إلى نسبة 5% وسنحققه أيضا بنفس الشكل، أما حجم الديون فقد كان 91% أما الآن فقد انخفض إلى ما يُشكل نسبة 63.4% فقط من الناتج القومي الإجمالي وصادراتنا وصلت إلى مستوى تفوق فيه الاثنين وسبعين مليار دولار وأصبح حجم تجارتنا الخارجية في حدود مائة وتسعين.. مائة وخمسة وتسعين مليار دولار وفي السياحة حققنا انطلاقات هائلة، فقد كان عدد السياح الذين يفدون إلى تركيا عند تولينا الحكم حوالي تسع ملايين سائح، أما الآن فقد فاق عدد السياح القادمين إلى تركيا العشرين مليون سائح سنويا وباتت القدرة الاستيعابية للأسرّة السياحية عاجزة عن تلبية الحاجة وأصبحت تركيا دولة معروفة باستقرارها وموثق بها عالميا وفي مجال الخصخصة حققنا النجاح الأكبر في السنوات العشر الأخيرة وكل ذلك كان له إساهم إيجابي وهام في انخفاض معدل التضخم وزيادة معدل النمو في تركيا وفي نفس الوقت دخلت تركيا في استثمارات جادة سواء في البُنى التحتية أو الفوقية، في التعليم والصحة والمواصلات والإسكان الجماعي، حيث بلغ عدد المساكن الجاهزة التي شرعنا في بنائها منذ ثلاث سنوات وحتى نهاية هذا العام مائة وخمسين آلف مسكن وسيكون عدد المساكن المُسلّمة فعليا لمستحقيها حتى نهاية العام ستة وخمسين آلف مسكن وحققنا ذلك عن طريق مؤسسة تابعة لرئاسة الوزراء تُمكن المواطن من الحصول على مسكن مناسب بدفع ثمنه على أقساط شهرية بدون فوائد تتراوح مدتها ما بين عشر.. خمسة عشر.. عشرين سنة وهذه الإنجازات أدت إلى انتعاش جاد في السوق، أما أسعار العقارات التركية فقد شهدت ارتفاعا كبيرا ومع ذلك نحن نبيعها بسعر رخيص عن طريق إدارة الإسكان الجماعي.

أحمد منصور: هل يمكن أن توجز لي كيف استطعت.. ما هي الاستراتيجية التي نهجتها لتحقيق هذه النجاحات خلال هذه السنوات الثلاث؟

رجب طيب أردوغان: هنا أؤمن بأمور ثلاثة، أوّلها إدارة الإنسان، ثانيها إدارة المعلومات وثالثها إدارة الأموال، عند نجاحكم في هذه الأمور الثلاثة فإنكم ستحققون نتائج هائلة ونحن الآن في الطريق إلى تحقيق ذلك وعندما نحققه بالكامل سيرتفع معدل نجاحنا أكثر، هذا هو الحدث.

أحمد منصور: من بين الأشياء التي ذكرتها أنك قلصت الدين لكن التقارير تشير إلى أن دين تركيا الخارجي يُقدر بحوالي مائة وثمانين مليار دولار، مَن المتسبب في هذا الدين وكيف ستعالج هذه المعضلة؟

رجب طيب أردوغان: ليس من المهم حجم الدين، المهم نسبة هذا الدين في الناتج القومي الإجمالي، فالدولة الأكثر مديونية في العالم حاليا هي أميركا وإذا سألنا عن دولة أخرى تكون أكثر مديونية في العالم فهي اليابان ولكن لا ننظر إلى حجم هذا الدين ونخدع أنفسنا، فنحن سننظر إلى نسبة هذا الدين في الناتج القومي الإجمالي وحتى في معايير الاتحاد الأوروبي فإن المهم هو النسبة وليس الحجم، فإذا كانت نسبة الدين أقل من 60% من الناتج القومي عندها يكون الوضع جيدا ولكن إذا كانت النسبة تفوق الـ60% فإن حجم الديون لديكم ليس على ما يرام ونحن استلمنا الاقتصاد ونسبة الديون فيه 91%، أما الآن فهذه النسبة انخفضت إلى 63% وهذا يعني أننا في طريق جيد ويعني أيضا أننا قد ننخفض إلى ما دونها حتى نهاية العام.



إستراتيجيات أردوغان لعلاج الفقر والفساد

أحمد منصور: ما هي استراتيجيتك في علاج قضية الفقر في تركيا وأنت قلت أنها كانت من الأشياء الأساسية التي سعيت لعلاجها؟

