مقدم الحلقة:

أحمد منصـور

ضيف الحلقة:

البروفيسور: جول بينون: أستاذ تاريخ الشرق الأوسط في جامعة ستانفورد

تاريخ الحلقة:

05/02/2003

- بدايات التخطيط الأميركي لضرب العراق
- وضع أميركا الاقتصادي وعلاقته بالحرب على العراق

- معالم الإمبراطورية الأميركية المزمعة في الشرق الأوسط

- مكاسب إسرائيل من شن الحرب على العراق

- ازدواجية التعامل الأميركي مع كوريا الشمالية والعراق

- كيفية تلقِّي الشعب الأميركي لخطاب باول والتعامل معه

- مستقبل الولايات المتحدة في ظل سياساتها الحالية

- معالم المشروع الأميركي لدمقرطة العالم العربي

أحمد منصور: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أحييكم وسوف أكون معكم -إن شاء الله- بعد قليل على الهواء مباشرة، وأرحب بكم في حلقة جديدة من برنامج (بلا حدود).

في الوقت الذي تحشد فيه كوريا الشمالية أحد عشر ألف قطعة مدفع موجهة إلى سول عاصمة كوريا الجنوبية حليفة الولايات المتحدة لأميركية، وفي الوقت الذي تقوم فيه الشاحنات بنقل قضبان اليورانيوم في وضح النهار على مرأىً من الأقمار الصناعية الأميركية كي يعاد معالجتها في مُجمَّع اليوجان بيون [يونج بيون] النووي في بيونج يانج في تحدٍ صارخ للولايات المتحدة، في هذا الوقت بذل وزير الخارجية الأميركي (كولن باول) اليوم جهوداً كبيرة أمام مجلس الأمن شرح خلالها الادعاءات الأميركية ضد العراق للبحث عن مبرر لشن الحرب الأميركية وتغيير شكل المنطقة كلها، حيث تترقب حكوماتها ما الذي سيحل بها الواحدة تلو الأخرى بعد العراق، وقد نقلت وكالة "رويترز" للأنباء اليوم في تقرير لها نقلاً عن خبير تسلُّح أميركي تعليقه على هذه الصورة قائلاً: إن الولايات المتحدة لا تجرؤ على تطبيق المعايير التي تسعى لفرضها على العراق على كوريا الشمالية، لأن المنطقة الآسيوية -على حد تعبيره- لن تتسامح مع هجوم على كوريا الشمالية، واليوم نحاول فهم جوانب الصورة القاتمة التي تخيِّم على المنطقة ومعرفة جذور المخطط الأميركي وأبعاده مع أحد الخبراء الأميركيين البارزين المتخصصين في شؤون الشرق الأوسط، وهو البروفيسور جول بينون (أستاذ تاريخ الشرق الأوسط في جامعة ستانفورد في كاليفورنيا، وعضو مجلس إدارة رابطة دراسات الشرق الأوسط في أميركا الشمالية).

حاز جول بينون على درجة الليسانس من جامعة بريستون عام 1970، وعلى الماجستير من جامعة هارفارد عام 1974، وعلى الدكتوراه من جامعة متشيجان عام 1982، كما درس في الجامعة الأميركية في القاهرة والجامعة العبرية في القدس.

يعمل منذ العام 83 أستاذاً لتاريخ الشرق الأوسط في جامعة ستانفورد.

صدر له عدة كتب وأبحاث سلَّط فيها الضوء على الصراع العربي الإسرائيلي، وأوضاع العمال والفلاحين والأقليات في الشرق الأوسط، وقد صدر له مؤخراً كتابين، هما: "الإسلام السياسي" نشرته جامعة كاليفورنيا، والثاني عن العمال والفلاحين في الشرق الأوسط الحديث بمشاركة (جو ستورك)، وصدر عن مطبوعات جامعة كمبردج.

كان رئيساً لرابطة دراسات الشرق الأوسط في أميركا الشمالية (ميسا)، حتى العام الماضي، وهي من أكبر رابطات دراسات الشرق الأوسط في العالم، حيث تضم ما يقرب من ثلاثة آلاف أكاديمي من المتخصصين في شؤون الشرق الأوسط، وهو الآن عضو في مجلس إدارتها، ولمشاهدينا الراغبين في المشاركة يمكنهم الاتصال بنا بعد موجز الأنباء على: 009744888873 أو على رقم الفاكس: 009744890865أو عبر موقعنا على شبكة الإنترنت: www.aljazeera.net

بروفيسور بينون، أرحب بك عبر الأقمار الاصطناعية من استوديوهات جامعة ستانفورد، وأقول لك صباح الخير، حيث الساعة عندكم الآن هي العاشرة والنصف صباحاً.

جول بينون: مرحباً، وصباح الخير إليكم.

بدايات التخطيط الأميركي لضرب العراق

أحمد منصور: شكراً لك، أعتقد أنك تابعت مثل ما تابع العالم أجمع الأدلة التي ساقها اليوم وزير خارجيتكم كولن باول أمام مجلس الأمن، وخطابه الذي وُصِفَ بأنه أخطر خطاب سيلقيه سياسي تحت سقف الأمم المتحدة، هل تعتقد بأن الحرب الأميركية المرتقبة ضد العراق أصبحت واقعة لا محالة؟

جول بينون: أولاً: أعتذر للمشاهدين العرب، لأنني لن أستطيع أن أتكلم بدقة بالعربي، وبالتالي أفضل أن أتكلم بالإنجليزي لو سمحتم.

أحمد منصور: تفضل يا سيدي.

جول بينون: فأعتقد كذلك كانت هناك خطط أميركية للهجوم على العراق منذ منتصف التسعينيات، الجناح المعتدل والمحافظ في الولايات المتحدة كان يحث أو يشجع على هجوم ضد العراق منذ عام 1996 و97، والمنظمة الأساسية التي كانت مشاركة في هذه الحملة كانت برئاسة (وليام بستل)، وهو محرر صحيفة أسبوعية للمحافظين، وهو رئيس منظمة فكرية تسمى مشروع الأميركي للقرن الجديد، وفي عام 1998 حاولت الضغط على كل من الرئيس (كلينتون)، و(نيوديجرش) المتحدث باسم مجلس النواب و(تشان كلو) رئيس مجلس الشيوخ لتشجيعهم على الحرب ضد العراق، وبعد الحادي عشر من سبتمبر بعد تدمير مركز التجارة العالمي والهجوم ضد وزارة الدفاع الأميركية فإن هذه القوة قد استغلت هذه المبادرة، وتسعى بشكل أكبر على الحرب ضد العراق.

أحمد منصور: كثير من الدراسات ومنها ما أشرت إليه، (جاي بوكمان) نائب رئيس تحرير "أتلنتا جورنال"، صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية، ما ذكره الكاتب البريطاني (ألكساندر بورتر) قبل أيام يؤكدون أن مخطط الحرب الحالي ضد العراق وضعه نائب وزير الدفاع الحالي (بول وولفيتس) و(سكوتر ليبي)، حينما كان الاثنان يعملان مع (ديك تشيني) حينما كان وزيراً للدفاع في إدارة بوش الأب عام 1992، ثم قاموا بتحديثه في العام 2000، هل هذا يتوافق مع بعض ما ذكرته الآن؟

جول بينون: نعم، أعتقد ذلك، كان هناك جدل في الإدارة الأولى عما إذا كان من الممكن الإطاحة بصدام حسين بعد حرب الخليج في عام 1991، وكما أثق بأن المشاهدين العرب سيذكرون أنه في مارس وأبريل عام 1991 كانت هناك ظهور للشيعة والأكراد في شمال العراق ضد نظام صدام حسين، وقرر الرئيس بوش أنه بعد طلب وبهذه المظاهرات وهذه الانقلابات، بأنه سيتخلى عنها وسيشكل غطاءً عسكرياً، وبالتالي فإن صدام حسين كان قادراً على سحق هذه المعارضة، ولهذا السبب ظل في السلطة حتى الآن، وأشخاص مثل (ديك تشيني) نائب الرئيس الحالي، والذي كان في ذلك الوقت وزير الدفاع في.. للولايات المتحدة، لم يكن متفقون مع هذه الخطط، وكانوا يعتقدون أن الولايات المتحدة يجب أن تسير بشكل مباشر إلى بغداد، وتطيح بصدام، وأن تدعم كل من الأكراد والشيعة، وقد حاولوا استرجاع تصحيح هذا الخطأ الأميركي في ربيع عام 1991 في التشجيع لخطة للإطاحة بصدام حسين في منتصف التسعينيات عندما كانوا خارج السلطة، وعندما كان بيل كلينتون.... كلينتون في الحكم 92 حتى 2000، وكانوا (.....) وراء هذه..

