- أسباب تحول الترابي ضد ثورة الإنقاذ
- إفساد السلطة للحركة الإسلامية

- جدوى حكم العسكر

- تطور الفكر السياسي لدى الترابي


أحمد منصور: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أحييكم على الهواء مباشرة وأرحب بكم في حلقة جديدة من برنامج بلا حدود، موضوع حلقة اليوم هو ضيفها الدكتور حسن الترابي زعيم حزب المؤتمر الشعبي المعارض في السودان أكثر الزعماء والمفكرين الإسلاميين إثارةً للجدل وحضورا على الساحة الإسلامية والدولية، فالرجل الذي حصل على الماجستير في القانون من جامعة أكسفورد وعلى الدكتوراه من جامعة السوربون والذي يتكلم الإنجليزية والفرنسية والألمانية بطلاقة علاوة على اللغة العربية هو فقيه وسياسي ورجل قانون وصانع أحداث لم يغب عن الساحة السياسية في السودان منذ أن احترف العمل السياسي وتفرغ له ولصراعاته وألاعيبه منذ أربعين عاما، بقيَ الترابي خلالها مثيرا للجدل سواء إن كان داخل السلطة أم خارجها أو داخل السجون أو حرا طليقا وفي حلقة اليوم نحاول فهم بعض جوانب المشهد السياسي في السودان من خلال حوارنا معه بعد 15 شهرا قضاها في سجنه الأخير وخرج أكثر عزما على مواصلة الطريق، طريق السياسة الوعر المحفوف بالمخاطر، ولد الدكتور حسن الترابي في مدينة كسلا في السودان في شهر فبراير عام 1932 في بيت علم ودين، حصل على الماجستير من جامعة أكسفورد في بريطانيا عام 1957 وعلى دكتوراه الدولة من جامعة السوربون في يوليو عام 1964 حول موضوع حالات الطوارئ في الفقه الدستوري المقارن، عمل أستاذا للقانون في كلية الحقوق جامعة الخرطوم ثم أصبح عميدا لها عام 1965 استقال بعدها وتفرغ للعمل السياسي حيث أصبح عضوا في البرلمان السوداني، لمع نجمه السياسي عام 1964 حينما شارك في الانتفاضة التي قامت ضد نظام حكم عبود وفي العام 1969 أصبح زعيما للإخوان المسلمين في السودان، أعتُقل بعدها في ظل حكم نميري مرتين قضى خلالها في السجن ما يقرب من تسع سنوات، أفرج عنه النميري عام 1979 ثم عيّنه رئيسا للجنة المكلفة بمراجعة القوانين من أجل أسلمتها، بعد ذلك عُيّن وزيرا للعدل حتى العام 1983 حيث عيّنه النميري مستشارا لرئيس الدولة للشؤون الخارجية لكن النميري انقلب عليه وأدخله السجن مرةً أخرى عام 1985 ثم أطاح الفريق سوار الذهب بالنميري بعد ذلك بشهر فخرج الترابي مع باقي المعتقلين السياسيين، اختلف مع الإخوان المسلمين وأسس الجبهة القومية الإسلامية وحقق مفاجأة كبرى في انتخابات العام 1986 حيث حصل حزبه على 53 مقعدا ليحل ثالثا وبفارق ضئيل بعد حزبي الأمة والاتحادي وفي العام 1988 شكّل مع حزبي الأمة والاتحادي حكومة وأصبح الترابي نائبا لرئيس الوزراء ووزيرا للخارجية فيها لكنه كان يدبر لانقلاب عسكري تمكن في يونيو عام 1989 من الإطاحة بحكومة صهره الصادق المهدي ودخل الترابي السجن بترتيب مع الانقلابيين مع باقي القادة السياسيين ثم خرج بعد ذلك وكان الزعيم السياسي والروحي لثورة الإنقاذ حتى دب الخلاف بينه وبين الفريق عمر البشير عام 1999 ووقع شقاق كبير في صفوف الحركة الإسلامية في السودان، بعدها عاد الترابي للسجن مرتين الأولى في العام 2001 والثانية في العام الماضي 2004 حيث أُفرِج عنه في نهاية يوليو الماضي، لكنه سرعان ما استأنف دوره السياسي الذي نسعى من خلال حلقة اليوم لفهم أبعاده وجوانبه ولمشاهدينا الراغبين في المشاركة يمكنهم الاتصال بنا على أرقام هواتف البرنامج التي ستظهر تباعا على الشاشة أو يكتبوا إلينا عبر موقعنا على شبكة الإنترنت www.aljazeera.net، دكتور مرحبا بك، مسيرة حافلة وطويلة وإن شاء الله تمتد وأبدأ معك من خبر هام اليوم في الصباح فجّره نائبك المقيم في ألمانيا الدكتور علي الحاج حينما أعلن من خلال قناة الجزيرة أن هناك مخطط لإيذائك وربما اغتيالك خلال هذه الجولة الأولى التي تقوم بها بعد الإفراج عنك والتي بدأتها بالمشاركة معنا في هذا البرنامج وأنه يرجح ضلوع جهات أمنية سودانية في هذا المخطط، هل هي بداية دعائية لأول جولة تقوم بها خارج السودان بعد الإفراج عنك؟

حسن عبد الله الترابي – زعيم حزب المؤتمر الشعبي المعارض في السودان: أبدأ بذكر الله الرحمن الرحيم وألقي إليك رد تحية السلام، أما هذا الخبر الذي فاجأني بالطبع بعد أن حللت في هذه البلاد الطيبة التي هي ألفتها منذ سنوات متطاولة فلم يكن صدمة لي لأني في خارج السودان دائما كنت عرضة لبعض تدابير الكيد.. يعني في أقصى العالم الغربي بعد أن طفت أميركا بمحاضرات بالغة في كل مدنها وفي كل أصعدتها كذلك أصبت إصابةً في كندا وكادت أن تقضي علي وتشل كل عقلي ولكن الحمد لله يعني شفيت من بعدها فهذا طريق الحياة كله وكما تعلم..

أحمد منصور [مقاطعاً]: لكن هذا اتهام خطير للحكومة السودانية وإلقائه بهذه الطريقة كأنما تفجّر قنبلة في وجه الحكومة السودانية وتتهمها باتهام يحتاج إلى أدلة؟

حسن عبد الله الترابي [متابعاً]: بالطبع لم يصدر الخبر مني بل فاجأني كما حدثتك لمقدمي في هذه البلاد ولعل الذي أطلقه يطّلع على بعض..