"
في إطار إستراتيجية الحكومة في معالجة الفقر وفرت العديد من فرص العمل فتراجعت معدلات البطالة وهو بالتالي ما سيقلل من حالة الفقر، كما  شجعنا مؤسسات التضامن الاجتماعي للقيام بدورها في البلاد "
رجب طيب أردوغان: دولتنا قبل كل شيء هي دولة اجتماعية، نحن نخلق مجالات للعمل، مثلا في هذا العام فقط وحتى نهاية شهر يونيو الماضي مكّنا خمسمائة وأربعة وعشرين آلف مواطن يرغبون في ممارسة عمل من تحقيق رغبتهم هذه وهذا تطوّر، عندما تولينا مقاليد الحكم كان معدل البطالة 11.7% أما الآن فقط أنخفض هذا المعدل إلى 9.7% وهذا ليس انخفاضا كبيرا ولكنه تطور إيجابي والسبب الوحيد للخطوات التي قمنا بها في قطاع الإنشاءات هو زيادة فرص العمل وخفض معدل البطالة وخفض البطالة سيقلل الفقر بالضرورة وإلى جانب ذلك شجعنا آليات التضامن الاجتماعي، مثلا إحدى وزارات الدولة حاليا تشرف على صندوق التضامن والتعاون الاجتماعي ومن هنا نقدم المساعدة لمواطنينا الفقراء والمُعوّزين ويتم دفع أجرة شهرية لهم وإعطائهم الفحم وتقديم المنح للطلبة وتقديم قروض كمساعدات وتوزيع الكتب مجانا على طلبة مراحل التعليم الإلزامي ويتم تقديم مساعدات كبيرة للمستشفيات ودعمنا قوي في مجال الضمان الاجتماعي ونقوم بتوزيع البطاقات الخضراء على مثل هؤلاء الفقراء وحاليا وزّعنا حوالي عشرة ملايين بطاقة خضراء ومواطنونا من ذوى البطاقات الخضراء يحصلون على خدمات مجانية من المستشفيات ولديهم إمكانية الحصول على الأدوية بدفع نسبة 20% فقط من ثمنها.

أحمد منصور: النقطة هنا كيف استطعت أن توفر الأموال من أجل دعم هؤلاء؟ من أي بنود الميزانية؟

رجب طيب أردوغان: من الميزانية.. مباشرة من الميزانية نخصص لهم المدفوعات.

أحمد منصور: اقتطعتها من أي جوانب الميزانية؟ وكانت الدولة تعيش معاناة اقتصادية قبل أن تتولى السلطة؟

رجب طيب أردوغان: هناك بنود في ميزانية دولتنا تُخصص المساعدات كما تُخصص مدفوعات للاستثمار، فهناك حُكم يأمر دولة القانون الديمقراطية العلمانية الاجتماعية في تركيا باستقطاع مخصصات لمساعدة المواطنين ولا يوجد أي عائق قانوني يَمنع ذلك.

أحمد منصور: سبق أن وصفت سنوات العدالة والتنمية الثلاث بأنها بمثابة ثورة صامتة اجتاحت الأناضول، نظفته من صورته المعتمة، ما هي معالم هذه الثورة؟ وماذا كان الوجه المعتم للأناضول؟ وما هو الوجه المضيء الآن؟

رجب طيب أردوغان: عليّ أن أشرح ذلك من خلال عدة عناوين، أولها التعليم، ثانيها الصحة وثالثها العدالة ورابعها الأمن والمواصلات والإسكان الجماعي والزراعة، في التعليم نفذنا خطوة غير مسبوقة، فقد أنشأنا ستين آلف قاعة دراسية في مختلف أرجاء تركيا، هذا لم يحدث في تاريخ الجمهورية.

أحمد منصور: هذا خلال ثلاث سنوات فقط؟

رجب طيب أردوغان: نعم خلال ثلاث سنوات وحتى نهاية هذا العام لن تبقى أي مدرسة غير موصولة بشبكة الإنترنت في تركيا وكذلك نقوم بفتح قاعات دراسية خاصة بتقنية المعلومات والاتصالات في كافة مراحل التعليم الابتدائي والمتوسط وحتى نهاية العام وعلى الأكثر في الربع الأول لعام 2006 سنفتتح هذه القاعات الدراسية الخاصة بتقنيات المعلومات والاتصالات وهذا يعني تزويدها بثلاثمائة وعشرين آلف جهاز كمبيوتر وكل الطلبة المتخرجين من هذه المدارس سيكون لديهم القدرة على استخدام الكمبيوتر بشكل جيد وخطوة أخرى في التعليم أيضا أننا بدأنا حملة تسمى هيا يا فتيات إلى المدرسة، لأن نحو سبع مائة ألف فتاة لم تلتحق بالمدارس في تركيا وتشجيعا لهذه الحملة نقوم بتقديم مساعدات مالية للفتيات وعائلاتهن ولكن ندفع للفتيات أكثر من الأولاد ولا ندفع المال للطفل مباشرة بل نفتح حسابا باسم الأم في أحد البنوك ونودِعُها هناك والأم أكثر عطفا على الطفل، الأب عطوف أيضا ولكن ليس مثل الأم ولهذا كلفنا الأم بسحب هذا المال من البنك وإنفاقه على تعليم الأطفال وكل ذلك لتُسهم الأم في تشجيع الفتيات على الالتحاق بالمدارس ونواصل تطبيق هذا الأمر ومن ناحية أخرى نقدم منحا مالية للطلبة الجامعيين أيضا ولا يوجد أي طالب جامعي لا يستطيع الحصول على منحة مالية للدارسة في تركيا، فكل طالب يتقدم إلينا يحصل على هذه المساعدة كما أننا أيضا نقدم الكتب الدراسية مجانا وعندما تولينا الحُكم كان هناك نقص كبير في المعلمين ولكننا سددنا العجز بدرجة كبيرة وإن بقي نقص قليل لغاية الآن نسعى لمعالجته حاليا وإلى حين مجيئنا للحُكم كانت ميزانية التعليم من أقل ميزانيات الدولة، أما الآن فهي أول بند في ميزانية الدولة وأصبحت مخصصات التعليم هي الأكبر في الميزانية.

