مقدم الحلقة:

أحمد منصـور

ضيف الحلقة:

بول كيندي: أبرز المؤرخين الأميركيين

تاريخ الحلقة:

26/11/2003

- حجم القوة الأميركية قبل وبعد الحادي عشر من سبتمبر
- تأثير النفقات العسكرية على أميركا في ظل تورطها في أفغانستان والعراق

- واقع الوجود الأميركي في أفغانستان بعد عامين من احتلالها

- الخسائر الأميركية في العراق

- تأثير المقاومة العراقية على مستقبل الرئيس بوش في الانتخابات القادمة

- عوامل سقوط القوى العظمى ومدى انطباقها على الواقع الأميركي

- القوى المنافسة لأميركا وموقع العرب منها

- خريطة القوى والإمبراطوريات خلال القرن الحادي والعشرين

أحمد منصور: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، كل عام وأنتم بخير.

أحييكم على الهواء مباشرة وأرحب بكم في حلقة جديدة من برنامج (بلا حدود).

تغيَّر وجه العالم في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر من العام 2001، فقد أُصيبت القوة العظمى الرئيسة التي تسيطر على القرار الدولي في قلبها فتحركت كلُّ كوامن الهيمنة لديها، وسعت للانتقام، واختارت العدو وحددته ولم تتوقف حروبها حتى الآن، فاحتلت قواتها أفغانستان والعراق وطرحت مشروعاً كبيراً للهيمنة على العالم ومقدَّراته وتغيير ثقافته وأفكاره بما يتلاءم مع أفكار الإمبراطورية الأميركية التي أعلن رئيسها (جورج بوش) مبدأه الذي يقوم على: "من ليس معنا فهو ضدنا".

وقبل يومين أعلن عن رصد مبلغ أربعمائة مليار دولار كميزانية عسكرية لعامٍ واحد بما يعتبر أكبر مبلغٍ يُرصد للجانب العسكري في تاريخ الإمبراطوريات.

فما هو مستقبل هذه الإمبراطورية العظمى في ظل عوامل نشوء وسقوط القوى العظمى؟

تساؤلات عديدة حول هذا الموضوع نطرحها في حلقة اليوم على أحد أبرز المؤرِّخين الأميركيين البروفيسور بول كيندي (مدير دراسات الأمن العالمي في جامعة ييل في ولاية كونتيكت الأميركية).

وُلد بول كيندي في ويلز شمال بريطانيا عام 45، حصل على البكالوريوس من جامعة (نيوكاسل) عام 66، وعلى الدكتوراه في التاريخ من جامعة (أوكسفورد) عام 70، عمل في الفترة بين عامي 93 و96 مديراً مساعداً لبرنامج تقرير الأمم المتحدة للنصف قرن الأخير، عمل أستاذاً في جامعة (إيست إنجليا) بين عامي 70 و83، ويعمل الآن أستاذاً للتاريخ في جامعة (ييل)، ألَّف وحرَّر ثلاثة عشر كتاباً، منها "نشوء وسقوط القوى العظمى"، "الإعداد للقرن الحادي والعشرين"، "الاستراتيجية والدبلوماسية"، "الحقائق خلف الدبلوماسية"، "صعود وهبوط سيادة البحرية البريطانية بين عامي 1865 و1980"، وقد تُرجمت كتبه إلى كثير من لغات العالم ومنها اللغة العربية، يكتب في العديد من الصحف والمجلات العالمية، منها "نيويورك تايمز"، "التايمز"، "صنداي تايمز"، "لوس أنجلوس تايمز" "الأوبزرفير"، "الأوكونومست"، "الواشنطن بوست" والعشرات من الصحف الأخرى، يعمل مستشاراً لعدد من دور النشر الأميركية والبريطانية، زميل للجمعية التاريخية الملكية، زميل لجمعية الفلاسفة الأميركيين، زميل لجمعية المؤرخين الأميركيين، زميل زائر لمعهد الدراسات المتقدمة ورئيسٌ لأفضل تصنيف لتاريخ الإمبراطورية البريطانية، حقَّق وراجع العديد من الكتب والدراسات منها مجموعتان كبيرتان في الدراسات الاستراتيجية المعاصرة.

الأولى هي: "الدول النامية في إطار السياسات الأميركية في العالم النامي"، وطُبعت عام 99.

والثانية بعنوان: "من الحرب إلى السلام" ونُشرت في العام 2000، نحاوره على الهواء مباشرة من استوديوهات جامعة (ييل) في ولاية كونتيكت الأميركية.

ولمشاهدينا الراغبين في المشاركة يمكنهم الاتصال بنا -بعد ساعة من الآن- على أرقام هواتف البرنامج التي ستظهر تباعاً أو يكتبوا إلينا عبر الفاكس أو عبر موقعنا على شبكة الإنترنت:

www.aljazeera.net

بروفيسور كيندي مرحباً بك.

بول كيندي: شكراً، إنه لشرف لي أن أكون معكم هذه الليلة.

حجم القوة الأميركية قبل وبعد الحادي عشر من سبتمبر

أحمد منصور: شكراً جزيلاً لك، وسؤالي الأول: هو أنه في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر كتبت مقالاً في صحيفة "لوس أنجلوس تايمز" تحدثت فيه عن الحجم الهائل للقوة الأميركية في المجال الاقتصادي والعسكري والسياسي، لكنك قلت بأن أميركا قبل الحادي عشر من سبتمبر غير أميركا بعد الحادي عشر من سبتمبر، أين تضع الحادي عشر من سبتمبر في تاريخ الإمبراطورية الأميركية؟

بول كيندي: حسناً، أعتقد أنه قبل وبعد الحادي عشر من سبتمبر الولايات المتحدة كانت وبلا شك القوة رقم واحد عسكرياً في العالم، وأيضاً أكثر البلدان إنتاجاً اقتصادياً والتي يعادل إنتاجها مجموع دول الاتحاد الأوروبي، إذن ما تغيَّر هو ليس مقياس القوة الأميركية بحد ذاته، ولكنه كان الغضب الأميركي والإصرار الأميركي والاعتراف والإدراك بأن ما حدث يعني أن أميركا تعاني مخاطر جسيمة في العالم لم يكن.. لم تكن مُدرَكة قبل الحادي عشر من سبتمبر، وأيضاً ما هو مهم أيضاً منذ ذلك الحين أن الحكومة الأميركية التزمت بالتوسع بالتزاماتها خارج الحدود وبالعمليات العسكرية والتي لم تكن أمراً قابلاً للتصور قبل الحادي عشر من سبتمبر، ما نراه الآن في الشرق الأوسط وفي آسيا الوسطى وفي مناطق أخرى ما كان يعتبر من الأمور التي يمكن تصوُّرها قبل الحادي عشر من سبتمبر، وهذا يدخل ضمنه أموراً قد عالجناها من قبل، وهي مسألة بناء الأمم.