أحمد منصور: هل تعتقد أن حياتك في خطر خارج السودان الآن؟

حسن عبد الله الترابي: حياتي ظلت في خطرا وكلها حياتي كلها أعتبرها هبة من الله بعد ما وقع لي في كندا لأنها كانت قضاءا فيما ظن الأطباء مبرما بي لكن مد الله لي في العمر ولذلك هي عرضة لهذه المخاطر سواء في مكائد السجن أو في مكائد الكيد الذي قد يبلغ ما ذُكر من أي ما جهة الله أعلم بذلك.

أحمد منصور: ما الذي تتوقعه كردة فعل من الحكومة السودانية على هذا الاتهام؟

حسن عبد الله الترابي: بالطبع هم لأنهم يسيطرون على الإعلام العام في السودان إما أن يسكتوا ويطووا الخبر طيا ويمضي هكذا أو أن ينقلب الخبر إلى فرصة سانحة للحكومة ربما تتخذ إجراءات في وجهنا.. يعني دائما كنا عرضة لمثل هذه الإجراءات الجنائية أحيانا التي تمضي جنائية حسب الدعوة العامة ولكن لا تنتهي إلى قضاء لكن تنتهي إلى أجيال متطاولة من الاعتقالات والكف والحبس بعيدا عن العمل في الساحة العامة.

أسباب تحول الترابي ضد ثورة الإنقاذ

أحمد منصور: ما الذي حَوّل الدكتور حسن الترابي من صانع لثورة الإنقاذ إلى أكبر معارض لها؟

حسن عبد الله الترابي: الثورات هذه سنة في العالم دائما، الثورات تتخذ بعض المبادئ العامة وفي سبيلها تقتحم تحديات الحياة وتتصدى لها ولكن بعد الثورات تتقلب الأمور ويصعد إلى تمكن في السلطة أناس دفع الثورة التي تقتحم وتدمر نفسها وقد يغريهم بأن ينقلب بعضهم على بعض وهذا في كل البلاد مسلمةً كانت أو غير مسلمة هذه موجودة في فرنسا كبار ورجال الثورة ومفكروها تعرضوا..

أحمد منصور [مقاطعاً]: وهناك المثل الشائع الثورة تأكل أبنائها، هل أكلتك الثورة التي صنعتها؟

حسن عبد الله الترابي [متابعاً]: نعم يعني أكلتني.. حبستني أن أقول عنها شيء أصلا فضلا عن أن أكيد عليها أو أقومها تصويبا إلى ذات الأهداف التي قصدنها من أجلها، هي ما كنت ثورة من أجل تولي السلطة ولكن كنا ندرك أن الغرب مهما رضي ببسطة من الديمقراطية لا يرضى أن تلد إسلاما إن كان ذلك في السودان أو في الجزائر أو في تركيا أو في أي بلد آخر..

أحمد منصور: هل فشل.. هل تعتبر الثورة فشلت في تحقيق أهدافها التي قمتم من أجلها؟

حسن عبد الله الترابي: كلا يعني كانت تذكرة للغرب أنه إذا كان يصد الإسلام إذا سلك طريق الديمقراطية فيضطره كذلك إلى أن يدفع عن نفسه بطريق الثورة فالإسلام سيثور وبالطبع كانت ثورة مسالمة بالطبع في السودان ولكن الغرب تعرض إلى رد فعل أعنف من ذلك بكثير وانبسط قعب داره وفي كل ساحات العالم لعل ذلك يلقي شيء من الحكمة عند الآخرين..

أحمد منصور: ما هي؟

حسن عبد الله الترابي: أن يعقلوا أنه من الخير أن تفتح للإسلام وأن تبيح له وأن يمضي إلى السلطة من طريق المسالمة وهذا هو الأصل في الإسلام، ما دخل الرسول صلى الله عليه وسلم المدينة يعني غازيا ولا منقلبا عليها ولكن دخل بالسلام ولكن ما أن يقترب الإسلام في السودان أو في غير السودان من السلطة إلا قمعوه بالقوة.

أحمد منصور: هل الخلاف هو خلاف أشخاص أم خلاف كان على المبادئ؟

حسن عبد الله الترابي: الخلاف كان على المبادئ التي قامت عليها الثورة أصلا، هي لم تقم لتتمكن طائفة على السلطة وحسب ولكن لينفتح الباب للناس أن يبلغوا السلطة، بعد ذلك مباشرة وكانت الخطة الموضوعة كذلك أن.. بعد ذلك أن تُمكن الحريات والثقافة للناس وتبسط فيهم الحرية وتعود بعد ضرورات الإمساك والقبض على السلطة الأول فتفتح حريات الصحف وحريات الأحزاب ولها مركزية السلطة وتبسط السلطة وتعود إلى الأصول التي نأذن فيها مثل المدينة بأي حزب..

أحمد منصور: ألم تكن عشر سنوات وكنت فيها على رأس الثورة آنذاك كفيلة بأن تحقق هذه الأشياء؟

حسن عبد الله الترابي: بدأ الخلاف منذ زمن متطاول في واقع الأمر ولكن دائما يقال أنه لابد من التمهيد لتنزيل الأهداف الإسلامية في الدولة ومنظومة الدولة إلى الواقع فنرضى بأن يتأخروا يعني.

أحمد منصور: لكن ما الذي حدث بالفعل؟

حسن عبد الله الترابي: في أخر الأمر بدأ الصراع يتمكن الآن بدأنا ننزل حرية الصحف وكانت هذه غير مرضية عنها، حرية الأحزاب للناس كان حزب الشيطان في المدينة مثلا أو حزب الرحمن أو بينهما وبدأنا ننزل اللامركزية وبسط السلطة إلى الولايات لا أن تنتخب رأس الدولة وحسب تنتخب من يليها وهي أولى بذلك وأدرى بذلك، فهذا الانبساط والرقابة كذلك في أنظُمات الدولة أن تكون متضابطة.. متوازنة التشريع الذي يراقب أيضا والقضاء الذي أيضا يقضي في ختام المطاف والتنفيذ الذي يقترح ولكنه يخضع للتشريع..

أحمد منصور: ما العوائق التي لم.. التي أدت إلى عدم تنفيذ ما تتحدث عنه؟

حسن عبد الله الترابي: أن السلطة بالطبع تملكها طبعا قادة الذين تمكنوا في مواقع السلطة قادة عسكريون والعسكرية مهنة تعلم الإنسان أن الأمر يتنزل من عالٍ ولا يمكن أن يراجعه أحد أصلا يعني.