أحمد منصور: أنا أتمنى لأكون لدي الوقت لتشرح التجربة بالكامل وأتمنى أن تتاح بعد ذلك ولكن وقتي محدود ووقت البرنامج..

رجب طيب أردوغان [مقاطعاً]: وأنا أيضا كذلك.

أحمد منصور [متابعاً]: فأرجو أن تمر عليّ بعنوانين على باقي الجوانب الأخرى، لا.. تفضل أنا أريد هذه التجربة أن يعرفها العالم، بالعكس.

رجب طيب أردوغان: إذاً أقول شيئا مختصرا، في الصحة أيضا تتطور تركيا بشكل تام، نريد أن نُوصل خدمات الصحة إلى المواطن وفي العدالة كانت قصور العدل لدينا بالية فأخذنا نُطور إمكانياتها المادية.

أحمد منصور: ماذا فعلت بشأن القضاء واستقلاله؟

رجب طيب أردوغان: في عهدنا نفذنا النواحي والإمكانات المادية الخاصة بالقضاء من أجل تشجيع وزيادة استغلالية أكثر، قمنا بخطوات ممتازة في مجال الحقوق الشخصية ونقوم بتنفيذ نفس الخطوات في أجهزة الأمن ولكن الأمور التي كان لها التأثير الأكبر في ثورتنا الصامتة كانت تغيير معايير كوبن هاغن السياسية بشكل يتناسب مع مسيرة الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وهي حرية الفكر وحرية التنظيم وحرية الدين والوجدان والضمير وحرية المبادرة، ثم سنواصل تحقيق كل هذه خلال المرحلة المذكورة ومع ذلك لدينا نواقص سنقوم بتلافيها، فنحن نقوم بتغيير عقلية وهذا أمر ليس سهلا.

أحمد منصور: ما هي أهم النواقص التي تريد أن تزيلها خلال الفترة القادمة؟

رجب طيب أردوغان: هناك الكثير من المواضيع التي تجب تسويتها في إطار الأمور التي ذكرتها وليس من الصواب تحديد نقاط ملموسة، فالنواقص ستظهر تباعا أمامنا خلال مرحلة التمشيط والتفاوض مع الاتحاد الأوروبي وعندها سنقوم بتسويتها سواء في الفكر أو في حرية التنظيم وحرية الدين والضمير أو في حرية المبادرة وهذه أمور تظهر وستظهر مع التقدم.

أحمد منصور: هل استكملت ثورتك الصامتة أم لازال أمامك وقت وحاجة لاستكمالها؟

رجب طيب أردوغان: ليس بعد ولازالت مستمرة، فنحن طورنا قوانين الانسجام ودخلنا مرحلة التطبيق ومرحلة التطبيق تعني تغيير في العقلية والأمر ليس سهلا، هناك تقاليد راسخة لا يمكن تغييرها بشكل فوري، مثلا التقاليد الراسخة من أعماق التاريخ لدى الشعب القطري لا يمكن تغييرها بمجرد الرغبة وفورا ولا يمكن التغيير إلا مع الزمن وبشكل لا يخلو من السلاسة ودون اللجوء للعنف أو التسبب في أي اضطرابات اجتماعية وهنا حضارتنا تُقدم لنا أمثلة جميلة على ذلك ومن بينها مثال الاستمرارية مع القيام بالتحليل الاجتماعي والنفسي للتغيير وبشكل جيد.

أحمد منصور: ما هي مرجعياتك في تكوين هذه الثورة؟ كل الثورات لها مرجعيات، ما هي المرجعية التي استَمددت منها هذا التطور في إعادة بناء الإنسان التركي؟

رجب طيب أردوغان: هناك قيم لنا قادمة من روح حضارتنا وهذه القيم تُشكل قوة وقدرة لنا وبفضل الإلهام الذي استمَدّيناه من هذه القيم استطعنا الوصول إلى الحكم في تركيا في وقت قصير لا يزيد على 16 شهرا ولأن مقولاتنا توافقت مع إرادة الشعب ولقيت الرضا، نحن مارسنا السياسة من قبل ولكننا الآن لا نتفق مع السياسة التي مارسنها سابقا، لأن التقديم كان مهما جدا، فإذا لم يكن تقديمكم بلغة يفهمها الشعب فلن تحقق شيئا ونحن قدمنا السياسة الآن باللغة التي يفهمها شعبنا ولذلك أوكَلَنَا الشعب بتولي الحُكم ومن الآن لن نسمح للفساد وسوء الاستعمال ولن نأكل حق اليتيم، لن نسمح بأكله وعلينا أن نكون حماة للفقراء وأن ننهض بالوطن بأكمله لا بقاطعات معينة منه وبقدر ما تقضون على الفوارق بين الناس فإن الشعب سيؤيدكم ويبقيكم في الحكم وأنا أقول دوما أننا لسنا دائمين في هذه المراكز، فنحن اليوم موجودون ولكن قد لا نكون غدا ولا أحد يسعى للبقاء في أي مركز، فعلينا أن لا ننسى أننا فانين قبل كل شيء.