أحمد منصور: اعتمد الرئيس الأميركي أول أمس الاثنين ميزانية للدفاع ضخمة، تقدر بأربعمائة مليار دولار علاوة على ثمانية وسبعين ملياراً اعتُمدت قبل أسابيع للعراق وقبلها 64 ملياراً تكاليف لحرب العراق وأفغانستان، أي أننا أمام أضخم ميزانية تزيد عن الخمسمائة مليار دولار لعامٍ واحد، ما الذي يعنيه ذلك بالنسبة للإمبراطورية الأميركية؟

بول كيندي: دعونا نعالج هذه الأمور بنوع من البطء لأنها على درجة كبيرة من الأهمية، الحجم للميزانية بالدولار المخصصة لوزارة الدفاع الأميركية (البنتاجون) هي عالية بشكلٍ كبير جداً، وبإمكاننا أن نراها بوضوح، ولكنها لا تشكل النسبة الأكبر من حيث المنتوج الأميركي الناتج القومي الأميركي الذي يُخصص للحرب، ولكن .. حتى في أيام حرب فيتنام وأيام الحرب العالمية أيام الجنرال (أيزنهاور) كانت هناك حصص أكبر قد أُوليت لمجالات الدفاع، وهذا يعني إنه أمر لا يمكن لأحد أن يتنافس معه، فالميزانية العسكرية الأميركية هي تعادل ما يليها من خمسة عشر دولة تليها في حجم اقتصادياتها، وهذا يعني إنه أمر لم يحدث سابقاً في تاريخ الدول، ونحن نرى الآن قوة أميركية هائلة عسكرياً واقتصادياً، ودعوني أضيف شيئاً آخر هو أن الأمر لا يُقاس بالدولار فقط، فسيكون هناك طائرات أميركية جديدة وحاملات طائرات جديدة وأقمار اصطناعية جديدة تجوب الفضاء، ولكن ما تجد الولايات المتحدة صعوبة فيه وربما تعتبره الأصعب هو العثور على عدد كافي من البشر على الأرض في أفغانستان أو في العراق أو في الكويت أو في ألمانيا أو في الفلبين أو في كوريا الجنوبية، أميركا تواجه صعوبة في إيجاد عدد كافٍ من الأفراد، الأموال سهل توفيرها بالنسبة للأميركيين، الرجال هم المشكلة.

أحمد منصور: يعني أنت ذكرت في مقال نُشِرَ لك في 3 سبتمبر الماضي في "الفاينانشيال تايمز" جانباً من هذا، وقلت أن ميزانية الدفاع الأميركية فعلاً توازي ميزانية خمسة عشر دولة من الدول التي تليها اقتصادياً من مجموع 189 دولة، وأن الولايات المتحدة تنفق ما يوازي 70 إلى 80% مما ينفقه العالم في مجال البحث والتطوير العسكري، هل هذه النفقات كفيلة بتأمين الولايات المتحدة حتى داخلياً وليس خارجياً؟

بول كيندي: تعلمون أن الولايات المتحدة الأميركية لديها أقل من 5% من مجموع سكان العالم، ولديها 30% من الناحية الاقتصادية من مجموع إنتاج العالم، وهي تنفق نحو 45% من مجموع الإنفاق العسكري في العالم، وربما يميل المرء إلى الاعتقاد من أن أمراً أو حالة كهذه قد تعطي الأميركان أمناً وسلامةً كاملين لأنه لا بلد آخر ينفق حتى ولا عُشر ما تنفقه الولايات المتحدة، ولكن الولايات المتحدة قد نشرت قواتها في كثير من البلدان في العالم، فلديها أكثر من 368 ألف من القوات البرية فقط، بعضهم في مهمات صغيرة، بعضهم في العراق، هناك 130 ألفاً من الجنود، إذن هذان الأمران يوحيان إليَّ بأن القوة الأميركية والموارد الأميركية العظيمة موجودة، ولكنها توحي لي أيضاً بأن أمة واحدة مهما بلغت قوتها كما هي الحال مع الولايات المتحدة ربما لن تستطيع القيام بكل ما تنويه من مهام وعمليات في مختلف أنحاء العالم عاماً بعد عام وعقداً بعد عقد، فهناك من الآن مؤشرات لوجود صعوبات في تجنيد أفراد جدد للقوات المسلحة، وأيضاً نقل قوات من مهام إلى.. وإعطاءها الإجازات وإعادتهم إلى الخدمة الفعلية، إذن هذه معضلة بالنسبة للأميركان، أعتقد أن الكثيرين في العالم العربي وفي العالم الإسلامي يرون أميركا كقوة هائلة وهي كذلك، ولكن أيضاً هي بلدٌ لديه التزامات أكثر مما ينبغي، وسوف تجد صعوبة في الإيفاء بها والإبقاء عليها في المستقبل ما لم تجد طرائق وسبل في الأصدقاء وحلفاء لمساعدتها..

أحمد منصور: في كتابك المتميز الذي تُرجم إلى كثير من لغات العالم ومنها اللغة العربية "نشوء وسقوط القوى العظمى" الذي تناولت فيه نشوء وسقوط الإمبراطوريات خلال الخمسمائة عام الماضية، أشرت في مجمله إلى أن الحروب ونفقاتها الباهظة لعبت دوراً أساسياً في سقوط كثير من القوى العظمى خلال الخمسمائة سنة الماضية، ما الذي يمكن أن نفهمه من ذلك في سياق النفقات الهائلة التي تنفقها الولايات المتحدة والتورط العسكري الأميركي الآن في أفغانستان والعراق؟

[فاصل إعلاني]

تأثير النفقات العسكرية على أميركا في ظل تورطها في أفغانستان والعراق

أحمد منصور: بروفيسور كيندي، آمل أن يكون سؤالي قد وصلك حول النفقات العظمى التي تنفقها.. التي أنفقتها الإمبراطوريات، والتي كانت سبباً رئيسياً في سقوطها، وحجم ما تنفقه أميركا الآن في ظل تورطها في العراق وأفغانستان؟ تفضل.

بول كيندي: إنه سؤال مهم جداً، وفي كتابي "نشوء وسقوط القوى العظمى" تحدثت عن تاريخ خمسمائة عام من القوى العظمى التي ارتقت وسقطت، مثل إسبانيا، وفرنسا، بريطانيا العظمى، كلها صعدت وارتقت، وبلغت ذروتها، وبعدها آلت إلى السقوط بعد فترة من الزمن، وقد سقطت لسببين:

أولهما: إنها عانت من تدهور اقتصادي، بلدان أخرى أصبحت أكثر إنتاجاً وأكثر غنىً، وإذن هذه البلدان كان بإمكانها أن تنشئ جيوشاً وقوات بحرية وأساطيل وقوى.. قوات جوية أكبر، إذن عندما ننظر إلى حالة الولايات المتحدة اليوم، وهي تنفق أكثر من أي دولة أخرى على الجانب العسكري، حقيقة إن ذلك يذكرنا بحال إسبانيا في أيام الملك (فيليب الثاني)، وفرنسا أيام الملك (لويس الرابع عشر)، إذ تبدو وكأنها تنفق أكثر مما ينبغي، ودرس التاريخ يعلمنا إن المنفقين الكبار يوماً ما سوف ينفقون أكثر مما يستطيعون تحمُّل أعباءه.

عليَّ أن أقول لمشاهديكم إن مجرد الحجم الهائل للاقتصاد الأميركي الآن يعني أن على الرغم من أننا.. بأنك قلت أن أميركا تنفق أربعمائة مليار أو خمسمائة مليار أو ما شاكل ذلك، هذا لا يمثل سوى 4% من مجموع إجمالي الناتج القومي الأميركي، وبعبارة أخرى بإمكان أميركا أن تتحمل هذا المستوى من الإنفاق، علينا ألا ننظر إلى الانهيار الاقتصادي أو الكارثة الاقتصادية في المستقبل القريب، لو استمرت أميركا في الإنفاق ولو أن اقتصادها ضعف، فعند ذاك سنرى شيئاً ما، ولكن علينا أن نُبقي أعيننا مفتوحة، ونراقب ليس فقط الإنفاق العسكري، بل أيضاً الإنفاق الاقتصادي أيضاً.

