- أحيانا للتاريخ عيون وآذان
- وقت للتماسك
- وللبكاء وقت آخر

أحيانا للتاريخ عيون وآذان

محمد حسنين هيكل
محمد حسنين هيكل: مساء الخير. عندما كنت أرتب أوراقي لحديث هذه الليلة وجدت نفسي موزعا بين اثنين من عظام المؤرخين، الأول هو غيبونز المؤرخ المشهور للإمبراطورية الرومانية وللثورة الفرنسية وهو من أحد كبار مؤرخي القرن التاسع عشر، والمؤرخ الثاني هو سير ستيفن رانسيمن وهو المؤرخ المعتمد لتاريخ الحروب الصليبية. الأول كانت له نظرية هي أن من يتصدى للتاريخ أو من يتصدى لكتابة التاريخ عليه أن يتجنب حرفا أساسيا من حروف الأبجدية وهو الحرف "I"، الحرف أنا، أي الحرف الذي يتحدث فيه أو يكتب أي مؤرخ بأسلوب المتكلم. لكن وجدت نفسي في حيرة فعلا إذا أنا أخذت بنصيحة غيبونز، أولا أنا لست مؤرخا وقد قلت ذلك مرارا وكررته وأظن أنه لا داعي لأن أعيده مرة أخرى، لكن هذه الليلة التي أريد أن أتكلم عنها كنت شاهدها الوحيد، كنت الرجل.. هذه الليلة وهذا اليوم الذي أتحدث عنه وهو يوم تنحي جمال عبد الناصر شاءت المقادير أن أكون الشاهد الوحيد، واحد ووحيد في واقع الأمر حاضرا وشاهدا رائيا وسامعا لكل ما جرى في ذلك اليوم في مكتب جمال عبد الناصر، وقد أراحني على أي حال المؤرخ الثاني وهو رانسيمن لأنه هو أرسل لي خطابا ذات مرة، أشرت إليه سابقا وهو خطاب كتبه لي بعد أن قرأ لي كتابا هو كتاب The Road To Ramadan وهو عن وقائع حرب أكتوبر، وقال لي السير ستيفن رانسيمن في هذا الخطاب قال لي بالنص، عزيزي فلان "لقد فرغت قبل أيام من قراءة كتابك الأخير وكنت أبحث عن وسيلة للاتصال بك ولسعادتي قابلت السفير دمشقية" السفير دمشقية في ذلك الوقت هو عميد السلك السياسي العربي وهو عميد السلك السياسي أيضا لأنه قضى مدة طويلة جدا في لندن، "ومن خلال حديثي معه عرفت أنكما أصدقاء وقد بعثت إليك معه بكتابي عن الحروب الصليبية ولست أعرف إذا كنت قد اطلعت عليه فإذا كان الأمر كذلك فلا أظنك تمانع أن تكون لديك نسخة مكررة منه كتب لك مؤلفه عليها إهداء بخطه تحية لك" وكلام ظريف، ولكن بيقول لي "لا أخفي عليك أنني أحسدك على تجربتك التي أعطتك الفرصة لتعيش التاريخ وتكتب عنه أيضا" وبعدين بيقول "هناك قول شائع لعلك تتذكره هو أن التاريخ له آذان ولكن ليست له عيون" وبعدين بيقول لي "ما أثار اهتمامي في تجربتك هو أن التاريخ عندك له آذان وله أيضا عيون وهذه تجربة أتمنى لو ناقشتها معك إذا خطر لك يوما أن تعود إلى أوكسفورد" وبيكمل بقية رسالته، بقية خطابه وأنا رديت عليه وإن كانت الظروف لم تسمح لنا أن نناقش ما كتبته أو فكرة أو رؤية أن هناك أحدا شاهد التاريخ ويكتب عنه وبالتالي فهو لا مفر أمامه إلا أن يتكلم بلغة المتحدث لأنه ليس هناك وسيلة غيرها. فأنا أقدم بهذه المقدمة، أقدمها لأبرر موقفي ولأعتذر إذا بدا أنني وقعت في المحظور الذي حذر منه غيبونز أي كاتب للتاريخ وهو استعمال الحرف "I" أنا، وعلى أي حال عذري أنني لست مؤرخا بالدرجة الأولى وعلى أي حال سير ستيفن رانسيمن أعفاني، حل لي المشكلة التي وضعها أمامي سابقه غيبونز. في هذه الليلة أنا تكلمت عنها، هذه الليلة هي مساء يوم 8،  يوم الخميس 8 يونيو سنة 1967 وقلت شرحت في الحديث السابق أن جمال عبد الناصر اتصل بي حوالي الساعة السادسة والنصف وحكى لي عما جرى في الجبهة بطريقة مختصرة طبعا لكنه كان واضحا أن هناك كارثة وقعت وأنه في القيادة وأنه اتفق مع عبد الحكيم عامر على ترتيبات لإنهاء كل هذا الوضع المعلق وأنه هو قرر أنه حان الوقت لكي ينصرف هو وينصرف عبد الحكيم عامر وبشكل ما هناك انتقال مذهل في حياة البلد لم يكن أحد يتوقعه، وطلب مني إذا كان ممكنا أن أكتب خطابه في اليوم التالي الذي يوجهه للأمة بإعلان خروجه تماما من الحياة السياسية العامة في مصر، وأنا كان هذا رأيي وأنا شرحت أنه أنا كان رأيي ولا يزال أنه لم يكن أمام جمال عبد الناصر إلا أن يخرج إلا أن يستقيل يتنحى، أي كلمة ممكن تخطر على البال، لكن جمال عبد الناصر ألقى إلي بهذه المهمة ثم كان علي أن أواجه ما هو مطلوب مني، وأنا أشعر أنها لحظة شديدة الدقة وشديدة الحرج وشديدة الحزن في التاريخ المصري. اللي حصل يومها وأنا أريد أن أحكي كل شيء لأنه أنا كتبت عنه ثاني يوم، اليوم التالي، أو اليوم هذا اللي كنت بأتكلم عليه ده كان يوم 8 بالليل، 9 الصبح أنا كنت عنده بمشروع الخطاب، 11 كتبت هذه النقاط عن كل ما جرى لأني أردت لها أن تبقى حية في ذاكرتي كما عشتها محتفظة بكل ما فيها من نبض وحس بالدرجة الأولى. لكن بعد أن فرغت من التلفون مع جمال عبد الناصر في الساعة 6,30 تقريبا مساء يوم الخميس اللي هو 8، وضعت سماعة التلفون وأنا أمامي مشكلة حقيقي خطيرة جدا، وتصورت أنه أقدر أكتب وطلبت من مديرة مكتبي وقتها السيدة نوال محلاوي أنها.. أنا مش عايز أشوف أحد، مش عايز أشوف زوار، وبدأت أحاول، حطيت ورقا قدامي مسكت قلم وبدأت أحاول أكتب وأنا بشكل ما بأحاول أستجمع خواطر، مش قادر أعمل حاجة يعني، لكن بعد شوية بدأ يجي زوار لا تستطيع نوال