أحمد منصور: تكلمت عن الفساد وملف الفساد هو أحد أكبر الملفات التي تعهدت بعلاجها وكان مسعودي المظ هو أول رئيس وزراء تركي في العصر الحديث يُحاكَم بتهمة الفساد وقلت أنكم ستُحَاكِموا كل المفسدين الذين نهبوا أكثر من خمسون مليار دولار من أموال الشعب التركي، مَن على القائمة بعد مسعودي المظ؟

رجب طيب أردوغان: لا يمكن أن نقول الذين نهبوا، لأنه عندها سنضع أنفسنا مكان القضاء، نحن فقط قيّمنا هذه الادعاءات كجهاز تشريعي وأوصلنا هذه الادعاءات إلى الجهاز القضائي ومقام الادعاء حاليا هو النيابة والأمر انتقل إليها والنيابة والقضاء يواصلان هذه المسيرة وفي حال إثبات التهمة في نهاية هذه المسيرة عندها يَحق لنا الكلام وإذا لم تَثبت التهمة لا أستطيع القول أبدا أن رئيس الوزراء الذي سبقني ارتكب جريمة أو قام بالفساد، نحن فقط قمنا بدراسة الملفات التي لدينا وشكّلنا لجان تحقيق قامت بعملها وانتهت منه وحوّلت الأمر للقضاء.

أحمد منصور: لكن ما هي استراتيجياتك في الحرب على الفساد في تركيا واسمح لي أسمع منك الإجابة بعد فاصل قصير، نعود إليكم بعد فاصل قصير لمتابعة هذا الحوار مع رئيس الوزراء التركي رجب الطيب أردوغان، فابقوا معنا.

[فاصل إعلاني]

أحمد منصور: أهلا بكم من جديد بلا حدود في هذه الحلقة التي نستضيف فيها رئيس الوزراء التركي زعيم حزب العدالة والتنمية رجب الطيب أردوغان، معالي رئيس الوزراء كان سؤالي لك حول الاستراتيجية التي تقودها لمحاربة الفساد في تركيا؟

رجب طيب أردوغان: هناك انطباع بشأني لدى الشعب مُترسخ منذ أن كنت رئيسا لبلدية اسطنبول وهو إطلاق الحرية لآليات العدالة لكي تعمل بشكل مريح ودون ممارسة الضغط عليها وتشغيل الآليات الأمنية بشكل جيد ونحن كجهاز تشريعي نشغل كل لجان التحقيق بشكل مستقل ودون أي نوع من التفرقة وتصرَفنا بشكل مريح في هذه المواضيع ونتيجة لذلك ازدادت الثقة الموجودة أصلا ونحن نسير بهذه الثقة حاليا ويتَرسخ هذا الموقف كلما ألقينا القبض على المفسدين وسلمناهم للعدالة وفي عهدنا أيضا لم تتم إحالة أي من البنوك إلى صندوق الإفلاس، أي لم يتم إغلاق أي منها بسبب الفساد، أما في المرحلة التي قبلنا فقد تم إغلاق 22 بنكا بسب الفساد والغريب أنهم كانوا يفتتحون بنوكا جديدة باستمرار لأنهم كانوا يجمعون أموال الناس في هذه البنوك ويختلسونها لاحقا وفي عهدنا انتهى هذا الوضع، لأنه ليس من الممكن لأيٍ كان فتح بنك كما يريد، إذ زدنا صعوبة فتح البنوك والضمانات اللازمة لها ووضعنا البنوك القائمة حاليا تحت رقابة صارمة وعزلنا رئيس هيئة التنظيم والرقابة المصرفية السابق والفريق القائم على الهيئة حاليا يقوم بالتنظيم والرقابة بشكل جيد جدا وكانت نتيجة ذلك أن أصبحت البنوك العامة وبنوك القطاع الخاص تحقق الأرباح، أما في السابق فكانت معظم البنوك تَظهر وكأنها خاسرة، هذا الأمر انتهى ولذلك كان له ردود فعل إيجابية جدا لدى الشعب وبطبيعة الحال ازدياد هذه الموارد يؤدي إلى زيادة الاستثمارات، ففي السابق كانت الاستثمارات قد انتهت لعدم وجود الموارد، كان هناك فساد كبير في دفع الفوائد، هل تعرفون حجم ما كَسَبَته تركيا بفضل انتهاء الفساد في مجال الفوائد؟ حوالي سبعون مليار دولار.