أحمد منصور: إلى متى.. إلى متى بروفيسور كيندي؟ كيف يمكن رغم هذا الإنفاق كما تقول يمثل 4% فقط من الناتج القومي الأميركي رغم أنه يعتبر من مبلغ ضخم ومخيف ربما يعادل يعني ميزانيات العشرات من الدول الصغرى؟

إلى متى يمكن للولايات المتحدة أن تتحمل مثل هذه النفقات العسكرية الباهظة دون أن تؤثر على وضعها الاقتصادي؟

بول كيندي: أعتقد أن بإمكانها أن تفعله لسنوات عديدة ربما لعقد أو عقدين حتى، ولكن هنا تبدو لي ملاحظة مهمة أود طرحها أمام مشاهديكم، في الشهر الماضي فقط شركة (جولدمان ساكس) المالية الاستشارية أنتجت توقعات طويلة المدى لنسب النمو لبلدان مثل الصين والبرازيل والهند، وفي هذه الدراسات توقعت هذه المؤسسة أنه في خمسين عاماً من الآن في سنة 2050 الصين ستمتلك الاقتصاد الأكبر في العالم، الولايات المتحدة ستكون في المرتبة الثانية ولكن الهند ستكون قريبة جداً من الولايات المتحدة في المرتبة الثالثة، ولو أن هذا حدث فعلاً لو أن بلدين آسيويين مثل الصين والهند استطاعتا اللحاق بالولايات المتحدة بل تجاوُزها اقتصادياً عند ذاك سنرى بعض التغيُّرات المهمة في التوازن العسكري أيضاً، ولكننا لا ننتظر تَغيُّرات في العشر سنوات القادمة، وربما حتى العشرين سنة القادمة، لأن هذا يعتمد على التنافس في الاقتصاد...

أحمد منصور[مقاطعاً]: وهل سيستطيع العالم أن يتحمل الولايات المتحدة بسياستها القائمة عشرين عاماً أخرى؟

بول كيندي: هذا سؤال مهم جداً حقيقة، هنا مشكلة، والمشكلة تكمن في أنني وصفت هذه في مقالي "للفاينانشيال تايمز" التي أشرت إليها، لأن هذه حقيقة هي مشكلة بلد هو كبير جداً وقوي جداً إلى درجة تجعل البلدان الأخرى تخاف منها، البلدان الأخرى تشعر بنوع من التوتُّر، وأحياناً تميل إلى الغضب والاستياء في مقالتي في "الفاينانشيال" تايمز" استخدمت قياس ربما آمل ألا يكون فيه إساءة لأي أحد، ولكنه قياس على أساس أعداد كبيرة من قرود الشمبانزي في حديقة حيوانات في قفص في حديقة حيوانات، وإحدى هذا الشمبانزيات تصبح كبيرة جداً بحجم غوريلا، والبقية الآخرون يبدءون بالشعور بالخوف والقلق، القيادة الأميركية تواجه تحدي إقناع جيرانها وأصدقائها والبلدان الأخرى، وخاصة ربما في العالم العربي تحديداً إنها لا تكن لهذا العالم مشاعر العداء، بل ربما تستطيع أن تكون قوة عظيمة من دون أن تشكِّل تهديداً، وهذا هو المهم..

أحمد منصور[مقاطعاً]: كيف.. كيف يمكن لنا.. بروفيسور كيندي، اسمح لي، كيف يمكن لنا.. كيف يمكن لنا أن نفهم ذلك في ظل أن الولايات المتحدة تحتل قُطرين في المنطقة، تحتل العراق وهي تقع في قلب العالم العربي، وتحتل أفغانستان وهي تقع في قلب العالم الإسلامي؟

بول كيندي: أود هنا أن -لو سمحتم لي- أن أطرح فرقاً وتمييزاً بين احتلال أميركا لأفغانستان والتي وافق عليها مجلس الأمن الدولي..

أحمد منصور[مقاطعاً]: هل تسمح لي.. هل تسمح لي أن.. أن، هل تسمح لي أن نفهم منك هذه الفوارق بعد فاصل قصير.

[موجز الأخبار]

أحمد منصور: بروفيسور كيندي، كان سؤالنا لك حول ما ذكرناه عن أن أميركا تحتل دولتين، الأولى في العالم العربي، وهي العراق، والثانية أفغانستان، وقلت أن لديك رؤية لتفسير ما بين هذين الأمرين، تفضل بها..

بول كيندي: نعم، ما كنت أحاول قوله لمشاهديكم هو أن أنا شخصياً أُميِّز ما بين ما حدث في أفغانستان، وأيضاً ما هو حادث في العراق الآن، وما أود قوله أن.. في أن العملية العسكرية في أفغانستان كانت -سواء رغبنا في ذلك أم لا- قد نالت موافقة مجلس الأمن الدولي، وكانت عملية بتفويض من الأمم المتحدة، وأيضاً في الأشهر القليلة الماضية تم نقلها من مجلس الأمن لتكون عملية عسكرية تابعة لحلف الناتو، ربما لا يروق لنا ذلك وللكثير من مشاهديكم، ولكنها كانت بتفويض ومشروعية من مجلس الأمن الدولي، ونحن نعلم من كل الخلافات والشجار الذي.. والتباينات التي حدثت بين أميركا وفرنسا وألمانيا في سبتمبر إلى مارس الماضي، وأن العملية الأميركية البريطانية في العراق لم تحظَ بهذا التفويض من مجلس الأمن، كانت هناك قرارات من مجلس الأمن ضد السيد صدام حسين ونظامه، ولكننا نعلم أن ما حدث في العراق لا يعطي نفس الإشارة الواضحة بوجود مشروعية، ليس في العالم العربي فقط، بل في أوروبا واليابان أيضاً مقارنة بالحالة في أفغانستان، هذا هو التمييز الذي أود أن أميِّزه بين العمليتين..

واقع الوجود الأميركي في أفغانستان بعد عامين من احتلالها

أحمد منصور: بروفيسور كيندي، ربما يكون هذا تمييز سياسي للأحداث، لكن أنا معك أحاول قراءة الأحداث بشكلٍ مجرد، أنت كمؤرخ ننظر للمعطيات وللأحداث وليس للصراع السياسي والتفويض وعدم التفويض، الآن نُشر لك مقال في هذا الإطار في أول ديسمبر 2001 في "لوس أنجلوس تايمز" تحت عنوان: "أفغانستان ما بعد طالبان وأغلال الإمبراطورية"، أعتقد أنك تذكره جيداً، كيف تنظر إلى أغلال الإمبراطورية الأميركية الآن بعد عامين من التواجد في أفغانستان؟

بول كيندي: أعتقد أن ما تواجهه الولايات المتحدة هي صعوبات لا يستهان بها في أفغانستان ولابد أنكم تعلمون أنه في الصحافة ووسائل الإعلام الأميركية معظم اهتمامنا ينصب على العراق، وأن هناك اهتمام أقل بأفغانستان، إذن تدهور الوضع الأمني، وكذلك عدم وجود أو قلة وجود تحسُّن الأوضاع في.. لدى الشعب الأفغاني لا يحظى بنفس التغطية، ولكن أنت محق في قولك أنه فرق، هناك فرق بين التعريف المجرد وما هو حادثٌ على الأرض، فما هو حادث على الأرض فعلاً للكثير من الأطفال والنساء هو حالة من البؤس والعوز، وعدم اليقين، وسوء التغذية، وما هو حادث أيضاً، وهنا نوع من الصواب والإنصاف أن نقول ذلك، إن الهجمات الغير مبررة وغير العادلة على وكالات الإغاثة الدولية، على الصليب الأحمر والهلال الأحمر، هناك فوضى في.. في كلا الحالتين..