أحمد منصور: في النهاية هذه كانت فكرتك أنت أن تقوم بانقلاب عسكري من أجل السيطرة على السلطة؟

"
الثورة الشعبية الواسعة في بلد كالسودان يمكن أن تدخل عليها العصبيات القبلية وأن تدخل عليها البلاد من حول السودان، السودان له جيرة كثيفة ويمكن أن يصل الأمر إلى فوضى في السودان
"
حسن عبد الله الترابي: ولأنها ثورة أما الثورة الشعبية الواسعة في بلد كالسودان يمكن أن تدخل عليها العصبيات القبلية وأن تدخل عليها البلاد من حول السودان، السودان له جيرة كثيفة ويمكن أن يصل الأمر إلى فوضى في السودان وظننا أن انقلابا يعني محدودا وطيبا ليس فيه سفك للدماء بعد ذلك بقسم وبعهود وبخطط موضوعة سرا أن يمضي شيء فشيء فيُنزل قيم الدين من حرية للجميع مسلم وغير مسلم مهما كان ناقد أو ناصحا للسلطة وأن يكون الأمر كله شورى لا يقضى قضاء أصلا إلا بمجلس نيابي محلي أو ولائي أو قومي وأن يقتصر الذين تولون السلطة على ما يتولون من أجور وأن لا تغريهم.. يعني تمكنهم من الثورة إلى الفساد وأن يحترموا كذلك العهود الدستورية والوفاقات التي يمكن أن يعقدوها مع الجنوب أو مع الأحزاب، هذه عهود لابد من أن يوفى بها.

أحمد منصور: هم يتهموك أيضا بالتسلط وأنك كنت تريد أن تحول العسكر الذين قاموا بالثورة إلى مجرد جنود يسمعون ويطيعون لك ما تريد؟

حسن عبد الله الترابي: الحركة التي نشأت في السودان أصلها لم تعرف في يوم من الأيام شيخا، أصلا كانوا عمرا واحدا ومن أول يوم كانت الحركة كلها تقوم على الشورى حتى لما كانت الحركات الأخرى تعرف شيء كالشيخ أو كالقائد المتقدم الذي هو الذي.. ولكن كل عمر الحركة الإسلامية كانت كذلك..



إفساد السلطة للحركة الإسلامية

أحمد منصور [مقاطعاً]: لكن الحركة الإسلامية في السودان تقريبا دمرت لأن أصبح الكل بعد السلطة يبحث عن موقع داخل السلطة والذين بحثوا عن مواقع السلطة دُمّروا وفُتتوا، لم يعد هناك مجلس شورى، لم يعد هناك أشياء، أصبح فقط مؤسسات الدولة والسلطة وأصبح كل شخص يريد موقع في السلطة هل هذا ما حدث؟

حسن عبد الله الترابي [متابعاً]: ما تقوله حق في واقع الأمر لأننا سنظن أن السلطة قد فلتت من أصول الشرع الإسلامي، أصول البنية الإسلامية منذ أن فقد المسلمون الخلافة الراشدة، فلذلك لما عادت إليهم هرعوا إليها جمعيا يتولون المناصب فيها وخيار وصفوة كل الحركة وقيادتها كلهم دُفعوا إلى مواقع السلطة، بل بسطت المواقع وزارات ولائية ومؤسسات وما نحن باشتراكيين إليها فكلهم أصبحوا عرضة لفتن السلطة، التذكرة بالسلطان وأن تمد يدك إلى لمال العام ولذلك وَحِلَ كثير منهم وفُتِنَ كثير منهم كما تعلم.

أحمد منصور: يعني أفسدت السلطة في السودان الحركة الإسلامية؟

حسن عبد الله الترابي: نعم وشقتها، الذين مازالوا يستمسكون ويعتصمون بالمبادئ والذين ظنوا أن السلطة هي اللي تتولى كل شيء ولذلك حدث الانشقاق الذي حدث ويعني ولا يعزي المرء إلا أن الأحزاب السودانية كلها في تطور السودان الحالي ألِفَت وعهدت كثيرا من الانشقاقات..

أحمد منصور: لكن هناك شعارات كانت ترفعها الحركة الإسلامية وهناك مسيرة من التربية ومن الإعداد ومن الآمال ومن الكلام الطيب المعسول الذي كان يقال سواء داخلها أو خارجها كل هذا تلاشى أمام المناصب؟

حسن عبد الله الترابي: كلا لأن الفقه التقليدي الذي ورثناه كله ابتعد من السلطان، الأحكام السلطانية هذا هراء ليس من دينه شيء الكتب القليلة التي نجدها والصوفية كذلك التي هي بسط الخلق الديني في السودان كانت تبتعد من أن يقرب الإنسان من باب السلطان إلا إذا أراد أن يتوجه نحو طريق الشيطان، مَن أراد طريق الله فليدبر عن أؤلئك وليأوي إليه، فما دخلنا بتربية للتقوى الأخلاقية ضد فتنة السلطة ولا بهداية كاملة لأحكام السلطة.. السلطان في الإسلام، دخلنا على السلطة بعد ذلك فكانت التجربة الأولى بعد أكثر.. ما يزيد على ألف سنة.

أحمد منصور: لم تكونوا مهيئين للسلطة؟

حسن عبد الله الترابي: لم نكن مهيئين لكن ما ندري نحن ما كنا مهيئين، كنا نحسب أن الإسلام في كل مكان كُبت دون السلطة والحركة الإسلامية كلها كلما قاربت السلطة ضربت في السودان.

أحمد منصور: هل هناك فوارق كبيرة بين الشعارات والمبادئ والأفكار وما بين الممارسة الفعلية للسلطة؟

حسن عبد الله الترابي: نعم يحدث لكل الثورات..

أحمد منصور [مقاطعاً]: هل اكتشفتم هذا من خلال الممارسات؟

حسن عبد الله الترابي [متابعاً]: الثورة الفرنسية بدأت بالعدالة والمساواة والإخاء ولكن قضت مائة عام من الإرهاب ومن في الحياة الرجوع إلى نابليون حتى يرتاحوا من الفوضى، ذلك ليس بغريب لأحد لم يتمكن من الهداية المُنزّلة المفصلة على نظم السلطة وعلاقاتها وفتنها وضوابطها ولم يمكّن أخلاقيا كذلك على مقاومة نوازعها نحو الشهوة والسكر بها ليس ذلك ببعيد لأول تجربة له يعني وأول تجربة لا نقول أنها فشلت بل إن التجربة نفسها تعظك فالله يبدل السيئات حسنات لأنها تعظك من أن لا تعود إليها والآن نحن أبصر..

أحمد منصور: ما هي أهم ما خرجتم به..

حسن عبد الله الترابي: فقها وخلقا..

