- فضائح أفقدت بريطانيا هيبتها
- وقائع المؤامرة تتكشف
- مؤامرة، فضيحة، عري إمبراطوري
- إسرائيل.. منطق الأساطير

 

فضائح أفقدت بريطانيا هيبتها

 محمد حسنين هيكل

محمد حسنين هيكل: مساء الخير. يستحق ما جرى في سيفر ما بين 21 إلى 23، 24 أكتوبر سنة 1956 أن نتوقف أمامه طويلا لأنها لحظة مليئة بالدروس ومليئة بالعبر في واقع الأمر. سيفر لكي أذكّر، هي الموضوع الذي كنت أتحدث فيه في المرة الماضية وهي القرية اسم القرية الذي وقع فيها الاجتماع الذي نسقت فيه إسرائيل وفرنسا ثم بريطانيا فيما بعد نسقوا فيما بينهم عملية سرية أخذت شكل مش بس شكل مؤامرة، مؤامرة أخذت شكل معاهدة موقعة للتآمر على عمل مسلح ضد مصر في ذلك الوقت بسبب تأميم قناة السويس أو بسبب صفقة السلاح مع الاتحاد السوفياتي أو بسبب دعوة القومية العربية أو بسبب رفض الصلح مع إسرائيل أو بسبب مشروع السد العالي، عوامل كثير قوي متناقضة وأطراف كثير قوي لكن أنا بأقف قدامه لأنه هذا هو المناخ الممهد لعملية من أهم العمليات في التاريخ العربي الحديث وهي حرب السويس. الوقوف قدام سيفر في اعتقادي أول حاجة فيه على طول كده بيظهر أن كل الناس اللي بيقولوا إن ليست هناك مؤامرة في التاريخ أظن وبكل أدب محتاجين أن يراجعوا موقفهم، التاريخ ليس مؤامرة ولكن المؤامرة موجودة في التاريخ وأنا آسف أنني أكررها للمرة ما أعرفش كم في هذه الأحاديث، لكن أريد أن يكون واضحا في ذهننا أن الطريقة التي تتصرف بها الدول في صراعاتها تتدرج على مستويات متعددة جدا ترتفع إلى ذروة الحرب وتهبط إلى مستوى المؤامرة وهذه طبيعة صراع البقاء وصراع التفوق إلى آخره، هذه هي النقطة الأولى الواضحة أمامي في سيفر لأن الثلاثة أطراف تجمعوا اتفقوا على خطة مؤداها إيجاد ذريعة، الذريعة هي أن إسرائيل تهجم أو تتظاهر بالهجوم على مصر لكي يبدو أن هناك خطرا يهدد قناة السويس لكي يكون من ذلك ذريعة لبريطانيا وفرنسا يوجهوا فيها إنذار إلى مصر وإلى إسرائيل معا بأن يبتعدوا عن قناة السويس عشرة كيلو في الناحية دي وعشرة كيلو في الناحية الثانية ولكي تنزل قواتهم على مواقع معينة من قناة السويس وهي بور سعيد، الإسماعيلية، السويس. والذريعة بمعنى أنه لو أنه.. أنا كان ممكن قوي أحترم إنجلترا أكثر لو أنها قررت أنه في عمل.. أن مستعمرة سابقة لها أو محمية سابقة لها أو أي حاجة جاءت بعمل من أعمال العصيان بعد أن اتفقت معها على شيء على معاهدة على أن الجلاء عنها ثم قررت أن تخوض حملة واضحة ضدها، كنت أقول والله هذا يدخل في باب الصراعات وباب الحروب واستعمال القوة، لو أن إنجلترا جاءت وحدها كنت مستعد أغتفر وكنت أفهم ولكن الطريقة التي رُتبت بها الأمور بليل والتسلل والإخفاء والسرية والتوقيع على معاهدة على نص بكل حرف فيه ينطق أنه مؤامرة التوقيع عليه ثم التصرفات اللاحقة، هذه هي النقطة الأولى التي أقف أمامها في موضوع ما جرى في سيفر في تلك الأيام. النقطة الثانية هي اعتقادي بأن هذه المعاهدة في سيفر كانت واحدة من الأسباب التي أدت إلى انتهاء الإمبراطورية البريطانية تقريبا، الإمبراطوريات.. الحرب بعد كده حرب السويس والفشل البريطاني في معركة السويس كان هو الخاتمة لكن الدلالة أو الشاهد والبرهان الساطع في هذه العملية كان هذه الطريقة التي جرى التصرف بها في سيفر. الإمبراطوريات عادة تكشفها صراعات تظهر فيها وكأن رصيدها المختزن من القوة لم يعد كافيا لمواجهة مطالبها المتزايدة من التوسع والنفوذ، يبقى في عجز، ما عندهاش الوسائل، عندها الرغبة وما عندهاش الوسائل، في نقص في الميزان هنا، هذا يكشف الإمبراطوريات لكن الفضائح تعري الإمبراطوريات واعتقادي أن سيفر كانت واحدة من ثلاث فضائح كبرى أعتقد أنها واجهت الإمبراطورية البريطانية وأضاعت ما يمكن أن نسميه الهيبة الإمبراطورية. الدول باستمرار الدول وحتى الأفراد الفائض عن استعمالهم للقوة، الفائض عن استعمالهم للثقافة، الفائض عن استعمالهم لوسائل التقدم وفائض حتى عن تصرفاتهم الأخلاقية في الأزمات هذا يعطي ويكسب الدول هيبة، كلمة هيبة هنا كلمة لها معنى لأنها أكبر كثيرا من القوة وعلى الأقل هي سابقة للقوة، هي نتيجة القوة لكنها متعالية في اعتقادي أخلاقيا عن القوة. عندما تكون لدولة هيبة قد تغنيها هذه الهيبة عن استعمال القوة لأن هذا الرصيد الأخلاقي التاريخي السياسي عندما يتجمع مع بعضه يخلق للدول مكانة معينة تجعل لها احترام وأنا بأتصور أن هذا أهم ما يلزم مش بس الإمبراطوريات، الإمبراطوريات والدول وحتى الأفراد، أنه ما يزيد من أرصدة كل أحد كل طرف دولي حتى كل إنسان هو حمايته الأولى هو خط دفاعه الأول وهو معيار أساسي لقيمته على أي حال أو على الأقل معيار ظاهر لقيمته لكن أنا بأعتقد أن نزع الهيبة تعرية الهيبة عن الإمبراطورية البريطانية جاء وسيفر