- ردود الفعل العربية والدولية على قرار التنحي
- تحركات على الجبهة السورية وأصداء في القيادة الإسرائيلية
- تصاعد الضغوط وقرار تأجيل التنحي

ردود الفعل العربية والدولية على قرار التنحي

محمد حسنين هيكل
محمد حسنين هيكل: مساء الخير. إنني أشرت من قبل مرات مختلفة إلى نظرية للمؤرخ العالمي الكبير إريك هوبسباوم عن القرون الطويلة والقرون القصيرة، فهو في رأي هوبسباوم أنه يفصل بين وحدات الزمن وبين ما وقع في هذه الوحدات من حوادث، وحدات الزمن حسابها معروف، القرن هو مائة سنة والسنة 12 شهرا والشهر هو ثلاثين يوما واليوم 24 ساعة هذه حسابات الزمن لكن هوبسباوم يعتقد أنه في قراءة التاريخ أو في كتابة التاريخ، وأنا بأقرأ التاريخ ما بأكتبهوش، بالتعرض للتاريخ على أي حال بصفة عامة ليس المهم هو عدد وحدات الزمن مش المهم قرن ولا سنة ولا شهر ولا يوم ولا ساعة لكن المهم هو ماذا جرى في هذه الوحدات مهما طالت لأن هذه الوحدات تقاس قيمتها ليس بمقدار ما تمشي به على عقارب الساعة ولكن بمقدار ما يتدفق خلالها من حوادث وما يجري فيها من تطورات تعطيها قصرها أو طولها، بعض اللحظات تمر كما لو كانت قرونا لأنه لا شيء يحدث فيها إلا الملل وبعض اللحظات تمضي وكأنها.. بعض القرون تمضي وكأنها خطف خفق عين تقريبا يعني لكن هنا المهم هو حساب الحوادث وليس حساب الزمن ده في رأي هوبسباوم. وأنا أعتقد حقيقة أن تلك الليلة اللي هي ليلة 10، مساء يوم 9، مساء يوم الجمعة 9 يونيو سنة 1967، وليلة 10 يونيو أظن أنها ولو أنها كانت 24 ساعة لكن أظن أن ما جرى فيها كان كافيا ليملأ مجلدات بكاملها، في الأسبوع الماضي أنا عرضت لتفاصيل الجزء الأول من هذه الليلة بما فيها قرار جمال عبد الناصر بالتنحي وخطاب التنحي وما جرى بعد خطاب التنحي والناس اللي نزلت في الشوارع والبلد الذي وجد نفسه فجأة دون قيادة في ظرف من أغرب الظروف في تاريخه ومن أقساها ومن أكثرها مدعاة للقلق والتوتر وشرحت حاجة عن المظاهرات قلت المظاهرات كان شكلها إيه والناس كان شكلهم إيه وقلت كيف دخل جمال عبد الناصر وكيف طلب إليّ كريما أن أنوب عنه تقريبا فيما يصدر باسمه وبالتالي وجدت نفسي وهو بعيد في هذه اللحظة مسؤولا عن كل كلام يصدر عنه أو يصدر باسمه أو يقترب من.. لأنه هو كان يخشى في تلك الليلة من أن مجانين كثير قوي أو عصبيين كثير قوي خصوصا أنه بدا أنه فعلا الدولة في تلك اللحظة بلا دفة
rudderless زي ما بيقولوا، لأنه هو عين أو هو على الأقل عهد بالمسؤولية ولو مؤقتا نيابة عنه إلى زكريا محي الدين وزكريا محي الدين رفض وطلع بيانا ما رضيش يديه لي يومها ما رضيش يكلمني فيه لأنه أدرك أنه أنا قد أعطله وهو وزعه على الجرائد وقال فيه إنه هو لا يقبل بتنحي جمال عبد الناصر وإنه مع جماهير الناس في الشوارع يؤيدون عودته أو يطلبون عودته ويلحون فيها لأنه في هذه اللحظة لا بديل لقيادته. الموقف في تلك الليلة لا يستطيع في اعتقادي أن يصفه أحد إلا هؤلاء الذين عاشوه، وحتى أنا شخصيا بعد سنين طويلة حتى لما أتذكر تفاصيل هذا المشهد أتعجب كيف مرت تلك الليلة كيف مضت تلك الليلة كيف طلع صباح هذا اليوم وأنا تصادف أو بالظروف كنت تقريبا في تلك اللحظة في بؤرة ما كان يجري في بؤرة الحوادث وإلى حد ما بأعمل أؤدي دورا في توجيهها بشكل أو بآخر على الأقل في حجز بعض الأشياء لأنه أنا شرحت أن عبد الحكيم عامر كلمني يومها بالليل وطلب يطلع بيانا بالتنحي وكان هائجا على كل الناس وأنا حاولت أقنعه بالانتظار وأكسب وقتا لأن كل الناس كانت عايزة تكسب وقت لغاية الصبحية لأن هذا كله بالليل كان يجري والصورة فيه لا أحد يستطيع أن.. ما حدش عنده بوصلة ممكن إطلاقا أن تشير عليه بما سوف يجري أو باتجاه الحوادث يعني أنا في تلك الليلة حوالي الساعة العاشرة كلمني شعراوي جمعة وزير الداخلية وقال لي ما فيش مفر من أن حاجة تقال تطمئن الناس لأن الناس في الريف في الصعيد وفي وجه بحري بدؤوا يصادرون قطارات سكة الحديد وبدؤوا يصادرون لوريات وأوتوبيسات ويتوجهون بها إلى القاهرة وفي عملية زحف على القاهرة هو يخشى منها جدا وهو يعتقد أنها إذا تركت وشأنها فغدا سوف يصبح أخطر ألف مرة من يوم حريق القاهرة، بالفعل بدا أنه في موقف ينشأ ويتفاقم وهو خارج قدرة أي حد على السيطرة وكل الناس بتتصور أنه ما أن ينقضي ظلام الليل ويطلع النهار وتزحف هذه الجموع إلى القاهرة إلى جانب الجموع الموجودة فيها فنحن أمام موقف لا يستطيع أحد أن يتنبأ بما يمكن أن يسفر