أحمد منصور: أليست أميركا هي المسؤولة عن الفوضى باعتبارها دولة محتلة؟ أليست هي المسؤولة عن الفوضى باعتبارها دولة محتلة؟

عندي الكاتب الأميركي (نيكولاس كريستوفر) نشر قبل أيام تقريراً من أفغانستان قال فيه: إن الأمن في أفغانستان شبه منعدم، وإن إنتاج الأفيون تضاعف عما كان في عهد طالبان إلى تسعة عشر ضعفاً، وأصبحت أفغانستان في ظل الاحتلال الأميركي أكبر دولة مصدِّرة للأفيون في العالم، ما هو تقييمك لما حققته الإمبراطورية الأميركية من خلال شهادة كاتب أميركي؟

بول كيندي: تعلمون أنه هناك في الفلسفة المنطقية شيء يُدعى، وآمل أن تتم ترجمة ذلك بشكل صحيح لمشاهديكم، هناك نتائج أو عواقب لم يكن من المنوي حدوثها، ونعم، كلانا يدرك أن الولايات المتحدة وحلفاءها ذهبت إلى أفغانستان بتفويض من الأمم المتحدة، وحاولت تدمير طالبان، ومن خلال ذلك وبعملها ذلك إحدى النتائج غير المقصودة كانت توفير الفرصة لعودة زراعة الأفيون التي قمعتها طالبان، أنت مُحِق في الإفصاح عن نقاط الضعف هذه الكثيرة، فهناك حالة غياب.. انعدام الأمن، وأيضاً هناك ازدهار في تجارة المخدرات، وأيضاً تجارة الأسلحة الصغيرة، دعونا نكون صريحين أفغانستان في حالة من الفوضى، ولكنني أقول أيضاً: إن هناك القليل جداً من الناس داخل الولايات المتحدة يركز كثيراً على أفغانستان، لأن تركيزهم هو على جنودهم في العراق كما يمكن أن تتصوروا ذلك.

الخسائر الأميركية في العراق

أحمد منصور: لو عدت بك إلى.. إلى جنودكم أنتم في العراق، رغم إن الوضع في أفغانستان أيضاً يعني من الأشياء التي لا تقل سوءاً، وربما التركيز على العراق لفت الأنظار عن الوضع المأساوي الذي يعيشه الأميركان في أفغانستان، حتى أنهم اضطروا قبل.. حتى أنهم اضطروا إلى أن يطلبوا شكلاً من أشكال التفاوض مع الطالبان عبر وكيل أحمد متوكل الذي كان وزيراً للخارجية سابقاً في أفغانستان، سأعود بك إلى العراق الآن، هذه الدولة التي تنفق الإمبراطورية الأميركية العظمى التي تنفق خمسمائة مليار دولار في العالم، استغنت عن سلاح البغال في الجيش الأميركي في منتصف الستينيات، والآن تواجه بحمير في العراق تحمل أسلحة مفخخة، وتحمل قاذفات صواريخ مصنوعة يدوياً، هل يمكن أن تنهار أو تُقاوَم هذه الإمبراطورية التي تملك تلك القوة العسكرية الهائلة بأسلحة بسيطة ومصنوعة يدوياً كما أشارت "رويترز" قبل أيام، أشاد مسؤولون أميركيون بما تستخدمه المقاومة من أشياء بسيطة تؤدي إلى خسائر كبيرة في صفوف الأميركان؟

بول كيندي: على مشاهديكم أن يعلموا أن هناك جدل كبير ومثير للاهتمام حول هذه النقطة تحديداً في صفوف خبراء الدفاع في الولايات المتحدة الأميركية، فالكثير من جنرالات الجيش الأميركي على اعتقاد بأن الولايات المتحدة ركزت أكثر مما ينبغي على الأسلحة ذات التقنيات العالية المتطورة، وعلى الوسائل المجردة للحروب الحديثة، ولم تركز بشكل كافٍ على قوى حفظ الأمن والشرطة وعمليات حفظ السلام، وعملية.. عقيدة حفظ السلام ككل، أنا أقبل بنقطتك التي ذكرت تماماً، القوات البرية الأميركية تواجه صعوبات عظيمة، ليس فقط بسبب دبابات عراقية أو فرق مدرعة عراقية، ولكن من قِبَل مقاومة محلية، التي استطاعت أن تحول العربات التي تجرها الحمير والعربات الأخرى والوسائل البدائية، وهذا.. هذه بحد ذاتها كانت مفاجأة للبنتاجون وأنا واثق من ذلك، وهم يحاولون الآن العثور على وسيلة مُثلى للحصول على أمنهم، ولكن ما يعنيه ذلك إنه ليس جنوداً أميركان أقل، ربما سيعني ذلك زيادة عدد القوات الأميركية في العراق حسب رأيي، وهذا طبعاً سيثير ردود فعل لدى مشاهديكم ربما نوع من الغضب والانزعاج، ولكن نقطتك الأساسية صحيحة، الولايات المتحدة وهي تنفق الأموال الهائلة على حاملات الطائرات والأقمار الاصطناعية، وقاذفات الـ(B1) ، في نفس الوقت أعداؤها سوف يبحثون عمَّا يسموها الحرب غير التناظرية، أي وسائل الرد على الأميركان بطرق أرخص وأسهل، وأقل اعتماداً على التقنيات العالية، وهذا ما نراه تقريباً يومياً في العراق وفي أفغانستان أيضاً.

أحمد منصور: يعني في كتاباتك التي يعني أتابعها بشكل دقيق ألمحت في أكثر من مقال، وحتى بشكل شبه متكامل في كتابك "نشوء وسقوط القوى العظمى" إلى أن معظم القوى الإمبراطورية الضخمة سقطت بأسلحة بسيطة استخدمها أعداؤها، هل يمكن للأسلحة البسيطة التي يستخدمها العراقيون في المقاومة أن تؤدي إلى انهيار القوة العسكرية الأميركية في العراق، في ظل انهيار معنويات الجنود في نفس الوقت؟

بول كيندي: أعتقد إن هذا ربما يكون تبسيطاً أكثر مما ينبغي، وربما قفزة أسرع، لنحاول إعادة صياغة هذه الفكرة، الولايات المتحدة -حسب رأيي وفي.. حسب كتابي- سوف تخسر موقعها رقم واحد عسكرياً فقط عندما تخسر قدرتها التنافسية اقتصادياً، عندما تصبح بلدان أخرى أكثر إنتاجاً، مالياًّ واقتصادياً وتجارياً، لهذا السبب أعتقد إن مسألة الانهيار هذه بعيدة ربما، ولكن هناك طريقة لإعادة صياغة سؤالك لو سمحتم لي بذلك، وهي: لو أن الولايات المتحدة عانت من خسائر الديمقراطية الأميركية والشعب الأميركي لا يحبها ولا يقبل بها، ولا يستطيع تحمُّلها، لو أن هناك جنود أميركان، ومن قوات مشاة البحرية يُقتَلون كل أسبوع في هذا العام والعام التالي والعام الذي يليه، فربما يصبح من المرجح أكثر أن تكون هناك تحولات في الرأي العام الأميركي، حول فكرة امتلاك إمبراطورية، أو عمليات عسكرية في أنحاء مختلفة من العالم، وسيكون هناك ضغط داخلي يزداد نمواً وتصاعداً على الولايات المتحدة لتبدي بعض التنازلات وأن تتفاوض، أو ربما تسلم عملياتها العسكرية إلى الأمم المتحدة، هذا كله ربما يدخل ضمن حدود الممكن، ولكن بالطبع يمكن أن تروا أيضاً إن الإدارة الحالية، إدارة السيد (بوش)، عازمة تماماً ليس.. لكي لا تبدي أي بوادر ضعف أو تراجع، لذلك..

أحمد منصور[مقاطعاً]: هل ذلك يكفي يا سيدي؟ هل عزم الإدارة الأميركية على عدم إبداء أي عوامل ضعف أو تراجع، هل هذا يكفي لكي تستطيع أن تحقق أهدافها، في ظل أن الولايات المتحدة خسرت حتى الآن خلال تسعة أشهر في أفغانستان [العراق] أكثر مما خسرته في فيتنام طوال ثلاث سنوات من الحرب، هذا المعلن، وكثير من الدراسات تقول: أن غير المعلن ربما يكون أفدح وأكثر من ذلك.

بول كيندي: حسناً، إن الأعداد الكبيرة، هي ليست بالكبر الذي كانت عليه في حرب فيتنام، ربما تتذكرون في أوائل السبعينيات كانت تخسر أميركا نحو خمسمائة جندي أسبوعياً، ولكنها مازالت أرقاماً لا يُستهان بها، ومن جهة أخرى..