أحمد منصور [مقاطعاً]: هل هذه الخطة عفواً.. عفواً هل هذه الخطة التي أشارت إليها صحيفة "تايمز" البريطانية في تقرير نُشر في نهاية يناير الماضي، قالت فيه أن اجتماعاً عُقد في شتاء العام 98 بين (ريتشارد بيرل) و(دونالد رامسفيلد) و(بول وولفويتس) اجتمعوا في ليلة باردة مع (ساندبرجر) مستشار الرئيس السابق كلينتون للأمن القومي ليعرضوا عليه خطة لضرب العراق رغم أنهم كانوا خارج السلطة، وقد وقَّع عليها 18 من هؤلاء المحافظين الذين ذكرتهم، 9 منهم الآن يعتبرون من أقوى الصقور في الإدارة.. الصقور في الإدارة الأميركية، هل هذه هي الخطة وهذا هو التوقيت الذي تقصده؟

[فاصل إعلاني]

أحمد منصور: ما تعليقك على أن اجتماعاً عُقد في شتاء العام 98 بين ريتشارد بيرل ودونالد رامسفيلد وبول وولفويتس اجتمعوا في ليلة باردة مع ساند برجر (مستشار الرئيس السابق كلينتون للأمن القومي) ليعرضوا عليه خطة لضرب العراق، رغم أنهم كانوا خارج السلطة، وقد وقَّع عليها 18 من هؤلاء المحافظين الذين ذكرتهم، 9 منهم الآن يعتبرون من أقوى الصقور في الإدارة.. الصقور في الإدارة الأميركية، هل هذه هي الخطة وهذا هو التوقيت الذي تقصده؟

جول بينون: هذا ما كنت أشير إليه، ولكنه ليس بالضبط خطة، ما حدث هو أن سبعة من الأشخاص الذين أعضاء في الإدارة الأميركية مثل رامسفيلد وغيرهم كتبوا إلى الرئيس كلينتون في أوائل عام 1998، وحثوه على الإعداد للحرب ضد العراق، والرئيس في ذلك الوقت لم يستجب لهذه.. هذا التحريض، ورفض هذه النصيحة، وبالتالي فإنهم كتبوا مرة أخرى إلى القيادة الجمهورية لمجلس النواب، وإلى القيادة الجمهورية في مجلس الشيوخ يحثونهم على نفس الشيء، وكانت نتيجة هذه الضغوط هو أنه في.. أول نوفمبر 1998 مرر الكونجرس الأميركي، ووقَّع بوش على.. كلينتون على ما يُسمى بقانون تحرير العراق، وأوضح أن سياسة الولايات المتحدة هو أن تطيح بنظام صدام حسين، وبعبارة أخرى فإنه عكس من قرارات مجلس الأمن التي تم اعتمادها بعد حرب الخليج في عام 1991 في أن الولايات المتحدة كانت تقول الآن أنه اعتباراً من نوفمبر 98 أنه لا يهم مدى تعاون صدام حسين مع الأمم المتحدة ومع فرق التفتيش التي كانت موجودة في ذلك الوقت، فإن الولايات المتحدة سوف تبقي العقوبات على العراق حتى يتم الإطاحة بصدام حسين، وكان هذا هو أحد الأسباب، لأن الشهر القادم كان هناك.. بالتالي كان هناك صدام بين العراق والولايات المتحدة، والولايات المتحدة وبريطانيا طلباً بسحب فرق التفتيش، وقررت.. وشنت أربعة أيام من القصف على العراق، ومنذ ديسمبر 1998 حتى الشهر الماضي لم تكن هناك أي نظم.. فرق.. فرق تفتيش في العراق.

أحمد منصور: رغم مرور أكثر من اثني عشر عاماً على الصراع بين العراق والولايات المتحدة، الصراع المباشر بين الطرفين إلا أن التوقيت الحالي، لماذا هذا التوقيت تحديداً في كل هذا التحفيز ضد العراق؟

جول بينون: توقيت الصراع الحالي بين العراق وبين الولايات المتحدة أعتقد أنه يعتمد بشكل كامل على جو الخلف.. الخوف الشرعي أو المشروع الذي تولد في الولايات المتحدة بعد هجمات 11 سبتمبر 2001، كانت هناك تقارير صحفية أنه في غضون ساعات من الهجمات على مركز التجارة العالمي والبنتاجون إن وزير الدفاع دونالد رامسفيلد أمر الطائرات بأن تتأهب لهجمة على العراق، ومجلس الاستشاري للدفاع..

أحمد منصور [مقاطعاً]: لكن لم يثبت حتى الآن.. لم يثبت حتى الآن وجود أي علاقة بين العراق وبين هجمات 11 سبتمبر، وأنت ذكرت قبل قليل بأنه هذه الخطة أو ضرب العراق كانت مُعدَّة من قبل من بداية التسعينات، وفي 98 تم تحفيز هذا الأمر، ما علاقة 11 سبتمبر بالعراق؟

جول بينون: أنت محق تماماً، لا توجد أي صلة بين الاثنين، ولكن.. والولايات المتحدة مازالت حتى اليوم لم.. عاجزة عن إثبات مثل هذه الصلة، وما.. ما أشير إليه هو أن خطة الهجمة على العراق كانت موضوعة قبل أحداث 11.. الحادي عشر من سبتمبر، وأن العديد من القيادات البارزة في حكومة بوش بما فيهم وزير الدفاع رامسفيلد ومساعد وزير الدفاع بول وولفويتس، ونائب الرئيس تشيني، كانوا قد قرروا حتى قبل أن يصلوا إلى السلطة أنه كان من الضروري شن حرب على العراق، ولكنهم انتهزوا فرصة هجمات الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 حتى أنه لم يكن لديهم أي دليل على أن العراق له.. كان له صلة بهذه الهجمات، ولكنهم استغلوها لشحن أو زيادة الحديث حول ضرورة الهجمة ضد العراق، لأن الشعب الأميركي لم يكن مقتنعاً بأنه كان من الضروري مهاجمة العراق، العراق لم.. وحتى الآن يمكنني أن أقول أنه لا يشكل أي تهديد للأمن القومي للشعب الأميركي، والعراق لم يشن هجوماً على الولايات المتحدة، وبالتالي سيكون هناك تردد كبير من جانب الشعب الأميركي لكي يخوض حرباً ضد العراق، ولكن بعد الحادي عشر من سبتمبر فإن أغلب الأميركيين كانوا يشعرون بخوف شديد، وخاصة من العرب والمسلمين، لأنهم كانوا من قام بهجمات 11 سبتمبر، وأغلب الأميركيين لا يميزون بحرص بين الجنسيات الذين شنوا الهجمة على الحادي عشر من سبتمبر.

وضع أميركا الاقتصادي وعلاقته بالحرب على العراق

أحمد منصور: ربما.. ربما آتي معك بعد قليل إلى قضية فهم الشعب الأميركي وتناوله مثل هذه الأمور، ولكن أيضاً هناك دراسات كثيرة تشير إلى أن التوقيت مرتبط بأزمة اقتصادية طاحنة تعيشها الولايات المتحدة الأميركية، الآن تم تسجيل مليون ونصف المليون حالة إفلاس في الولايات المتحدة، في العام الماضي 2002، أيضاً كبرى الشركات الأميركية الآن نجدها تفلس من آن لآخر بشكل مرعب، وغلاف "النيوزويك" الأخير يتحدث عن رغبة رجال الأعمال الأميركيين في شن حرب حتى تتحسن الأوضاع الاقتصادية، هناك مخاوف من أن تتكرر كارثة 1929 مرة أخرى الاقتصادية في الولايات المتحدة.