أحمد منصور: خلال ثلاث سنين؟

رجب طيب أردوغان: نعم.. وسبب ذلك أن انخفاض نقطة واحدة في معدل الفائدة يُكسب تركيا ما بين مليار ومليار ومائتين وخمسون مليون دولار، نحن حققنا ذلك، فقد خفّضنا معدل الفائدة بنسبة 56 نقطة، من سبعون إلى 14% وعند حساب ذلك نجد أن مكسب تركيا يصل إلى حوالي تسعين مليار دولار وهذا في مجال الفائدة فقط.

أحمد منصور: لكن خصومك السياسيين يقولون أنك لم تستطع القضاء على الفساد بل إن هناك في حكومتك لازالت ممارسة الفساد قائمة؟

رجب طيب أردوغان: لا توجد أي دولة في العالم انتهى فيها الفساد 100%، قد تحصل أمور كبيرة وصغيرة ومن الأكيد حصول بعض الأحداث ولكن بنسب بسيطة ونحن نقول لمَن يحاول اتهام حكومتنا أثبِتوا ذلك، قدِموا ما لديكم من أدلة ووثائق ولا يمكن القول بحدوث فساد دون وجود دليل أو وثائق تثبته ونحن مرتاحون من هذه الناحية، فلدينا مقولة تقول ليس لدينا شبهة في وضوئنا لكي نشتبه في صلاتنا، هذا هو الفرق، عليهم الإثبات وإلا فلا.. ومقولة أخرى تقول يتوجب على المدعي إثبات ادعاءه وإذا لم يستطع الإثبات فإن هذا يعود عليه.

أحمد منصور: خصومك السياسيين أيضا يتهمونك بأنك تبيع تركيا للمستثمرين الغربيين والعرب والإسرائيليين؟

رجب طيب أردوغان: أنا لا أبيع بل أسوّق وسأواصل التسويق، هؤلاء جهلاء في الموضوع ولا يعرفون معنى التسويق، نقول لهم تعلّموا وادرسوا الإدارة، يتم تسويق السياسة والحياة الاجتماعية والاقتصاد، عليكم القيام بذلك، لا أحد منهم يعرف معنى التسويق، يعتقدون أن التسويق يعني تسويق الماشية والأغنام فقط، الصحيح أن السياسة تسوّق والحياة الاجتماعية تسوّق وبالإمكان تسويق إمكانيات البلد بأفضل شكل وتسويق اسم بلدكم في الأسواق العالمية بأفضل أسلوب وتُعرفون به.

أحمد منصور: يقولون أنك تمنح الإسرائيليين بوجه خاص امتيازات أكبر ومنهم المستثمر سامي عوفر الذي أنكرت علاقتك به ثم فضحها الإعلام بعد ذلك؟

رجب طيب أردوغان: لا يوجد شيءٌ من هذا القبيل ويبدو أن هذا الأمر انعكس بشكل خاطئ هنا أيضا، نحن لا نوافق على أي عمل إلا بوجود مصالح مشتركة على الأقل ولا ندخل أبدا في عمل لا مصلحة لنا فيه ولا شك أنه من حق أي مستثمر أجنبي ينوي الاستثمار في بلدي أن يحسب مصلحته جيدا وهذا حقه الطبيعي وعوفر تقدم بعرض في العطاء كغيره وفاز بالعطاء لأنه قَدم أفضل العروض، هذا هو كل ما في الأمر.



علاقة تركيا بإسرائيل والدول العربية

أحمد منصور: أمَا يشكل دخول الإسرائيليين بقوة إلى السوق التركي مخاطر اقتصادية عليكم؟

رجب طيب أردوغان: لا نخشى شيء، فإذا كنتم بلدا قويا ولا مشاكل لديكم فلماذا تخشون مثل هذا الأمر، بالعكس إنهم يضفون القوة على اقتصادنا.

أحمد منصور: ما طبيعة علاقتك بالإسرائيليين؟

رجب طيب أردوغان: نحن الآن لدينا تعاون وعلاقات عسكرية واقتصادية وسياسية وتجارية وحجم تبادلنا التجاري معهم حاليا يبلغ نحو خمس مليارات دولار.

أحمد منصور: في مايو الماضي وزير الخارجية الإسرائيلي إسحاق شالوم قال إن تركيا تلعب دور الوسيط بين إسرائيل والدوّل العربية والإسلامية، بعد ذلك رتبتم لقاء مع وزير الخارجية الباكستاني والإسرائيلي في تركيا، هل تقومون حقا بدور الوسيط أو العرّاب ما بين العرب والإسرائيليين؟

رجب طيب أردوغان: إذا كُلفنا بمثل هذه المهمة نقوم بها بكل حماس وإذا كانت هناك حاجة فلماذا لا نلبيها، فمهمة كل دولة ليس تشجيع العداوات وزيادتها في العالم، بل زيادة الصداقات والنجاح في ذلك يكون أكثر فائدة والآن يتواصل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني منذ سنوات طويلة هل تم التوصل إلى شيء؟

أحمد منصور: لكنك سبق.. أسمح لي.. سبق وأن وصفت إسرائيل بأنها دولة تمارس الإرهاب حينما اغتالت الشيخ أحمد ياسين ولازالت تمارس ضد الفلسطينيين شيئا من هذا إلى اليوم.