أحمد منصور[مقاطعاً]: أنا أقصد بين 62 و 65، ليس بداية السبعينات.

بول كيندي: نعم، بين 62 و65 كانت الأعداد أقل، وبالطبع بعد ذلك تتذكرون أن الرئيس (كيندي) زاد من حجم الالتزام العسكري الأميركي، والرئيس (جونسون) زاد هو أيضاً، وإحدى الأمور التي على المرء أن يدركها ومشاهديكم ربما يعلمون ذلك، هو أن حرب فيتنام ألقت بظلالٍ كثيفة على عالم السياسة الأميركية، وقد ألقت بظلالٍ قاتمة أيضاً في اتجاهين مختلفين لو كان ذلك ممكناً: اتجاه لا يريد التورط والالتزام بحدود أكثر مما يمكن تحملها، وعدم إرسال قوات عسكرية إلى الخارج، وهذا مازال شعوراً قويًّا في صفوف اليسار الراديكالي والطبقة العاملة، وأنصار الحزب الديمقراطي، ولكن الظل الآخر الذي ألقته حرب فيتنام هو في صفوف المحافظين، وما يمكن أن يسموه.. أن يسموا الآن المحافظون الجدد في الحزب الجمهوري، وهي أن الدرس من فيتنام يجب ألا تتنازل وتتراجع وتستسلم، وأنت.. كنت أحاول وصف ذلك قبل أن تقاطعني قبل دقائق، إن هذه هي الكارثة بحد ذاتها، هذا هو سيكون فهم العالم العربي لأميركا باعتبارها قوة إمبريالية، ومن جانب أميركا وخاصة في صفوف المحافظين يرون الأمر إن على أميركا أن تقوم بفعل الصواب، ومن هنا وجهتا نظر متناقضتين، كل يوم نرى آثارها في تكريت وبغداد والموصل.

أحمد منصور: بروفيسور كيندي، بشكل مجرد بعيداً عن معطيات السياسة التي ابتعد فيها معك، وأحاول أن يفهم ويفهم معي المشاهدون من خلال خبرتك الواسعة في قراءة وتحليل واستنباط النتائج من التاريخ، الولايات المتحدة حققت انتصاراتها في أفغانستان والعراق عبر أسلحة تستخدم من بعيد، من عشرات الكيلو مترات أحياناً، وربما من مئات الكيلو مترات، وربما من آلاف الكيلو مترات، وحينما حدث تشابك على الأرض بين الجندي الأميركي وبين المقاومة في العراق وغيرها، حدثت عملية انهيار كبيرة في معنويات الجنود الأميركان، ربما تتابعون كثيراً منها فيما يكتب على.. في الصحف الأميركية ووسائل الإعلام الأميركية، أليست الإمبراطوريات تقوم على الجندي نفسه ومعنوياته، واستعداده للمواجهة والاستمرار في الحروب، وهذا ما تعاني منه القوات الأميركية الموجودة في العراق الآن، وليس على مجرد أسلحة تقذف من بعيد تحقق نصراً دون قدرة على تحقيق نتائجه؟

بول كيندي: لن أختلف معك في ذلك، ومشاهديكم يعلمون أنه في العالم المعاصر الذي نعيش فيه هناك نوعان من الحروب، أولها هي حروب التقنيات العالية والتحكُّم من على بُعد التي كنت وصفتها، وهي واحدة من الحروب للولايات المتحدة السيادة فيها، لأنها استثمرت فيها مئات المليارات في أجهزة التحكم والسيطرة والاتصالات، والأقمار الاصطناعية ومستشعرات الأسلحة ولا يضاهيها أحد.

ولكن هناك نوع آخر من الحروب وهي الحروب القذرة، الحروب التي تحدث من شارع إلى شارع، قتال الشوارع، من بيت إلى بيت تحدث في إيرلندا الشمالية، وحدثت في كوسوفو وحدثت في كابول، وتحدث في بغداد، هذا المستوى من الحرب يجعل الفائدة العسكرية الأميركية تقل بشكل كبير، هم مازالوا يملكون جنود متمرنون متدربون جيداً و يحاولون التأقلم مع حرب المدن والشوارع، لم يبلغوا مرحلة البريطانيين والهنود، ولكنهم يحاولون التعود على ذلك ومع ذلك نقطتك مهمة القوات العسكرية الأميركية عندما تضطر إلى قتال واشتباك بالأيدي أو القتال من بيت إلى بيت، نرى حالة من التوازن أكثر والتساوي أكثر، أكثر من حالة الحرب التقنية العالية، والكل يستطيع أن يرى ذلك لمصلحة الأميركان.. الأميركيين أن يخوضوا حروب ذات تقنيات عالية كما نسميها ثورة.. الثورة في عالم الحروب هذه، ولكن مصلحة مناوئي وأعداء أميركا أن يخوضوا الحرب على أساس الاشتباك بالأيدي والقتال بين رجل ورجل لأن هذا هو ما يستطيعون إلحاق الخسائر فيه في الأميركيين.

أحمد منصور: يعني من الملاحظ.. من الملاحظ أن هناك منذ الحرب العالمية الثانية وحتى الآن، لم تتدخل أميركا في مكان من العالم ابتداء من كوريا إلى فيتنام إلى لبنان إلى الصومال إلى أميركا الجنوبية إلى أفغانستان إلى العراق، وحلت مشكلة أي دولة من هذه الدول التي تدخلت فيها، تدخل ثم تعقد المشكلة بشكل أكبر وتتركها معلقة أو تترك قوات لها أو تخرج منها كما حدث في بعض البلدان، ما هي الآثار بعيدة المدى التي يمكن أن تلحق بالإمبراطورية الأميركية من جراء هذا الوضع الذي تؤزمِّ به كل مكان في العالم تتدخل فيه؟

بول كيندي: أن هذا السؤال مثير للاهتمام حقاً، وحقيقة هذه ليست حالة أميركية فقط، عندما إنجلترا احتلت العراق في عام 19 و 20 هل تركت العراق بحال أفضل عندما انسحبت من العراق بعد ثماني سنوات؟ أنا لست متأكداً، في بعض الحالات تحصل هذه الأمور.. في بعض الحالات الأمم الأجنبية والإمبراطوريات تترك البلاد في حالة أفضل وفي ظروف أفضل من التي دخلت بها، ولكننا علينا أن نقبل كلانا أن الولايات المتحدة تركت ألمانيا واليابان في أوضاع أفضل في عام 51 عما كانت عليه في عام 45 أو 39.

ولكن نقطتك مهمة يجب ألا ينكرها الأميركيون والتي تقول أن حقيقة نحن لم تكن.. لا نملك سجلاً من النجاح في توطيد دعائم الاستقرار البلدان ونتركها بعد ذلك، التي نتدخل فيها عسكرياً، فنحن مازلنا نرى حالة حرب أهلية في الفلبين في الجنوب، لدينا مشكلات كثيرة مازالت موجودة في كولومبيا، ولدينا مشكلات في أنحاء مختلفة من آسيا، إذن النقطة التي أود إيضاحها إنها ليست نقطة مُناهِضَة، ليس أن أكون ضد أميركا عندما نقول أنه ليس من المعتاد أن القوى الإمبراطورية أحياناً تُحسِّن أوضاع المجتمعات أو البلاد التي تحتل أراضيها، عندما يحدث ذلك علينا أيضاً أن نكون ممتنين لذلك، ولكننا نعترف بأنه لا يحدث دائماً، بلد مثل سنغافورة مثلاً بعد مائة وخمسين عاماً من الحكم البريطاني، ولكن هذه تبقى استثناءات نادرة في معظم الحالات، الإمبراطوريات تزيد الأمور بالفوضى، وهذا ما أُدرِّسه لطلابي على مدى ثلاثين عاماً.