هل الحرب ضد العراق الآن تعتبر مخرج من الأزمة والمأزق الذي.. التي تعيش فيه الولايات المتحدة اقتصادياً؟

جول بينون: لا أعتقد بأن هذه الاعتبارات الاقتصادية بالغة الأهمية، أو لها أهمية كبيرة في أسلوب تفكير إدارة بوش، والسبب في ذلك هو أنه وفقاً لكل التقديرات فإن حرباً ضد العراق خاصةً إذا كانت الولايات المتحدة وبريطانيا هما الشريكان الأساسيان في أثناء هذه الحرب، وهو ما يبدو عليه الحال حتى الآن فإن الحرب ضد العراق ستكون مكلفة للغاية، وربما تسبب عجزاً أكبر في الميزانية من ما هو متوقع الآن، خاصة بعد خطاب حول.. حالة الأمة الذي ذكره (...) الميزانيات، أو العجز في الميزانية كبير جداً ومتوقع في المستقبل، فلن تكون هناك أي مشاركة أو تمويل أجنبي أو خارجي في الحرب ضد العراق كما كان الحال في حرب الخليج في عام 1991، وبالتالي فإنني لا أعتقد بأن الاعتبارات الاقتصادية ستكون عاملاً كبيراً أو رئيسياً في إطار تفكير إدارة بوش، وفي واقع الأمر فإنني أعتقد بأن التفكير الأساسي له طبيعة أكبر وجدية بكثير، والقول بأن كل هذه الجهود لمحاولة الربط بين صدام حسين وبين أحداث الحادي عشر من سبتمبر، ومثل هذه الهجمات الإرهابية على الولايات المتحدة في الماضي أو في الحاضر، أو المحتملة في المستقبل، فإن كل هذا يكون يدخل في إطار الدعاية فقط لا غير، فإن الأجندة الحقيقية للولايات المتحدة فيما يتعلق بشن حرب على العراق محددة بشكل واضح في مقال كتبته زميلتي السابقة (كونداليزا رايس) التي كتبت مقالاً في..

أحمد منصور [مقاطعاً]: أنا سأسألك.. سأسألك تحديداً عن الأهداف الأميركية من وراء شن الحملة على العراق وما كتبته كونداليزا رايس، زميلتك السابقة في الجامعة حول هذا الموضوع.

[موجز الأخبار]

أحمد منصور: بروفيسور بينون، كنت تتحدث قبل الموجز عن المخطط الجديد، وقلت إنه كتبته كونداليزا رايس في مقال نشر لها، ما الذي كتبته كونداليزا رايس في العام 2000؟

جول بينون: نعم، إنه مقال ظهر في نشرة وزارة الخارجية، وهي خاصة بالمجلس الشؤون الخارجية، وكانت بعنوان تعزيز مصالح قومية، ظهر في يناير وفبراير من عام 2000، أي قرب بداية حكم أو حملة الرئيس بوش الانتخابية، والمقال يقول أن القيم الأميركية عالمية، وأن كل إنسان في العالم يرغب فيما نريده، ويرغب أن يملك ما نملك، ولذلك فإن الولايات المتحدة إذا ذهبت حول العالم وتجوَّلت حول العالم، وقامت بفرض قيمنا وديمقراطيتنا على كل إنسان في العالم فإن ذلك سوف يجلب إلى الناس ما يرغبونه بالفعل، فهنا لديك تبرير أيديولوجي لإمبراطورية أميركية من هذا النوع، الذي كان لدى بريطانيا العظمى في القرن الثامن عشر أو في العصور القديمة، وثم بعد.. في سبتمبر من عام 2002 كانت كونداليزا رايس هي الكاتبة الرئيسية لمسودة وثيقة هامة تُسمى الاستراتيجية القومية للولايات المتحدة، والتي وضعت البرنامج العسكري لهذا المشروع الإمبراطوري، وإن الحرب ضد العراق هي في الواقع جزء من هذا المشروع لكي نظهر إلى العالم بأن الولايات المتحدة ليست فقط قوة عظمى عسكرياً، فالكل يعرف ذلك بالفعل، ولكن كي تظهر للعالم أيضاً بأن الولايات المتحدة قادرة وترغب في استخدام قدرتها العسكرية، وسوف تستخدمها للتدخل في الدول في كل أنحاء العالم كما تشاء، وأن العراق تشكل مثالاً مواتياً ومناسباً لذلك، لأن صدام حسين منتهك.. من أحد كبار المنتهكين القانون الدولي، لأن نظام صدام حسين هو ديكتاتوري، نظام ديكتاتوري، لأن صدام حسين قد انتهك قرارات الأمم المتحدة، لذلك فهناك قدر من الرأي العام الدولي موجَّه بالفعل ضد صدام حسين، والأمر أيضاً مواتي بالنسبة للولايات المتحدة في أن العراق هو ثاني أكبر مستودع للبترول، وهذا هو السبب في أن الولايات المتحدة تفكر بشكل جادٍ، وسوف.. الأرجح أنها سوف تهاجم العراق، ولكنها لن تهاجم كوريا الشمالية، فالعراق لديه البترول، وهو ما يجعل الحرب تستحق، أما في كوريا الشمالية فليس لديها ذلك، وهناك اعتبارات أخرى أمنية تتعلق بالهجوم على كوريا الشمالية، لذلك فإن فرصة إمثال.. القدوة ستكون في العراق بالنسبة لهذه الإمبراطورية.

أحمد منصور: كثير.. يعني ليس سراً أن الرئيس -طالما تعرضت للنفط- ليس سراً بأن الرئيس جورج بوش كان يعمل خلال الفترة منذ العام 1978 وحتى العام 1984 مديراً تنفيذياً لشركة (أريسكو) للطاقة والاستكشاف النفطي من العام 86 إلى العام 2000 كان مديراً تنفيذياً لشركة (هارك) النفطية، أما نائب الرئيس ديك تشيني فقد عمل من فترة من 1995 إلى العام 2000 مديراً تنفيذياً لشركة (هلبرتون) للنفط، أما كونداليز رايس فقد عملت في الفترة من 91 إلى العام 2000 مديراً تنفيذياً لشركة (شيفرون) النفطية المعروفة، هل معنى ذلك أن المعركة ضد العراق لها علاقة بالنفط وكون كبار المسؤولين وعلى رأسهم الرئيس كانوا أيضاً مدراء لشركات نفط؟

جول بينون: بالطبع، فإن كل هذه المعلومات صحيحة، وهناك العديد من الصلات بين صناعة البترول وبين حكومة بوش، بالإضافة إلى ما ذكرته الآن، فإن سفير الولايات المتحدة في أفغانستان أيضاً كان مستشاراً... حامد كرزاي رئيس باكستان الآن [أفغانستان]، وكان مستشاراً..، لذلك فإن حكومة بوش مليئة بأشخاص لهم روابط قوية جداً وعميقة جداً مع صناعة البترول، وبالتأكيد فإن هذه العلاقات، والوعد بالوصول إلى نفط العراق بشروط مواتية هو يشكل جزءاً كبيراً من الاعتبارات في الدخول إلى حرب في حرب ضد العراق، ولكن رأيي، وهنا أود أن أؤكد بأنه رأيي بأن أهم عامل في قرار الهجوم ضد العراق ليس النفط، ولكن أهم عامل هو قرار في اتخاذ قرار باتخاذ الهجوم على العراق هو تأسيس الإمبراطورية الأميركية في الشرق الأوسط، وحقيقة أن العراق لديه البترول، وأن وضعه الدولي ضعيف يجعل .. ذلك يجعل منه هدفاً سهلاً.