رجب طيب أردوغان: أنا سياسي، أؤيد دائما قول الحقيقة وأنا آنذاك قيّمت حدثا وكان مظهر ذلك الحدث كما وصفته وإذا تكرر غدا فسأقيّمه بنفس الشكل، لأن هناك ثلاث أنواع للإرهاب، أولا النوع الفردي والنوع المؤسساتي والنوع المتعلق بالدولة وللأسف نحن في العالم الآن نعيش هذه الأنواع الثلاثة من الإرهاب، نحن نقول لنتخلص من ذلك، فإذا حُوصر طفل صغير وأبوه في زاوية وهاجمته دبابات الدولة فيكون هذا هو تعريفه وهذا ما حددته في ذلك الوقت.

أحمد منصور: ما تقييمك لمَا تقوم به إسرائيل الآن ضد الفلسطينيين؟

"
أعتبر عملية الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة خطوة إيجابية مهما كانت تخفي من أهداف وراءها ونرى أنها تسير باتجاه تطبيق خارطة الطريق، ولا بد أن يقابل ذلك القيام بخطوات مماثلة من الفلسطينيين 
"
رجب طيب أردوغان: أنا الآن أعتبر عملية الانسحاب من غزة خطوة إيجابية مهما كان الهدف الذي خلفها وهي خطوة إيجابية باتجاه تطبيق خارطة الطريق واعتَبر الانسحاب من جزء من الضفة الغربية خطوة إيجابية ويجب دعم ذلك.

أحمد منصور: لكن الممارسات الإسرائيلية لم تتوقف؟

رجب طيب أردوغان: من الجانب الفلسطيني يجب القيام بخطوات مماثلة أيضا لكي نصل إلى نتيجة في أقرب وقت وإلا فإن هذا الوضع سيستمر ولا تحصلون على نتيجة وترون الدموع والدم والموت يوميا، هل سيتواصل الوضع بهذا الشكل؟ أعتقد أنه لا يمكن الوصول إلى أي شيء عن طريق الحديث من بعيد.

أحمد منصور: هل تتطلع إلى دور استراتيجي تلعبه تركيا في المنطقة بمثابة دور الأخ الكبير مثلا؟ الآن أنت تقوم بجولة في الدوّل الخليجية، قمت بزيارة لباكستان، هل تخطط لدور استراتيجي أكبر؟

رجب طيب أردوغان: نحن أعددنا أنفسنا لهذا الدور منذ فترة ونتيجة استعدادنا لذلك تولينا دورا في مشروع الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الكبير ونقوم بدور الرئاسة الموازية بين إيطاليا وتركيا واليمن.

أحمد منصور: هل هذا الدور نابع من تركيا أم نابع بترتيب مع الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل؟

رجب طيب أردوغان: لا.. هذا لا يقتصر على أميركا فقط، فإلى جانب ثمان دوّل مختلفة هي مجموعة الدوّل الثمانية تمت دعوة تركيا كدولة شريكة وهكذا اشترَكَت.

أحمد منصور: لكن هذا المشروع مات، مشروع الدوّل الثماني يعتبر مات، لم يتحرك منذ مدة طويلة.

رجب طيب أردوغان: هذا المشروع لم يمت بين هذه الدوّل ولم ينتهي وهذه الدوّل لازالت مستمرة في تحركاتها المتبادِلة بشكل جيد، نحن الذين نقول ذلك، لا داعي لخداع أنفسنا، فهذه الدوّل تسير العلاقات فيما بينها بأفضل شكل بالنسبة لها، أما نحن فنتعب أفواهنا ولا داعي لذلك، لننظر إلى أنفسنا وما نحصل عليه، هل حصلنا على شيء أم لا؟ العالم الإسلامي يخدع نفسه دائما ومنذ سنوات في هذه النقطة، لنرى أولا إلى أين وصلنا، عند النظر إلى مشروع الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الكبير نتساءل عن هدفنا، ما هو مستوى رفاهيتنا؟ هل لازلنا منشغلين بالصراعات والحروب؟ ما هو الوضع في العراق وفي إسرائيل وما هو في سوريا؟ وفي مقابل ذلك أتساءل هل لديكم كعالم عربي أو عالم إسلامي تسوية للمشاكل القائمة؟ لا توجد تسوية، علينا أولا أن نتحدث عن كيفية إيجاد تسوية، لا يمكن الوصول إلى أي نتيجة عن طريق الهروب من طاولة المفاوضات.

أحمد منصور: حتى لو كان الحل هو التبعية المطلقة لإسرائيل وأميركا؟

رجب طيب أردوغان: ماذا تقصدون بالتبعية؟ هل تستطيعون الحديث عن الحقائق وشرحها؟ هنا المسألة، إذا كنت أنا قادرا على فعل ما أؤمن به وعلى قول الحقائق التي أؤمن بها عندها أواصل السير في طريقي وإذا كنت أؤمن بأنني سأحصل على نتيجة فيها الخير لي من مثل هذا المشروع عندها سأقوم بما يجب من خطوات وألعب هذا الدور، نحن الآن كتركيا نؤمن بفائدة مثل هذا المشروع ومن هذا المنطلق نعتقد أننا قمنا بالمهام التي المطلوبة منا ولا نشعر بحرج من ذلك، فقط قمنا ببعض الخطوات وقطعنا شوطا، أريد أن أقول لكم شيئا، انسحَبوا من غزة فماذا لو لم ينسحِبوا؟

أحمد منصور: تحت الضغط هم انسحَبوا لأنهم كانوا تحت المطرقة الخاصة بالمقاومة الفلسطينية والآن يطلبون من الفلسطينيين.. السلطة الفلسطينية أن تؤمنهم.