أحمد منصور: لو طلبت منك في نقاط أن تقول لي ما الذي خرجتم به من هذه التجربة؟

حسن عبد الله الترابي: أولا أن المجتمع المسلم يبنى حياته الدينية غالبه لا من تلقاء السلطة ولكن من تلقاء ضمير المؤمن التقى المندفع المتوكل ومن تلقاء المجتمع المتدافع المتعاون المتآمر بالمعروف والمتضابط كذلك وقليلا ما يضطر إلى اللجوء إلى السلطة لو قرأنا القرآن هو كذلك والعالم كله الآن في البلاد المتقدمة جدا بالتجربة البشرية انتهت إلى ذلك، كلما قلت السلطة ونهض المجتمع كلما نهضت حضارته.

أحمد منصور: لكن مَن الذي يتولى أمر السلطة في النهاية مَن الذي يدير شؤون الناس والحياة؟

حسن عبد الله الترابي: يتولاها قلة ولكن نحن هُرعنا إليها لأنها كانت جديدة بالنسبة لنا فقدناها منذ مئات السنين.

أحمد منصور: يتولاها القلة المؤهلون لها؟

حسن عبد الله الترابي: قلة تضبطهم كثرة في المجتمع، تضبطهم وتتولى..

أحمد منصور [مقاطعاً]: لكن أنتم عندكم الكثرة تولت ولم يعد هناك قلة تُحكَم؟

حسن عبد الله الترابي [متابعاً]: نعم ذلك الذي حدث تماما فالآن كل توجهنا أصبح حتى لو في انتخابات قادمة فزنا بغالب المقاعد فيها ما أرسلنا ما بعثنا إلى السلطة إلا بعضا قليلا منها وتركنا في المجتمع لأن إحنا تركنا المجتمع ضائعا تركناه فارغا تماما.

أحمد منصور: أنت تقر الآن بأن المجتمع السوداني بالفعل لأن أنا أخر زيارة في السودان حينما حاولت أن استقرأ الواقع وجدت أن الحركة الإسلامية ضرت المجتمع السوداني أكثر مما أفادته؟

حسن عبد الله الترابي: نعم لأنها هجرته إلى مواقع السلطة وظنت أنها.. لكن الله سبحانه وتعالى يوصى النبي ويؤهله منذ مكة ما أنت عليهم بمسيطر، ما أنت بجبار، ذَكِر، تعامل مع الناس ولا تستعمل المال {لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ} فنحن فتنة السلطة وجدة السلطة علينا ولكل جديد لذة طبعا هي صرفتنا عن المجتمع، الآن نحن التجربة علمتنا الفقه الديني في واقع الأمر، المجتمع وثقافته والمجتمعه وأعرافه أولا لا يعني ذلك أن نترك السلطة تنعزل وتنفصل عن الدين ولكن تتم الدين وتكمله فقط نظام الحكم الإسلامي..

أحمد منصور: يعني بناء المجتمع هو الأساس بالنسبة لكم؟

حسن عبد الله الترابي: أه طبعا، قطعا والحضارة كذلك.

أحمد منصور: تقصد للحضارة الإنسانية بشكل عام؟

حسن عبد الله الترابي: ولاسيما الحضارة الدينية لأن مبينة بالآخرة لابد أن تقوم على النيات.

أحمد منصور: يعني العلاقة الآن من خلال تجربتكم أنتم في السودان ترى أن العلاقة التي يجب أن تقوم بين الحركات الإسلامية والسلطة يجب أن تكون علاقة محدودة وأن يكون المطمع ليس السلطة وإنما المطمع بناء المجتمع؟

حسن عبد الله الترابي: بناء المجتمع والسلطة ليس إلا شريحة من قوى التضابط وقوى المجتمع مما يستدعى استعمال السلطة القوة.. القوة فقط في مجال محدود، كلما صلح المجتمع انحصر المجال الموكول للدولة.

أحمد منصور: وأصبحت السلطة أسيرة للمجتمع والمجتمع هو الذي يسيرها ويسيطر عليها وليس العكس.

حسن عبد الله الترابي: يسيطر عليها ويؤدى غالب الوظائف دون أن..

أحمد منصور: لو استقبلت من أميركا ما استدبرت هل كنت ستسعى لعمل انقلاب 1989؟

حسن عبد الله الترابي: كلا يعني الآن فقط كذلك مما نفعني كذلك أنني عدت أقرأ تاريخ الأمة المسلمة ووجدت لا الأمة المسلمة وحدها وتاريخ كل الأمم ووجدت أن أهل الحرب والجند والعسكرية دائما هي تقوم على الأمر والقوة بالطبع لأنها تتعامل مع الآخر بالقوة بالضرب فلذلك كنا ظننا أن الثورة يمكن أن تعيد.. لأن الثورات هي التي أعادت الديمقراطية إلى أوروبا ولكن نسينا أنه الثورات عقبتها عهود من الإرهاب ومن الطغيان وبعد عهود متطاولة حتى تنزلت القيم.. قيم الثورة إلى الواقع وأصبحت جمهوريات ديمقراطية في الواقع فلو استقبلنا من أمرنا ما استدبرنا قطعا لن نلجأ إلى العسكر..

أحمد منصور [مقاطعاً]: معنى ذلك أنك..

حسن عبد الله الترابي [متابعاً]: وكل الدول الإسلامية دون أن أذكر الأمثلة يعني حاضر العالم الإسلامي وقديم العالم الإسلامي منذ معاوية إلى يومنا هذا رأيت كثيرا من دول قامت فيها نهضة ودفعة إسلامية ولكن الفكر والهداية بعد قليل جاء أصحاب السطوة والسلطة وأولا هم نفسهم غاروا منها هي حتى لا تضبطهم وضربوها أولا ضربوا من الفكر أولا، العلماء المفكرون وهكذا في كل الأحزاب والقوى الإسلامية وغير الإسلامية، ثم بعد ذلك انقلبوا إلى المجتمع وظنوا أن يقيموا عليه أهدافهم بالتسلط والقوة.

أحمد منصور: يعني أنت لا تعتبر وصول الحركات الإسلامية إلى السلطة ميزة من خلال تجربتكم؟

حسن عبد الله الترابي: طبعا لابد أن تصل إلى السلطة وأنا أعلم أنه هناك قوى دولية لا تأذن لها إذا اقتربت إلى السلطة التي تتاح في مجال حتى ديمقراطي ليبرالي واسع الحريات يعني ما تقترب إلى السلطة إلا كانت لهم ما هو أغلى من الديمقراطية وهو ألا تلد إسلاما، فسيأمر الجيش أو القوة أينما كانت بأن تقضى على هذا الوليد الجديد، يريدون وليدا يعني مما يليهم.