معالم الإمبراطورية الأميركية المزمعة في الشرق الأوسط

أحمد منصور: ما أشرت له بخصوص الإمبراطورية أشار له الدكتور (جون ديوك أنطوني) رئيس المجلس الوطني للعلاقات العربية الأميركية في واشنطن في ندوة له قبل يومين فقط في الإمارات في مركز زايد للتنسيق والمتابعة، قال: إن ما تهدف له الولايات المتحدة هو إنشاء إمبراطورية في المنطقة، كذلك ذكرت اليوم (مورين دوت) في "نيويورك تايمز" نفس الكلام، الهدف الأساس إنشاء إمبراطورية أميركية وتأمين إسرائيل في المنطقة، ما هي معالم هذه الإمبراطورية وشكلها؟

جول بينون: جوانب أو أبعاد هذه الإمبراطورية موجودة بالفعل، وهي النشر الضخم للقوات الأميركية البحرية بالسفن والناقلات والحاملات في كل أنحاء العالم، وفي الخليج العربي والاستعداد لاحتلال عسكري طويل الأجل للعراق بعد الحرب، وبناء نظام أو وضع نظام يكون موالياً ومعتمداً على الولايات المتحدة في العراق، وتلك العناصر من المعارضة العراقية التي تدور حول مجلس الأمن العراقي، ذلك فإن أحد دعامات تأسيس الإمبراطورية في الشرق الأوسط هو وضع قاعدة أرضية في العراق يكون القصد منها أن تكون أكثر استقراراً من وجود الأميركي في المملكة العربية السعودية على سبيل المثال، خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر فإن العديد من الأعضاء في حكومة بوش ومن خارجها بدءوا يثيرون بعض التساؤلات حول المدى الذي يمكن فيه اعتبار المملكة العربية السعودية حليفاً يعتمد عليه في الولايات المتحدة، وكان يجب أن تهتم.. فيما إذا كان نظام في العراق فإن الإجابة ستكون بالتأكيد نعم، فإن وضع مثل هذه القاعدة في العراق فإن يبدو أن حكومة بوش لديها فكرة بإن إضعاف العراق سوف يضعف من البناء العام للسياسة العربية، وبشكل خاص يضعف الدعم المحدود حالياً للقضية الفلسطينية الذي تظهره العديد من الأنظمة العربية، لذلك فإن إضعاف العراق، ووضع وجود أميركي دائم في العراق سوف يرغم الفلسطينيين على قبول بتسوية الصراع مع الإسرائيليين بشروط لم يكونوا ليقبلوا بها.

أحمد منصور: إسرائيل.. إسرائيل.. يعني قبل أن أدخل إلى قضية إسرائيل أريد أن أسألك عن هؤلاء الذين يقفون وراء هذا المخطط الأميركي داخل الإدارة الأميركية من هؤلاء؟ وما هي الأشياء التي تجمعهم لتحقيق هذا الأمر؟

جول بينون: الذين يؤيدون ويشجعون هذه الخطوة هم الناس، الأشخاص الذين يدعمونها منذ التسعينيات، ويدعمون هجمة ضد العراق، وإنهم مجموعة داخل حكومة بوش ريتشارد بيرل (رئيس مجلس الاستشاري للأمن القومي) وبول وولفويتس مساعد وزير الدفاع، دوجلاس فايس (وكيل وزارة الدفاع لشؤون السياسة) وجون بولتن (وكيل الوزارة الخارجية للرقابة على الأسلحة)، هؤلاء الأشخاص كلهم على صلة وثيقة جداً بحزب الليكود في إسرائيل، ولديهم قالوا بالضغط باسم الليكود للتخلي عن عملية السلام، وكانوا يضغطون على (نتنياهو) عندما كان رئيس الوزراء، أقنعوه بأن إزالة صدام من الحكم كان استراتيجية هدف استراتيجي إسرائيلي، وقالوا بأنهم قدموا لرئيس الوزراء نتنياهو في يوليو عام 1996 بأن إسرائيل يجب أن تشجِّع إعادة تأسيس المملكة الهاشمية في.. التي تم الإطاحة بها في عام 1958، وأنه بعدها سيكون هناك مملكة مشتركة بين الأردن والعراق، وستكون هي التعبير السياسي لسيادة.. سيادة الشعب الفلسطيني...

أحمد منصور [مقاطعاً]: هل يمكن أن يتحقق هذا.. هل يمكن أن يتحقق هذا في المرحلة القادمة مع وجود هؤلاء الآن في مركز صناعة القرار في الإدارة الأميركية؟

جول بينون: لا أعتقد بأن هذه الخطة عملية بما فيه الكفاية، وأنا على ثقة، ليس ثقة، لست واثقاً حول مدى جدية من يشجعون هذه الخطة، ولا أظن بأنهم قد وضعوها بأنفسهم، ما أقوله هنا هو أن مجموعة من واضعي السياسة وعلى مستوى مرتفع نسبياً داخل الحكومة قد نقلوا هذه الخطة إلى الليكود، وفي أذهانهم وجود علاقة بين قيام إسرائيل بقمع الفلسطينيين والولايات المتحدة قيامها بغزو العراق، وأعتقد بأن الخطة بأكملها فيها مجازفة.. مجازفة من جانب الولايات المتحدة، وإذا كنت أنا من أحد مستشاري الرئيس، فإنني سأشور عليه بعدم خوض الحرب، ولكن هناك عديد من الغطرسة، كثير من الغطرسة و الكبرياء في صناعة القرار الأميركي هذه الأيام، لذلك فإنه من غير العملي فإن هذه الخطة لم تؤخذ بشكل جدي.

أحمد منصور: يعني إلى أي مدى يمكن أن تجر هذه الغطرسة الولايات المتحدة الأميركية لاسيما وإن بعض الدراسات اليوم قرأت للروائي البريطاني الشهير (جون لوكار) مقالاً نشر قبل أيام قبل فيه: نشر في نهاية يناير الماضي. دخلت الولايات المتحدة إحدى فترات جنونها التاريخي، وكانت.. وكأن هذه الفترة ستكون هي الأسوأ حسب ذاكرتي كما يقول الروائي البريطاني، فهي أسوأ من المكارثية، وأسوأ من خليج الخنازير، وقد تكون على المدى البعيد أكثر سوءًا من حرب فيتنام، ما رأيك في هذا الوصف لهذا الروائي البريطاني حول هذه الإمبراطورية المتغطرسة كما تقول؟

جول بينون: بالتأكيد سأتفق في أننا في فترة حالكة السواد في تاريخ الولايات المتحدة، فهناك تآكل كبير في الحريات المدنية للمواطنين الأميركيين، وخاصة بالنسبة للمواطنين من أصل عربي والمسلمين والمقيمين من العرب والمسلمين في الولايات المتحدة فوكالات الإعلام، وسائل الإعلام في الولايات المتحدة لم تكن تنتقد سياسات حكومة بوش، ولم تطرح الأسئلة الحاسمة التي كانت تُطرح في وسائل الإعلام الأوروبية والعربية، أغلب الأميركيين لا يعرفون سوى القليل عن الشرق الأوسط، ولديهم فهم ضعيف جداً حول طبيعة القضايا على المحك، ولذلك فمن السهل جداً على حكومة بوش وعلى وسائل الإعلام الأميركية بأن تصور الأمور بشكل مخالف للحقيقة، ولست واثقاً بأنني يمكن أن أقول أن الأمور أسوأ الآن مما كانت في حقبة المكارثية في الخمسينيات، بالتأكيد قد تصبح أسوأ منها، فنحن مهيأون لفترة حالكة الظلام، ولكن من ناحية أخرى، فمن المهم جداً أن نقول هنا بأنه قبل أسابيع قليلة كانت هناك مظاهرات ضخمة في.. في كل من سان فرانسيسكو على الساحل الغربي، وفي واشنطن العاصمة ضد خوض حرب ضد العراق، وكان هناك مئات الآلاف من الناس في كل من المدينتين يتظاهرون ضد الحرب، وكان ذلك حتى قبل بدء الحرب إذا ما قارنا ما بين حقبة حرب فيتنام فإن أول مظاهرة أميركية كبيرة ضد حرب فيتنام كانت في عام 1965، أي بعد عامين من أول.. من نزول أول قوات قتالية أميركية في فيتنام، لذلك فإنه في حالة احتمال وقوع حرب وشيكة مع العراق، فهناك بالفعل قاعدة كبيرة جداً في.. للقيام بحركة ضد الحرب.. ضد الحرب..

أحمد منصور: يعني ما هو.. ما.. ما الذي يمكن أن تفعلوه غير التظاهر على سبيل المثال؟ يعني أنت ترأس، كنت إلى أسابيع قليلة مضت رئيساً للميسا، وهي تضم ما يقرب من ثلاثة آلاف أكاديمي مهتمين بالشرق الأوسط، الآن أصبح لكم ثقل أكاديمي كبير، هناك مؤسسات ومنظمات كثيرة، ما الذي يمكن أن تفعلوه غير التظاهر والاحتجاج؟

جول بينون: مع.. للأسف فإنك محق في الحديث عن القدرة المحدودة لحركة الاعتراض السياسي، وأيضاً القدرات المحدودة للأكاديميين المتخصصين في التأثير على حكومة بوش، ولكن هذا أمر طويل المدى، فربما ننجح أو لا ننجح في إيقاف أو منع حكومة بوش من شن حرب دون استفزاز ضد العراق، ولكن إذا قامت الحكومة الأميركية بشن هذه الحرب يجب أن نفهم بأن هذه أمور طويلة أو بعيدة المدى، فبالتالي.. وبالطبع فإن التأثير المباشر للحرب سيكون المزيد من الدمار في العراق، والمزيد من القتلى من الأبرياء المدنيين في العراق، ولكن الولايات المتحدة -كما قلت من قبل- تخطط إلى أن تبقى في العراق لبعض الوقت، لذلك..