رجب طيب أردوغان: لا تخدعوا أنفسكم، فلو لم ينسحِبوا من هناك لما بدأت المسيرة الحالية ولاستمر الوضع السابق، أسألكم يجب القيام بخطوات من أجل الإسكان في غزة، هيا قوموا بهذه الخطوات، بماذا ستقومون الآن؟ ما هي قوتكم وقدرتكم؟ هيا قوموا بشيء، لا نستطيع القيام بأي شيء دون الحصول على دعم من جهة أخرى، علينا أن نفعل ذلك كلنا معا وإلا لن يحصل شيء ولذلك علينا أن نقوم بشيء يكون واضحا بالعقل والمنطق، علينا أن لا نُلدغ من المكان الذي سبق وأن لُدغنا منه، علينا تحديد ذلك جيدا وعلينا تبني العقل والعلم والتجربة كمنطلق للتحرك بالنسبة لنا وإذا تركنا هذه جانبا وتحركنا بعاطفية فإننا نكون الخاسرين دوما.

أحمد منصور: هل تعتقد بصفتكم الجارة الكبرى للعرب.. هل يوجد لدى العرب استراتيجية في التعامل مع قضاياهم الرئيسية مثل قضية العراق وفلسطين؟

رجب طيب أردوغان: أتمنى أن يكون لديهم ونحن نبذل جهدنا من أجل ذلك، فقد شرعنا في مسيرة الدوّل المجاورة للعراق وقلنا لهم تعالوا لنعمل بجد معا من أجل العراق ولازالت هذه الجهود متواصلة ولغاية الآن تم عقد ثمانية اجتماعات لوزراء خارجية دوّل الجوار.

أحمد منصور: العرب يتخوفون منكم ويتشككون في خطواتكم؟

رجب طيب أردوغان: نحن نريد استخدام قوتنا من أجل إخواننا ورغم ذلك إذا استمرت شكوكهم فلا أستطيع قول شيء آخر ونحن دائما نسعى لكسب الأصدقاء وتطوير الصداقات والعمل مع إخواننا يدا بيد وكتفا بكتف ولا أفكر أبدا في ماهية أفكارهم تجاهنا، لأنه لا مكان لذلك في معتقداتي ولا في معتقدات شعبي، نحن ننتسب إلى نفس الحضارة، كيف تقولون ذلك؟ إن حصل سيكون خطأ فادحا، عندها يكون الأمر تعصبا قوميا.

أحمد منصور: هم لازالوا يُروّجون، لازال كثير من العروبيين يُروّجون للخلافة الإسلامية ويقولون الاحتلال التركي للعالم العربي ولازالوا مُتخوّفين من أن هذا الامتداد وهذه القوة لديكم هي من أجل إعادة الهيمنة الناعمة على الوطن العربي مرة أخرى.

رجب طيب أردوغان: اتركوا مثل هذا النوع من القومية العرقية، حزبنا لديه ثلاث أهداف ونطبقها في بلدنا، أولا نحن ضد القومية العرقية ولا نقبلها أصلا، نحن خُلقنا أقواما مختلفة ولكن لكي نتعارف ونتفاهم ولا نقبل أفضلية قوم على قوم آخر، هذه خطوط حمراء بالنسبة لنا، ثانيا نحن لا نقبل القومية الإقليمية أيضا وعلينا أن نتجاوزها، كل منطقة لها جمالها الخاص والمفهوم الأجمل أن نعمل معا لتحسين وضع المناطق الفقيرة في بلادنا ونحن ننظر إلى الشرق الأوسط الكبير وشمال أفريقيا من هذه الزاوية، ندعوا لنهضة وتطوير كل البلدان الفقيرة، ثالثا لا نقبل أيضا القومية الدينية، أي التفرقة على أساس مذهبي وهذا منتشر الآن في العراق، علينا القضاء على مثل هذه الظاهرة، كل شخص يعيش مذهبه ويعتز به كما يشاء وفقا لقيمه وتشريعاته ولكن محاولة هيمنة مذهب على آخر تؤدي إلى التفرقة والانفصالية والمسلمون دفعوا ثمن ذلك كثيرا ولكي لا نواصل دفع الثمن علينا التخلي عن القومية التركية والقومية العربية وليفتخر أخي العربي بعروبته ويفتخر التركي بتركيته ولكن لا يكون ذلك مُبرِرا لأفضلية طرف على الآخر، لأن هناك مفهوم آخر يربطنا ببعضنا البعض وهي الحضارة التي ستكون الرابط بيننا.