أن تحجب أحدا منهم، بصيب لقيت توفيق الحكيم جاي لي ومعه الدكتور حسين فوزي، بعدهم بشوية دخل الدكتور لويس عوض، ما فيش دقائق إلا ودخل سيد مرعي وعزيز صدقي ومصطفى خليل بعد شوية ووجدت أنه.. عادة إحنا يوم الخميس في الأهرام كنا لأنه في عدد الجمعة ثاني يوم طالع، عادة في التقليد أو في نظم العمل التقليدية أنه في هذا اليوم نحن بنخلص بدري لأن الأهرام بيطبع كثير قوي في وقتها في ذلك الوقت في عدد الجمعة، وبعدين ناس كثير قوي بينصرفوا ولكن بيحصل مرات أنه أنا بأقعد وبيحصل مرات أنه يبقى في زوار بيجوا مرات يعني لكن في هذا اليوم كان في الزوار مش جايين يتكلموا في أحوال عادية، كان كل الناس ملهوفة على أنه إيه اللي جاري، لقيت عندي كل هؤلاء الناس، لقيت تلفونات أيضا كلمني أنا فيما هو مسجل عندي، كلمني صديق رئيس تحرير جريدة ديرشبيغل الألمانية وهو كونراد ألرز في ذلك الوقت وهو يريد أن يبعث بمندوبين خاصين لأنهم عاوزين يغطوا.. شايفين الأمور في الجبهة بتتطور بشكل ما وعاوزين يغطوا حاجات لكن أنا هنا في هذا الوضع حقيقي مش قادر أقعد أشتغل في حاجة في الأهرام والمسائل محددة، محصور، الوقت محصور جدا أمامي، فخرجت، استأذنت من الموجودين كلهم وقلت لهم إنه أنا مطلوب في الخارج دون أن أحدد، وهم يمكن أدركوا أنه أنا عندي معاد مع الرئيس في ذلك الوقت ولكن واقع الأمر كنت رايح لبيتي وتصورت هناك أنه أستطيع في بيتي أن أجلس وأن أكتب في هدوء دونما مقاطعات، وذهبت بالفعل إلى بيتي وجلست لأكتب لكن في تلك اللحظات بدأت أحط شوية ملاحظات على الورق لكن ما فيش حاجة متكاملة ما فيش حاجة متجمعة لا أستطيع أن أبلور شيئا على وجه اليقين في مثل هذا الموقف، ولقيت نفسي بأفكر وشردت بأكثر مما هو لازم، شردت إلى ما جرى وكيف جرى وإزاي حصل وكيف سارت الأمور على هذا النحو؟ ولكن كل هذا كان بلا فائدة في ذلك الوقت وأحسست أنه أنا مأخوذ بما جرى ومأخوذ بالبحث عن أسبابه والبحث عن دواعيه في هذه الظروف وبالتالي أنا مش عارف أشتغل حاجة، بعدين اتصلت بمكتبي أو واقع الأمر أن نوال محلاوي اتصلت بي بتسألني إذا كان في أي حاجة ثانية، وأنا قلت لها على طول كده قلت لها نوال أنا جاي المكتب، راجع المكتب ثاني، وتصورت على أي حال أنه أنا وأنا موجود في مكتبي في الأهرام فالمناخ قد يكون مختلفا، لأنه وأنا قاعد في بيتي الأفكار أكثر قوي بتلح علي بأكثر من دواعي هذه اللحظة بل أكثر من متطلبات هذه اللحظة، بأفكر  في كل ما جرى وما يمكن أن يجري إلى آخره، في الأهرام تصورت أنه أنا قاعد في مكتبي، مناخ الجريدة باستمرار في ذلك الوقت مناخ الجرائد يشعر أي كائن حي بأنه في حاجة مهمة قوي وهي أن سيف الوقت مسلط عليه لأنه مضطر أن يلحق بمطبعة لا بد أن تدور في لحظة معينة وبالتالي أمامه ما يسمونه في الصحافة deadline اللحظة الأخيرة، السطر الأخير وأن مناخ الأهرام قد يعطيني جوا من الانضباط مرة أخرى يكبح هذه الخواطر خصوصا وقد عرفت أن معظم المحررين خرجوا فيما عدا وردية الليل اللي موجودة يعني مجموعة لا تزيد عن 10، 12 واحد بيشتغلوا في التهيئة للطبعة الثالثة إذا اقتضت الأمور طبعة ثالثة. طلعت مكتبي، مكتبي كان في الدور الأرضي تقريبا لأنه كان في ستة سلالم بالضبط من مدخل الأهرام من باب الأهرام إلى طرقة صغيرة جدا وعلى ناحية منها في مكاتب المحررين وعلى ناحية ثانية في مكتبي ومكتب مديرة مكتبي، ولقيت مدير التوزيع واقفا على الباب وهو في إشكال مع نوال محلاوي لأنه عاوز يقابلني وهي عاوزة تبعده ولكنه جاي يسألني إذا كان لا بد من أن نزيد طباعة الأهرام غدا إلى أرقام فلكية والحقيقة أنا ما كنتش مستعد أتكلم قلت له روح لأي أحد، أحلته إلى مدير تحرير الأهرام إذا كانت هناك ضرورة لزيادة غير متوقعة أو غير طبيعية في طبع الأهرام هذه الليلة، والطبعة الأولى على أي حال كانت قربت تنتهي. دخلت مكتبي وقعدت وأنا أحاول أن ألملم أفكاري، أظن أنه أنا كنت في مكتبي -طبقا لما سجلته- كنت مرة ثانية في مكتبي حوالي الساعة 10,30 وقعدت وكانت هذه أصعب سطور أكتبها، أصعب ما كتبت في حياتي لأنه في هذه اللحظة أنا كنت أشعر ومؤكد غيري كثيرون كانوا يشعرون أنه إحنا في لحظة فاصلة على الـ razor edge زي ما بيقولوا على حد الموس، على حد السكين، ولكن على أي حال فرغت قرب الفجر واتصلت وعرفت أن جمال عبد الناصر في المكتب وكلمني هو بعدها وقلت له أنه أنا جاهز فطلب مني أن أذهب وذهبت إلى بيته وأنا أفكر طول الطريق، أفكر طول الطريق الحقيقة كان أمامي الطريقة التي أتحدث بها لأنه أنا كنت متصور أن الرجل في.. هذا الرجل بكل الأساطير اللي حواليه بكل هذه.. كل هالات البطولة المحيطة به في هذه اللحظة وهو جريح في هذه اللحظة ليس هناك داعي أن أي أحد يروح ويتفلسف ويتكلم فيما جرى وكيف جرى، ما جرى وكيف جرى أنا فكرت فيه امبارح يعني في المساء وهو على أي حال واضح قدام كل عين ولكن أن أذهب الآن إلى مكتبه وأن أزيد من مواجعه في الكلام عما جرى وكيف جرى ومن المسؤول وكل الكلام ده، وبالتالي فأنا بالسيارة