أحمد منصور: يعني من الجيد أنك قلت أنها حالات نادرة، لكنك أنت أشرت في كثيرٍ من كتاباتك أيضاً إلى أن المستشارين المحيطين بالرئيس بوش إلى المستشارين المحيطين به، هل تعتقد أن هؤلاء المستشارين في دفعهم للولايات المتحدة كإمبراطورية أن تتورط في الكثير من المناطق وأن تنفق هذه النفقات الباهظة، يعجلون بقرب سقوط أميركا؟ لا سيما وأنك كتبت مقالاً عن النسر الذي حط، نُشِرَ في فبراير الماضي في "الفاينانشيال تايمز" على ما أعتقد.

بول كيندي: أعتقد أنك تعلم وبعض مشاهديك يعلمون أيضاً أنني كتبت بشكل مستمر وتحدثت بشكلٍ ثابتٍ ومستمر ضد وجهة النظر التي يحملها بعض المستشارين المنتمين للمحافظين الجدد المحيطين بالرئيس والبعض الذي يقدم المشورة للسيد (رامسفيلد)، وأعتقد أن هناك نوعاً من الصراع من أجل النفوذ حاصل حالياً في البيت الأبيض وفي البنتاجون أيضاً، فهناك أناس في وزارة الخارجية الأميركية وفي الجيش الأميركي الذين يعتقدون أن تأثير المحافظين الجدد كان خاطئا ويشوبه العيوب النقص وينُم عن عنجهية وتتذكرون في العام الماضي بعضهم قال: أننا عندما بمجرد أن.. أن نستولي على العراق سوف نذهب للاستيلاء على إيران مثلاً، وربما يدرك مشاهديكم أن هناك أناس في هذا البلد يتخذون مواقف انتقادية من هذه العنجهية وهذه الطموحات من جانب المحافظين الجدد، وهو ليس أمرٌ يبعث على السعادة بمكان أننا نكتب على صفحات الجرائد إن لقد قلنا لكم ذلك.. لقد قلنا لكم: إن العراق عندما تذهبون إليه ستكون هناك صعوبات وستواجهون مشكلات، ولا شيء يبعث للشعور بالسعادة بالنسبة إليَّ أن أشير إلى مواقف المحافظين الجدد هذه، لأن الكثير من الأشياء الخاطئة حصلت بما في ذلك مقتل الكثير من العراقيين والكثير من الأميركيين الطيبين، والتي ربما لو عاملنا الأشياء بشكل مختلف عبر الأمم المتحدة لكانت الأمور أيضاً اختلفت، إذن أنا أشاطرك الانتقاد للمحافظين الجدد التي قد ترقى تقريباً إلى مصاف الإمبريالية، ولكني أحثك أيضاً أن تدرك أن معظم الأميركيين العاديين لا يشاطرون هذه الأيديولوجية، وهم يتطلعون إلى الطرق والسُبل للعثور على سلام واستقرار وعلاقة طيبة مع العالم العربي أكثر من أي شيء آخر، ونحن عندما غداً ندخل في موسم الأعياد والاحتفال بأعياد الميلاد، هذا ما نوده حقاً.

أحمد منصور: بروفيسور كيندي هل يمكن أن أسألك بشكل مباشر: هل المقاومة في العراق هي التي ستحدد المستقبل السياسي للرئيس بوش في الانتخابات القادمة؟

[فاصل إعلاني]

تأثير المقاومة العراقية على مستقبل الرئيس بوش في الانتخابات القادمة

أحمد منصور: كان سؤالي لك -قبل الفاصل- هل المقاومة في العراق هي التي ستحدد المستقبل السياسي للرئيس بوش في الانتخابات القادمة؟

بول كيندي: تعلمون أن الخبراء السياسيين هنا زملائي في قسم العلوم السياسية وفي الدراسات السياسية الأميركية سيقولون لمشاهديكم: أن هناك عاملان محددان في هذا المجال بالنسبة للرئيس لكي يعاد انتخابه أم لا.

أحدهما بالتأكيد هو الحرب في العراق وأيضاً نسبة الضحايا الأميركان، هذا بالتأكيد سوف يؤثر في آراء الناس، لو أن بدت الأمور على شبهٍ متزايدٍ بفيتنام فالأمور ستتغير.

العامل الآخر والذي ربما يعرفه مشاهديكم هي حالة الاقتصاد الأميركي، ربما تتذكرون أن الرئيس بوش الأب عندما خاض معركة إعادة الانتخاب كنا نواجه مصاعب اقتصادية وكساد اقتصادي وفقدان وظائف، جاء الرئيس (كلينتون) ليقول أيها الأغبياء إنه الاقتصاد، والكثير من الخبراء بالنسبة للأجندة الاقتصادية حددوها كعامل مهم.

إذن لدينا أجندتان، الصعوبة في الإجابة عن سؤالك هو ماذا لو أننا سنواجه اقتصاداً أميركاً قوياً ولكننا استمرينا في حالة الحرب على الأرض؟ بصراحة، لا أعرف كيف أجيب على هذا السؤال، ولكننا لو كنا نملك حالة اقتصاد قوية في أميركا وخسائر قليلة، الرئيس بوش سوف يفوز، ولكن لو كان لدينا اقتصاد ضعيف والكثير من الخسائر في صفوف الأميركيين سيخسر الرئيس بوش، ولكن ماذا لو كان الأمر مزيجاً بين هذا وذاك؟

أحمد منصور: ولكن هذا سؤالي الآن في معيار أيضاً الضغوط التي تتعرض لها الإمبراطوريات أو التي تعرضت لها في حروبها على مدى الخمسمائة عام الماضية التي يعني تناولتها بشكل متميز، إلى أي مدى وما هو حجم الخسائر التي يمكن للولايات المتحدة أن تتحملها من خلال تورطها في العراق، عسكرياً وبشرياً واقتصادياً؟

بول كيندي: إنه من الصعوبة بمكان القول هنا لأن علينا أن نتذكر عدداً من الأشياء:

أولها: الخسائر لا تشبه أبداً حجم الخسائر الحرب العالمية الأولى أو الحرب العالمية الثانية في المحيط الهادئ أو الحرب بين الاتحاد السوفيتي وألمانيا النازية حيث سقط الملايين بل عشرات الملايين، لكن من جانبٍ آخر المجتمع الأميركي تَعوَّد على الخسائر الطفيفة الصغيرة إذن أنت لا.. ليس عليك انتظار سقوط مليون رجل لتقول أن هذا سوف يُغيِّر مواقف الرأي العام الأميركي وينقلب ضد الرئيس، ولكن علينا أن نفهم وعلى مشاهديكم أن يفهموا أن من العناصر التي تُزيد الأمور تعقيداً أيضاً والتي تجعل المقارنة والقياس بفيتنام خاطئاً نوعاً ما، هو القول أن الجيش الأميركي وسلاح مشاة البحرية الذي قاتل في أدغال فيتنام كان جيشاً من الجنود المكلفين الذين يؤدون الخدمة الوطنية والذين لم يملكوا أي رأي بل أُلِزموا بأداء خدمة العلم، ولكن الجيش الذي حارب في العراق وفي أفغانستان الآن هو عبارة عن قوة من المتطوعين وأيضاً على درجة أعلى من التدريب نسبياً، فعليه لو أنك نظرت إلى الأمور من زاوية الأم أو الأب الأميركي، أم وأب جندي أميركي موجود في بغداد أو الموصل، من الحالة الذهنية المسألة مختلفة، لو أن ابنك أُرسل إلى هناك، لأنه يؤدي خدمة إلزامية، لأنك عند ذاك تكون لك مشاعر انتقادية أكثر حدة تجاه حكومتك، كما كان موقف الشعب الأميركي تجاه الرئيس جونسون، ولكن لو أن ابنك أو ابنتك اختارت طوعاً المشاركة في صفوف الجيش الأميركي فأنت من الحالة النفسية والشخصية والعاطفية الوجدانية أكثر احتمالاً لتأييد الحكومة، حتى لو كنت منتقداً لسياساتها، لأنك لا تريد أن تبدو أقل ولاءً من أبنائك أو أقربائك، هل تفهم الفرق فيما أحاول قوله؟

أحمد منصور: آه طبعاً أفهم جيداً، وأود أن أطمئنك بأن مترجمنا على درجة عالية من الترجمة، ويعتبر من أكفأ المترجمين الذين يترجمون من الإنجليزية إلى العربية والعكس بشكلٍ مباشر، إذا كنت قلقاً من الترجمة أحببت أن أطمئنك، لدي سؤال هام هو..