أحمد منصور: هل إذا أتيحت لك الفرصة للعودة إلى السلطة مرة أخرى ستعود؟

حسن عبد الله الترابي: كلا لأني أنا في مجتمعاتنا يعني المتوالدة المتكاثرة يعني إذا بلغ الناس الستين فضلا عن السبعين يعني ينبغي أن يتأخروا إلى مواقع السلطة إلى الحكمة والخبرة وأن يلقوها إلى المجتمع أما النفاذ في العمل الاقتصادي وفي العمل السياسي هذا لابد أن يوكل للأجيال الأخرى.

أحمد منصور: ما خلاصة ما تلقيه من حكمة وخبرة الآن بعد أربعين سنة من العمل السياسي قدت فيها حركة إسلامية هي الوحيدة التي استطاعت أن تصل إلى السلطة ولكن النتيجة وصلت إلى ما آلت إليه الآن؟

حسن عبد الله الترابي: والله الخبرة لا من تجربتنا في السودان ولكن أقارنها وأوصلها وأقيسها إلى كل تجارب العالم الإسلامي أن الآن الدفع الإسلامي في العالم أصبح يتعاظم كل يوم دفع روحي وهي طاقات تتفجر في الناس ولكن الناس ليس لهم من فقه يهديهم كيف تتوظف هذه وتتبرمج وتتنزل حتى تنفع الناس ولا تقتحم وتضرب وتخبط وتهدّم فقط حتى تبنى ولا تهدم لا في الاقتصاد العام ولا في الحكم العام والسياسة العامة ولا في العلاقات الدولية، فلابد من أن يتوجه كل الخطاب الدعوى والفقهي الآن إلى هذه الثغرة لأن الإسلام كله الآن في العالم شمال الكرة الأرضية والجنوب يتوجه إلى أن يتم بنائه ويكتمل الدين ولكن هذه الساحات من الدين ثغور من الجهالة وإذا انطلقت عليها العاطفة المتأججة المتولدة مهما كان إخلاصها بغير هداية وبغير ضبط وبغير برمجة وتكييف قد تحدث دمارا.

أحمد منصور: ما تقييمك لخمسة أو ستة عشر عاما من حكم العسكر في السودان وحكم العسكر بشكل عام في العالم العربي، أسمع منك الإجابة بعد فاصل قصير، نعود إليكم بعد فاصل قصير لمتابعة هذا الحوار مع الدكتور حسن الترابي فابقوا معنا.

[فاصل إعلاني]

جدوى حكم العسكر

أحمد منصور: أهلا بكم من جديد بلا حدود في هذه الحلقة التي نستضيف فيها الدكتور حسن الترابي في أول خروج له من السودان بعد خروجه من السجن في نهاية يونيو الماضي، كان سؤالي لك بعد ما قدت ثورةً عسكرية وصل الإسلاميون فيها إلى الحكم في السودان منذ العام 1989 كيف تقييم تجربة الحكم العسكر حتى وإن كانوا إسلاميين مع تجربة حكم العسكر في العالم العربي بشكل عام؟

حسن عبد الله الترابي: كل هذه التجارب تذكرني بالحكمة النافذة لعمر بن الخطاب يوم أبعد خالد ابن الوليد القيادة خشية أن يتخذ مكانه العسكري لبسط السلطة.

أحمد منصور: رغم أنه خالد بن الوليد هو صحابي؟

حسن عبد الله الترابي: نعم ولكن الآن العسكر أخي الكريم أولاً طبعا تربيته كلها في القوات المسلحة أن إذا كان قائدا يكون هو الآمر المطلق، لا يُضطر إلى أن يتدبر كثيرا لأن أمره لا يحاور فيه أصلاً ولا يعترض عليه أحد أصلاً، فهؤلاء احتكروا كل السلطة وعطلوا عقولا من المفكرين في السودان وفي سائر العالم العربي كان يمكن كلها إذا بالتشاور وبالشورى وبالتداخل وبالتعاطي أن تحدث لنا ثروة هائلة كل واحد فيها له سهم حسب قدره من العلم والبصيرة والحكمة وعطلوا كذلك لأنه احتكروا المال كذلك والسلطان.. يعني فرعون ما كان يرضى بكل مُلك مصر والأنهار تجري من تحته بل الرأي رأيه ما يريهم إلا ما يرى بل العلم كله له يعني ما يريد ربا غيره حتى ينزل إليه، فهذه الفراعنة بجنوده بالعسكرية هي التي فعلت كذلك عطلت كذلك الطاقة حتى البناء التنموي المعاشي لكل هذا الشعب لأنهم يحتكرون المال ويبسطون أذرعهم بالمؤسسات والغطاءات بالرغم من أن الإسلاميين ليس اشتراكيين ويعلمون أن المال يعني يأخذه الدولة.

أحمد منصور: هذا الكلام يناقض بعض أفكارك القديمة؟

حسن عبد الله الترابي: كلا.

أحمد منصور: بعد فترة السجن أنت الآن تناقض أفكارك القديمة، من أفكارك القديمة انك تصل إلى السلطة عن طريق انقلاب عسكري ووصلت عن طريق انقلاب عسكري حققت به قيام دولة إسلامية في السودان الآن ترى غير ذلك، ما الذي أضافته لك التجربة وما الذي غيرته في أفكارك بالنسبة لهذه النقطة؟

حسن عبد الله الترابي: أولا لم تكن فكرا كانت كلما اقتربنا إلى السلطة في السودان جاء قادم من تلقاء الغرب مع النميري إبعث هؤلاء إلى السجن هؤلاء بدؤوا يدخلون الأحكام الشرعية في.. من رأس السلطة إلى السجن مباشرة، دخلنا مع السيد المهدي في حكومة ائتلافية جاء.. القوات المسلحة جاءت بمذكرات جهارا لا سرا وقالوا له اخرج هؤلاء أو لنخرجنك منها، فيعني ظننت أن الضرورة طبعا ضرورة الدفاع عن النفس هذه تعرفها حتى يعرفها الغرب أنه لك مهما كنت ديمقراطيا أن تثور إذا صدك النظام القديم عن كل الحريات بالقوة حتى تمكن نفسك وفي الإسلام وفي كل شريعة في الأرض لك الدفاع عن النفس هذا اللي ظنناها، لكن إخراج الذي أخرجناه وإكاله إلى العسكر الذين تسألهم عني هو الذي يدعوني إلى أن.. عن تجربة أقول للناس والآن بدأت أقرأ تجارب المسلمين كلهم في التاريخ، في تركيا، في البلاد العربية، في بلاد هندية وفي تاريخ قديم كذلك، كان دائما العساكر هم الذين يغلقون الأبواب على الفكر المتكاثر، المتناثر وعلى المال وعلى الكسب وعلى الجهد كلهم..