في طريقي إلى بيته قررت لنفسي الأسلوب الذي أتحدث به وهو أن أواجه هذه اللحظة، مواجهة هذه اللحظة ثم يجيء فيما بعدها وقت التفكير فيما كان وكيف جرى وكيف وقع ما وقع إلى آخره. لكن وصلت، دخلت مكتبه، دخلت مكتبه بالضبط الساعة 6,30 وثلاث دقائق وكان على التلفون، هو كان على التلفون بيكلم أحدا، عرفت أنه عبد الحكيم عامر، وعرفت أنه.. هو بيقول له بيقول له، بيتكلم معه ويبدو من مجرى الحديث أن عبد الحكيم عامر بيقول له إنه في قوات إسرائيلية بتحاول تعبر قناة السويس إلى الضفة الغربية، وأنا أول ما أدركت أول ما فهمت إيه الموضوع اللي بيتكلم فيه عبد الحكيم من الكلام اللي أنا سامعه من جمال عبد الناصر من ردود جمال عبد الناصر عليه أبديت رأيي أن هذا لا يمكن أن يبقى صحيحا لأن الإسرائيليين لا يمكن إطلاقا يقربوا من الناحية الغربية لأنهم حيخشوا بالضبط في مواقع الكثافة السكانية بقى، هذه ليست سيناء الخالية بعد الخط الأول من القتال -كما شرحت مرة- هذه ليست سيناء المفتوحة ولكن من هنا سوف يدخلون في معركة حقيقية لأنهم سوف يدخلون إلى عمران وإلى كثافة سكانية وهذا لا يمكن أن يكون. فهو قال، حط يده على السماعة وقال، وقفني وأنا بأتكلم وقال لعبد الحكيم، عبد الحكيم يظهر أن هيكل له رأي آخر عن اللي بتقوله، فأنا كلمته، كان إداني التلفون وكلمت عبد الحكيم وعبد الحكيم كان مستثارا جدا وأنا بأتصور أنه في هذه اللحظة الأخبار اللي كانت جاية له كان فيها كثير قوي من التشويش وفيها كثير قوي من التهويل وأظن أنها مما ينطبق عليه بيت الشعر اللي بيقول

غلبوا على أعصابهم فتوهموا

أوهام مغلوب على أعصابه

ولكن على أي حال طبعا ما قلتش بيت الشعر ده في وقتها يعني، لكن انتهت المكالمة وثبت فعلا أنه ما كانش في حاجة وجلسنا. جمال عبد الناصر قاعد وراء مكتبه وأنا قاعد قدامه وبعدين بلا كلام قعدنا، يعني أنا مستعد أقول إنه قعدنا حوالي 3، 4 دقائق تقريبا ليس هناك كلام لأنه في اعتقادي أن كلانا كان عاجزا عن أن يصف مشاعره في هذه اللحظة.



[فاصل إعلاني]

وقت للتماسك

محمد حسنين هيكل: فقعدنا ساكتين لفترة كده لكنها كانت فترة ثقيلة جدا وبعدين أنا بقيت أتكلم والحقيقة لازم أقول إنه أنا، قلت له يعني قلت له رأيي بأن اللي فات مش حنتكلم فيه دلوقت لكن يعني ده مجاله بعدين، لكن دلوقت عاوزين اللحظة، أنت طلبت مني أن أعمل كذا وأنا عملت، وهذا نص مكتوب بخطي وأنا عارف أن خطي وحش لكن أنت تعودت تقرأه مرات كثيرة قوي يعني وناولته اللي كتبته فقال لي أنا مش قادر أقرأه ويعني فعلا كان باين عليه أنه رجل مرهق، لأن هذه ساعات بالنسبة له أنا أتصور.. أنا لم أكن قد رأيته من يوم الجمعة اللي فات لغاية هذه الجمعة يعني قعدنا تقريبا عدة أيام لم نتقابل، لكن بدا لي أن تأثير هذه الأيام عليه شكلا وحالة كان كبيرا قوي لأن كمية.. يعني أنا في اعتقادي أن كمية الحزن اللي كانت موجودة عنده كانت.. وأظن وقتها كان غير قادر على تصديق ما جرى، وحتى قال لي أنت بتقول لي أعصاب وبتاع عبد الحكيم ضيع أعصاب وضيع الجيش كمان، قلت له، أنا قلت له، قلت له يعني أنا عاوز أقول لك يعني هذا حدث في التاريخ نتكلم فيما بعد عما يمكن أن يكون قد أدى إلى هذا وأنا بأعتقد أن ما أدى إلى هذا كثير قوي لكن أنا بأعتقد أنه في هذه اللحظة علينا أن نتذكر أن هذه المحنة التي نواجهها واجهتها أمم كثيرة قبل كده قبلنا في كفاحها وفي ظروفها وأنه يعني وقعدت فكرت قلت له يعني ده اللي بيواجه تشرشل على أي حال في دانكرك وده اللي واجهه روزفلت في بيرل هاربر لما.. سواء دانكرك في انسحاب انجلترا من أوروبا أو روزفلت في تدمير الأسطول الأميركي كله في الباسيفيك في بيرل هاربر، قلت له إن فرنسا استسلمت وإحنا، أنت يعني أنا أظن أنه إحنا مش حنستسلم يعني، لكن فرنسا استسلمت وفي.. هو كان بيقول إنه ما كانش في داعي لهذا كله وإن دي غلطات في بعضها غلطات، أنا كان لي رأي ثاني، في بعضها غلطات واضحة جدا وظاهرة وأنا كان رأيي وحتى قلت له وقتها لأنه أنا عاوز التهوين عليه لأنه في هذه اللحظة أنا كنت معتقدا أن الضغط إنسانيا على هذا الرجل في هذه الظروف أنا بأعتقد وكنت بأتصور أنه جريمة، أنه لا ينبغي في هذه اللحظة يعني على أي حال، فقلت له إنه كان في جنرالات قبل كده مسؤولين، آيرون سايت كان مسؤولا، المارشال آيرون سايت كان مسؤولا في دانكرك، بيتان وجاملان كانا مسؤولين عن استسلام فرنسا، قائد الأسطول الأميركي في الباسيفيك ما هو مسؤول لكن هذا يحدث في التاريخ والأولى هو، الآن اللي قدامنا هو مراجعة اللي قدامنا، الكلام اللي قدامنا دلوقت ومواجهة الموقف كما هو حتى يمكن أن يتحقق انتقال معقول في الظروف وأنك تحقق اللي أنت عايزة وهو أنك تمشي. وهو معتقد الرجل كان حقيقة معتقد أنه انتهى كل شيء فيما يتعلق به وإن كان غير قادر على تصور ومستهول جدا ما يمكن أن يحدث في البلد لأنه.. على أي حال قعدنا، هو قال لي اقرأ الخطاب أنا مش حأقدر أقرأه، وأنا مسكت الخطاب -وأنا قدامي الـ nots اللي كاتب فيها كل