عنه خصوصا أنه إحنا قدام جماهير لا تعرف ماذا جرى مفاجأة بما جرى، رأيها بتتعلق.. تشعر أن البلد في محنة حقيقية وتتعلق بأي شيء وهي في هذه اللحظة كلها مصممة على رفض ما جرى، واحد. نمرة اثنين لا تعرف أحدا إلا حد اسمه جمال عبد الناصر وبالتالي فهي كله في عملية فظيعة جدا. في الوقت ده جمال عبد الناصر أنا قلت إنه كان بيحاول.. أخذ قرص سيكونال وحاول ينام لكنه مش قادر ينام والتطورات اللي عمالة تيجي هو مش حاسس بها لكن بين نصف نوم ونصف يقظة ويشعر أنه في ضجة حوالين البيت وأنه في لأنه فعلا بدأت في هذه اللحظة محاولات ضغط شديدة جدا في كل الشوارع المحيطة ببيته إلى النفاذ لبيته وحتى ما حدش يعرف إيه اللي كان ممكن يحصل يومها. السيد أنور السادات في ذلك الوقت وهو رئيس مجلس الشعب كلمني في التلفون وقال لي إنه حينزل يروح مجلس الشعب لأن الموقف هناك أصبح شوية صعب لأنه في بعض النواب أو بعض أعضاء مجلس الأمة -وقتها كان اسمه مجلس الأمة- فأنور السادات عاوز يروح مجلس الأمة وأنه لأنه بلغه أنه في نواب كثير قوي راحوا هناك وبدؤوا.. وهو يريد أن يذهب بأي طريقة إلى المجلس لكي يكون هناك أولا قريبا مما يجري من بيته في الهرم ولو أنه مش عارف الآخر يخرج من بيته في الهرم لأنه أخذ.. بيحيكي لي بعد كده بعد ما وصل لمجلس الأمة بيحكي لي أن الطريق كان بيأخذ منه عادة خصوصا بالليل بيأخذ منه عادة ما يزيد عن ثلث ساعة أخذ منه ساعة ونصف والناس خبطت على عربيته واعترضت طريقها وصاحت في وجهه وكادت تكسر زجاج العربية وهو وصل إلى المجلس بأعجوبة وعندما وصلى إلى المجلس وجد أن حتى حرس البرلمان في هذه اللحظة متوتر ما بيحرسش حاجة أبدا ولكن العساكر والضباط اللي فيه الآخرين في حالة غير طبيعية، بيكلمني أنور السادات بيقول لي إن الرئيس قافل على نفسه وإنه هو قال إنه أنا أقدر بس وحدي أن أطلع الحاجات اللي ممكن تصدر بنفسه، وهو بيقول لي طلعوا أي حاجة من فضلك لتهدئة هذه المشاعر الجامحة، وأنور السادات بيكلمني ضرب التلفون الثاني وده تلفون ما كانش حد بيضرب عليه، ما حدش بيتكلم عليه إلا جمال عبد الناصر فاستأذنت من أنور السادات ورحت الناحية الثانية أخذت التلفون من جمال عبد الناصر، صوت نايم، نصف نايم، مرهق، يعني أنا لا يزال في أذني الطريقة التي كان بيتكلم بها لأنه صوت مثقل أولا بإجهاد لا حدود له أسبوع بدون نوم قبل كده وآخذ قرص سيكونال مستهول ما جرى معذب باللي حصل فيه وبيقول لي إيه اللي جاري؟ أنا في زيطة حوالين البيت وسامع من البيت حاجات وعمالين يبعثوا لي ورق بيحطوه من تحت عقب الباب لأن المكتب بره مزحوم، أصبح مزحوما بناس كثير قوي من الدولة ومن الجيش ومن الجماعة اللي جاؤوا وما حدش قادر يسيطر على حاجة فكل اللي بيحصل أنه بيدخلوا ورقة وبيحاولوا يدخلوها تحت عقب الباب أوضة غرفة نومه فقد يراها يعني، فبيقول لي أنا طبعا مش قادر أنام ومش عاوز أفتح النور لأني لا أريد لأحد أن يشعر أنني مستيقظ ويبتدي يجي لي، لكن أنا بأشعر أنه في حركة وبعدين شاف بعض.. قام يظهر وشاف بعض الحاجات ولكن مش فاهم إيه اللي حصل، وبعدين بدا في الحاجات اللي جايه له في الحاجات اللي داخله تحت نداءات جاية متوالية من كل أنحاء العالم ملوك ورؤساء في العالم العربي، الرئيس عبد الرحمن عارف قدر يكلمه ووصلوه له لأنهم ما قدروش يردوه في السكرتارية فعبد الرحمن عارف بيتكلم من بغداد وبيبكي وأنه لا يمكن أنه.. يعني أنه جانب المصيبة اللي حصلت في ميادين القتال فإن خروجه هو من الساحة خروج جمال عبد الناصر من الساحة في هذه اللحظة يحرم الأمة من زعيم معترف به وأنه في كل الأحوال ما فيش حد غيره في هذه اللحظة فمن فضلك.. بعدين بعد شوية بدأ رؤساء الدول العربية كلها يتكلموا وبدأ المكتب يحول بعضهم لأنه لا يستطيع ردهم فتكلم الملك حسين تكلم الرئيس بو مدين تكلم وكان غاضبا جدا لكن كان غريبة قوي كان غضبه معظمه موجه للسوفيات لأنه في رأيه أو في تصوره في ذلك الوقت أن السوفيات قصروا في إعطائنا ما استطاعت الولايات المتحدة الأميركية أن تقدمه لإسرائيل وبالتالي فهو بيقول لجمال عبد الناصر إنه أنا أمرت، طلبت تحضير طائرة وأنا ذاهب غدا إلى هؤلاء الجماعة دول لكي نرى حلا معهم لأنه لا يمكن.. طبعا هنا الرئيس بومدين في اعتقادي كان مستفزا بالحوادث أكثر من اللازم لأن السوفيات ما لهمش ذنب يعني أي حد بيتكلم بأمانة السوفيات ما كانش لهم ذنب. أهم حاجة في اعتقادي جاءت رسالتان واحدة من يوثانت لجمال عبد