أحمد منصور [مقاطعاً]: أينما كانوا هم إذاً؟

حسن عبد الله الترابي [متابعاً]: أينما كانوا ويحبون السرية في العمل طبعا والعلن والبيان الذي يرفع عنهم.

أحمد منصور: أنتم كنتم كذلك.. يعني الحركات الإسلامية أليس فيها الأمراض الموجودة في هؤلاء؟

حسن عبد الله الترابي: الأمراض أمراض..

أحمد منصور: السمع والطاعة والأوامر والأشياء..

حسن عبد الله الترابي: لا لو كان فيها مرض يسمى سرية لأنها كانت مقهورة طبعا الحركات الإسلامية في كثير من البلاد ولذلك كانت دائما تستسر بأمرها والسر هذا يفتح بابا للفساد بالطبع لأنك لا تبين للناس المال العام ومصارفه ولكن القرآن يُذَكر النبي صلى الله عليه وسلم ألا غلول وأن المصارف هي كذا وكذا يعني أن يبين كل شيء فهذا يدخل باب الفساد وأن يسد عن الناس الشورى ويسد الآخر الذي ينفعك بأن ينتقدك وأن يرى فيك ما لا ترى في نفسك.

أحمد منصور: أنت تنتقد العمل السري إذاً؟

حسن عبد الله الترابي: نعم، جدا، طبعا كنا مضطرين إليه ولكن يبدو أننا بالغنا فيه وأصبح نهجا لنا.

أحمد منصور: حتى ستعود إليه حتى تحت الضغوط؟

حسن عبد الله الترابي: كلا العلن والبيان حتى ولو أدى ذلك إلى أن تتعرض بجهر.. ببيان كل أمرك إلى أن تتعرض إلى..

أحمد منصور: أنت بينت نقطة خطيرة الآن وهو القدرة على التأثير في المجتمع والسيطرة عليه والنفوذ فيه أقوى من التواجد في السلطة.

حسن عبد الله الترابي: نعم، بالطبع لاسيما في السودان نحن كل قادة السودان الآن كلهم دينيون ما كان لهم سلطان أصلا ولا كان لهم مال عام، جاؤوا فقط طوعا مع الناس وأصبحوا أصبحت ذكراهم خالدة أما الوزراء يعني إن كانوا يأملون طاعة.. يعني ينسون تماما، لو سألت أحدا عن الوزراء والسابقين لو سألت اليوم مَن كان يحكم العالم الإسلامي أثناء وجود عبد القادر الجيلاني؟ القادرية الآن في كل العالم الإسلامي، مَن كان الخليفة؟ لا يتذكرون، يمكن حتى مع قادة المذاهب، قادة الطرق الصوفية، قادة الصوفية.. يعني الناس هؤلاء يُنسون كذلك مع زوال سلطتهم، يُنسون والولاء لهم ينقشع تماما ولكن الولاء الآخر يبقى حينا طويلا والذكرى تبقى، الله جعلهم.. فالمجتمع يتأثر لا يعني تحت وطأة السلطة فقط خوفا ورهبة في مطامعها ولكن إيمانا تتمكن في نفوسه ولذلك تحرك عقله فينتج فكرا ويتحرك جهده فينتج ثمرة فيبني حضارةً في الأرض في سبيل الآخرة.

أحمد منصور: ما الذي أضافته لك تجربتي السجن الأخيرتين؟

حسن عبد الله الترابي: السجن طبعا السجن الأخير كان عزلة كاملةً..

أحمد منصور [مقاطعاً]: الخمسة عشرة شهرا؟

حسن عبد الله الترابي [متابعاً]: قبله كان يعني عزلة ولكن أذنوا لنا بالورق..

أحمد منصور: ثلاثون شهرا..

حسن عبد الله الترابي: وكل الكتب في مجتمع مثل مجتمع السودان يعني بيتعثر عليك أن تجد مجالا لتركز فتقرأ أو تصوب إلى الورقة أفكارك فتكتب ولكن السجن يفتح لك مجال للكتابة فكل الكتب التي كتبها عن السلطة، عن السياسة والحكم كان كتاب كبير أحسب أنه يعالج قضايا ما وجدتها معالجة في قضايا للعالم الإسلامي وتفسير القرآن كذلك بنهج جديد.. يعني يوحد القرآن بعضه إلى بعض وبعضه إلى واقعه وإلى واقع اليوم يخاطب به واقع اليوم كلها في السجن، السجن الأخير كانت عزلة تامة ليس لي من صحب ولا من رفيق وليس لي من ورقة وليس لي من مذياع أسمع به إلا وحدي ولكن لي الكتاب فأنا أقرأ الكتاب إذا أصبحت وحدي وإذا أذن لي بالورق أكتب في السجن يعني.

أحمد منصور: هل تشعر بالأسى والألم كون تلاميذك ومؤيديك هم الذين سجنوك وموريديك؟

حسن عبد الله الترابي: أترك نيتهم لله طبعا لما سجنوني طبعا لأن طبعا شرعية البنية التي يقومون عليها إذا خرج فيها مثلي وآخرون كذلك يمكن أن تزلزلهم زلزالا وتهزهم لأن هم كانوا في الديوان أبدا وكنت أنا الطواف والسائح بالأرض أتكلم إلى الناس لا بالإذاعة والتلفزيون والصحيفة ولكن بالخطاب المباشر لكل السودان فأترك نيتهم لله ولكن أنا {فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئاً ويَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً} لا أندم على أن الله قضى عليّ يعني أن أبقى أحد عشر عاما من عمري في السجن.

تطور الفكر السياسي لدى الترابي

أحمد منصور: هل أدخلت شيء جديد أو تطوير أو تغيير لفكرك السياسي في خلال المرحلة الأخيرة؟

حسن عبد الله الترابي: طورت أصول الفكر السياسي كتبتها منذ زمن قبل أن اعتَقَل منذ أيام نويري وقبله يعني وهي مطردة المعاني مطردة ولكن الآن شواهدها من التجارب ومن التاريخ طبعا أثرتها، غذتها جدا يعني وكذلك رؤيتي لتفاسير القرآن التقليدية يعني أنها لا تكاد تجمع لي رؤية القرآن كذلك الآن السين وفي قضايا المرأة وفي قضايا الصلاة وفي قضايا الصيام والحج كل هذه شعائر كنا نؤديها كما يؤديها الناس أعرافا وصورا وأشكالا وأذكارا كله على اللسان ولكن الآن.. يعني نَمَت أفكاري وتبدلت جدا بالتجارب وبالتأمل في السجن.