اللي حصل في هذا اللقاء- هو أنا ابتديت أظن ما كانش في مشاكل كثيرة قوي، كان في.. هو أقر تقريبا ما كتبته ولكن إحنا وصلنا عند نقطة أنا كنت بأعتقد أنها حيوية، أول نقطة وقفنا عندها ومش هي الحيوية دي وهي أنه أنا كنت كاتب في النص الأصلي أنني على استعداد لتحمل نصيبي من المسؤولية، فهو قال لي لا، هذا ليس عدلا لأنني أنا المسؤول ولا بد أن أتحمل المسؤولية كاملة، وأنا لم أناقش في هذا لكن جئنا إلى النقطة الأكثر صعوبة لأنه كان طلب مني قبلها بيوم أن.. لما كلمني بالليل علشان أحضر نص الخطاب طلب مني أو قال لي إنه اتفق مع عبد الحكيم عامر على أن يجي شمس بدران كرئيس للجمهورية ووجهة نظرهم في هذا أو وجهة النظر اللي حكاها لي جمال عبد الناصر زي ما هي يعني أنه بيقول إنه في جيش راجع من سيناء بعد ضربة قاسية وفي شعب سوف يواجه بصدمة لم يكن يتوقعها وأن هذه النقطة في اعتقاده قد تولد شرارة خطرة جدا وأنه من الضروري جدا أن يكون هناك بشكل أو بآخر.. هو حيمشي هو مش موجود وعبد الحكيم حيمشي فمطلوب أن يكون بشكل أو بآخر هناك أحد يستطيع، في القوات المسلحة يعني، يستطيع أن يحكم أو يستطيع أن يدير أو يستطيع أن يلطف من حدة هذا اللقاء للحقائق بين جيش عائد من سيناء ومضروب في كبريائه وكان مظلوما في اعتقادي وبين شعب هو الآخر كان مظلوما لكنه بيفيق على صدمة كبيرة. وهنا في لحظة حرجة وأنا وقفت هنا، قلت له أنا حاولت الحقيقة، أنا آسف بأقول ده لكن هذا ما حدث وكل الناس بتعرفه، قلت له أنا، هنا أنا الحقيقة حاولت أكتب اسم شمس بدران ولم يطاوعني أي قلم أن أكتب اسم شمس بدران، لعدة أسباب، السبب الأول أن شمس بدران أحد المسؤولين بصرف النظر عما جرى إلى أي درجة حدود مسؤوليته أنا لا أناقش في هذه اللحظة مسؤولية أحد بالذات لكن كل التركيبة الموجودة على بعضها بهذا الشكل أنا بأعتقد أنه لا بد، انتهى، هذا الموضوع انتهى وأن شمس بدران، مجيء شمس بدران أنا بأعتقد أنه حيؤدي إلى تأجيج المشاعر أكثر ويزيد من حدة الصدام بين الجيش والشعب في هذه اللحظة لأنه ببساطة أنا لا أعتقد أن ده قادر على إدارة هذه اللحظة، هذه اللحظة تحتاج إلى إدارة من نوع مختلف، فهو قال حاجة واتحطت بعد كده فيما بعد في الخطاب أنا أضفتها في الخطاب وهو قال إنه أنا أيضا، مش عاوزين نصفي الثورة، أنا حأمشي وعبد الحكيم حيمشي لكن الثورة باقية، قلت له هنا في سؤال مهم جدا، ما إذا كان شمس بدران بيمثل الثورة، أنا ما عنديش اعتراض، يعني أنا لي رأيي في هذا وقلته وقتها قلت له إن الثورة هي فكرة والفكرة استوعبها الناس وهي مضت ولكن إحنا النهارده إذا جبت، أنا مش عارف إيه يخلي أي أحد غيرك بعدك وغير أعضاء مجلس قيادة الثورة ممكن يبقوا بيمثلوا شيئا في الثورة، أنا ده غير قادر أتصوره، فهو قال لي بس أنا اتفقت على الكلام ده مع عبد الحكيم عامر وأنا خايف أنه مع المشاعر المستفزة في هذا الوقت أن عبد الحكيم عامر يتصور أنني نكثت باتفاق اتفقنا عليه، قلت له أنا بالحقيقة يعني أنا بأتصور أنك أنت بالتنحي أنا أظنك أنك بتعيد الأمر للبلد واتفاقك مع عبد الحكيم عامر أو عدم اتفاقك مع عبد الحكيم عامر أنا أظن أن هذه قضية بينكما لكنها ليست فيما يخص الناس، والحقيقة لازم أسلم أنه هو بدا عليه نوع من التردد وقال لي طيب إذا ما كانش شمس بدران يبقى مين؟ وأنا على طول قلت له من أقدم أعضاء مجلس قيادة الثورة ممن هم لا يزالون موجودين في الداخل؟ لأنه لا يمكن، لا يعقل في تلك اللحظة أن أفكر أو أي أحد يفكر، في أحد خرج، في أحد خرج من بدري، خرج مبكرا، فضلا عن أنه أنا في اعتقادي أن الكل في هذه اللحظة، وهو الحقيقة جمال عبد الناصر عبر عنها قال، وقلت له حتى هو عبر عنها لما قال إنه فاكر أن، أرى حاجة أن أي نظام يعجز عن حماية حدود الوطن يفقد حقه في البقاء، وأنا قلت وواقع الأمر هو كان قصده يعني ما قالهاش بالطريقة دي لكن أظن أن المعنى اللي قصده أنه يفقد شرعيته لأن هذا هو القول الأصلي في أي نظام لا يستطيع أن يحافظ على حدود وطنه يفقد شرعيته، لكن هو بيقول.. فأنا كنت بأقول له إن ما حدش يقدر النهارده إحنا بنفكر في وضع transition وضع انتقالي لكن لا بد أن ندرك أنه مهما قيل إن الثورة مستمرة، أول حاجة أن النظام يعني في اعتقادي أن النظام انتهى، انتهى الموضوع، على الأقل فيما بدا لنا في ذلك الوقت وأن الثورة، ما كان في الثورة استوعب عند الناس وأظن إحنا محتاجون إلى نظرة أخرى وأنا متصور أنه أنت معنى تنازلك معنى أنك أنت بتمشي قررت أنك تمشي -ده التعبير اللي هو كان بيستعمله أنه لازم أمشي- معنى أنك أنت بتمشي أنك بتعيد الأمر مرة أخرى لوضع انتقالي لكن الناس حتفوق من هذه الصدمة وحتقرر عاوزة تعمل إيه وحيبان حتعمل إيه. فقال لي طيب كمل قراءة الخطاب لغاية آخره وبعدين  نشوف، خلي اسم شمس بدران، خلي الاسم من يجيء بعدي مفتوحا، لكن أنا مستعد أقول إنه والله زكريا محي الدين هو اختيار قد يكون معقولا لأنه أنا بأعتقد -هو بيقول في ذلك الوقت- بأعتقد أنه من أهم المسائل أمامنا كيف يمكن