أحمد منصور: يعني واضح -كما قلت- أن هناك يعني تأسيس لإمبراطورية أميركية، ماذا بعد العراق؟ ما هي الدول العربية الأخرى المستهدفة لاسيما وإن بعض إيحاءات بعض السياسيين العرب، وكأنهم سيؤكلوا جميعاً بعد أكل الثور الأبيض يعني؟

جول بينون: نحن الآن في مجال التكهنات، لأن كان هناك العديد من الحوارات العلنية حول الإمبراطورية الأميركية الجديدة وخطط العراق واضحة، ولكن ماذا سيحدث بعد العراق؟ يتوقف أولاً على ما إذا كان الحرب ضد العراق كانت ناجحة، وفي رأيي فإنه لا يوجد سوى شكل.. بسيط في أن حملة عسكرية أميركية بريطانية سوف تهزم العسكرية العراقية، ولكنني أقل ثقة من أن إذا كانت الولايات المتحدة ستكون قادرة على.. أو تنجح في إقامة نظام موالي لها في العراق، وأن تحوِّل السياسة العراقية بالشكل الذي ترغبه أو تتصوره حكومة بوش، ولكن لا نتصور أن الولايات المتحدة نجحت ولو بشكل مؤقت في العراق، فإن الشيء الثاني الذي يجب أن تفعله الولايات المتحدة هو أن تحاول أن تعزز من موقفها في العراق، وتنتقل إلى فرض حل على الصراع العربي الإسرائيلي، لأن هذه هي سبب أو مصدر عدم الاستقرار الثاني في الشرق الأوسط، والسؤال هو هل سيمكن للفلسطينيين أن يقاوموا في ظل هذه الظروف؟ ويجب أن أقول بأنني لا أعرف هذه الإجابة إذا سألتني هذا السؤال قبل عامين هل كان سيمكن للفلسطينيين أن يصمدوا ويحافظوا على انتفاضتهم للوقت الذي فعلوه حتى الآن؟ كنت سأقول لا، ولكن كان سيعتبر خطأي، لذلك فإن قدرة الشعب الفلسطيني على المقاومة لا يجب أن نقلل من شأنها، هدف آخر محتمل للولايات المتحدة سيكون سوريا ولبنان، لأن رغم أن سوريا الآن لا تعارض مصالح أميركية بشكل نشط في الشرق الأوسط بأي شكل من الأشكال، ولكن السوريين مازالوا يرفضون توقيع اتفاقية سلام مع إسرائيل بالشروط الإسرائيلية، والسوريون أيضاً نشيطون في لبنان، ويعرقلون العملية السياسية في لبنان، لذلك من الممكن أن نتصور نوعاً من الجهود الأميركية ضد سوريا ولبنان.

أحمد منصور: ما الذي يمكن أن يحدث.. من الولايات المتحدة ضد سوريا ولبنان؟

جول بينون: كما كنت سأقول الآن فإن كل ذلك كلها على فرض نجاح أميركا في العراق، فإذا نجحت أميركا في الإطاحة بنظام صدام حسين، وإقامة حكومة مستقرة موالية لها هناك، فإنها ستحاول أن تفعل الشيء ذاته في سوريا، ولكنها إذا لم تنجح في العراق فإنها لن تصل إلى نقطة حتى محاولة ذلك في سوريا.

مكاسب إسرائيل من شن الحرب على العراق

أحمد منصور: هناك ازدواجية.. نريد، تعرضت لموضوع فلسطين، ما هي الفوائد التي يمكن أن تعود على إسرائيل، وأنت قلت أن اللوبي الصهيوني يلعب دوراً في الدفع باتجاه هذه الحرب في الولايات المتحدة، ما الذي يمكن أن تجنيه إسرائيل من فوائد من وراء سقوط النظام العراقي وتواجد أميركي قوي في العراق؟

جول بينون: هناك نوعان من الفوائد التي ستجنيها إسرائيل من الحملة الأميركية ضد العراق.

الأول: هو أن الصراع العربي الفلسطيني الإسرائيلي قد خرج عن العناوين الرئيسية في الصحف الأميركية، فمنذ ربيع عام 2002 عندما بدأت قررت الولايات المتحدة بأنها ستخوض حرباً ضد العراق منذ ربيع عام 2002، فإن القمع الإسرائيلي للانتفاضة الفلسطينية لم يكن أول البنود على التغطية للشؤون الخارجية في الصحف الأميركية، بالتالي فإن إعادة احتلال إسرائيل لأغلب مدن الضفة الغربية في أبريل الماضي ومذبحة جنين قد حظيت ببعض التغطية، ولكن ليس بالقدر الذي كانت ستحصل عليه لولا مسألة العراق، إن الحرب ضد العراق قد مكنت (أرييل شارون) من تصوير نفسه في الولايات المتحدة بشكل أكبر وبشكل.. ولبوش بشكل خاص كحليف مخلص لهم في حربهم ضد الإرهاب، وبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر فإن أرييل شارون قام بزيارة الولايات المتحدة، ووضع المعادلة التالية، وهي أن أسامة بن لادن هو ياسر عرفات، وأن القاعدة هي السلطة الفلسطينية، لذلك فإننا إسرائيل والولايات المتحدة يجب أن نحارب جنباً إلى جنب في نفس الخندق ضد الإرهاب العالمي، لدينا نفس الأعداء، ونحن أعضاء في نفس الحضارة التي تحارب ضد هؤلاء الإرهابيين العرب والمسلمين، هذه الفائدة الأولى التي عادت على إسرائيل.

ثانياً: إن إسرائيل كانت دائماً تؤيد أي جهود أميركية تضع الولايات المتحدة في صراع مع العالم العربي، إسرائيل بالطبع وكانت منذ.. كذلك منذ أواخر الستينيات هي الحليف الأساسي للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، ولكن أيضاً هناك حلفاء عرب آخرين أيضاً بما في ذلك مصر والأردن والمملكة العربية السعودية، وكانت هذه التحالفات العربية مع الولايات المتحدة لا.. غير مزعجة لإسرائيل، ولم تردع بالتأكيد إسرائيل من احتلال الضفة الغربية ومن قطاع غزة ومن قمع الانتفاضتين الأولى والثانية، ولكن إسرائيل ستشعر بارتياح أكبر إذا تضاءلت أهمية أو التحالفات العربية للولايات المتحدة، فإذا قامت الولايات المتحدة بمهاجمة العراق فإن مثل هذا الهجوم سوف يلقى معارضة كبيرة جداً من العالم العربي، وسيكون هناك، وبالتالي هناك بالفعل تحول كبير بين الرأي العام العربي والحكومة الأميركية، وذلك سيجعل أكثر صعوبة للأنظمة العربية المحالفة لأميركا مثل مصر والأردن أن تتعاون مع الولايات المتحدة، وهذا أمر تعتبره أي حكومة إسرائيلية إنجازاً إيجابياً.

وأخيراً: هناك احتمال، وأنا أيضاً.. وأنا شخصياً أعتقد أنه بعيد الاحتمال، ولكن هناك أيضاً احتمال بأن حملة أميركية ناجحة في العراق سوف ترغم الفلسطينيين على تسوية صراعهم مع إسرائيل بشروط يملوها الإسرائيليون.

ازدواجية التعامل الأميركي مع كوريا الشمالية والعراق

أحمد منصور: هناك ازدواجية ظاهرة في تعامل الولايات المتحدة فيما يتعلق بقضية كوريا الشمالية، وفيما يتعلق في موضوع العراق، لماذا تعاقب الولايات المتحدة العراق، ولماذا تتساهل وتغض الطرف عن كوريا الشمالية رغم أن كوريا الشمالية تتحدى الولايات المتحدة بشكل أساسي، وتعلن أنها في طريقها لامتلاك قنبلة نووية؟ نريد نفهم هذه المعادلة.