الناصر بيقول فيها.. ملاها محمد القوني لأنه ما كانش في وقت، محمد القوني اتصل بمكتب الرئيس وبلغ بيملي رسالة على السيد سامي شرف نصها كالآتي "أبلغني المستر يوثانت الرسالة التالية برجاء إبلاغها إلى السيد الرئيس على الفور. إن السكرتير العام وسيادتكم تعرفون مشاعره نحوكم يخشى أن تكونوا قد اتخذتم قراركم الذي أعلن من القاهرة الآن بدافع الكبرياء وحده وهو يريد أن تتذكروا حكمة بوذية تقول إن العظمة الحقيقية هي في المقدرة على احتمال المكاره وهو يرجوكم أن تعيدوا النظر في قراركم وإلا فإنكم بذلك تكونون قد لعبتم دون أن تقصدوا ذلك لعبة الآخرين". القوني كمان زود على الرسالة رسالة من عنده بيقول فيها إن هذا معناه ببساطة تنحي جمال عبد الناصر بهذه الطريقة معناه أن إسرائيل أخذت ما كانت تريده أو حققت، ختمت -بلاش ما كانت تريده كله- لكنها ختمت ما صنعته في ميدان القتال بإبعاد الرجل الذي كان يقود المعركة ضدها في العالم العربي كله، وبعدين رسالة يوثانت بعد كده جاءت، بعد كده على مهلها في رسالة بعث بها القوني من لندن وبعدين جاءت بعدها ثاني رسالة من باريس بالنص من عبد المنعم النجار سفيرنا هناك بيقول "اتصل بي مدير مكتب الرئيس ديغول طالبا إبلاغ رسالة عاجلة منه إلى الرئيس جمال عبد الناصر علما بأن هناك رسالة مكتوبة سوف تسلم إليّ في الإليزيه في الصباح"، رسالة ديغول كما يلي "إلى الرئيس جمال عبد الناصر إن النصر والهزيمة في المعارك عوارض عابرة في تاريخ الأمم وما يهم هو الإرادة، وفرنسا في وقت من الأوقات كما تتذكر كان نصفها تحت الاحتلال المباشر النازي ونصفها الآخر خاضعا لحكومة عميلة ولكن فرنسا لم تفقد إرادتها وظلت طول الوقت تسير واثقة وراء قيادتها المعبرة عن إرادتها، إن الشجاعة الحقيقية هي في مواجهة المحن وأما الأوقات السعيدة فإنها لا تستدعي هذه الشجاعة، إن سلام العالم العربي يقتضي جهودك وأنا أول من يتفق معك على أن الواقع الذي قام عندكم الآن لا يعطي أساسا صحيحا لمثل هذا السلام". وبعدين مشيت عمالة تيجي رسائل، بعدين جاءت طبعا بعدها على طول رسالة من السوفيات القيادة السوفياتية كلها مجتمعة وبرضه راح السفير السوفياتي في وسط الزحام ده كله وسلمها لمحمد رياض في وزارة الخارجية، توقيعها القادة الثلاثة للاتحاد السوفياتي كوسيغن، بادجورني وبريجينيف بيقولوا "صديقنا العزيز، إننا لندرك خطورة الوضع الذي نشأ عندكم في البلاد نتيجة العدوان الإسرائيلي ومؤامرات الدول الاستعمارية، وفي هذه اللحظة العسيرة والمسؤولة وبناء على اقتناعنا العميق فإننا مقتنعون بأنه لا يجب عليكم أن تتركوا بلادكم دون قيادتكم. الصديق العزيز ناصر، إنكم تتمتعون بسمعة ضخمة في العالم العربي وإن الشعوب العربية كلها تثق فيكم وأصدقاؤكم يحترمون نضالكم ويحترمون شخصكم وإنكم باستمراركم في منصبكم تستطيعون العمل ويجب أن تعملوا كل الممكن من أجل المحافظة على ثورتكم وشعبكم، إن العالم العربي لا يوافق كما هو واضح لا يوافق على تنحيكم عن قيادة البلاد ونحن مستعدون لبحث كل الخطوات المشتركة..". الليلة كلها مقلوبة دوليا ومقلوبة كلها في الداخل وفي العالم العربي. أنور السادات موجود زي ما قلت في مجلس الأمة لكن في نواب كثير بدؤوا يجوا وبدؤوا يحاولوا يطلعوا بيانات، وبيكلمني أنور السادات يعني وأنور السادات غاضب وهو يعني أنور السادات كان قليلا ما يغضب، كان مرات يفتعل الغضب ويتظاهر بالغضب لكنه في هذه الليلة أنا حسيت أن أنور السادات فعلا يعني قلق جدا مما يمكن أن يجري وأنه.. استحالة مادية يعني. بعد شوية بيكلمني جمال عبد الناصر، لكن بيكلمني  جمال عبد الناصر بينقل في حاجة ثانية بيقول لي.. وهنا أنا بأعتقد أن هذه قد تكون مفتاحا لأشياء كثيرة قوي، بيقول لي إيه؟ بيقول لي في إيه على الجولان؟ إيه اللي حاصل في سوريا؟ فأنا قلت له.. أنا كنت في ذلك الوقت كنت في بيتي، فقلت له أنا متابع وعارف الإسرائيليين بيشدوا في مهاجمتهم على الجولان وأنا أخشى أنه في حاجة لكن أنا مش قدامي صورة كاملة وأنا حأنزل دلوقت أروح الأهرام بأي طريقة وأنا.. والسكك زحمة، قال لي في إيه في السكك؟ إيه الناس طالعة ليه الناس؟ وهو كلمة كان طول الليل عمال يكررها ليه؟ ليه طالعين الناس؟ ليه طالبينه يقعد؟ وهو بيعتبر نفسه مسؤولا، ليه الناس طالبة منه يقعد؟ قلت له على أي حال أنا حأنزل وحأكلمك من الأهرام. وتكلمت في الأهرام أتأكد مين موجود وعلى أي حال نزلت ولأول مرة شفت ماذا يجري في شوارع القاهرة.