أمام أي من هو قادم كيف يمكن أن يستعيد بشكل ما علاقة من نوع ما مع الأميركان، مع الولايات المتحدة الأميركية اللي كان بادي أنها الطرف المؤثر والمحرك لكل الحوادث، فهو كان بيتصور حتى في هذه اللحظة أنه بشكل ما لا بد من.. لا يمكن لأي أحد بعده الوصول إلى حل سلما أو حربا إلا بشكل ما بنوع من استكشاف أكثر وأكثر عمقا وأكثر دقة للنوايا الأميركية في هذه اللحظات وخطر له أن زكريا محي الدين كان هو الرجل مهيأ لأن زكريا محي الدين كان على علاقة قريبة بالعلاقات المصرية الأميركية وعلى أي حال هو الرجل اللي كان رايح يوم 5 يونيو، مقدم أنه يروح 5 يونيو لكي يقابل الرئيس الأميركي ليندون جونسون في واشنطن لولا أنه طبعا كان جزء من الخديعة ترك، آه تعالوا ابعثوا زكريا محيي الدين لكن يطلع أن كل شيء مرتب لضربة في هذا الوقت اللي هو أظن أن السماح بذهاب زكريا محي الدين أو الاستعداد لاستقباله أو إبداء الاستعداد لاستقباله كان جزء من خطة الخداع حتى وإن لم يكن مقصودا بالتحديد كجزء من خطة الخداع، لكنه خداع ألقته الظروف في وجه من يريدون استعماله وقد استعملوه. لكن في كل الأحوال زكريا محي الدين رجل -جمال عبد الناصر بيقول- إنه يقدر أن يفتح بابا آخر مع الأميركان لأن هذا ضروري في المرحلة القادمة وزكريا محي الدين رجل بطبعه قادر وعنده حس سياسي ثم أن زكريا محي الدين أيضا قادر من ناحية الأمن بتجربته كوزير داخلية فهو يقدر يمزج السياسة بالحزم بأشياء كثيرة جدا في هذه اللحظة الدقيقة التي تلقى إليه المسؤولية. كملنا لآخر الخطاب وبعدين رجعنا إلى.. أنا زودت له أنه ليس معنى اللي حصل هو تصفية الثورة فخليناها يعني عايمة كده. وبعدين وقفنا ثاني قدام اسم شمس بدران وأنا كنت وبأمانة يعني، أنا كنت يعني أدبا إذا كان عاوز يكتب اسم شمس بدران هو يحطه أما أنا لا أستطيع اقتناعا والحقيقة أنه هو في ذلك الوقت يعني أنا لا أستطيع أن أصف بطريقة دقيقة هذه المشاعر التي كانت تخالج نفس هذا الرجل الذي أنا بأعتبره الشخصية الأكبر في التاريخ العربي المعاصر كله ولغاية هذه اللحظة كان ولا يزال، وهو في هذه اللحظة كان جريحا وبقسوة يعني، جريح ويعني في أشياء كثير جدا فيه بتنزف، في كبرياء رجل معرضة لامتحان من أقسى ما عرفه أي سياسي في اعتقادي في أي امتحان، في الآخر قال لي هو أنا موافق على اسم زكريا محي الدين وأنه مقتنع وأن عبد الحكيم عامر يعني يفهم زي ما يفهم وإذا فهم أنه نكث بكلامه هو حر يفهم فيه ما عادش في مجال لمجاملة أحد وأنه الآن نحن أمام لحظة مختلفة لها مقتضياتها وأول مقتضياتها نسيان كل الحساسيات الشخصية مين يزعل ومين ما يزعلش ومين يقلق ومين ما يقلقش، كل ده تجاوزته الظروف لأنه نحن أمام إعصار عاتي بيغمر البلد كلها وحكاية كبيرة قوي، على أي حال أقره هو المشروع اللي كتبته بتعديل اسم شمس بدران أنا ما كتبتهوش شايفني كان في مكانه فاضي، فكتبنا اسم زكريا محي الدين وبعدين أنا أضفت كلمة على أن الثورة.. أن معنى هذا القرار ليس تصفية الثورة. وانتهى الموضوع وأخذت.. هو قال لي أنا عاوزك تستنى معي، خذ الخطاب وإديه إلى مكتب السيد سامي شرف، بيت الرئيس كان طلع في صور كثيرة قوي، بيت الرئيس كان في بابه الرئيسي فيه مدخل واسع، صينية واسعة بتلف حواليها العربيات، ثم الباب ثم الشارع في الناحية الثانية من الشارع كان في مكتب الرئيس للمعلومات اللي هو قاعد بيرتب أوراق مكتب الرئيس ويرسل إليه الملخصات والتقارير إلى آخره وهناك أيضا كان في الجهاز الجاهز المستعد اللي بيكتب على الآلة الكاتبة بيكتب مشروعات خطاباته ورسائله وإلى آخره، فأنا أخذت الورق اللي أنا كتبته وخطيت الشارع، طلعت لبره وخطيت الشارع عند مكتب سامي شرف وإديته النص وكان في موظف على الآلة الكاتبة -ما كانش لسه في computers- اسمه السيد عبد الرحمن، أستاذ عبد الرحمن، فسامي قلت له هذا هو الخطاب وأنا راجع ثاني داخل عند الرئيس وأول ما يخلص أستاذ عبد الرحمن كتابته انده لي أشوفه وأبص عليه أراجعه وآخذه ثاني جوه للرئيس، فسامي وهو أنا بأعتقد أنه من أكثر الناس اللي خدموا جمال عبد الناصر وأكثرهم.. من أكثر الناس في مكتبه حقيقة أنا بأعتقد أنه حاول هذا الرجل، حاول قدر ما يستطيع أن يخدم وأن يخدم بأمانة وتجرد، لأنه يعني هو كان دائما حتى يمضي خطاباته للرئيس أو تقاريره للرئيس -وأنا كنت بأعترض عليها ما كنتش موافقا عليها- "جنديك المخلص حتى آخر لحظة من حياته" أنا ده ما كنتش موافق عليه، لكن يبدو أنه هو كان يفتكر ده.. لكن سامي لما قلت له مسك الخطاب بص فيه وقال لي إيه ده؟ قلت الرئيس حيمشي، قال حيمشي يروح فين؟ وبعدين بدأ يصرخ لا يمكن، حكاية كبيرة كده، في هذه اللحظة ضرب التلفون من جوه جمال عبد الناصر بيستعجلني وأنا أخذت السماعة لأن سامي كان منفعلا والريس سمع الصوت ده فقال لي اعمل معروف قل لهم يهدؤوا يعني ما فيش ده مش وقته، فقلت لسامي شوف أستاذ سامي شرف شوف أنا حأترجاك الرجل في مصيبة وعلينا جميعا أن نخفف عنه ما يشعر به وليس أن نضيف إلى مشاكله.