جول بينون: الإجابة على هذا السؤال مكونة من قضيتين:

الأول ذكرته بالفعل، وهو أن العراق لديه النفط، وكوريا الشمالية ليس لديها نفط، لذلك فإن الفائدة المباشرة من مهاجمة العراق أكبر بكثير من الفوائد المباشرة من شن هجوم على كوريا الشمالية.

وثانياً: فإن كوريا الشمالية قد أعلنت بالفعل بأنها تعتزم امتلاك أسلحة نووية واستخدامها إذا تعرضت لهجوم، لذلك فإن التكلفة العسكرية لمهاجمة كوريا الشمالية أكبر بكثير من تكلفة هجوم عسكري على العراق، وفيما.. بخلاف مسألة الأسلحة النووية فإن جيش العراق قد تعرض لتدمير بين عشر سنوات من العقوبات وهزيمته في حرب الخليج، أما كوريا الشمالية وجيشها فهو مدرَّب ومجهَّز ومسلَّح تماماً، وهناك مئات الألوف من الجنود الكوريين على خط ترسيم الحدود مع كوريا الجنوبية، وأي هجوم على كوريا الشمالية سوف يؤدي إلى عدم استقرار أمن المنطقة بأكملها في شمال شرق آسيا، وسوف يشكل تهديداً لليابان والصين، لذلك فإنه أكثر تعقيداً ويحتاج موقف أكثر تعقيداً مع في حال كوريا الشمالية.

أحمد منصور: اليوم في تصريحات نُشرت لـ (سكوت ريتر) المفتش الدولي السابق في العراق وأبرز منتقدي سياسة الولايات المتحدة الحالية ضد العراق نشرت في "رويترز" قال إنه يتوقع أن تقوم كوريا الشمالية بهجوم على اليابان وكوريا الجنوبية كاغتنام للفرصة إذا حاولت أو إذا قامت الولايات المتحدة بالهجوم على العراق، هل يمكن أن يحدث هذا وأن تندلع فعلاً فوضى عسكرية في العالم بالفعل إذا أقدمت الولايات المتحدة الأميركية على ضرب العراق؟

[فاصل إعلاني]

أحمد منصور: ما تعليقك على ما ذكره سكوت ريتر ونشرته رويترز اليوم عن إمكانية أن تقوم كوريا الشمالية باستغلال قيام الولايات المتحدة بضرب العراق، وتقوم هي بضرب اليابان وكوريا، ولا سيما أن هناك حسب تقرير آخر لرويترز أيضاً اليوم أحد عشر ألف مدفع لكوريا في كوريا الشمالية موجه ضد كوريا الجنوبية؟

جول بينون: هذا قدر كبير من التكهن، سكوت ريتر مفتش سابق ويعرف بأمور الأسلحة النووية، أما أنا فلا، ولكنني حقاً لا أدري كيف يمكن أن يعرف بما.. بنوايا كوريا الشمالية، واقع الأمر أن كوريا الشمالية لم تقم بأي خطوة عدائية ضد الولايات المتحدة، بل على العكس هي الولايات المتحدة التي تتصرف بشكل عدائي ضد كوريا الشمالية، ثم تراجعت، والآن بعد أن أشارت أظهرت حكومة بوش بأنها مستعدة لحل ديمقراطي أو دبلوماسي مع كوريا الشمالية، فليس واضحاً لي ما هي الفائدة التي ستجنيها كوريا الشمالية من شن أي هجوم سواء على كوريا الجنوبية أو على الولايات المتحدة، ولكن هذا خارج مجال خبراتي، وبالتالي فإنه ينطوي على قدر كبير من التكهن، ولا أريد أن أقول المزيد عنه.

كيفية تلقِّي الشعب الأميركي لخطاب باول والتعامل معه

أحمد منصور: أنا لا أتكلم معك في الشق العسكري، ولكن أيضاً في ظل التكهُّن السياسي وقراءة الأحداث، ولكن أنتقل معك إلى نقطة أخرى طالما لا تريد أن تغوص في المسألة، وهي نقطة الشعب الأميركي نفسه، أنت الآن يعني بروفيسور أميركي، تدرِّس التاريخ، رأست لمدة كبيرة أكبر مؤسسة أميركية أكاديمية مهتمة بالشرق الأوسط، فيها أكثر من ثلاثة آلاف أكاديمي، الآن الناس تابعت ما ذكره وزيركم كولن باول عبر شاشات التلفزة، كيف يتلقى الشعب الأميركي هذه الأشياء؟ يعني الناس في العالم تعتقد إن الشعب الأميركي ده شعب مثقف جداً وواعي جداً، وكيف تتلقون، أو كيف يتلقى الشعب الأميركي هذه الأشياء؟

جول بينون: لقد شاهدت كلمة الوزير باول أمام الأمم المتحدة، ثم جئت مباشرة إلى الجامعة، ولم تُتح لي الفرصة للاستماع إلى أي تعليقات على ما قاله، لأن كل كلمات أعضاء مجلس الأمن الأخرى كانت مازالت مستمرة، ولكن تخميني هو أن العديد من المنافذ الإعلامية بالولايات المتحدة، الوسائل الإعلامية، سواء من الإذاعة والتليفزيون والصحف سوف تتفق على أن الوزير باول كلمته تعطي دليلاً جديداً وهاماً على أن صدام حسين قد انتهك قرارات مجلس الأمن بما في ذلك قرار 1441، الذي وضع نظام التفتيش الحالي، وبالتالي فإن توقعاته أن الغالبية من الشعب الأميركي سوف تتأثر كثيراً بكلمة باول، رغم ذلك فإنني أيضاً أتوقع كما ورد في بعض الكلمات التي استمعت إليها في مجلس الأمن حول العالم في.. وفي أوروبا وفي العالم العربي سيكون هناك أشخاص يعرفون عن دقائق برامج الأسلحة العراقية، وسيأخذون القضية من جانب أو آخر، وسيستمعون إلى بعض ما قاله الوزير الأميركي، وهناك بعض العبارات التي حتى أنا يمكنني أن أثير عنها أي أسئلة دون أن تكون لدي الخبرة، وفيما يتعلق بالأسلحة حتى حول كيف.. كيف يمكن أن نعرف بأنه الصور التي نشاهدها قد التُقطت بالفعل في الأيام التي يذكرون أنها التقطت فيها، وأن الشاحنات التي تم عرضها عن أسلحة البيولوجية بأنها لم تكن مجرد صور، ولكن مجرد رسم، كيف نعرف أن هذه الشاحنات كانت بالفعل بالشكل الذي يقوله الوزير باول، هناك العديد من الأسئلة التي سوف تثار في الأيام القليلة القادمة، والأمل في أنك عندما تثار هذه الأسئلة..

أحمد منصور[مقاطعاً]: معنى ذلك أنك تشكك.. معنى ذلك بروفيسور بينون أنك تشكك أو تقلل من أهمية ما ذكره الوزير باول، وأن الأدلة التي قُدِّمت لا ترقى إلى مستوى إن دولة مثل الولايات المتحدة تقدم مثل هذه الأدلة، ويعني من السهل إن إنسان بسيط يتساءل عن هذا الذي تتساءل عنه أيضاً؟

جول بينون: أي شخص عادي يكون لديه القدرة لرفع أو تقديم انتقادات عما قاله الوزير باول، لذلك فإن أغلب العامة الأميركيين سيقبلون ما قاله على أنه الحقيقة، وأنت أيضاً محق في أن تقول بأن هذا حدث تاريخي لأن الولايات المتحدة قد كشفت الكثير حول قدراتها الاستخبارية ووسائلها الاستخبارية، وهو أمر يتردد في.. فعله العديد من الدول الأخرى، وقد فعلت ذلك لأن الولايات المتحدة بالفعل معزولة دولياً، فالولايات المتحدة فقط وبريطانيا وإسرائيل هم الذين يشجعون هذه الحرب ضد العراق، واعتقادي بأن حكومة بوش قد قررت بالفعل أن تشن هذه الحرب على العراق، وأنه من المحتمل أن مثل هذه الحرب سوف تشن في غضون الشهر القادم أو إذا كان المعارضة الدولية قوية جداً، فإن حكومة بوش سوف تؤجل هذه الحرب حتى الخريف، ولكن اعتقادي بأن القرار الأساسي قد اتُخذ بالفعل، وبالتالي فإن وزير الخارجية كان يحاول مرة أخرى أن يفوز بالدعم الدولي لهذا القرار، ولكن على المدى الطويل فإن أهم ردة فعل لتصريحات وزير الخارجية اليوم ستكون في المجتمع الدولي الذي نعم، أعتقد أنه سيجد أوقاتاً عصيبة في إقناع الناس بأنهم عما يمكن أن يفعلوه في الولايات المتحدة.