يعني حاجة مهمة جدا فيه. أنا بأعتقد أنه في ثلاث حاجات أثروا في هيبة الإمبراطورية البريطانية وأنا بأقف قدامها ولو أنه خارج الموضوع شوية لكنها مسألة مهمة جدا أن نطل على الأطراف الفاعلة في العمل الدولي خصوصا فيما يتعلق بالحروب معنا. إنجلترا في اعتقادي فاتت في ثلاث أزمات كبيرة قوي، لغاية الحرب العالمية الأولى وبعدها بفترة طويلة كانت الهيبة الإمبراطورية موجودة معتمدة على بيروقراطية بريطانية، حكم في بريطانيا نظيف، برلمان وحياة ديمقراطية واضحة، توجه أخلاقي أو قيم أخلاقية وتعليمية ثقافية موجودة مترسبة في الجامعات البريطانية وفي غيرها، نظام قضائي محترم، عائلة مالكة بشكل أو آخر موجودة والظروف أحاطت بها من أول الملكة فيكتوريا أعطتها نوعا معينا من الاحترام وسط كل الأسر المالكة اللي بتتساقط في أوروبا كلها. اعتقادي أن أول فضيحة.. أزمات القوة كانت باينة في الإمبراطورية البريطانية لأنها خرجت من الحرب العالمية الأولى منهكة متعبة وبعدين حاولت تتظاهر بأن ما هو إمبراطوري لا يزال قائما لكن هنا ضعف القوة لحقه ظهور الفضائح واحدة كشفت والأخرى عرت، نقص القوة كشف والفضائح عرت. أول حاجة كانت أظن فيما أظن أنه هو تنازل ملك بريطانيا عن العرش لكي يتزوج أو يستطيع أن يتزوج بـ مسز سيمبسون اللي أصبحت فيما بعد دوقة ويندسور واللي تنازل عن العرش بعدها قائلا لكل شعوب الإمبراطورية أنه لا يستطيع أن يمارس مسؤولياته في الملك دون المرأة التي أحبها، وأنا بأعتقد أن هذه كانت ضربة كبيرة جدا في هيبة الإمبراطورية في هيبة الكومنولث لأنه حينما تشعر شعوب الإمبراطورية وبعضها موجود طواعية في الكومنولث أن رمز الكومنولث ورمز الإمبراطورية لا يستطيع أن يمارس مهامه دون امرأة ذات ماضي، في مثل في تعبير لأوسكار وايلد دائما يقول فيه إن امرأة ذات ماضي كفيلة بأن تقضي على رجل له مستقبل، لكن هنا كان في هزة من الإمبراطورية أنا بأعتقد أنها أضاعت من هيبتها. العملية الثانية فيما أظن كانت سيفر، سيفر أهمية سيفر في اعتقادي أن جهاز الدولة البريطاني فقد ثقته في القيادة السياسية، لو أي أحد يشوف كيف تصرف جهاز الدولة البريطاني، جهاز الدولة البريطاني لقى رئيس وزراء بريطانيا يذهب في زيارة إلى فرنسا وهو يطلب أن يكون وحده، ما فيش رؤساء في الدنيا محترمة أحد يقعد لوحده كده ويقفل على نفسه الباب ويتكلموا كلام، بعض الناس يتكلموا كلام سر يبقوه بينهم في الخفاء، الدول مؤسسات شائعة وعامة ومتولية لشأن أكبر كثيرا جدا من أن يكون ما جرى همسا وتآمرا ضد طرف معين لكن ما هو أهم بعد كده في اجتماع في سيفر سمعت به الإدارة البريطانية وأدركوا أن هناك شيئا ما يرتب فيه ولاقوا وزير الخارجية البريطانية بيروح هناك بيروح في سيفر ثم يعلموا بطريقة غير مؤكدة أنه هناك التقى مع رئيس وزارة إسرائيل ومع رئيس وزارة فرنسا وأنهم هناك رتبوا أشياء لكن جهاز الدولة البريطاني ليست لديه ورقة واحدة تقول ماذا جرى في سيفر.

إحنا عندنا هنا مرات كثيرة في العالم العربي أشياء كثيرة جدا بدون أوراق لكن في الدول التي تقوم فيها مؤسسات خصوصا إذا كانت على مستوى الإمبراطوريات ما فيش حاجة اسمها واحد.. إيدن يبعث سلوين لويد يقعد مع بن غوريون بعد ما هو يكون قعد مع جي موليه رئيس وزراء فرنسا ثم يتفقوا على خطة سرية لترتيب عمل عسكري ضد مصر بالمخالفة مع كل المواثيق ومع كل المناخ السياسي وحتى مع الحلفاء حلفائهم لأنهم هنا كانوا بيخبوا على أميركا أو بيحاولوا يخبوا على أميركا، مع أن أميركا بترصد كل التحركات، لكن هنا في دول نزلت إلى مستوى عصابات المافيا تقريبا وبدأت تتكلم وليس هناك شيء مسجل، لا يثقون في بعضهم فيمضوا على ورق لكن هذا الورق يختفي ويحصل اللي حصل في سيفر. حأرجع للي حصل في سيفر لكن حأقول على الفضيحة الثالثة اللي شاركت في تعرية الإمبراطورية وهي قصة الأميرة ديانا، وأنا بأعتقد أنه مع الأسف الشديد أن إدوارد الثامن اللي هو دوق ويندسور بهدل الإمبراطوية في حكاية مسز سيمبسون، أنتوني إيدن راعي هيبة الإمبراطورية في سيفر، ديانا حولت الإمبراطورية إلى نوع من الـ Banana Republic، Banana Monarchy وأساءت إليها بقسوة جدا لكن ده موضوع ثاني. بأرجع لسيفر، سيفر كل الناس بدأت تحس أن هناك شيئا ما دبر بليل، بأتكلم هنا على إدارة إمبراطورية بأتكلم على الجهاز الدائم الذي صنع قيمة الإمبراطورية بأتكلم على المركز الأساسي لإدارة الإمبراطوية في وايت هول في لندن على إمبراطورية من أهم الإمبراطوريات اللي ظهرت في التاريخ. يشعر جهاز الإمبراطورية عادة عندها الجهاز الدائم عندها جهازها الدائم وعندها الإدارات السياسية التي تتعاقب بالانتخابات وبالإرادة الشعبية للناس محافظين أو عمال ويجوا يقرروا السياسات أو يعدوا ناخبيهم بسياسات ثم ينتخبوا لكي ينفذوا هذه السياسات لكن ما ينفذ هذه السياسات هو الجهاز البيروقراطي الدائم تحت توجيه سياسي موجود بالطبع، لكن هذا التوجيه قد يمس الشؤون الداخلية بالدرجة الأولى لكنه لا يمس الثوابت في الإستراتيجية العليا لأي إمبراطورية فهنا جهاز الدولة الجهاز الإمبراطوري للدولة مسألة لها قيمة ومسألة كبرى، هنا في عملية سيفر الجهاز الإمبراطوري البريطاني يشعر أنه في شيء ما جرى خصوصا بعد النتائج المدمرة والمهينة التي انتهت إليها عملية السويس هنا بقى الجهاز الإداري أو الجهاز البيروقراطي أو جهاز إدارة الدولة جهاز الإمبراطورية البريطانية كله بحاله كده مش قادر يقدر ماذا جرى؟ إيه اللي حصل؟ ما فيش حاجة أبدا تدل عليها. لكن أنا قدامي هنا مجموعات بلا حدود وثائق بلا حدود لكن القصة الرئيسية اللي فيها بتقول إيه؟ بتقول إن اللي كانوا بيعرفوا عن ما جرى في سيفر عدد قليل جدا من الناس وبعدين رئيس.. لما سقط أنتوني إيدن بعد فشل محاولات الغزو والتواطؤ الذي جرى التوافق عليها في سيفر في مؤامرة سيفر في واقع الأمر رئيس الوزراء اللي جاء هو هارولد ماكميلان اللي كان وزير الخزانة وأول حاجة عملها هارولد ماكميلان أنه وقع ورقة بأن تبقى وثائق السويس كلها محفوظة سرا لا يذاع منها شيء إلا بقرار مباشر بتوقيع رئيس الوزراء وظل هذا الأمر ساريا على عكس كل التقاليد وكل الوقائع لغاية ما جاءت وزارة مارغريت تاتشر لغاية ثلاثين سنة أو أكثر من 32 سنة بعد السويس ولما جاءت كان في.. الدنيا كانت بتتغير. أفتكر أنه كلنا كنا بندور على وثائق السويس، كلنا كنا بندور على الاتفاقية، الورقة التي وقعت في سيفر وأنا كنت بأدور وغيري كثير قوي كانوا بيدوروا وأظن أن ما هو أهم مننا جميعا أنه كان السير نورمان بروك رئيس البيروقراطية الدائمة باعتباره سكرتير عام لمجلس الوزراء البريطاني أيضا بيبحثوا فين الاتفاقية دي؟ الاتفاقية مش موجودة في أي ورق؟ ماكميلان عمل حظر على الوثائق لكن الوثائق موجودة أو تقدر البيروقراطية الدائمة تطلبها وتطلع عليها لكن يلاحظون أنه في حاجة ناقصة، أين المعاهدة التي ألزمت بريطانيا؟ أين الورقة التي ألزمت بريطانيا بأن تقوم بما قامت به في السويس؟ مش موجودة.

[فاصل إعلاني]

وقائع المؤامرة تتكشف

"
العالم العربي تحدث فيه أشياء كثيرة جدا لا توثّق، لكن في الدول التي تقوم فيها مؤسسات -خصوصا إذا كانت على مستوى الإمبراطوريات- لا يوجد شيء يعمل بدون وثيقة
"
محمد حسنين هيكل: يبتدوا يعملوا حاجة غريبة قوي قوي والحاجة الملفتة للنظر أنه مش هم بس اللي كانوا بيعملوها كان في غيرهم كثير بيعملوها كان في كيث كايل بيحاول يدور عليها أنا كنت بأحاول أدور عليها وأنا بأتذكر أنه تقريبا اللي عملته البيروقراطية الدائمة هو اللي عملوه كل الناس اللي كانوا بيدوروا في ذلك الوقت لكي يكتبوا كتبهم، أنا كنت عايز أكتب كتابي اللي طلع Cutting the Lions Tail، كيث كايل كان بيحاول يكتب كتابه وغيرنا كثير قوي كانوا بيعملوا لأنه كان فات ثلاثين سنة على السويس وكل الناس مهتمة بما جرى والوثيقة الأصلية غائبة من الملفات البريطانية، الملفات البريطانية كلها موجودة في حوزة البيروقراطية الدائمة بعضها نشر ولكن بعضها لم ينشر وأهم حاجة فيه ما هي الورقة التي.. أين هي الورقة التي استوجبت من بريطانيا أن تتصرف على هذا النحو الذي تصرفت به وهو بكل المعايير مهين لإمبراطورية؟ مهين لها فكرة مهين لها هيبة مهين لها تصرفا وما حدش قادر يقرر على من يضع المسؤولية بالضبط لأنه على ذلك الوقت على فكرة كان إيدن كتب مذكراته ولم يشر إلى ما جرى في سيفر، سلوين لويد كتب مذكراته لم يشر إلى ما جرى في سيفر، عشرات الناس كتبوا مذكراتهم بما فيهم ماكميلان كمان ولم يشر أحد إلى هذه السقطة للإمبراطورية إلى هذا العري الذي أصاب الإمبراطورية في سيفر. حصل حاجة غريبة قوي سير نورمان بروك راح لمارغريت تاتشر، سير نورمان بروك هو سكرتير عام مجلس الوزراء وراح لمارغريت تاتشر وقال لها ببساطة كده طبقا لما وضح Prime Minister سيدتي رئيسة الوزراء ما نقدرش نكمل كده، في حاجة هنا في وثيقة ضائعة وغائبة ولا بد أن توجد في مكانها من السجلات لكي نعرف ماذا جرى. يبتدوا يعملوا إيه؟ يعملوا اللي إحنا كنا بنعمله ككتاب، يبتدوا يحاولوا يدوروا على الناس اللي كانوا موجودين في ذلك الوقت واللي لعبوا أدوارا في هذا الموضوع. الحاجة الغريبة قوي أنه هنا يبتدي يبان مين كان موجود، الرجل الذي وقع الوثيقة بأمر من سلوين لويد وزير الخارجية هو وكيل وزارة الخارجية البريطانية في ذلك الوقت وهنا الفجوة اللي حصلت بين صانع القرار السياسي وبين منفذه البيروقراطي بين منفذه الإداري لأن المنفذ الإداري ينبغي أن يكون واثقا أن السياسي سوف يحميه والسياسي ينبغي أن يصدر أمرا إلى البيروقراطي أو إلى الإداري المنفذ وهو واثق من شرعيته في إصدار هذا القرار وإلا فكرة الدولة نفسها تتلاشى وتسقط. أنا شفت السير باتريك دين في ذلك الوقت مع صديق قديم جدا وهو إدوارد هوتشكينز كان رئيس القسم الخارجي في جريدة التايمز، ولما شفته في Travelers'' Club في نادي.. نادي في لندن في سان جيمس بيسموه Travelers'' Club نادي المسافرين هو نادي الدبلوماسيين في واقع الأمر لأنهم وقتها كانوا المسافرين يخرجون من لندن ثم يعودون إليها ومعهم خلاصات تجاربهم وفي واقع الأمر الـ Travelers'' Club كان فيه الصحفيين كان باستمرار ولا يزال فيه الصحفيين والدبلوماسيين وهو ملتقى مهم قوي، لكن باتريك دين ما كنتش أعرفه أنا في ذلك الوقت ولكن قبل أن يقابلني بأسبوع أو عشرة أيام كان كتب تقريرا فعلا بناء على طلب سير نورمان بروك كما عرض على مارغريت تاتشر لأنه قال لها الوثيقة الأصلية غائبة فجابوا الرجل الذي وقع الوثيقة وطلبوا إليه أن يدلي بشهادته وأن يكتبها. سير باتريك دين كتب تقريرا أنا بأعتقد أن هذا التقرير في النهاية أنا بأعتقد أنه يمثل في رأيي لحظة عري في الإمبراطورية. الإمبراطوريات لما تتعرى ما فيش حاجة تغطيها ثاني ممكن بعدها تستنى قوى وتستنى الدول الفاعلة وتستنى زي ما هي عايزة يعني لكن هنا الهيبة تضيع. باتريك دين بيقول إيه؟ باتريك بيقول وأنا حأستأذن لأن هذه في اعتقادي وثيقة تستحق جدا أن تقرأ ليس فقط بسبب ما تبينه من تصرف الإمبراطوريات ولكن بسبب ما تبينه فيما جرى عندنا نحن وما قاسيناه في السويس وما عرفناه وما خبرناه وكيف دارت هذه المعركة وكيف جرت، بيقول باتريك دين بيقول وهو شهادته في.. وهي أيضا فضلت سرية لفترة طويلة ولو أنه لما تكلمت أنا معه قال لي جزء من هذه المعلومات ولكن ليس كلها وغيري كيث كايل كمان شافه وأظن شافه كينيث لاف، في كذا صحفي في تلك الفترة قابلوا باتريك دين لأنه كلنا اللي مهتمين يكتبوا كتب عن السويس في ذلك الوقت أدركنا أن المفتاح مفتاح ما هو غائب عنّا وموجود عند سير باتريك دين والرجل كان وقتها على أي حال أنه تكلم معي معقول يعني قال لي شوية حاجات لكن ما كتبه في تقريره كان أفدح ويمكن اللي قال له لكيث كايل كان أكثر من اللي قال له لي كمان لكن معي ويمكن لأنه كان بيعرف تيد هوتشكينز الرجل قال لي ما يكفي من التفاصيل لأنه أنا باستمرار واحد من الناس اللي كانوا يعتقدون أنه في زماننا على أي حال إحنا بنتخانق مع إنجلترا ونطالب باستقلالنا ونثور عليها وبنغضب منها ونهتف بسقوطها ولكن عندنا مترسب في ذهننا شيء من بقايا هيبة معينة يعني ناشئة من البرلمان والديمقراطية من تراث العلوم السياسية، الفكر السياسي البريطاني من هوبز ولوك ومن كل من نشاء من البرلمان من القضاء من جامعات أكسفورد كامبردج كله كله في عامل نوع من الهيبة عندنا لإنجلترا. بيقول باتريك دين يوم 24 أكتوبر استيقظت مبكرا لأنه أيقظني نورمان بروك السكرتير العام لمجلس الوزراء وطلب مني قال لي على طول ترتب نفسك تسافر إلى باريس لأنه عندك مهمة مكلف بها من رئيس مجلس الوزراء أنتوني إيدن، بيقول باتريك دين إنه قال له روح ابقى رتب نفسك جهز لنفسك تذكرة عن غير طريق مجلس الوزراء. باتريك دين هو في ذلك الوقت هو طبقا لكلامه هو حتى هو وكيل الوزارة الدائم لوزارة الخارجية والمكلف بالتنسيق بين المخابرات العسكرية والمدنية في الداخل MI5 يعني MI5، MI6 وما بين وزارة الخارجية وما بين مجلس الوزراء، مكلف أيضا بالتنسيق ما بين المخابرات الأميركية والمخابرات البريطانية والسياسة البريطانية فهو رجل في مركز بالغ الأهمية وبالغ الحساسية، بيكلمه سكرتير عام مجلس الوزراء الصبحية بيقول له خلي نفسك جاهز حتروح باريس في مهمة عاجلة بأمر من رئيس الوزراء ومن فضلك عدي على البيت رقم عشرة Downing Street مقر رئيس الوزارة البريطاني الساعة الثامنة ونصف لأن رئيس الوزراء بنفسه سوف يعطيك التعليمات. بيروح باتريك دين يحجز تذكرة الصبحية لباريس وبعدين ثمانية ونصف بيروح على مقر مجلس الوزراء فيقال له إن رئيس الوزراء في السرير واطلع قابله في السرير ويطلع يقابله في السرير وهو يصف الرجل، بيصف للتاريخ ولتخليص نفسه تفاصيل ما جرى له، دخل لإيدن في السرير، إيدن متمدد في السرير وبيكلم واحد من الوكلاء الدائمين لوزارة الخارجية ورجل في منصب حساس بيقول له إيه؟ بيقول له في باريس دلوقت بتدور اجتماعات في سيفر وأنا عايزك تروح هناك لكن عايزك تروح بسرية جدا لأنه امبارح كان في سلوين لويد وزير الخارجية هناك وشاف الإسرائيليين وشاف الفرنسيين واتفقوا على مجموعة تصرفات معينة لأنه يبدوا لنا أن الإسرائيليين مصممين على ضرب المصريين فإذا وقع هذا فهذه تشكل فرصة لنا، الفرنساويين بيؤيدوا الإسرائيليين ولكن أنت عليك تشوف وتروح وتسمع ما يجري هناك وتتصرف كيفما ترى وحيبقى معك لوغان اللي هو مساعد سلوين لويد واللي كان معه امبارح فحتروح، ولكن في مسألة مهمة جدا أن بريطانيا العظمى لا تستطيع أن تتدخل إلا إذا بدا أن القتال جدي وأنه فعلا في عملية عسكرية تهدد قناة السويس فأنت روح هناك وتصرف كما تراه مناسبا وهذا بتعليمات مني. طلع يكمل باتريك دين يقول رحت على مطار هيندون، قاعدة عسكرية، آه إيدن قال له على فكرة ما تستعملش الطيران المدنية أنا رتبت طيارة عسكرية تأخذك توديك لسيفر وتجيبك ثاني في آخر النهار، فراح على هيندون قاعدة عسكرية في هيندون شرقي لندن بحوالي ستين كيلو حاجة زي كده، فلاقى هنا لوغان اللي هو كان مساعد سلوين لويد واللي كان معه قبلها بيوم هناك فقال له لوغان قال له إحنا حنروح وحنكمل، امبارح كان في كلام. وبدأ يدي له فكرة عن الموجود أنه في كذا وفي كذا، أنهم بيرتبوا لعمل ضد مصر لكن إحنا لازم نتأكد أنه في عملية جدية تبرر تدخلنا، الحاجة الفظيعة أن التدخل نفسه مرتب مش أنه ناس حيلاقوا عملية فحيخشوا فيها بمعنى في فرق كبير قوي بين أن تصادفني عملية أجد مصلحتي أن أتدخل فيها لو كنت ما أعرفش حاجة أبدا لكن أتدخل، لكن أن أرتب لشكل عملية لكي أتدخل فيها هنا الأوضاع بتأخذ صورة أخرى تماما. بيطلعوا يروحوا على باريس في مطار لابونجيه يقابلهم الجنرال شال الفرنساوي اللي هو صاحب السيناريو اللي عجب إيدن قال عليه زي ما وصفت الجمعة اللي فاتت إنه سيناريو عبقري، أن إسرائيل تهجم على مصر ويبدو أنها بتهدد قناة السويس تبدو قناة السويس في خطر فيعطي ذلك ذريعة للقوتين الكبار يدوا إنذارا للبلدين يبعدوا عن بعض لأنه في قوات بريطانية حتنزل. شال يأخذهم في عربيته هنا في مش تصرف دول وبعدين يقول لهم إنه في وقت لسه كفاية لأنه في اجتماع حيبقى موجود الساعة خمسة بعد الظهر فيقفوا يتغدوا في الطريق لكسب وقت وده باتريك دين يفيض في التفاصيل فيه وبعدين باتريك دين هو وشال ومعهم لوغان يوصلوا لسيفر ويبتدي يحكي باتريك دين تفاصيل ما شاهده في الغرفة ولقى رئيس وزارة إسرائيل ومعه بيريز ومعه دايان ولقى رئيس وزارة فرنسا ومعه كريستيان بينو ومعه عدد من مساعديه وبيقول إحنا كنا في الأوضة عشرة في الغرفة عشرة وبيوصف الأوضة وبيحكي بيقول إنهم بدؤوا يقولوا.. اكتشف هنا أن الموضوعات مرتبة أن الذريعة مرتبة وأن وأن.. وبدأ يبقى يحس بقلق لكن فوجئ بعدها بورقة Typewritten مكتوبة على الـ Typewriter على الآلة الكاتبة على الطابعة وأنه فيها أربع ورقات، مذكرة فيها أربع ورقات وأنه مطلوب إمضاءها وأن الورقة بتقول البنود اللي أنا حكيتها المرة اللي فاتت أن إسرائيل حتخش الحدود المصرية تقتحمها مساء يوم 29 أكتوبر يعني بعد أسبوع أو عشرة أيام من الكلام اللي بنتكلم فيه دلوقت من سيفر وأنه حيبان أنها حترمي قوات عند قوات السويس قرب قناة السويس في ممر ميتلا وأن أول ما يذاع ده أن قناة السويس في خطر الدولتين حيوجهوا إنذارا وأنه وأنه، السيناريو موجود ومكتوب وبعدين يحتار هو يقول يبص قدامه في الورقة هذه هذا اتفاق على مؤامرة مكتوبة على ورق تقريبا يعني لكن هو يقول عايز أتصل بلندن، معه لوغان اللي هو مساعد سلوين لويد فهو يقول لوغان يقول له لازم نتصل برئيس الوزراء فيقول له إنه على أي حال الموجود قدامنا هنا على هذه الورقة لا يساوي كثيرا أبدا لأن هو ده اللي إحنا كنا بنتكلم فيه امبارح واللي كان بيتكلم فيه سلوين لويد وتوقيعه لن يؤدي.. الورقة مطلوب توقيعها وتوقيعها لن يؤدي إلى ضرر، يأخذ بن غوريون الورقة يوقعها، يأخذ كريستيان بينو الورقة يوقعها ويجي على باتريك دين ومعه لوغان ومش قادرين يتصلوا بلندن فإذا بباتريك دين يوقع الورقة، يروح بالورقة بالليل وهو يستكمل كتابة مذكرته لنورمان بروك اللي هو الوكيل الدائم في عصر تاتشر يعني بعدها بـ 33 سنة، يقول راح لندن ودخل على طول، أخذوا إلى لندن ودخلوا معهم لوغان وباتريك دين دخلوا لقوا إيدن معه ماكميلان ومعه بتلر أحد كبار وزرائه في ذلك الوقت وبعدين فوجئ بيقولوا حصل كذا ووقعنا ورقة فإيدن أبدى اندهاشه أنه وقع ورقة لكن ضبط أعصابه وانتهى الاجتماع أنه بأي طريقة بأمر من رئيس الوزراء، وهنا المأساة الأكبر، لا بد عليه أن يذهب فورا إلى باريس لكي يستعيد النسخ التي وقع عليها باسم بريطانيا العظمى لأن هذا معناه أنه مش بس بريطانيا تآمرت، تآمرت ووقعت بإمضائها وأن هذه إذا ظهرت سوف تكون فضيحة تودي بأشياء كثيرة جدا حتى من أول الوزارة لغاية الهيبة البريطانية، لأنه إيدن فيما بعد سئل في مجلس العموم بجيستكيل عشرين مرة وقال نحن لم نكن نعرف، على طريقة كلينتون ومونيكا لوينسكي عمري ما عرفت الست دي أبدا، ولكن إيدن سابقا لكلينتون في النفي غير المسنود بشيء، قال قطعيا لم نكن نعرف عن شيء إطلاقا ولم ندخل طرفا في اتفاق ولم ولم، وفي ورقة موقعة.