[فاصل إعلاني]

وللبكاء وقت آخر

محمد حسنين هيكل: إدى الورق للأستاذ عبد الرحمن والأستاذ عبد الرحمن بدأ يجيب ماكينته ويحاول يكتب، وبيقرأ الكلام قبلها، أنا حبيت أقف معه علشان أتأكد أنه قادر على أن يقرأ كل حرف أنا كتبته لأنه أنا كتبت يعني أظن أنه يعني أنا خطي عادة ليس مقروء بطريقة معقولة يعني شوية صعب وفي هذه الليلة كان أكثر صعوبة فوقفت جانب الرجل فيما إذا استشكل عليه لفظ أو سطر أو أي حاجة، وقفت جانبه ولما جاء الرجل عند السطر ده اللي فيه التنحي اللي فيه أنه حيمشي فإذا به يفقد أعصابه ويعيط، وأنا بأقول له اقعد يا رجل واقعد اكتب ما تكلموش الكلام ده دلوقت، الرجل يا دوب قعد يكتب فإذا بالأستاذ سامي شرف يتهجم عليه كيف يكتب هذا الكلام؟ كيف يجرؤ على كتابه هذا الكلام؟ أنا حاولت قدر ما أستطيع أن أهدئ الأستاذ سامي شرف وأخلي الأستاذ عبد الرحمن يبتدي يكتب لأنه ما فيش وقت لأنه تقرر عند الساعة السادسة مساء في ذلك اليوم أن جمال عبد الناصر حيلقي بيانه ومن قصر القبة من مكتبه في قصر القبة، فتركتهم وأنا عارف أن جمال عبد الناصر جوه بيستعجلني ودخلت مرة ثانية، ودخلت وجلسنا لحديث، ننتظر، إحنا طبعا قاعدين ننتظر كتابة الخطاب تخلص في الخارج في مكتب سامي شرف، فبنتكلم لكن الكلام كله بطبيعة الحال يعني فيه مرارة ما جرى وصدمة ما جرى وأنا بأحاول بحقيقي بأمانة بأحاول أنا معتقد أنه دائما هناك وقت للسلوى و هناك وقت للوم، هناك وقت لتلطيف المشاعر وهناك وقت لاستثارة الأسئلة والعقول لكن أنا كنت حاسس أنه في هذا اليوم ليس من حقي وليس من حق أحد، الرجل يشعر في داخله بما فيه الكفاية وأي أحد يحاول يسأل كيف جرى والكلام ده كله أنا بأعتقد أن.. لكن على أي حال بدأ هو يقول لي إنه يعني هو مش عارف إيه اللي بيحصل لكن يتصور أن زكريا محي الدين ممكن قوي يلم الأوضاع زي ما كان هو بيقول بحكومة مؤقتة يختارها وأن يحاول يفتح جسور اتصال ولكن هو شخصيا يائس من إمكانية حل سياسي وهو يعتقد أنه لا مفر ولا مهرب من أن مصر تعود مرة أخرى إلى معركة في ظروف أكثر ملاءمة وبتصورات أكثر ملاءمة وأهم حاجة بعالم عربي مختلف، لأنه وهو أظنه هو واضح قدامه أنه حتى بصرف النظر عن أخطاء أي أحد وعن القصور في أداء قيادات وفي.. قصور كبير جدا في أسباب كثيرة جدا للقصور لكن في حقيقة ليس بمقدور أحد أن يهرب منها وهي أنه يستحيل الدفاع عن الحدود المصرية في إطار الحدود المصرية أو على خط الحدود المصرية لأن هذا يحتاج إلى جبهة شرقية. وهو أنا أول مرة بأسمعه بيتكلم في هذا الموضوع بيتكلم عن جبهة شرقية أنها ضرورية لا مفر منها في معركة قادمة وعلى أي حال قال لي إن زكريا محي الدين حيتفاجأ لكن هو على أي حال حيخلص خطابه وحيحاول يشوف زكريا محي الدين اليوم التالي اللي هو يوم السبت لكي يسلمه الأوضاع ويقول الرأي النهائي ثم ينصرف، وتصوره كان أنه مش عارف حيروح فين لكن لدرجة أنه تذكر في ذلك الوقت أن القناطر، استراحة القناطر ملك الحكومة ما يقدرش يروح فيها وأن استراحة رأس الحكمة اللي كانت موجودة بدائية في ذلك الوقت برضه ما يقدرش يروح فيها وإن كان تصور أيضا أنه بشكل ما لا بد للناس أن يطلبوا مساءلته فهو جاهز للمساءلة، لكن قعدنا نتكلم في هذا الكلام، طلعت بعد شوية جبت نص الخطاب إديته مكتوبا على الآلة الكاتبة بدأ يقرأه ما كانش في مشكلة فيه بعدين طلب مني أن أقرأه له ثاني لأنه هو مش قادر يقرأه لكن عاوز يتعود عليه فطلب مني أن أقرأه ثاني وفعلا قرأته ثاني وبعدين بعثناه علشان يكتب بالنص الأخير، أخذته أنا عبرت به الشارع علشان يكتب والورق على ورق الرئاسة وبخط يعني بونط واضح أكثر يعني لأنه حيقرأه، ورجعت ثاني، رجعت ثاني بيقول لي إنه حتيجي معي القبة وأنا بأقول الخطاب، قلت له لا أن الحقيقة كان دائما أنا عندي في الأزمات كلمة هو كان دائما بيضحك عليها وهي لما أقول I''ll cry tomorrow هذا اليوم للتماسك لكن الدموع لها مكان في الغد ممكن يعني فأنا قلت له أنا لا أشعر أني قادر أروح القبة معك وأحضر وأنت بتلقي هذا الخطاب ولكن أنا حأروح أنزل وأروح بيتي وأنا يعني أنا يمكن هذا ليس هو الوقت المناسب لكن أنا في بيتي بأشعر باستمرار مع رفيقة عمري أنه في نوع من.. مرات ننزل بالأمان إلى الدرجة الإنسانية