أحمد منصور: يعني إذا كانت الحرب واقعة لا محالة -كما تقول أنت- أليس هناك أي سبيل أو طريق لإمكانية إيقاف هذه الحرب أو تأجيلها؟

جول بينون: هناك مساران يمثلان الأشياء الوحيد أو القليلة التي يمكن أن تفعل، وهي.. أولها أننا في الولايات المتحدة.. نحن في الولايات المتحدة يجب أن نقوم بتعبئة، ونستمر في تعبئة المعارضة ضد الحرب، وفي الواقع مرةً أخرى ستكون هناك في 15 فبراير و16 فبراير مظاهرات كبيرة جداً في مدينة نيويورك في 15 فبراير، وفي سان فرانسيسكو في فبراير 16 ضد شن حرب على العراق، والتوقعات هي أن مئات الألوف من الأميركيين سوف يخرجون إلى هذه.. في هذه المظاهرات، وهناك أيضاً أكثر من 50 مجلس مقاطعة ومدينة في أميركا اعتمدوا قرارات تعارض الحرب ضد العراق، وتشمل مجالس بعض أكبر مدن الولايات المتحدة، مثل (شيكاغو)، و(بالتيمور)، و(كليفلاند) وهي مراكز حضارية ومدنية كبيرة، ولذلك من الواضح بأن حكومة.. سياسة حكومة بوش لا تلقى دعماً كبيراً في الولايات المتحدة أو دعماً عاماً في الولايات المتحدة، وإذا قررت حكومة بوش أن تشن حرب ضد الموافقة .. دون الحصول على موافقة الأمم المتحدة فإن أغلب الشعب الأميركي وفقاً لاستطلاعات الرأي الحالية لا يؤيدون هذه الحرب، ولذلك فإن المسار الثاني هو أنه المجتمع الدولي يجب أن يستمر في طرح أسئلة حول تصريحات الوزير باول أمام مجلس الأمن اليوم، وأن تسأل أسئلة عميقة حول التبريرات الأخرى التي تقدمها حكومة بوش لشن حرب ضد العراق، وإذا..

أحمد منصور: إذا كان.. إذا كان كما تقول أنت الآن أن غالبية الشعب الأميركي يعارض هذه الحرب، ونشرت "وول ستريت جورنال" استطلاعاً في الثالث والعشرين من يناير الماضي قالت فيه أن 63% من الأميركيين يعارضون خيار الحرب، وتقول أن حكومة بوش لا تلقى تأييداً من الشعب الأميركي، فمن الذي تمثله هذه الحكومة إذاً؟

جول بينون: مسألة استطلاعات الرأي تعتمد حول كيفية طرح السؤال، الأميركيون أو غالبية الأميركيين مستعدون لدعم حرب ضد العراق إذا كانت هذه الحرب مخوَّلة من قبل مجلس الأمن، ولكن إذا لم تكن بتفويض من مجلس الأمن فإن غالبية الأميركيين سيعارضون حرب من طرف واحد ضد.. أو مع بريطانيا ضد العراق، لذلك فإن مسألة رأي المجتمع الدولي وخاصة رأي مجلس الأمن حاسمة جداً في تحديد ما ستكون عليه الرأي العام في أميركا أيضاً.

مستقبل الولايات المتحدة في ظل سياساتها الحالية

أحمد منصور: فيه دراسات لكثير من المحللين والباحثين والمؤرخين الأميركيين، (بول كيندي) على سبيل المثال له عدة دراسات بعد الحادي عشر من سبتمبر تحدث فيها عن مستقبل الولايات المتحدة الأميركية، (تشارلز كويشن) في كتابه الأخير الحقبة.. "نهاية الحقبة الأميركية"، كلهم يشعرون بأن القرن الحادي والعشرين على غرار ما كانوا يعتقدون من قبل لن يكون قرن الولايات المتحدة الأميركية، وأن هذه الإمبراطورية في طريقها، أو تخط بهذه التصرفات طريقها إلى النهاية، بصفتك أنت متخصص في تاريخ الشرق الأوسط، ومن المؤكد أنك يعني درست كثير من الإمبراطوريات، كيف قامت وكيف انتهت، كيف تنظر إلى مستقبل الولايات المتحدة الأميركية في ظل ما تقوم به الآن؟

جول بينون: هناك موقفان متعارضان تماماً حول مسألة ما إذا كانت الولايات المتحدة سوف تتمكن من إقامة إمبراطورية لها، وتحافظ عليها، وخاصة إمبراطورية تكون أساسها في الشرق الأوسط في القرن الواحد وعشرين، البعض يقولون بأن ذلك ممكن أن الولايات المتحدة قوة عظمى، ولديها قدرات عسكرية أكبر من القوة العسكرية المجتمعة لأكبر عشرين قوة عسكرية تالية لها في العالم، والاقتصاد الأميركي هو أكبر اقتصاد في العالم، ولم يكن لديها أي منافس طوال العقد السابق بعد انهيار الاقتصاد الياباني، والأوروبيون مازالوا غير قادرين على منافسة الأميركيين بسبب نقاط ضعف هيكلية في اقتصادهم، وإلى غير ذلك، هذا هو الجدل بالنسبة.. الجدل الإيجابي.

أما من ناحية أخرى فهناك متخصصون مثل (فالي فالستين) قال بأن تم تجاوز نقطة القمة في الولايات المتحدة، وما تفعله الآن هو أنها تستبدل الضعف الاقتصادي الهيكلي لديها بقدرة على إظهار القوة العسكرية، لذلك فهذا هو الحال، ولا أحد يجادل في أن الولايات المتحدة قوة عظمى بالتأكيد في قدرتها على استعراض القوة العسكرية في كل أنحاء العالم.

من ناحية أخرى فإن في الولايات المتحدة هناك عجز ضخم جداً في ميزان التبادل التجاري بسبب التغيرات الدولية، والاقتصاد الأميركي ضعيف داخلياً بسبب العجز الضخم في الميزانية، والعديد من الأجزاء في الولايات المتحدة تبدو مثل دول العالم الثالث من حيث عدم توافر الإسكان، وعدم توافر المدارس الحكومية اللائقة وتدهور البنية التحتية لعديد من المدن الأميركية، مثل (ديترويت) و(ميتشجان) التي كان.. التي نشأت فيها صناعة وتمركزت فيها صناعة السيارات في السابق، والآن تتدهور بشكل كبير بسبب تصدير العديد من مصانع السيارات في الخارج.

وهناك رأيان عما إذا كان الولايات المتحدة لديها القدرة الاقتصادية لدعم قيام إمبراطورية، والطريقة التقليدية التي سقطت بها إمبراطوريات في السابق هي أن الإمبراطوريات تتحمل تكاليف اقتصادية كبيرة جداً للتوسع في العسكري، والإمبراطوريات تتوسع، وتحتاج إلى مزيد من القوة العسكرية بشكل مستمر للدفاع عن حدودها، وبالتالي في نهاية الأمر فإنها يجب أن تكون اقتصادياً قادرة على أن تفعل ذلك، وبالتالي فإنها ينتهي بها المطاف إلى الانهيار، وهذا ما حدث إلى الإمبراطوريات البريطانية والفرنسية بعد الحرب العالمية، وهذا ما حدث للإمبراطورية العثمانية والإمبراطورية الرومانية، لذلك بشكل عام لا يوجد أي سبب يدعونا للاعتقاد بأن هذا سيحدث للولايات المتحدة، ولكنه سيحدث هل.. هل سيحدث عاجلاً أم آجلاً؟

معالم المشروع الأميركي لدمقرطة العالم العربي

أحمد منصور: الولايات المتحدة التي تدعم معظم الأنظمة الاستبدادية في المنطقة العربية أطلقت مبادرة لدمقرطة العالم العربي، وعينت الآنسة (إليزابيث تشيني) ابنة نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني، نائبة وكيل مساعد الخارجية الأميركية كمسؤولة عن الإصلاحات السياسية في الأنظمة السلطوية العربية حسب وصف "الفاينانشيال تايمز" بميزانية مقدارها 30 مليون دولار، ما هي معالم المشروع الأميركي لدمقرطة المنطقة العربية وإخراج الشعوب العربية طبعاً من الظلام الذي تعيش فيه حسب الوصف الأميركي إلى نور الولايات المتحدة الأميركية؟