[فاصل إعلاني]

تحركات على الجبهة السورية وأصداء في القيادة الإسرائيلية

محمد حسنين هيكل: من الجيزة من بيتي عند كوبري الجلاء لغاية الأهرام في وسط البلد في ذلك الوقت أيضا مسافة لا تزيد بأي حال من الأحوال في ذلك الوقت عن 10، 15دقيقة بالكثير قوي لو كانت زحمة الدنيا، أنا يعني بالحقيقة كنت مروعا الناس اللي موجودين بالشوارع واللي على غير هدى  زي ما بيقولوا وغاضبين والناس عمالها تزعق والهتاف باسمه ولا، ونرفض.. واضح في قدامي حاجة يصعب جدا تعليلها ويصعب تفسيرها لأنه يعني أنا بدا لي في هذه اللحظة أنه أنا قدام ظاهرة تاريخية تستحق فعلا أن.. بس ده يعني كان فيما بعد، تستحق جدا أنها تدرس لأنه نحن في موقف غريب جدا، بلد يواجه كارثة كبيرة جدا، في ظاهر الأمور واحد تحمل المسؤولية عنها وهو مسؤول بلا جدال وتحمل المسؤولية ورتب على هذه المسؤولية ما ينبغي أن يرتبه وقرر أنه حيمشي -حسب تعبيره- حتى هو كان دائما يستعمل كلمة يمشي أو في تلك الليلة أنه لازم يمشي، وهذا الرجل مصمم رغم كل الحاجات اللي وصلت إليه وأنا في آخر كلام معه حتى بعد مجيء رسائل كثير حتى يعني لما أنا بأقول له إنه في وضع خطير في البلد قال لي يعني أنا نفسي قوي أن الناس يقدروا أن ده مش موقف، ما هواش.. مش لعب لا يصح ولا يمكن وأنا يعني واضح قوي تصميمه أن لا يعود. فوصلت الأهرام على أي حال لكن وصلت الأهرام متأخرا أكثر من ساعة، وصلت الأهرام واتجهت على طول القسم الخارجي، كان موجودا أول حد قابلني في القسم الخارجي كان الأستاذ جورج عزيز وهو كان رئيس قسم الترجمة في الأهرام في ذلك الوقت معه طبعا كل اللي حاصل لكن هو مركز على قصتين كصحفي -وأنا بأعتقد أنه صحفي كويس قوي- كان مركزا.. وكان معه عدد من أعضاء الـ desk المركزي فيهم الأستاذ كمال نجيب وفيهم الأستاذ عبد الحميد سرايا وهم كلهم في ذلك الوقت من أحسن الناس في المهنة يعني في الحرفيين الموجودين في داخل الجرائد، لكن العمل مقسم تقريبا إلى حاجتين، ردود الفعل لتنحي عبد الناصر ثم قصة في ذلك الوقت بدأت تفرض نفسها على الحوادث وجورج عزيز محضر فيها ملفا وهي ما كان يجري في الجولان، لأن ما كان يجري في الجولان تلك الليلة أنا بأعتقد أنه لعب دورا كبيرا جدا في القاهرة بمقدار أن ما حدث في القاهرة لعب دورا كبيرا في ما حدث في الجولان فإن ما حدث في الجولان في اعتقادي في سوريا يعني عمل حاجة ثانية مختلفة، لما أشوف قدامي وكانت قدامي البرقيات ما كانش قدامي الصورة كلها في ذلك الوقت بعدين عرفت الصورة كلها من الوقائع من الوثائق، لكن وقتها اللي قدامي بدا قدامي أن الصورة الظاهرة على السطح أن الإسرائيليين بيهاجموا الجبهة السورية لكنهم بيهاجموا الجبهة السورية بتؤدة بمعنى أنهم بيضربوا لكنهم لا يتقدمون وفي مقاومة لا بأس بها لكن كل العمليات في ذلك الوقت على الشريط الحدودي ما فيش حاجة بالعمق لغاية دلوقت لأن إسرائيل لم تكن في الأصل خالص، في الخطة الأصلية خالص لم تكن تريد مهاجمة سوريا في ذلك الوقت على الأقل لأنهم اعتبروا أن مهاجمة سوريا سوف تحدث استفزازا كبيرا للاتحاد السوفياتي، وحتى لما أشوف فيما بعد مجلس الوزراء اجتماعات مجلس الوزراء الإسرائيلي ألاقي أن مجلس الوزراء منقسم قسمين أنه بعد اللي حصل في مصر فقد يكون مناسبا أن.. أولا رصدوا طبعا كل ما يجري في القاهرة وعارفين ما كانش واضح قدامهم لسه صباح يوم الجمعة ما كانش واضحا إيه اللي حيحصل في القاهرة لكن دايان كان متوقعا وكان بيقول إنه في هدوء في القاهرة صباح يوم الجمعة، صباح يوم الجمعة 9 يعني اللي هو قبل إعلان التنحي في الفترة اللي إحنا كنا قاعدين بنكتب فيها خطاب التنحي يعني أو بنراجعه، دايان بيقول في مجلس الوزراء إنه بيلاحظ من كل المعلومات اللي عندهم أنه في هدوء في القاهرة لكن هذا الهدوء يكاد يكون غير طبيعي لأنه سوف يعقبه انفجار دون شك لكن إيه اللي حاصل مش مفهوم، بعض الأعضاء في مجلس الوزراء، الكلام ده كان في مجلس الوزراء في اللجنة المصغرة لمجلس الوزراء لمتابعة الحرب وفيها رئيس الوزارة، بعض الوزراء بيقولوا والله فرصة نصفي موضوع سوريا وبعض الأصوات يقولون لا، هذا موضوع خطير جدا لأنه قد يؤثر على موقف الاتحاد السوفياتي وقد يؤثر على موقف أميركا بالتالي وعلى أي حال دايان بيقول نحن حققنا ما فيه الكفاية في هذه الأيام الخمسة -مش الستة في واقع الأمر- وعلينا أن نتخذ أقصى درجات الحذر لكن في بعض الوزراء شايفين أنه في فرصة لإسرائيل تخلص كل حاجة مرة واحدة وتقضي على كل الجيوش العربية في الطوق المحيط بها، الأردن طلع ومصر طلعت وفاضل سوريا والفرصة متاحة، فمجلس الوزراء قاعد، اللجنة الأمنية المصغرة في مجلس الوزراء قاعدين يتخبطوا أو بلاش يتخبطوا لكن على الأقل قاعدين حائرين بين إكمال المهمة مرة واحدة وخلاص ونواجه التبعات بعدها ونواجه العواقب وهم على أي حال كانوا بدؤوا يحسون أن حجم ما حققوه في مصر أصبح مؤثرا جدا في أميركا وأصبحوا يرون أن الرئيس جونسون بدأ يعتبر أن اللي حققته إسرائيل قدام مصر ممكن جدا أن يعوضه عن الفشل اللي حصل له في فييتنام، لكن في ذلك الوقت ومبكرا جدا كان باين الصحف الأميركية والسياسيون الأميركيون وأعضاء الكونغرس يشيدون