بول كيندي: لست قلقاً، فقط كنت أود إعطاء بعض التعليقات ليس إلا.

عوامل سقوط القوى العظمى ومدى انطباقها على الواقع الأميركي

أحمد منصور: يعني من خلال تتبعي لكتاباتك، لاحظت أن هناك عوامل مشتركة في عملية سقوط القوى العظمى، في ظل العوامل المشتركة هذه التي عادةً ما تؤدي إلى سقوط أو أفول القوى العظمى، ما مدى تطابق بعض هذه العوامل على الواقع الأميركي الحالي؟

بول كيندي: أعتقد أن ربما هناك ثلاثة عوامل في سقوط وأفول القوى العظمى، إحداها أشرت إليها في برنامجك الآن، وشدَّدتُ عليها في كتابي، وهي فقدان الإنتاجية والقدرة التنافسية الاقتصادية، وتجاوز بلدان أخرى للبلد المعني اقتصادياً.

العامل الثاني أو السبب الثاني هو: الهزيمة العسكرية في الميدان، الهزيمة التي تلحق بجيشك، وربما تعرض بلدك لغزو وفتح عسكري.

العامل الثالث هو: الأصعب من ناحية تقييمه والتوصل إلى استخلاصات ونتائج حوله، لأنه يتعلق بالمعنويات وبالأفكار، وكيف تقرر أنك لا تريد بعد الآن أن تبقى كقوة كعظمى، ولو راجعنا الأمور وتذكرنا أن هناك قوى إمبريالية عظيمة مثل البرتغال التي حكمت معظم أرجاء إفريقيا، مثل السويد التي غزت معظم أنحاء أوروبا، بعد مدة من الزمن تخلفوا اقتصادياً، وأُلحِقت بهم خسائر عسكرية في الميدان، ولكن شعوبهم قالت لهم لا نريد أن نبقى إمبراطوريات، ونحاول السيطرة على حياة الآخرين على بعد آلاف الأميال، نريد فقط أن نعود إلى بلدنا ونبقى برتغاليين أو سويديين، ولو أن أي من مشاهديكم زار السويد أو البرتغال يرى أنهم من بين أكثر الشعوب سعادة ورضا بين أمم الأرض، لأنهم مقتنعون الآن وقانعون...

أحمد منصور[مقاطعاً]: نحن نأمل.. نأمل أن يفكر الشعب الأميركي بهذه الطريقة ويستدرك، نأمل أن.. أن.. أن.. أن الشعب الأميركي يفكر بهذه الطريقة ويستدرك، ويسعى لدى حكامه ليعيش بسعادة، مثلما يعيش الآخرون، الآن أنت أصبتنا بما يشبه الإحباط في بداية الحلقة، حينما قلت إن أميركا لديها القدرة للاستمرار خمسين عاماً أخرى، يعني حتى يظل العالم تحت ما يفكر به حكام الولايات المتحدة، وما يقومون به من حروب في العالم، القرن الماضي وحده شهد سقوط كثير من الإمبراطوريات، الإمبراطورية العثمانية، النمساوية، البريطانية، ألمانيا العظمى سقطت، الاتحاد السوفيتي سقط في نهاية القرن، يعني 5، 6 إمبراطوريات، وربما أكثر إمبراطوريات أخرى أيضاً سقطت في هذا الوضع، هل سنظل خمسين عاماً أخرى تحت هيمنة الإمبراطورية الأميركية؟ وما تؤذي به العالم؟

بول كيندي: لا، أعتقد إن هذا هو نوع من.. من التفسير المبالغ فيه، أو المتشدد، فإن من المحتمل أن إدارة مختلفة في واشنطن، إدارة بدون التأثير أو النفوذ من قِبَل المحافظين الجدد، يمكن أن تقول حسناً، نحن القوة رقم واحد في العالم، نحن هذا هو وضعنا، فنحن ننتج ثلث ثروة العالم، ولكننا في نفس الوقت نود أن نتعامل بطرق أخرى، أن نتعامل دائماً عبر ميثاق الأمم المتحدة، وبالتوافق والتشاور مع بلدان أخرى، ونود أن نضع التوكيد وبشكلٍ فعالٍ وحاسم على حل مشكلات العالم، بما في ذلك مشاكل الشرق الأوسط، بدلاً من التصرف على أساس ردة الفعل، وإرسال قواتنا، يمكن أن تكون هناك إدارة أميركية بعد ثماني أو عشر سنوات تبدو في أعين العالم العربي نظاماً حميداً يحاول المساعدة، ولا أعتقد إن مشاهديك يجب أن يشعروا بالإحباط، وأن لا يروا صورة إمبراطورية شر أميركية ستبقى هناك كخمسين عاماً أخرى، أعتقد إن أولئك الذين يريدون استراتيجيات معدلة وأكثر اعتدالاً، علينا أن نحاول إقناع بقية الأميركيين، وبقية الناس في الغرب، بأن هناك بدائل بدلاً من العنف والحرب، أنا أؤمن بذلك، وأعتقد إن هذا ممكن، إذن أنا لن أعطي صورة عملاق أميركي معادي لمشاهديكم لخمسين عاماً أخرى، ربما لن يكون الأمر كذلك.

القوى المنافسة لأميركا وموقع العرب منها

أحمد منصور: يعني الآن أنت كلمتنا أيضاً عن بعض القوى التي يمكن أن تظهر كمنافسة للولايات المتحدة، وأفردت في كتابك "نشوء وسقوط القوى العظمى" فصلاً كاملاً عن الصين باعتبارها قوى كامنة، والآن قلت إنها يمكن أن تنافس الولايات المتحدة خلال خمسين عاماً، تحدثت عن الهند أيضاً ويمكن أن.. أن تكافئ الولايات المتحدة في خلال فترة قادمة، وعن دول أخرى، نحن العرب والمسلمون أفردت لنا أيضاً فصلاً في كتابك في البداية.. وإن كان صغيراً بالنسبة للدولة العثمانية، لكن نحن نمثل خمس العالم، أما ترى لنا موقعاً في خريطة الفترة القادمة؟ هل سنظل هكذا يعني يفعل بنا الكبار ما يفعلون دون أن يكون لنا موطئ قدم؟

بول كيندي: أنت تثير سؤالاً مهماً هنا حول مستقبل العالم العربي، وأين سيكون مكانه في العالم؟ وكيف سنقارن أوضاعه بالصين والهند؟

السؤال هو حقيقة لماذا أن هناك بعض الخبراء الاقتصاديين والمؤرخين يقولون أنهم يعتقدون أن الصين والهند سوف تصبح في مصاف القوى العظمى، وإجابة عن هذا السؤال نقول إن الخبراء الاقتصاديين يعتقدون أن اقتصاد الهند بإمكانه أن يحقق نمواً بمعدل 6% على الأقل سنوياً للخمسين عاماً القادمة، وأن اقتصاد الصين من الآن ينمو بنحو 8% على الأقل سنوياً، إذن هم ينظرون إلى المستقبل ويقولون لو أن معدل النمو هذا استمر فإن الهند أو الصين ستصبح أكثر أهمية، وتمتلك قوة أكثر، وثروة أكثر، وإنفاقاً عسكرياً أكثر، ولا شك في ذلك لو استمرت الأمور على ما هي عليه الآن، ولو حاولنا تطبيق هذا النوع من القياس أو المقياس على مناطق أخرى في العالم بما فيها العالم العربي، لو أنَّ معدل الدخل للفرد للدول العربية يزداد 6% أو 8% في السنة على مدى عشرة أو عشرين أو ثلاثين عاماً القادمة، إذن الشعوب العربية ستصبح أكثر قوة، وأكثر إنتاجية، وتملك معدلات تعليم أعلى، واستثمار أعلى، ورأسمال أكبر، هذا حقيقةً يعتمد على ما مستقبل الصين ومستقبل العالم العربي، هو النجاح النسبي في خلق الرخاء الاقتصادي، وتحسين الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، والبنى الاقتصادية والاجتماعية لتحقيق نموٍ على المدى البعيد.