أنه أنا أحد يبقى محتاج أقرب الناس لي، قلت له أنا اعفني من حكاية أنه أروح القبة لأنه أنا حأروح البيت وحأتفرج حأشوف الخطاب في البيت، وهو قال لي أنا بس أنا حأترجاك أنك في هذه الليلة تبقى يقظا لأنه أنا ما أعرفش الظروف حتمشي إزاي لكن أنا عارف أنه في ناس مجانين وفي.. هو كان بيتكلم على مجموعة ضباط، الضباط الأحرار، hard core النواة الصلبة، تصورات الضباط الأحرار والكلام ده كله أو التنظيم الطليعي أو إلى آخره، كان متصورا أن يبقى في تصرفات قد لا تكون مضبوطة خصوصا أن زكريا محي الدين حيتفاجأ في الكلام اللي في الخطاب، أنا سألته كمان قلت له مش عاوز تقول لزكريا؟ قال لي لو قلت لزكريا حيعتذر وأنا ما عنديش مرشح ثاني أبدا فزكريا أنا آسف يعني أنا بأعتقد أنه أنا يمكن قد أكون ألقيت إليه بمهمة قاسية ولكن الظروف لا تسمح لي أن أقول له دلوقت. وعلى أي حال أنا خرجت تركته هو رايح القبة وأنا رحت على بيتي وقعدت في بيتي بأتفرج، قعدت قدام التلفزيون بأتفرج على الخطاب وأنا عارف كل حاجة فيه، يعني طبعا عارف كل حاجة في الخطاب لكن المشاعر الإنسانية في تلك اللحظة المشاعر الإنسانية يعني غلابة على كل حاجة ثانية، وخلص الخطاب هو خلص الخطاب وأنا.. وبعدين هو كلمني بعد الخطاب وبعدين فور انتهاء الخطاب كلمني، كلمني من مكتبه في القبة قال لي أنا حأرجع وأنا أشعر أنه غير قادر على البقاء مستيقظا لأنه لا بد بأي.. عاوز، أنا كنت حاسس أنه في أحد عاوز يهرب من الحقيقة، عاوز ينام، عاوز يعمل أي حاجة لكن لم يعد يستطيع أن يواجه هذا لأنه ثقيل على أعصابه، حتى وهو بيتكلم قدام التلفزيون أنا أظن أنه حصل له مشهد كادت الدموع أن تنزل من عينيه لأنه عندما بدأ يقول العبارات المتعلقة بالتنحي إذا طاقم التلفزيون كله مصورون ومساعدو تصوير إلى آخره اللي كانوا في مكتبه قصره في القبة كلهم يجهشون بالبكاء وحتى في الصور هو التفت وأحس بالمشاعر اللي بدأت تتدافع وبدا عليه التأثر وبدا كما لو كان أنه على وشك أن الدموع تظهر في عينيه، وأنا أظن أنه بذل مجهودا إنسانيا خارقا لكي يتمالك أعصابه وينهي الخطاب. لكن فور أن انتهى اتصل بي وقال أنا حأرجع البيت دلوقت وحأترجاك، أنا حأدي أمر أن لا يذاع أي حاجة باسمي ولا لها علاقة بي أو أي بيانات إطلاقا إلا إذا أنت شفتها لأنه أنا قلق جدا من أنه في مشاعر، أن شفت المصورين وشفت.. بيقولوا لا ورافضين والكلام ده كله، لكن أن هذا كله ليس له مجال في هذه اللحظة وأنا عندي خشية أن أي أحد، زكريا محي الدين ممكن يطلع بيان يقول لا مالهوش دعوة، لكن على أي حال لا يذاع أي شيء إلا بالرجوع إليك وأنا بعثت بتعليمات بهذا لسامي ولشعراوي ولوزير الإرشاد في ذلك الوقت السيد محمد فايق. وبعدين وأنا قاعد في شرفة بيتي وخلصت المكالمة وأنا قاعد أفكر في ما يمكن أن يجري في إلى أين هذا البلد؟ وفجأة.. أنا بيتي على ضفة النيل عند ناصية كوبري الجلاء وأنا أستطيع أن أرى من شرفة بيتي كوبري الجلاء وإذا فجأة كده لقيت بدايات ناس ناس ناس وإذا هناك مشهد بعد 3، 4 دقائق الكوبري مليان ناس والناس بتزحف لا أعلم إلى أين. أنا المشهد بالنسبة لي في هذا الوقت بدا أنه بلا تفسير، إيه ده؟ خارجين ليه الناس؟ لكن طبعا ممكن خطر على بالي أنها مظاهرات غاضبة، خطر على بالي وعلى أي حال من بعيد ما كنتش سامع الناس بتتكلم على إيه، وبعدين بعد شوية الاتصالات من الأهرام بتقول لي إنه في كل حتة في مظاهرات وإن هذه المظاهرات بتطالب الرئيس بالعودة وإنه لا يمكن وناصر ناصر ناصر إلى آخره وإنه في حاجة ثانية الناس رافضة الكلام اللي حصل ده، وبعدين الأهرام بيقول لي ثاني العالم العربي كله في بيروت وفي العالم الخارجي في أشياء غريبة قوي بتحصل وإنه في تقريبا ثورة شعبية في جنون في الشارع العربي وفي إطلاق رصاص في عواصم عربية كثيرة جدا، وحتى في بعض الدول الآسيوية، في أخبار كثيرة جاية لنا أن أصداء هذا الذي أذيع في القاهرة أحدث نوعا من الانفجار العام. جمال عبد الناصر كان وصل بيته وكان بقى له فترة وكلمني بالتلفون وقال لي يظهر في مظاهرات في الشوارع وعلى أي حال أنا عاوز أقول لك حاجة أنا داخل حآخذ منوم، هو قال حآخذ سيكونال قرص إداه له الدكتور بتاعه يعني منوم قوي جدا وأنه أنا حأخش أنام لأنه