أحمد منصور: جارتكم سوريا تحت الضغوط الأميركية الآن وهناك مؤشرات كثيرة إلى أن أميركا تسعى لتغيير النظام في سوريا، ما هو موقفكم لما تتعرض له سوريا من ضغوط؟

رجب طيب أردوغان: لدينا الآن جهود حثيثة في هذا الموضوع ونتمنى بإذن الله أن نصل في أقرب وقت إلى نتيجة عادلة تقودنا إلى السلام في المنطقة، تعرفون أن البحرين شهدت اجتماعات من أجل هذا الغرض وستُعقد اجتماعات أخرى لنفس الغرض لاحقا، الجميع يبذل ما بوسعه من جهود، لا نريد للمنطقة أن تعيش ما يعيشه العراق ونسعى لمنع ذلك وإن شاء الله ننجح في مساعينا.

أحمد منصور: كيف تنظر إلى ما يحدث في العراق الآن.. مستقبل الاحتلال الأميركي للعراق؟

رجب طيب أردوغان: نحن نؤيد وحدة العراق ولا نريد أبدا تقسيم العراق ونرفض أيضا هيمنة أي طرف عرقي على الآخر ونرفض نفس الشيء أيضا بين المذاهب في العراق ونعتبر من الخطأ تغيير البنية الديمغرافية في مدينة كركوك ونؤيد منح وضعية خاصة لها ومن ناحية أخرى نعتبر الدستور الجديد ناقصا ولكنه خطوة مهمة نحو الأمام، نؤيد مشاركة السنّة في العملية السياسية ونعتبر ابتعادهم عن المسار السياسي خطأ ونؤكد ضرورة مشاركتهم في الانتخابات التي ستُقام في نهاية العام، لأن البقاء خارج البرلمان لن يساعد السنّة على المُطالبة بحقوقهم المستقبلية في إطار مسيرة الديمقراطية.

أحمد منصور: هناك مؤشرات كثيرة تؤكد أن العراق في طريقه إلى التقسيم أو قُسم بالفعل، ما هو موقف تركيا من حال تقسيم العراق أو الطريق إلى تقسيمه؟

رجب طيب أردوغان: لا نريد تصديق ذلك حاليا، لأن مثل هذه الخطوة قد تقود إلى مستقبل حافل بالاضطرابات في العراق والحديث عن نظام الولايات يختلف عن التقسيم، إن التركيبة الكونفدرالية أمر مختلف ولذلك يجب الانتظار حتى نهاية العام لرؤية ما سيحدث من تطورات وما ستتمخض عنه الانتخابات القادمة والتي ستحوّل الحكومة الانتقالية إلى حكومة دائمة.

أحمد منصور: كيف تنظر لمستقبل الاحتلال الأميركي للعراق؟

رجب طيب أردوغان: الظاهر حاليا أن أميركا لا تفكر في البقاء هناك، المهم هنا هو قدرة الحكومة العراقية سواء الحالية أو التي ستأتي لاحقا على الإمساك بزمام الأمور والعمل من أجل مستقبل العراق ونحن على اتصال دائم بالإدارة العراقية، نلتقي ونتباحث معهم دائما والمهم لنا أن تتواصل المسيرة القادمة بمشاركة كل أطياف الشعب العراقي وأنا أؤمن أن القرار النهائي هو للشعب العراقي.

أحمد منصور: سؤالي الأخير ما هي استراتيجياتك للتعامل مع العالم العربي في الفترة القادمة؟

رجب طيب أردوغان: نحن كتركيا نسعى حاليا لإيصال العلاقات بين تركيا والعالم العربي والإسلامي إلى المستوى الأمثل وخطواتنا ستتطور أكثر من خلال علاقاتنا في إطار منظمة المؤتمر الإسلامي، أنا أؤمن بذلك، قد تكون حصلت بعض المشاكل ولكن نحن وطوال فترة السنوات الثلاث الماضية بذلنا الجهد لتجاوز أي مشاكل وسنواصل جهودنا في المستقبل أيضا، من أجل ذلك ركزنا على تطوير علاقاتنا الاقتصادية، لأن العلاقات الاقتصادية أصبحت تلعب الدور المحدد والثقل في السياسة، نرغب في توطيد علاقاتنا الثقافية أكثر، نريد تطوير علاقتنا السياحية لكي تتعارف شعوبنا وتتلاحم أكثر فيما بينها ومع هذه الجهود وتواصل زياراتي الرفيعة المستوى بين بلداننا أعتقد أنه سيتم تجاوز أية مشاكل أو عقبات.

أحمد منصور: معالي رئيس الوزراء التركي أشكرك شكرا جزيلا.

رجب طيب أردوغان: أقدم لكم جزيل الشكر باسمي وباسم الشعب التركي.

أحمد منصور: شكرا لك، كما أشكركم مشاهدينا على حسن متابعتكم وأكرر شكري للذين سألوا عني طوال الفترة الماضية والذين لازالوا يسألون وأطمئنهم أني والحمد لله بخير، في الختام أنقل لكم تحيات فريق البرنامج وهذا أحمد منصور يحييكم بلا حدود والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.