أحمد منصور: رغم عدم وجود وقت كثير لدي، لكن اسمح لي آخذ بعض المشاركات، دكتور أحمد يوسف لو في دقيقتين أو ثلاث، تفضل بمداخلتك من واشنطن.

د.أحمد يوسف (مدير المؤسسة المتحدة للدراسات والأبحاث-واشنطن): ok، أنا أردت أن أتجاوز كثير من النقاط، أولاً أشكر الدكتور بول كيندي، فهو أكاديمي ومحلل سياسي متميز بالولايات المتحدة، أقول إنه أميركا عندها إشكالية خاصة بعد انتصارها في الحرب الباردة، وهي ظاهرة العظمة والغرور والاستكبار التي أدت إلى أن تنظر إلى شعوب الأرض نظرة.. يعني نظرة فيها كثير من.. من الكراهية، بسبب ممارسات أميركا وسياساتها المنحازة، وسياسة الكيل بمكيالين، أيضاً بحمايتها للديكتاتوريات العربية لفترة طويلة في.. في الوقت الذي كانت تدَّعي فيها إنها تساهم في تطوير الديمقراطية، وحماية الحقوق المدنية والإنسانية، هذه جزء من الكراهية والأحقاد التي تراكمت على مدى السنين، هي التي الآن تُفجر حالة الغضب...

بول كيندي: هناك أمران..

د.أحمد يوسف: والكراهية لأميركا في العالم العربي، هناك نقطة الآن في الغرب للأسف من يحاول جر الولايات المتحدة للدخول في مواجهات حتى مع الحركات الإسلامية المعتدلة، كحركة الإخوان المسلمين مثلاً، وهي كبرى الحركات الإسلامية السُنية، بعد ما نجحوا الآن في خلق نوع من المواجهة التي يعني هي في طريقها للتصاعد والانفجار مع الحركة السلفية من خلال ما يسمى اليوم بالحرب على الإرهاب، أو تنظيم القاعدة أو ما إلى ذلك، أو محاولة الآن يعني جر القضاء على حركات الإصلاح والتغيير الإسلامي من خلال فزاعة القاعدة، فخلقوا لكل دولة الآن مقاصل جانبية وساحات للمواجهة، بهدف إضعاف قدرات الأمة العربية والإسلامية، وحتى تجد كل دولة يعني شهادة براءة من الولايات المتحدة أصبحت تفتعل لنفسها خلافات مع التيارات الإسلامية تحت دعاوى ما يسمى الحرب على الإرهاب.

أحمد منصور: السؤال هنا..

د.أحمد يوسف: أو القاعدة، وأعتقد إنه السعودية لأنه ربما أخشى ما أخشاه أن يكون السعودية الآن إنجرَّت، وتم استدراجها، وفي إطار محاولتها الخروج من.. من الحرب المفتعلة ضدها في الولايات المتحدة، أيضاً هي صعَّدت من هذه المواجهة، وأخشى أن ينفلت يعني أن تنفلت هذه المواجهة من عقالها، ونجد العالم العربي والإسلامي قد انشغل في.. في.. في هذه المقاصل الجانبية، وينشغل عن قضايا أساسية في المنطقة مثل قضية فلسطين يعني.

خريطة القوى والإمبراطوريات خلال القرن الحادي والعشرين

أحمد منصور: شكراً لك يا دكتور أحمد. بروفيسور كيندي، في العام 1993 صدر لك كتاب "الإعداد للقرن الحادي والعشرين"، هل لازلت عند كثير من الرؤى والأفكار التي طرحتها في هذا الكتاب؟ وباختصار كيف تنظر إلى خريطة العالم من حيث القوى، ومن حيث الإمبراطوريات خلال القرن الحادي والعشرين؟

بول كيندي: تعلمون أن كتابي حول "الإعداد للقرن الحادي والعشرين" كان المقصود منه هو نوع من مقارنة الأوضاع بكتابي حول "نشوء وسقوط القوى العظمى"، التحضير للقرن الحادي والعشرين كان يُعنى بأمور أخرى أوسع نطاقاً في كوكبنا هذا، مشاكل البيئة، النمو السكاني، التكنولوجيات الجديدة، التغيرات في عالم الزراعة، في عالم المال، وأعتقد حقيقة أن كل هذه التيارات التي وصفتها تحضيراً للقرن الحادي والعشرين قد زادت وتيرتها، ونرى تدفق رأس المال بشكل أكبر، ونرى تقنيات جديدة بشكل أسرع، والتلوث البيئي يزداد حدة، الجليد من قمة الجبل كليمنجارو قد اختفى في شرق إفريقيا.

إذن ما أود مشاهديكم أن يفكروا فيه هو على الأقل أن هناك حقلين من حقول التصرف التي.. نحن بحاجة إلى اتخاذ قرارات سياسية تعتبر حكيمة لصالح مستقبلنا، أولها هي قرارات حكيمة في جانب الاستراتيجيات السياسية، الشرق الأوسط، القضية الفلسطينية وأيضاً على مستوى آخر من القرارات الحكيمة يجب أن تكون بخصوص التعامل مع البيئة، واحترام البيئة، كيف نتعامل مع معدلات...

أحمد منصور[مقاطعاً]: باختصار بقي لدي دقيقة واحدة، باختصار بقي لدي دقيقة واحدة، في دقيقة كيف تنظر إلى مستقبل الإمبراطورية الأميركية؟

بول كيندي: في دقيقة واحدة أرى هذه الإمبراطورية إنها الآن في ذروتها وقمة قوتها الآن، لا أرى أنه ستكون هناك انهيار مأساوي مفاجئ، أعتقد أن الأميركيين سوف يبدءون بشكل بطيء وتدريجي، لفهم أن هناك وسائل أفضل للتعامل مع مشكلات العالم من الطرق والوسائل العسكرية، ولكن حتى يشعروا بالأمن في معركتهم العالمية ضد الإرهاب، يجب أن يمتلكوا قوات عسكرية منشورة في العالم، أملي إن العالم العربي سيرى ذلك بشكلٍ أكثر أن الولايات المتحدة أقل أذىً، وأكثر تعاوناً ولا تلجأ إلى العنف، ولا تنظر إلى العرب، نعم إن هناك تعاون الآن، ولكنه أطلب من مشاهديكم أن لا يتخلوا عن الأمل، على أمل أن تحسن الإمبراطورية الأميركية وضعها ونفسها، وتصبح مختلفة.

أحمد منصور: بروفيسور.. بروفيسور بول كيندي (أبرز المؤرخين الأميركيين- مدير دراسات الأمن العالمي في جامعة ييل في ولاية كونتيكت الأميركية) باسم ملايين المشاهدين العرب، الذين يتابعون هذا البرنامج أشكرك شكراً جزيلاً.

كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن متابعتكم.

في الختام أنقل لكم تحية فريق البرنامج، ومخرجه فريد الجابري، وهذا أحمد منصور يحييكم بلا حدود، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.