أنا.. وهو يعني إنسانيا ما كانش في مقدور أي إنسان أن يتحمل هذا، يعني أنا صحيح بأستغرب كيف أمكن لهذا الرجل وكيف أمكن لغيره من اللي كانوا قريبين من الحقيقة، أنا ساعات بأبص كيف استطعت أن أجتاز هذا اليوم أنا شخصيا وأظن غيري نفس الحكاية من اللي كانوا بيعرفوا من الدائرة القريبة اللي كانت بتعرف جدا ما كانش أحد بيعرف في واقع الأمر أبدا، لكن بعد شوية لقيت التلفونات منهالة عليّ لأنه.. أول واحد عبد الحكيم عامر، كلمني محمد فايق وهو وزير الإعلام السابق وهو في اعتقادي رجل مستقيم وعنده قدر كبير من الصلابة الأخلاقية والنفسية وكلمني وقال لي إن عبد الحكيم عامر كلمه وتخانق معه لأن عبد الحكيم عامر مصمم على أن يصدر بيانا في هذه الليلة يقول إنه هو الآخر قد تنحى وبيقول له إنه حصل غدر في حكاية ده ما كانش متفق عليه وإنه كذا وإنه وإنه، إلى درجة أن عبد الحكيم عامر شتمه، وقال لي محمد فايق قال لي أنا ما قدرتش أقول له حاجة وتركته يقول اللي عاوز يقوله لكن قلت له إن الأمر ليس معلقا بيدي وإن سيادة الرئيس قبل ما يخش ينام قبل ما يقفل عليه باب أوضته وينام قال إن أستاذ هيكل هو اللي يتولى مسؤولية أن يراجع أي حاجة أي بيان يصدر عن أي أحد، فاتصل فقال لي أنا بأحذرك لأن عبد الحكيم حيكلمك المشير حيكلمك وهو في حالة هياج، فكلمني عبد الحكيم بعد شوية، الحقيقة أنا في هذه اللحظة يعني أنا مش عاوز أعمل مشكلة لكن أنا برضه غير قابل أن عبد الحكيم يحتج على أي حاجة لكن كلمني عبد الحكيم ولازم أشهد أنني وجدته أهدأ مما تصورت وأنا كنت يعني أنا كنت مستعدا، ما أعرفش كنت مستعد لإيه، لكن كان رأي ليس من حق أحد في هذه اللحظة أن يفتح فمه بكلمة وأن يقول شيئا في هذه اللحظة، كفاية كده، فكلمني عبد الحكيم وقال لي يعني ده ما كانش المتفق عليه، قلت له يعني أنا معلش نتكلم في ده بكره، أنا مش عاوزك النهارده، كلنا مستثارون فيعني أنا بأترجاك أنه.. قال لي لا، أنت عاوز تطلع بيان ضروري يقول فيه إنه أنا أيضا تنحيت، قلت له يعني طيب، أنا بالحقيقة عاوز أكسب وقت معه وبعدين بأقول له إنه طيب عاوزين نكتب صيغة معقولة حاول تكتب صيغة معقولة، قال لي اكتب أنت صيغة معقولة، قلت له لا أنا مش حأكتب صيغة معقولة أنا هنا أنا بعيد يعني لكن أنت اكتب صيغة وإديها لي ونشوف على طول إيه اللي فيها، إيه اللي ممكن فيها. بعدين كلمني زكريا محي الدين، كلمني زكريا محي الدين وبيقول لي إيه اللي عملتوه فيّ يا هيكل ده؟ قلت له والله أنا حأقول لك حاجة أنا عارف أنها قاسية عليك، لكنك أنت، هذه مسؤولية وعليك أن تحملها، قال لي الناس بتشتمني في الشوارع دلوقت، قلت بصرف النظر عن أي حاجة دلوقت، الناس بكره حتواجه الحقيقة والناس حتعرف إيه اللي موجود. دقيقة وبيكلمني شعراوي جمعة، أنا الحقيقة كنت واقفا في هذه اللحظة كنت واقفا في طرقة بيتي التلفون الخاص اللي كان بيني وبين جمال عبد الناصر كان موجودا دائما في أوضة نومي في الأوضة الداخلية لكن أنا هم كل دول كان بيكلموني على تلفون الدولة اللي هو الـ BBX اللي عليه كل الوزراء وعليه يعني الواسع شوية، وأنا حسيت أنه وأنا واقف مش قادر أقف تقريبا لكن في هذه اللحظة لقيت شريكة حياتي بتحط كرسي تحتي تقريبا بتحاول تقول لي أقعد لأنه هي أحست أنا مش قادر أقف يعني، فقعدت فعلا وأنا بأكلم شعراوي جمعة وصفارات الإنذار ضربت، إيه إيه؟ شعراوي بيقول لي إنه ما لم يصدر بيان في هذه اللحظة يقول حاجة للناس فالقاهرة سوف تحترق، قلت له شوف، الرجل جمال عبد الناصر موجود في موقف لا ينبغي تضغطوا عليه أكثر من كده، ما فيش بيانات طالعة ولا حاجة وعليك أن تواجه الموقف بأي طريقة، لكن هذا كلام، هذا ما حدث في هذا اليوم في هذه الفترة سواء في الجبهة أو هنا، هذا معناه وببساطة كده وأرجوكم تبقوا عارفين أن النظام انتهى وأنه نحن أمام لحظة جديدة ومختلفة وهي دقيقة للغاية وعلينا جميعا بشكل أو بآخر.. أنه أنا ما أعرفش تعمل إيه، لكن الحقيقة أشهد أن شعراوي جمعة في هذا الوقت كان بيحاول هو الآخر لأنه كان قدامه مهمة مستحيلة لأن القاهرة امتلأت فجأة بحاولي 3 أو 3.5 مليون بني آدم جانب أن كل مصر كلها كانت في موقف آخر، كلها مستثارة وكلها مفاجأة وكلها في حالة صدمة وكل شيء قابل للوقوع. تصبحوا على خير.