[فاصل إعلاني]

مؤامرة، فضيحة، عري إمبراطوري

محمد حسنين هيكل: يكمل باتريك دين أنه أخذ بعضه ثاني يوم وراح.. أخذ بعضه يومها بالليل أو الفجر وراح على باريس ومعه لوغان ثاني وراحوا كانوا بيدقوا مكتب وزير خارجية فرنسا الساعة عشرة الصبح ودخلوا يشوفوا كريستيان بينو ويقولوا له إيه؟ يقولوا له إنه لا بد أن الأوراق اللي وقعها باتريك دين باسم بريطانيا لا بد تؤخذ لأن هذا أمر محرج للحكومة البريطانية والحكومة لا تستطيع أن تقف أمام مثل هذا التصرف فمن فضلك النسختين التانيين النسخة اللي معك والنسخة اللي معك بن غوريون من فضلكم لا بد أن نأخذهم لكي نسحب توقيع باتريك دين من عليهم لأنه مسألة غير مقبولة في بريطانيا وبتقاليدها وإلى آخره، وهذا مشهد غريب، يعملوا فيهم إيه؟ يتكلم باتريك دين يقول قالوا حنبحث الأمر، أخذوهم إلى الدور العلوي في الكيدروسيه وزارة الخارجية الفرنسية حطوهم في صالون وأغلقوا عليهم الباب بالمفتاح وقعدوهم أربع ساعات دون اتصال ولا أحد بيكلمهم وبعدين نده لهم كريستيان بينو وقال لهم أنا آسف لازم ترجعوا للندن وتقولوا لمن تشاؤون في إنجلترا، قولوا لوزير الخارجية قولوا لرئيس الوزراء أن إنجلترا لازم تكمل ما تعهدت به وأنه وبعدين على أي حال في نسخة النسخة اللي عندنا نسخة فرنسا من الاتفاقية السرية لن نعطيها لكم ثم على أي حال في نسخة من دول طارت إلى تل أبيب لأن بن غوريون مشي من امبارح بالليل ومعه النسخة الخاصة به طبقها هو كان كده أول ما أخذها وحطها في جيبه في جيب الجاكيتة من جوه، فرجعوا إلى إيدن يقولوا له الاثنين اللي هم باتريك دين ولوغان يرجعوا إلى رئيس الوزارة ويقولوا له إنه مع الأسف فشلوا في مهمتهم، ورئيس الوزارة يستشيط غضبا يغضب إلى درجة.. ثم التصرف الأسوأ من هذا، يطلب النسخة البريطانية الموقعة علشان يشوف إزاي عملوا فيها إيه ثم تختفي هذه النسخة ويكتب سير نورمان بروك السكرتير العام لمجلس الوزراء على وقت مارغريت تاتشر يقول إنه من المؤكد ومن الواضح قدامنا مع الأسف الشديد أن رئيس الوزارة أخذ الوثيقة ثم قام بحرقها. هنا الإمبراطوريات والدول الكبرى والهيبة والتصرف والغطاء الأخلاقي اللازم لأي عمل عسكري هنا رئيس وزراء بريطانيا بيتصرف بطريقة لا تختلف عن الطريقة التي تصرف بها أي، أي إيه؟ يعني ما هو أن يتواطأ مفهوم، أن يمضي معاهدة يمضي ورقة أو يكلف أحدا بإمضاء ورقة تواطؤ مفهوم أو يعني ممكن اغتفاره، أن يقبل هذا العدوان منه على أحد كبار موظفي الإمبراطورية الجهاز الدائم للإمبراطوية ويكلفه بإنه يروح ويتصرف ويعمل كذا وكذا والرجل يوقع بإمضائه، كويس برضه مفهوم، لكن غير المفهوم أن رئيس الوزارة الإمبراطورية يدخل الإمبراطورية في هذا المشهد المهين أنهم يروحوا يطلبوا الوثيقة من الفرنساويين، الفرنساويين يرفضوا وبعدين يرجع رئيس وزارة بريطانيا مثل أي محتال، حاجة فظيعة جدا يعني، إنه يأخذ الوثيقة ثم يحرقها ثم تختفي من مجلس الوزراء. أنا ألاقي هنا ألاقي في الوثائق وهي بلا عدد بلا حدود أكوام أكوام لأن المراسلات الموجودة فيها مش بس بتوري أنه هنا في إمبراطورية تصرفت على نحو على أقل تقدير غير إمبراطوري وغير لائق وغير مناسب وهو خطوة في تنازل بشع يعني في القوة في استعمال القوة وفي منطق القوة إلى آخره، لكن ألاقي أن البيروقراطية البريطانية أو الإدارة البريطانية تشعر بهول الكارثة ويبتدي نورمان بروك يقول لرئيسة الوزارة الجديدة يقول لها أنا لا أجد تبريرا إطلاقا، إلا أن رئيس الوزارة أخذ الوثيقة وحرقها وبعدين يبدو أيضا أن رئيس الوزارة مش بس عمل كده، أخذ تقرير كاتبه المستشار القانوني في الحكومة بعدم قانونية الحرب ضد مصر أنها ما فيش مبرر قانوني ما فيش ذريعة من الميثاق ولا من القانون الدولي تعطي بريطانيا الحق في التدخل ثم أيضا كل هذه المذكرات تختفي في مكتب رئيس الوزارة بعضها يتحرق أو بعضها يحجب، ثم هنا الدولة عندما تتصرف الدولة وبهيبة الدولة أنا بأعتقد أنه في هناك مستوى من المحافظة لا ينبغي السماح له أن.. ما حدش يقدر يستهين به. يعني أنا بأشوف عندنا في العالم العربي وفي العالم الثالث عموما أن السجلات ضائعة أشوف أن التصرفات مرات غير لائقة وأشوف أن الهيبة مع الأسف الشديد اخترقت وضاعت بعمليات عري كثيرة قوي لكن الإمبراطوريات حاجة ثانية. تعرضت للنقطة الأولانية وهي نقطة نظرية المؤامرة، تعرضت للنقطة الثانية وهي كيف تتنازل الإمبراطوريات بالقوة ثم تعريها الفضائح لكي يضيع منها ما لديها سندها الحقيقي لأن السند الحقيقي لأي كيان سياسي لأي مؤسسة في الدنيا هو هذا الاحترام القائم على مخزون من دورها ومن أرصدتها.