بإسرائيل بما استطاعت تحقيقه قدام العدو الأكبر الأساسي وهو مصر في ذلك الوقت، فهم رأي دايان أنه لا داعي لمغامرات أكثر من كده ونستنى أكثر من كده، ما نستناش.. لا نزيد على هذا، لا بد أن ننتظر لأن اللحظة قد لا تكون ملائمة وزيادة الرغبة في تحقيق الآمال قد تنقلب بما لا داعي له ثم إن صعود هضبة الجولان قد يكون في منتهى الصعوبة أو قد يكون صعبا بشكل أو آخر وما فيش داعي بعد كل ما استطعنا تحقيقه أن نتكبد خسائر لأن العدو الرئيسي هو مصر وأما فيما عدا ذلك فهم أعداء ولهم أهمية لكن كل هذا مما يمكن أن يؤجل فيما بعد مش مشكلة لأنهم حققوا المهمة الكبرى. مناقشات مجلس الوزراء الإسرائيلي ده ما كناش نعرفها بعد كده ولا، أنا كنت بأتكلم على.. وأنا واقف في الأهرام بأقرأ سطح الحوادث لكن في سطح الحوادث كان في حاجة غريبة قوي، في سطح الحوادث زي ما إداها لي.. زي البرقيات، كوم البرقيات اللي إداها لي أو رزمة البرقيات اللي إداها لي الأستاذ جورج عزيز أنه بشكل ما الجبهة السورية كان عليها طول النهار شيء ما هو طبيعي وحاسين أنه موجودة فرصة قدامهم يخلصوا على سوريا ففي أمر طوارئ من الجنرال رابين رئيس هيئة الأركان إلى ديفد بن إليزار دادو زي ما بيسموه يستعد إذا صدر إليه أمر بالتقدم في سوريا لكن ما فيش أمر والواضح أنه لغاية الظهر تقريبا العمليات تمشي بالطريقة الطبيعية، وبعدين على حوالي الظهر بدأت العمليات تشتد لأنه.. بدأت تشتد قليلا يعني لكن لا تزال على خط الحدود، لا يزال ما فيش في شيء، لكن حصل حاجة غريبة جدا أنه بدا على المساء أذيع خطاب التنحي، أذيع خطاب التنحي والإسرائيليون أولا فوجئوا به، هم كانوا متوقعين عاصفة لكن توقعوا عاصفة من نوع آخر يمكن، توقعوا عاصفة أن تقوم في القاهرة ردة فعل شعبية معادية للحكم وأن القاهرة حتبقى فيها حياة فوضى لكن ما لم يخطر على بالهم وحتى في التقرير الإسرائيلي اللي عن رصد الحوادث بيقولوا there is a huge spontaneous demonstration في مظاهرة غريبة قائمة في مصر وهي spontaneous تلقائية، وأنها huge وأنه في حاجة فيها غريبة مش مفهومة، لكن اللي حصل أن تأثير هذا الذي قيل في القاهرة بدأ يؤثر على الجبهة السورية بدأ يؤثر في المواقع بدأ جنود وبدأ ضباط على الجبهة السورية يبدو على بال الساعة السابعة على بال الساعة ثمانية بدؤوا يحسون باللي حصل في القاهرة وتأثيرات ما حصل في القاهرة سواء اعتبروا هم في ذلك الوقت أن المعركة انتهت سواء اعتبروا أن تنحي جمال عبد الناصر ينبئ بقدوم شيء هم لا يتصورونه، فإذا بجنود وضباط بيتركوا وحداتهم ويحاولوا الذهاب لقيادتهم لأن ده كلام غير معقول وهم الآخرون بيتظاهروا كما لو أن المظاهرات الموجودة في القاهرة لها صدى على هضبة الجولان وفي وسط معارك قضية ثانية خالص. لكن اللي قدامي كان في ذلك الوقت في البرقيات أنه على الساعة العاشرة بالليل في إشارتين مهمتين جدا، إشارة من الجنرال ياريف اللي هو قائد المخابرات العسكرية، أهارون ياريف، أهارون ياريف بيقول إن قوات الاستطلاع عنده ووسائل الاستطلاع رصدت ظاهرة غريبة جدا أنه في مواقع سورية كثيرة قوي فاضية وأنه في الجبهة السورية في حالة غريبة مش فاهمينها، أنه فيها حالة فوضى بشكل ما وأنه في شيء يجري هناك، بعدها تقريبا بنصف ساعة وضح أن هذا الذي وصفه ياريف للقيادة، كل ده بأثر رجعي، أنا وقتها ما بأعرفش ده لكن بأعرف أنه في على الساعة العاشرة، اللي بان قدامي في البرقيات وهذا كان صحيحا، أنه الساعة 10، 10,30 بدأت فرقة مدرعة إسرائيلية تصعد إلى هضبة الجولان بعد إشارة إلى الجنرال دادو بتقول له go تقدم، واضح أن دايان -وهو كتب بعد كده في مذكراته- واضح أن ديان لقى أن ما كان يخشاه من خسائر أثناء صعود الهضبة هضبة الجولان ليس مؤكدا أو ليس موجودا تقريبا بالكلام اللي قاله ياريف وبالتالي الهجمات اللي كانت موجودة أو العمليات العسكرية اللي كانت موجودة طول النهار وهي في إطار الأخذ والجذب في حالة حرب، الشد والجذب في حالة حرب بين خنادق وبين مواقع لكن ما فيهاش تقدم فجأة الساعة 10,30 بدأ يحصل في اختراق، اختراق واضح جدا أنه.. هنا حصل تغيير بشكل ما في فكر القيادة العسكرية والسياسية، لما أنا أشوف المناقشات اللي كانت جارية الظهر لغاية طول وقت الظهرية على مجلس الوزراء وألاقي كيف كان التردد اللي حاصل في القيادات وكيف حدث رصد المظاهرة الكبرى التي حدثت في مصر والمفاجأة اللي فيها وكيف أنها spontaneous وكيف أنها فاجئت الإسرائيليين بما لم يكونوا يتوقعونه، هم كانوا بيتوقعوا عكس هذا خالص، كانوا يتوقعون سقوط النظام بالكامل فإذا بهم يرون حاجة ثانية خالص في الشارع المصري وفي الشارع العربي كلها بتقول إنه في حاجة أخرى خرجت، أنه في.. صعب جدا أي حد يقول في هذه اللحظة أنه كان في إرادة واضحة ومصممة، لكن على وجه اليقين ما رصده الإسرائيليون وما رصده العالم في ذلك الوقت أنه في رفض كامل أولا لقبول فكرة قبول نكسة أو هزيمة، وعلى فكرة الكلمة دي أخذت مناقشة بيني وبين جمال عبد الناصر لأنه هو ما كانش.. بيقول لي وأنت كاتب ليه -في مشروع الخطاب اللي أنا قدمته له- بيقول لي كاتب ليه نكسة؟ فقلت له ما فيش، أنا أعتقد أن كلمة هزيمة في هذه اللحظة خطرة جدا أولا لأن هزيمة يترتب عليها كلام كثير قوي وبعدين هزيمة في جبهات ثانية لسه بتقاوم وفي ناس ثانيين وفي قد تظهر مقاومة، ما حدش يقدر يقول.. وهو الحقيقة كان يعني قلقا وقلقه كان من أن حد يتصور أنه يحاول تخفيف.. أنه في خطابه بيحاول تخفيف أثر ما جرى، هزيمة بنسميها هزيمة وخلاص يعني، وأنا رأيي أنه.. وهو الحقيقة قبل وأظن كانت قريبة إلى فهمه في ذلك الوقت وإحنا بنتكلم في الخطاب لكن فيما بعد أنا بأظن رغم أن ناس كثير قوي زعلوا من كلمة نكسة واعتبروها أنها محاولة لتخفيف وطأة الهزيمة أنا بأعتقد أو كنت بأعتقد وحتى وأنا ماشي في الشوارع وأنا شايف الناس وشايف اللي جرى بعدها من عواقب وشايف بعد كده اللي جرى في سوريا وقارئ الوثائق كلها بأعتقد أنه.. حتى أنا فاكر قلت له، قلت له أنا، أنت ماشي وسايب زكريا محي الدين فكيف يمكن أنك تقول لزكريا محي الدين وأنت تسلمه المسؤولية نحن هزمنا؟ لما تقول له نحن هزمنا أي أنك تقيده ببساطة أنه لا يبقى عليه إلا أن يوقع صك استسلام وخلاص زي ما عملت ألمانيا زي ما عملت اليابان في الهزيمة، لكن إذا كان هناك احتمال مقاومة وإذا كان هناك إرادة مقاومة وإذا كان في ناس بيقاوموا أنا أظن أنه ليس من حقنا أن نصادر ما يمكن أن يفعلوه. وعلى أي حال هو كان قبل ده لكن كان واضحا أن اللي شافوه الإسرائيليون واللي هم اندهشوا له واللي سجلوه لما قالوا spontaneous ، huge spontaneous  هائلة وتلقائية، أنه في حاجة زي ما كنت بأقول يصعب جدا على أي حد يقول إنها هنا في إرادة متكاملة، لكن في بعض اللحظات وفي بعض المواقف الشعوب بتستدعي من داخلها تستدعي إرادتها في البقاء وتستدعي حاجات يعجز أي حد في اعتقادي عن تحليلها في وقتها، بعدها ممكن قوي حد يقعد يحلل لكن في ذلك الوقت أنا قدام طوفان في العالم العربي كله، طوفان في مصر كلها بيرفض ده، وأنا بأظن أنه ما كانش بس جمال عبد الناصر، مش بس جمال عبد الناصر، الناس كانت رافضة فكرة قبول هزيمة، الناس كانت رافضة فكرة أن جمال عبد الناصر يمشي في هذه اللحظة، أيضا لازم أسلم أن الناس كمان ما كانتش تعرف حد غيره وأنه ممكن قوي في جزء منها بيقولوا له تعال اقعد كمل شوف اللي حصل إيه؟ وشوف أنتم عملتهم إيه؟ لأنه.. اقعدوا، اقعد أنت وشوف إيه هي؟ ماذا يمكن عمله؟



[فاصل إعلاني]

تصاعد الضغوط وقرار تأجيل التنحي

محمد حسنين هيكل: على أي حال في ذلك الوقت وأنا بأقول وكنت بأقول وواقف في القسم الخارجي، أنا أخذت البرقيات ورحت على التلفون رحت على مكتبي وطلبت الرئيس عبد الناصر وقلت له واضح قدامي من البرقيات اللي أنا شايفها قدامي أن الإسرائيليين بشكل أو آخر نشأ موقف على الجبهة السورية هم تصوروه ملائما، أنا ما كنتش أعرف أنه في عساكر وفي ضباط خرجوا من المواقع وهالهم اللي سمعوه من القاهرة وأنه بشكل ما حصل اهتزاز في الجبهة السورية، فبأقول له إنه واضح أنه على بال الساعة 10,30 بدأ هجوم بعدة ألوية مدرعة، مجموعة.. فرقة، وأنه في لحظة فيها حيرة على الجبهة السورية أنه قدروا الإسرائيليون يطلعوا فوق.. رغم أنه للأمانة يعني أنه في بعض المواقع قاومت وقاومت بشراسة لكن على بال في الفترة اللي كنت بأكلم فيها جمال عبد الناصر كانت الأخبار جاية لي، الأستاذ جورج عزيز كان بيبعث لي أولا بأول البرقيات اللي جاية على وكالة الأنباء واللي بتقول إن الإسرائيليين فعلا بدؤوا على هضبة الجولان. وأنا حسيت وأنا بأقول لجمال عبد الناصر، أنا بأمانة يعني حسيت أنه هو كان عنده حاجة لما يبقى متضايقا ويبقى، كان عنده حاجة يتك على أسنانه، يجز على أسنانه زي ما بيقولوا في الصعيد عندنا، وأنا ما كنتش شايفه طبعا في هذا الوقت اللي كنت بأتكلم معه لكن أنا حسيت أنه قدامي حد بيجز على أسنانه. على التلفون الثاني بره أنور السادات عمال يكلمني من مجلس الشعب وقالوا له، قالت له مديرة مكتبي وقتها السيدة نوال المحلاوي قالت له إنه أنا بأكلم الرئيس، قال لها حتى لو كان بيكلم الرئيس فاندهي له فدخلت لي ورقة أن السيد أنور السادات على التلفون الثاني وأنه ضروري عاوز يتكلم، قلت للريس حأرجع له ثاني وكلمت أنور السادات فلقيت أنور السادات مش ممكن، أي حاجة، قولوا أي حاجة، رجعت ثاني طلبت الرئيس عبد الناصر -وأنا لا أنسى هذه الليلة ومهما طال العمر تظل وقائعها محفورة في ذهني- كلمت الرئيس جمال عبد الناصر وقلت له أنا بأتصور أنه لازم نقول لأنور السادات حاجة لأنه واضح أن مجلس الأمة محاصر وواضح أنه.. وشعراوي جمعة عمال كمان كان عمال يلاحقني بالكلام وزكريا محي الدين وكل الناس وأنا شايف في حالة من الفوضى في الدولة وحتى لعلاج الفوضى يعني أنا بأعتقد أنه في هذه اللحظة أن شخصيا بقيت أحس أنه أنا wavering زي ما بيقولوا حسيت أنه أنا اللي بيقولوا متردد، أنا قلق جدا من اللي حاصل، اللي حاصل على الجبهة السورية، اللي حاصل هنا، اللي حاصل هنا، فاقترحت على الرئيس عبد الناصر أنه إحنا نبعث لأنور السادات رسالة لا تقيد بشيء لكنها قد تطمئن، وكتبت فعلا مشروع رسالة وقرأتها له وهو نصف نائم يعني لأنه نصف نائم ونصف مرهق، يعني أنا صعب جدا أصف، بحقيقي برغم السنين كلها، أصف كيف كان يجيء صوته إليّ وأنا أسمعه بيكلمني يعني، فاتفقنا