أحمد منصور: دائما تتحدث عن الفساد في السلطة وفي مؤتمر صحفي لك قلت أن السلطة في السودان أفسدت تسعة من بين كل عشرة من الذين شاركوا فيها من الإسلاميين؟

حسن عبد الله الترابي: تلك أيام مضت بدأت ظواهر فساد فقلت بضعا في المائة وأنا أحدثهم أن البضعة قد يبلغ تسعة ولكن كثيرا من الذين ينحازوا لي قالوا نسي صفرا يعني أضيفه ولكن تفاقمت الآن لا أقول أنها بضعة.

أحمد منصور: كيف يفسد الذين كانوا يحملون الشعارات؟

حسن عبد الله الترابي: مَن الرقيب عليك أصلا، يتبين ما هي موارد الدولة البترول والضرائب.

أحمد منصور: ما أشكال الفساد؟

حسن عبد الله الترابي: العدل يأتيك، المال يأتيك عفوا لم تكسبه حتى تقدر قيمته بعرقك وبجهدك يأتيك عفوا ولا يراقبك أحد والمحاسبون كلهم تحتك يكتبون ما تأمر بها ومن العسير على المرء بغير ضابط حتى الذي ذكر في غيب الله سبحانه وتعالى بعد ذلك يطلق يده..

أحمد منصور: يعني هنا يكون السلطة على الفساد من خلال المجتمع ومن خلال المؤسسات الرقابية؟

حسن عبد الله الترابي: مفسدة الآن في السودان الآن يتشكون كثيرا يعني وقد يبلغون بها..

أحمد منصور [مقاطعاً]: أما تشعر بالمسؤولية عن ذلك؟

حسن عبد الله الترابي [متابعاً]: طبعا السلطة المطلقة تُفسد باستعمال السلطة ضد المعارض، أن لا تسمع له بل تسكته.. تسكت صحيفته تلقي به في السجن وضد المال العام الذي تسلبه من الناس أن تأكل أموال الناس بالباطل.. يعني هذه الآن درس لهذه الشعوب يعني، الآن الشعوب هذه لم تتعلم أصل الشورى ولا المشيئة الحرة، الزواج كله كانت في أعرافنا القديمة هكذا قهرا وإجبارا ومعاملاتهم كانت بشيخ يعلوا على الناس فالمجتمع نفسه كان بنيته هذه لا تؤهله لأن يُخرج حكما حرا شورويا متصادقا في عهوده لكن الآن أن يرى هذه الصور أمامه هي التي تعلمه أكثر من المحاضرات باللفظ، الآن.. نتحدث إلى الشعب الآن هذه.. القيم التي نطرحها على الشعب الآن الشواهد لها والأمثال كما يستعمل القرآن الأمثلة حتى يبين لنا البيان المعاني، نستعمل لهم الواقع والتجارب التي يرونها ويشهدونها ويقاسون من أذاها حتى يتبينوا معاني الدين هذه التي لم تكتب في الكتب، الكتب الإسلامية قديما تكتب عن الخليفة المطلق.. الفرد المطلق فقط لا تعلم شيء أصلا غير ذلك أن يكون هكذا وأن يكون هكذا كل التركيز والتصويب كله على فرد مطلق، لكن الدين لا يعرف فردا أصلا إلا الله المطلق ولكن يعرف أولياء أمر وكلهم يأتون بالشورى ويحاسبون بالشورى ويبدّلون ويخلعون بالشورى وبالإجماع فالسلطة للشعب المنفعل بأحكام الشريعة وبخُلُقِها وبتقواها وبهديها.

أحمد منصور: أسمح لي ببعض المداخلات فيصل حضرة من قطر، فيصل سؤالك.

فيصل حضرة - قطر: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أحمد منصور: عليكم السلام.

فيصل حضرة: تحية لضيفك الكريم.

أحمد منصور: شكرا سؤالك؟

فيصل حضرة: إذا كان الشيخ الترابي أعترف بأخطاء في السلطة ألم يكن جزء منها؟ ألم يكن مرشدها ورئيسها من وراء الحجاب؟ ثم اعترافه كان فضيلة منه ألا يستحق الشعب السوداني اعتذارا منكم والآن هو شيخ كبير..

أحمد منصور: شكرا لك.

حسن عبد الله الترابي: أما أني كنت جزء منها بالطبع أنا قلتها علنا يعني، الأحزاب السودانية كلها دبرت انقلابات من قبل فالانقلابات انقلبت عليها دون أن أسميها حتى الأحزاب اللي في القطاع الحديث الفكرية التي يمثلها بعض الناس الأحزاب التقليدية كذلك.. يعني كلنا مررنا بهذه التجارب وأخطأنا فيها ولكن كلنا الآن نخرج بمواعظ التجارب لا بفكر وحسب..

أحمد منصور [مقاطعاً]: والشعب السوداني؟

حسن عبد الله الترابي [متابعاً]: وثانيا الصراع داخل السلطة بدأ منذ عهد قديم منذ أن قامت للضرورات أنه لابد أن تنفتح الديمقراطية إذا سميت ديمقراطية غربية يعني حكم شعب لكل الناس بما فيهم الذين كانوا ينزعون نزعة إسلامية ولا يحال إلى الجيش في كل البلاد العربية يعني القوة حتى صوت الإسلام..

أحمد منصور: وماذا عن الشعب السوداني؟

حسن عبد الله الترابي: والشعب مسكين طبعا هي قوى التي توصى بالانقلابات عليه من عالي، حتى الشعب السوداني أصلا ما ثار ثورة..

أحمد منصور: يقول لك أما يستحق الاعتذار له؟

حسن عبد الله الترابي: هي كل الانقلابات جاءت من.. نعم؟

أحمد منصور: يقول لك أما يستحق الشعب السوداني الاعتذار له؟

حسن عبد الله الترابي: أولا الذي يستحق أولا الاستغفار هو الله سبحانه وتعالى يعني ونحن نقولها دائما لأنه الله علمنا دائما يعني واستغفر لذنبك، ربنا أغفر لنا ذنوبنا، فنحدّث.. ومحاضرات كثيرة يعني هذه الكلمة لا تقدم ولا تؤخر كثيرا لأنني قلتها والكلام بيني وبينك الذي دار الآن سألتني وقلت لك لأن نحن تقريبا تاريخ الآخرين لا يكتبون عن أنفسهم إلا الإنجازات الموجبة فإذا رأوا عيبا يتنأون عنه ولكن نحن..