جول بينون: في رأيي فإن هذا جهداً جاداً، فهناك أناس يعتقدون داخل.. من داخل حكومة بوش بأنه من صلاحية الولايات المتحدة أن تنشر الديمقراطية في العالم العربي، ولذلك أطلقوا هذه المبادرة، ولكن إذا فكرت في الأمر حتى للحظات قليلة فإن هذا أمر سخيف للغاية، فالمال الذي تحتاجه أي.. مثلاً لدمقرطة المملكة العربية السعودية فإنه يعني إطاحة بالنظام واستبداله بماذا؟ ما هي القوة الفعلية التي يمكن أن تتحالف معها الولايات المتحدة داخل السعودية؟ أو مثلاً في مصر هناك أيضاً قوة ديمقراطية، وإن كانت تتعرض لبعض القمع من كل من نظامي السادات ومبارك وحتى بنظام ناصر من قبلهما، ما الذي يعنيه أن تدفع نظام مبارك إلى دمقرطة مصر؟ فإن النتيجة المحتملة هي أن قوات أو قوة مثل الإخوان المسلمين وغيرها من الحركات الإسلامية، حتى إذا لم تحقق غالبية في البرلمان المصري فإنها ستشكل .. ستكون أقلية كبيرة جداً ومؤثرة، ومن الناحية الثقافية فإن القوى الإسلامية انتشرت في الثقافة العامة في مصر، والنظام منذ أكثر من عقد كامل يحاول التصالح معهم بشكل.. بطرق مختلفة، لذلك فإن تطبيق الديمقراطية أو دمقرطة نظام مثل مصر، يعني أن تزيد من معدل الجمهور للقوى التي تخشى الولايات المتحدة من تنميتها وتعارضها في الشرق الأوسط، لذلك فإننا إذا تصورنا أن البديل سيكون مجرد الإطاحة بهذه القوى، والدعوة إلى قوات.. قوى ديمقراطية على الطريقة الأميركية تشكل.. أنظمة تشكل أنظمة في السعودية ومصر، مثل النظام الذي لدينا في الولايات المتحدة، فهذا حلم جميل جداً، ولكن آسف فإن ليس له أي أساس في الواقع السياسي لهذه الدول.

أحمد منصور: يعني أنتم الآن ككبار الأكاديميين الأميركيين المتخصصين في الشرق الأوسط، تطرحون هذه الرؤى التي ربما تكون رؤى واقعية بالنسبة للعالم العربي وللسياسة الأميركية تجاه المنطقة، لماذا تُهمَّشون وتطاردون ويعني أنت تتعرض شخصياً لحملات في.. في الولايات المتحدة وغيرك من عشرات الأساتذة معك في الميسا، هل تشعرون فعلاً أن الإدارة الحالية تضطهدكم، لا تسمع لكم، تريد أن تسمع آراء شخصيات متطرفة تدعم رؤاها فقط في المنطقة؟

جول بينون: أولاً: دعني أوضح بأن ما أقوله هنا لا يمثل بالضرورة رأي الأغلبية، وبالتأكيد ليس رأي الإجماع للمتخصصين في الشرق الأوسط في الولايات المتحدة، ولكنه لا يبعد كثيراً عن الرأي السائد، ولكن هناك بالتأكيد من يخالف الرأي، فمن الإنصاف أن نقول بأنه فيما يتعلق بأمور مثل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، وجدوى الحرب ضد العراق، وفي قضايا مثل حرب الخليج عام 1991 فإن أغلب المتخصصين في دراسات الشرق الأوسط في الولايات المتحدة لم يتفقوا مع سياسة الحكومة الأميركية، ولهذا السبب تحديداً كنا في أغلب الأوقات.. هناك استثناءات ولكن لأغلب الأحيان تم تهميشنا واستبعادنا من عملية صناعة القرار، وهذا يعود إلى إدارة (ريجان)، فإدارة (رونالد ريجان) كانت تعتقد بأن العالم يجب أن ينظر إليه بالاعتبار الأول من خلال عدسات الحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتي، وبالتالي ففيما يتعلق بالشرق الأوسط فإن الحلفاء العرب للولايات المتحدة وإسرائيل كان ينظر إليهم كحلفاء في إطار حرب باردة، أما أشخاص مثلي وغيري من المتخصصين الذين كانوا يقولون أن هناك أيضاً ديناميكيات أخرى سياسية محلية وإقليمية يتم إهمالها بالنظر إلى المنطقة من خلال عدسات أو من خلال منظور الحرب الباردة، وهناك هؤلاء الذين كانوا يجادلون هذه المواقف لم يكن يعطوا أي انتباه وحتى داخل وزارة الخارجية، كل من كانوا من هذا الرأي لم.. كانوا يتم تجاهلهم، وفي حكومة كلينتون رغم أنها كانت أكثر رغبة في أن ترى الشرق الأوسط بمنظور يتجاوز الحرب الباردة، خاصة بعد أن كانت الحرب الباردة قد انتهت بالفعل في ذلك الوقت، فإن حكومة كلينتون كان يعوقها أنها كانت هناك سيطرة كبيرة على وضع السياسة فيها بأشخاص كانوا يأتون من واشنطن من معهد واشنطن لسياسة الشرق الأوسط، وهو معهد موالي لإسرائيل، وتم تأسيسه في عام 1985 بقيادة (مارتن إندك)، وبعد ذلك أصبح مارتن إندك مستشار الأمن القومي لشؤون الشرق الأوسط بالنسبة لكلينتون، ثم أصبح سفيره في إسرائيل، ثم أصبح وكيل وزارة الخارجية للشرق الأوسط في وزارة الخارجية، أي بعبارة أخرى أن منظور هذا المعهد الذي كان يؤيد إسرائيل، والذي يمثله مارتن إندك وغيره من إدارة كلينتون كانوا يسيطرون على سياسة وضع سياسة الشرق الأوسط في أميركا..

أحمد منصور: ربما.. ربما.. ربما هذه الصورة تبين لنا كيف يتم اختيار الشخصيات التي تصنع القرار السياسي، لا سيما فيما يتعلق بالشرق الأوسط، سؤالي الأخير لك رغم أن (وليام بيرنز) مساعد وزير الخارجية الأميركي قال في حوار نشرته صحيفة "الأهرام" المصرية أمس الثلاثاء إن واشنطن لم تضع قائمة مستهدفين لإزاحة قادة عرب بعد العراق، لكنها تنوي إحداث تغييرات في المنطقة.

سؤالي الأخير لك باختصار في النهاية: ما هي الصورة التي يمكن أن يصبح عليها الشرق الأوسط حال ضرب العراق مهما كانت هذه الصورة سوداوية، ما هي هذه الصورة خلال العقد القادم باختصار شديد؟

جول بينون: ما تتصوره حكومة بوش هو أن الولايات المتحدة سوف تقيم حكومة عميلة موالية في العراق، وإن هذا النظام سوف يتوصل إلى قرارات مواتية مع مؤسسات وشركات أميركية لاستخراج وتسويق نفط العراق، والنظام الذي ستقيمه الولايات المتحدة في العراق سوف يوفر نموذجاً والعديد من الأنظمة المجاورة ستحاول نفسها إلى نظام العراق الديمقراطي الجديد، هذا التركيب.. هذه التركيبة الجديدة للقوى في الشرق الأوسط سوف تشكل ضغوطاً سوف ترغم الشعب الفلسطيني على القبول بسلام مع إسرائيل بشروط تمليها إسرائيل...

أحمد منصور [مقاطعاً]: أشكرك بروفيسور جول بينون من جامعة...

جول بينون [مستأنفاً]: هذا الهيكل الجديد سوف يهمش القوى الإسلامية السياسية.

أحمد منصور: بروفيسور جول بينون من جامعة ستانفورد في الولايات المتحدة الأميركية، أشكرك شكراً جزيلاً، كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن متابعتكم، ونعتذر عن تمكننا من عدم بث الحلقة على الهواء، ولكنها سوف تعاد في موعدها مع Subtitle باللغة الإنجليزية في الإعادة الثانية.

في الختام أنقل لكم تحيات فريق البرنامج، وهذا أحمد منصور يحييكم بلا حدود، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.