نكتب أو أنا اقترحت أن إحنا نكتب بيانا نقول له فيه ببساطة كده، لتهدئة المشاعر "إن المشاعر التي أبدتها جماهير الشعب منذ أذعت عليها هذا المساء بياني عن تطورات الموقف قد هزتني من الأعماق وسوف أذهب غدا بمشيئة الله وإذنه إلى مجلس الأمة أناقش معه وأمام جماهير شعبنا قراري الذي أعلنته في البيان، وإذا كان لي أن أطلب شيئا في هذه اللحظات من جماهير شعبنا الصابر المناضل فهو أن أناشدهم الانتظار حتى الصباح، إن كل واحد منكم الآن يجب أن يكون في موقعه فهناك مهام كثيرة تتصل بواجبات أكبر وأقدس من أي شيء آخر ولها الأولوية على ما عداها من الاعتبارات، إنني أناشدكم جميعا من أجل الوطن ومن أجلي أن يكون كل منكم الآن حيث ينبغي له أن يكون". إديت البيان ده أولا لمحمد فايق بناء على طلب من الرئيس عبد الناصر علشان يذيعه في الإذاعة وإديته لأنور السادات وأنور السادات بيتخانق وبعدين بيقول لي إيه -وهو مرات في بعض اللحظات بيقى عنده تعبيرات- قال لي شوف أنا عاوزكم تعرفوا حاجة كلكم أنه إذا لم يحدث حاجة قبل الصبح فإحنا عندنا بكره يوم أغبر، تعرف يعني إيه يوم أغبر؟ قلت له يعني كلنا، يعني بلاش نحاول.. أنا عارف، لكن لا يمكن، أنا عارف المشاعر وشفتها بنفسي لكن لا يمكن -لسه لا أزال أنا وأنا بأتردد لسه بأقول له- لا يمكن لا يمكن العودة عن قرار التنحي لأن هذا رجل قال أنا ماشي مش ممكن يرجع بكره وإلا إزاي يعني؟ فأنور السادات بيقول لي أنا ما أعرفش أنتم بتعملوا إيه لكن أنا مش عارف أتكلم، هو بيقول لي مش عارف أكلم الريس وواضح أنه أنت بتقدر تكلمه لكن أنا هذا كلام مش معقول، وكرر لي ثاني أنت عارف يعني إيه يوم أغبر؟ مش فايتة، بكره ده مش فايت، حاولت أتكلم معه وحاولت أهديه. طيب وبعدين حصل في بيت جمال عبد الناصر بقى حصل كذا مشهد، هو قال إنه حيروح مجلس الشعب فإذا من غير مناقشة كده الليثي ناصيف بيطلع له، الليثي ناصيف كان وقتها وكيل قائد الحرس ولا حاجة لأن قائد الحرس كان عيان، الحرس الجمهوري، فبيقول له الليثي ناصيف بيخش يطلع على الأوضة مباشرة يخبط على الباب يروح داخل وقدامه رجل في السرير نصف نائم بيقول له سيادة الرئيس أنا سمعت في الإذاعة دلوقت أنك أنت رايح مجلس الشعب أنا عايز أقول لك إن الحرس الجمهوري لا يستطيع أن يؤمن أي موكب ولا أن يفتح أي طريق من هنا إلى مجلس الشعب، وأنا بأقول لك.. وأنا عندي ضباط جايين من الجبهة وأنا حايشهم وهم جايين كلهم غاضبين ويعتقدون أن اللي حصل هناك في الجبهة مصيبة لكن هذا اللي يحدث في القاهرة كمان معناه التخلي عن كل شيء وبعضهم عاوز يقابلك وبعضهم موجود في ردهة البيت دلوقت تحت دخلوا معي ومش راضين يخرجوا وعاوزين مصميين يقابلوك، لأنه لا بد تشوف حد يعني هم بيعتقدوا أنه من حق قوات الجيش وقد قاست كل ما قاست أن تسمع وجهة نظرها وفي ضباط كثير قوي راجعة من الجبهة. وبعدين جمال عبد الناصر بيطلع على باب أوضة نومه وبعدين بينزل عدة سلالم وقرب حواليه بعض الضباط وبعضهم بيعيط لكن هم لما شافوه الحقيقة يبدو أنهم هدؤوا ووقفوا قدامه والمشهد كان من المشاهد الغريبة جدا، وبعدين فيما سمعته فيما بعد يعني أن كل اللي حصل أنه هم.. شاف هو بعضهم بيعيط وبعضهم زعلان وبعضهم يعني بيترجى وبعضهم.. يعني مشاعر مختلطة جدا، فهو قال لهم أنا كل اللي عايزه إدوني لغاية الصبح -هو الصبح كان بدأ يطلع تقريبا، كنا بدأنا يبقى الصبح- إدوني لغاية الصبح ونشوف إيه اللي ممكن أعمله وأنا فاهم وأنا إلى آخره، لكن ما كانش حد، صراحة يعني ما كانش حد إطلاقا قادر على فهم هذه الكيمياء التي حدثت في هذه اللحظة في تاريخ أمة بحالها كلها بدأت تتحرك وبدأت.. طيب إيه؟ إيه اللي حاصل ده؟ بعدين أنور السادات، المجلس هايص، الشارع بقى الصبحية على بال ساعات الفجر الأولى أنا كلمته وقلت له أنا مش عارف إيه اللي ممكن يحصل وبأمانة جد أنا طول الليل وأنا كنت معك ولكن أنا بأعتقد أن بشكل ما كنت معك وفضلت لغاية طول يعني كنت طول الليل مصمما أنه لغاية الفجر وأنا مصمم معك وشايف موقفك ومقدرك وعاذرك وموافقك عليه، لكن أنا بأعتقد هذه اللحظة أنك أنت -وحتى فاكر أنني قلتها له كده- قلت له أرجوك تراجع reconsider يعني بشكل أو بآخر راجع لأنه أنا قلق جدا لأن كل مراسلي الأهرام في كل حتة خصوصا في الأقاليم، في زحف على القاهرة والقاهرة يومها ممكن قوي تشهد ما لا يخطر على بال أحد، هو يعني بدا لي في التلفون برضه.. بيقول لي إيه؟ بيقول لي تقدر تيجي؟ قلت له أنا عاوز آجي وأنا الحقيقة من بدري جدا كنت عاوز آجي لكن أنا بأبص من شباك مكتبي، شباك مكتبي مقفول لكن في من الشيش حتى، من شيش المكتب أنا شايف في إيه قدام المكتب، وأنا شخصيا كمان كنت قلقا على الأهرام إيه اللي حيحصل بكره الصبح؟ يعني أول ما يطلع وأول ما الناس تبقى عارفة بتعمل إيه، أنا قدامي في هذه اللحظة ناس مش عارفة تعمل إيه لكن مع الصباح أنا كنت خائفا أن الناس تبقى عارفة هي بتعمل إيه وأن تقودها مشاعر أنا مش قادر أتصور إيه اللي ممكن يحصل، فأنا قلت له أنا يعني عاوز آجي لك، قال لي ده الليثي كمان جاء لي بيقول لي إن -الليثي ناصيف يعني قائد الحرس- إن الحرس لا يستطيع أن يؤمن أي حاجة ولا يفتح الطريق حتى إلى مجلس الشعب، وأنا قلت له إن ده يعني في غالب الأمر أيضا صحيح لأنه أنا شايف قدامي في شواهد وقدامي يعني المسائل بتتحرك والقاهرة يعني في وضع فظيع الحقيقة يعني. بيكلمني أنور السادات ثاني وأنور السادات بقى في هذه المرة كان أكثر من أي مرة سابقة بيقول لي إنه يعني شوف أنت قل للريس أنه.. وبعدها تكلم زكريا محي الدين وشعراوي طبعا كان كل خمس ثواني بيتكلم، يعني في حاجة، في موقف في العالم العربي يعني ما حدش قادر على تصوره، وفي الصبح كده تقريبا جاء لي تلفون من الرئيس بومدين والرئيس بومدين بقى يبقى عند.. بقى قبلها كان بيترجى بالليل في كلامه مع جمال عبد الناصر لكن بقى عند الصبحية بيتكلم معي وبيتكلم بغضب وبيتكلم أنتم بتعملوا إيه في القاهرة؟ وأنه.. والجزائر واللي في الجزائر والناس في الجزائر والبلد كلها حتروح والناس كلها.. الحقيقة بدأ يبقى موقفا.. أنا اتصلت بالرئيس وقلت له إنه أنا بأتصور أنه بأي شكل من الأشكال لم يعد هناك مفر من أنه يعني إحنا شفنا قلت له يعني أنا وهو في ذاكرته طبعا كله كان يعني لكن حصل كذا وحصل كذا وأنه في سوريا حصل كذا والنهارده واضح أن الإسرائيليين يعني أنا بأعتقد أنه إحنا بنديهم حاجة بأي معيار أكثر مما كانوا.. حتى الرئيس بومدين بيقول لي تعال تصور، وهو في التلفون بيكلمني، تعال تصور كيف تتصرف إسرائيل مع هذا العالم العربي؟ إحنا حنحارب ما فيش مجال للمناقشة أنه إحنا في معركة قادمة والأمة لن تقبل هذه النتائج التي حدثت وهي نتائج غير طبيعية ولا تتوازى إطلاقا لا مع المنطق ولا مع التاريخ ولا حاجة وأنه لا بد أنه في حاجة حصلت، حاجة حصلت غلط. وهو كان في ذهنه في ذلك الوقت أنه بشكل ما في خيانة والحقيقة ما كانش في خيانة، في جهل وفي قصور وفي مسؤوليات وفي عدم فهم لكن ما كانش في خيانة، لكن بومدين بدأ يبقى في باعتقاده -وهذا أقلقني جدا يعني- الرئيس بومدين بدأ يبقى في اعتقاده أنه في خيانة في مكان ما وأنه لا يمكن في تبرير لما حدث إلا بأن هناك من خان. فأنا بأتكلم مع الرئيس عبد الناصر بأقول له إن هذه المواقف كلها واللي جرى في سوريا وكل الأوضاع في المعركة وأنا بأعتقد أنه بدأت أشوف أن إسرائيل يعني من حقها إسرائيل يومها تدق كل البشائر وأنهم خلاص انتهت المسائل وانتهى العالم العربي، وأنا أعتقد أنه.. واقترحت عليه أنه بشكل ما أنه.. هو كان لا يزال وبحقيقي والله وأنا بعد سنين طويلة أنا شايفه قدامي، هو مش قادر يقبل ويمكن في جزء منه قد يكون أنه يشعر أنه قد يمكن آن للبلد أنها تلاقي قيادة ثانية، أنه حد ثاني يمكن قادر يقود، هو واثق أنه في معركة جاية وفي حرب جاية ولكن قد يكون مناسبا للبلد أنه يببقى في حد ثاني يقود لأن هو يصعب عليه ثاني أن يحاول يلملم أطراف ده كله خصوصا وهو يعلم لأنه كان بيتكلم عليها أن الجبهة الشرقية جبهة مهمة وهي أكثر جبهة قاست هذه اللحظة من كل هذا اللي جرى. قلت له حاول اعمل مشروع دلوقت ذهابك إلى مجلس الشعب واضح أنه مش ممكن، وأنا لو اتفقنا على مشروع كلام توجهه إلى مجلس الشعب يبقى قد يكون مناسبا وأنا حأمليه لأنور السادات، أنور السادات بحقيقي يومها ضرب لي ما لا يقل عن مثلا 30 أو 35 تلفونا سواء وأنا في البيت أو وأنا في المكتب في الأهرام، وبعدين اقترحت صيغة.. قعدت كتبت بسرعة ودي أنا، نظرية، يعني أنا كان.. ما أعرفش إزاي تحملت أنا هذه الظروف بحقيقي حتى هذه اللحظة لكن أنا كان عندي نظرية أنه أنا  I''ll cry tomorrow سوف أبكي غدا، بهذه اللحظة كل واحد فينا اللي يقدر يقف يقف، في الأزمات يعني، لكن فيما بعد كل واحد يتصرف زي ما هو عايز. فكتبت الجواب لمجلس الأمة، رسالة من جمال عبد الناصر إلى مجلس الأمة ومليتها لأنور السادات، وبعد شوية كان في على الهواء في الإذاعة، كان في في الإذاعة والتلفزيون كان في أنور السادات، مليته مشروع البيان هو كان بيقول، بيقول البيان "السيد رئيس مجلس الأمة لقد كنت أتمنى لو ساعدتني الأمة على تنفيذ القرار الذي اتخذته بأن أتنحى ويعلم الله أنني لم  أصدر في اتخاذي هذا القرار عن أي سبب غير تقديري المسؤولية متجاوبا مع ضميري ومع ما أتصور أنه واجبي، وإني لأعطي لهذا الوطن راضيا وفخورا كل ما لدي حتى الحياة إلى آخر نفس فيها، إن أحدا لا يستطيع ولا يقدر أن يتصور مشاعري في هذه الظروف إزاء الموقف المذهل الذي اتخذته جماهير شعبنا" هو فعلا كان مذهولا هو طول الليل، ليه؟ ليه؟ مش قادر يتصورها، وبعدين بيقول "الذي اتخذته شعوب الأمة العربية العظيمة كلها في إصرارها على رفض قراري منذ أعلنته وحتى الآن ولا أعرف كيف أفي بذلك أو كيف أعبر عن عرفاني" وأنه أشعر أن النكسة بتضيف عمقا جديدا.. إلى آخره، وبعدين بيقول إنه هو ده حيعود عن قراره مؤقتا. وهذه هي النقطة اللي فاتت على ناس كثير قوي أنه.. لكن في الأهرام ثاني يوم يعني إحنا طلعنا "أمام ضغط شعبي غلاب قرر عبد الناصر تأجيل قراره بالتنحي" وهو فعلا لأنه هو كان يتصور أنه قد يكون في فائدة في بقائه على بال الصبحية يعني ممكن يعني قدام اللي شايفه كله أنه يعد البلد لمعركة ثم لا يعود عن تنحيه، يعتقد ويعتقد بحق أن دوره قد انتهى وأن الإضافة الباقية عنده هي كيف يعطي كل ما لديه لمعركة القادمة. تصبحوا على خير.