أحمد منصور: هو يقول ومن المؤكد كثير من المشاهدين أن شجاعة مطلقة منك أن تقول هذا الكلام وعلنا أمام الناس الآن في تقييم حتى للآخرين حتى للحركات الإسلامية الأخرى..

حسن عبد الله الترابي: لكن نحن حتى لو قرأ كتاب عن الحركة الإسلامية نكتب هكذا نتحدث عن أخطائها التي تبينت لنا في مساقات التاريخ وسيرها لا نتحدث عن نقائبها وحسناتها وإنجازاتها كما تتحدث تقارير الحكومة دائما عن نفسها هكذا وتتحدث الأحزاب عن نفسها أنها فعلت كل الخير وأنه كل الشر جاء من غيرها ولكن نحن لأننا مسؤولون أمام الله سبحانه وتعالى البصير بكل شيء يعني الذي يحاسبنا يوم القيمة على كل ذرة يعني نتحدث للناس حتى لا نحمل أثقالهم مع أثقالنا.

أحمد منصور: صلاح الدين إدريس من السعودية، سؤالك يا أخ صلاح.

صلاح الدين إدريس - السعودية: دكتور أحمد تحياتي لك وللدكتور الترابي.

أحمد منصور: شكرا.

صلاح الدين إدريس: عندي سؤالين قصيرين جدا، واحد فيهم طالما وصلتم إلى هذه النتيجة يا دكتور الترابي أنكم أخطأتم فيما عملتم يعني أو أنكم أخفقتم في ما رويتم إليه من الثورة اللي كانت في السودان فلماذا لازلتم تلهثون وراء أنكم ترجعوا ثاني للسلطة عشان ترتكبوا أخطأ أكثر؟ دي نمرة واحد..

أحمد منصور: شكرا لك سؤال مهم..

حسن عبد الله الترابي: ماذا؟

أحمد منصور: يقول لماذا تلهثون للعودة إلى السلطة مرة أخرى لارتكاب مزيد من الأخطاء؟

حسن عبد الله الترابي: أولا لابد أن يتبين أنه الحركة لم تكن حزبا سياسيا وحسب هي كانت حركة اجتماعية وحركة ثقافية وحركة سياسية أيضا وهذا الذي حدث في السياسة كان شريحة من أدائها لأنه الآن تحررت المرأة في السودان بدفع من حركة الإسلام، تعربت اللغة العربية، عَرَبت العلوم العليا وعَرَبت السودان شماله وشرقه وغَربة بدفعة من الإسلام، بدفعة من الإسلام وعلاقاته الدولية دخل البترول إلى السودان، بدفعة من الإسلام لا من شركات لا تعليق هنا.. يعني حتى بعلاقات من حركات الإسلام مع هالبلاد والأشخاص بعينهم قديمة كذلك، بدفعة من الإسلام بدأ التصنيع في السودان الحربي الذي ينتج الدبابات ما كان السودان أصلا في التصنيع شيئا مذكورا يعني فالدفع ليس كله فقط الدولة وحسب وكل الإخفاق حول الدولة وحسب، لكن حتى الدولة نفسها الآن شهرت السودان، السودان كان ذليلا ما كان يُعرَف، نذهب إلى رؤساء الدول لا يعلمون أين يقع السودان في الأرض لكن السودان الآن أصبح.. يعني عز مكانه.. يعني ورهبه كثير من الناس يعني صحيح يلقون عليه تهم الإرهاب وهكذا لكن عزت مكانته الدولية في العالم.. يعني والسودان الآن بصنع هذه لأول مرة يعلم شيئا يسمى أنه المواطنة بتقرير مصير، بحقوق للناس أن يتواطنوا رأيهم هم إن شاؤوا أن لا يتواطنوا لا يتواطنون مع الجنوب مثلا أو مع أي بلد أي قطاع آخر الناس كانوا قريبا كلهم يحكمونهم من الخرطوم بالقوة على ميراث البريطانيين تماما أن لا مركزية فدرالية، ما سمعنا الكلمة من أحد ولا الإقليمية من أحد إلا من حركة الإسلام، فيعني إذا رأينا عيبا.. يعني لابد أن ننظر إلى التاريخ لمجتمعه وسياسته وهكذا يعني..

أحمد منصور [مقاطعاً]: كيف تنظر إلى مستقبل..

حسن عبد الله الترابي [متابعاً]: أما كيف نلهث، ما هو اللهث الذي نلهثه.. يعني اللهث هو..

أحمد منصور: أنت أعلنت الآن أنك لن تعود إلى السلطة مرة أخرى.

حسن عبد الله الترابي: حدثته وحدثته يعني السجون ليت الآخرين كلهم الشعب السوداني كله لو لهث اليوم لو دخل السجون الآن لإصلاح مرتين في تاريخه.. يعني ثورة أكتوبر التي قدناها قادتها الحركة الإسلامية وثورة الانتفاضة التي قادتها أحزاب أخرى كذلك، السودان بدفع شعبه فقط استطاع أن يرد، يرد الأمانات إلى أهلها والسلطة.

أحمد منصور: باختصار بقى دقيقة ونصف، ما هو مشروعك في الفترة القادمة بعد هذه التجربة الطويلة؟

حسن عبد الله الترابي: مشروعنا طبعا دخل علينا أطراف السودان التي كانت نائمة وهامدة يحكمها الخرطوم، الآن صحيت كلها دارفور والشرق وأهل الجنوب بالطبع، بلد.. يعني الثقافة الإسلامية العربية وغيرها قضية تماما وأن ينفصل عن السودان فيُنسب كل هذا التمزق السوداني إلى الإسلام كده الحمد لله إحنا بعدنا من السلطة حتى لا ينسب إلينا.. يعني أن يتمزق السودان أو يفصل البلاد لكن نحن نريد الآن أن نستوعب السودان بعقد رضوي لا بالقوة أصلا ولا بالنظام القديم مركزي لا مركزي منبسط والمجتمع أولا والثقافة والسلطة أيضا بهذا الترتيب يعني إن شاء الله.

أحمد منصور: أشكرك شكرا جزيلا انقضى الوقت سريعا واعتذر لكثير من الأخوة المشاهدين الذين بقوا على الهاتف أو لازالت لهم مداخلات تقصير وقت البرنامج طبعا أتى على وقت مشاهدينا بالدرجة الأولى وكنا نود أن نستمع إلى المزيد شكرا جزيلا لك كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن متابعتكم، في الختام أنقل لكم تحيات فريق البرنامج وهذا أحمد منصور يحييكم بلا حدود والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.