إسرائيل.. منطق الأساطير

محمد حسنين هيكل: أوصل للحاجة الثالثة وهي في هذه الليلة وهو موضوع إسرائيل لأن إسرائيل هنا قضية ينبغي أن تهمنا، في إسرائيل أنا عايز ألمس نقطة أساسية لأنه باستمرار يقال إن المعلوم من شيء قد يكون دليلنا إلى المجهول فيه. أنا بأعتقد أن التصرفات الإسرائيلية في موضوع السويس أعتقد أنها كاشفة جدا للمنطق الذي تعتمد عليه إسرائيل أو الذي تعيش عليه إسرائيل وأوله أن إسرائيل لا تستطيع أن تتصرف إلا بطرف دولي لأن الفرق بينها وبين العرب كما يقال دائما الأمم القديمة تستطيع أن تتحمل صدمات لكن المشروعات الحديثة المستجدة الطارئة المحدثة لا تستطيع أن تتحمل صدمة واحدة خصوصا إذا كانت معلقة برؤية إسطورية تكفي ضربة واحدة لاختراقها لأن الأساطير عندما تخترق الأساطير، الأساطير Totality بتاعتها ما فيش نصف أسطورة في أسطورة في أسطورة إسرائيل قادرة على البقاء، إسرائيل قادرة على القوة، إسرائيل قادرة على هزيمة كل الناس فهي لا تحتمل أوضاع، يمكن الوضع اللي حاصل في لبنان أنه بدا أن صورتها العسكرية تهتز سوف يدعوها إلى عمل آخر لأن استكمال الأساطير والمحافظة على الأساطير ضرورية جدا للمحافظة على الخرافات زي خرافة القوة الإسرائيلية وإنها للأبد تستطيع أن تفرض منطقها على أمة بحالها. هنا في إسرائيل كان في حاجة مهمة وفي وثيقتين اثنتين في قضيتين اثنتين، الحاجة الأولانية أنه كان في واحد من مساعدي دايان، دايان كان وقتها رئيس أركان، موشيه دايان كان معه كولونيل من مساعديه اسمه موردخاي بار أون، موردخاي بار أون ده كلف من دايان أن يكتب كل تفاصيل ما جرى في سيفر ما جرى في الاجتماع السري لأن دايان نفسه ما كانش عايز يكتب أو حيتكلم وحيناقشه فمش حيقدر يكتب محضر فطلبه من أخونا ده موردخاي بار أون أن يبقى موجودا في الاجتماعات وأن يكتب بالعبري يكتب تقريبا وصفا وافيا لكل ما يجري، فشهادة بار أون هنا بأعتقد أنها مهمة. الحاجة الوثيقة الثانية وراءها على طول هي الطريقة التي عرض بها ديفد بن غوريون على مجلس الوزراء ماذا جرى في سيفر وماذا توصلوا إليه والاثنتين كاشفتين جدا فموردخاي بار أون بدأ يكتب ووثيقته موجودة وتقريره كله على اللي جرى، بيقول هو إيه؟ بيقول إنه ككولونيل صغير فوجئ جدا بالبداية التي اقترحها ديفد بن غوريون الحديث، ديفد بن غوريون أول ما بدأ الأحاديث في سيفر بدأ يقول للفرنساويين إن هذه فرصة نادرة لإعادة خريطة الشرق الأوسط، وأنا تكلمت على الموضوع ده الأسبوع اللي فات، وطرح خريطة جديدة ولكن بيقول إيه؟ وهنا بيوري الجنون الإسرائيلي أحيانا، بيقول خريطة الشرق الأوسط الموجودة هذه رسمت بعد الحرب العالمية الأولى بمقتضى معاهدة سايكس بيكو وإسرائيل لم تكن موجود في هذه المعاهدة، في حاجة غريبة قوي لأن إسرائيل نفسها هي By-product نتيجة فرعية لهذه المعاهدة، إسرائيل نفسها المعاهدة طلعتها معاهدة سايكس بيكو التقسيم مع وعد بلفور فهنا جنون القوة، واصل ببن غوريون بيقول إيه؟ بيقول والله خريطة المنطقة دي كلها ليست مرضية لإسرائيل وعلى أي حال إسرائيل لم تكن فيها إسرائيل لم تكن موجودة وبالتالي هذه الخريطة ينبغي أن يعاد النظر فيها وإسرائيل لها رأي فما يمكن أن تكون عليه خريطة المستقبل. وبدأ يرسم خريطة المستقبل وفي خريطة المستقبل، وأنا شرحت تكلمت فيها المرة اللي فاتت، فيها ضياع تقريبا الأردن يقسم بين العراق وبين إسرائيل، فيها ضياع نصف لبنان بعضه يروح لسوريا وبعضه يروح لإسرائيل، فيها عودة بريطانية فرنسية لقناة السويس مع Access لإسرائيل مع تواجد إسرائيلي في جزر صنافير وتيران جزر خليج العقبة وتقريبا شرم الشيخ وفي جنون في الخريطة. فهو الشاب الصغير الكولونيل الصغير شاب نسبيا يعني بيقول أنا هذا كلام يقال بعد الحروب المنتصرة ولكنه لا يقال في بداية زي اللي إحنا فيها في سيفر، ده كلام بيتقال بعد نصر عظيم زي معاهدة فرساي مثلا لكنه لا يقال في تآمر في عملية تآمر وإسرائيل ما كانتش موجودة قال وقتها، وبعدين يبتدي يتكلم على خطوط ما اتفق عليه، وخطوط ما اتفق كلها ليس فيها ما يشرف أحدا لأنها مؤامرة، مؤامرة مكتوبة بكل التفاصيل. وهنا ألاقي في ملاحظات غريبة قوي لأخونا بار أون ده في الورقة اللي كتبها لأن دايان بعد كده طلب منه أن يحاول يعمل مذكراته في كتاب والكتاب فضل محجوز لفترة طويلة قوي بالعبري ما بيطلعش، فبيلاحظ بيعمل ملاحظات غريبة مثلا يقول إيه؟ ألاقي له ألاقي الملاحظات المهمة جدا في كتابة المحاضر لأنها بتوري الـ Touch الإنساني بتوري اللمسة الإنسانية في النظر للأشياء يقول إن لاحظت الطريقة اللي بيتكلم بها جي موليه واكتشفت أن جي موليه كان مدرس لغة إنجليزية وعلشان إنجليزيته كانت مش بطالة، كريستيان بينو ما كانش كده كريستيان بينو كان زمان وأنا لاحظت في.. مهنته الأصلية كاتب كتب أطفال، واحد كان مدرس إنجليزي وواحد كان كاتب كتب أطفال قبل أن يدخلوا عالم السياسة ويحترفوا السياسة ويصبح أحدهم رئيسا لوزراء فرنسا ويصبح الثاني وزيرا لخارجية فرنسا. ألاقي له ملاحظات على التصرفات وألاقي أن الوثيقة اللي هو بيمثلها بالغة الأهمية، بالغة الأهمية فيما ترويه وفي الأجواء التي ترسمها. لكن آجي لتقرير بن غوريون لما راح يعرض اتفاق سيفر على مجلس الوزراء، مجلس الوزراء متردد جدا والآراء فيه منقسمة ولو أنه في تغييرات لكن يلاحظ... والجلسة جلسة، مايكل بريشر الرجل المؤلف الذي كتب سلسلة صنع القرار في إسرائيل اطلع على محضر مجلس الوزراء المصغر في هذه الجلسة. بن غوريون بيقول إيه؟ بن غوريون بيقول لهم إن هذه فرصة لا تعوض لإسرائيل لأنه هي لأول مرة طرف في نوع من الحلف الدولي موجه ضد أقوى أعدائها وهو مصر لأنه هي في فرنسا حليف موثوق للنهاية، في إنجلترا أنا ما عنديش احترام كبير قوي لإيدن ولا للطريقة اللي بيتصرف بها، كان عرف بعض الأشياء عن محاولة سحب الاتفاقية لكن أظن أنهم سوف يدخلون، موجودون، عندي أميركا وهي الولايات المتحدة الأميركية ليست حاضرة في هذه الاجتماعات لكنها ليست بعيدة عنها هي محتفظة بمسافة بعد فإذا استطعنا أن نحقق لها أغراضها فنحن.. كان ممكن قوي أنا كان من رأيي هو بيقول لمجلس الوزراء كان من رأيي أنه ممكن ننتظر في العملية توقيتا تستطيع فيه أميركا أن تلحق بنا بعد الانتخابات لكن الفرنساويين بيقولوا إنهم لم يعد في مقدورهم أن ينتظروا أكثر مما ينتظرون لأنهم أولا هم سحبوا قوات من الجزائر علشان تحارب ضد مصر وهذه مؤثرة على الوضع في الجزائر والحاجة الثانية أنهم أجروا قطع كثير قوي من الأسطول التجاري الفرنسي للقوات وأنه طال الوقت، والحاجة الثالثة أن البحر الأبيض مع مجيء الشتاء أكثر مع دخول الشتاء أكثر سوف تصبح العمليات فيه أكثر صعوبة فإحنا، مع أني كنت أفضل أن أميركا تبقى موجودة، فنحن مستعدون للمغامرة مع هذا التحالف الضخم جدا ضد أقوى أعدائنا لكي ندخل لأن هذه الفرصة لن تسنح لنا مرة أخرى، لأول مرة نحن أعضاء في حلف وهذا يجعلنا طرفا أساسيا في قضية مناقشة المستقبل بعد هزيمة الوضع في مصر وبعد تصفيته وسوف يجعلنا أطرافا مش بس في التسوية في الشرق الأوسط، أطراف فيما يمكن أن يجيء من نظام فيما بعد في قناة السويس. يلاحظ أن بن غوريون يلاحظ أن بعض الوزراء اللي كانوا مترددين وبينهم بنحاس سابير اللي كان وقتها وزير التجارة والصناعة كان موقفه معارضا للحملة لكن يكتشف أنه غير موقفه وقال صراحة في مجلس الوزراء قال إنه وهو موجود في سويسرا في زيارة أخيرة سمع حاجات عن احتمالات بترول موجودة في سيناء وأن هذا جعله يعني يغير رأيه في الحملة في منطق أنه جنب الأهداف الإستراتيجية وجنب العسكرية وجنب الكلام ده كله أنه في بعد تصفية الأوضاع مع مصر أنه نعمل ما نشاء في سيناء يبقى في بترول سيناء هو ممكن وزير التجارة والصناعة يأخذه، ثم يأخذ بن غوريون موافقة على بدء العمليات ويصدر تعليماته إلى دايان لكي تكون القوات مستعدة يوم 29 أكتوبر 1956. تصبحوا على خير.