- طبيعة ومزاج العصر متغير أساسي في صنع التاريخ
- مسؤولو القاهرة عشية التأميم
- 10 داونينغ ستريت عشية التأميم

محمد حسنين هيكل

طبيعة ومزاج العصر متغير أساسي في صنع التاريخ

محمد حسنين هيكل: مساء الخير. شدتني معركة السويس، حرب السويس كثيرا ولا تزال تشدني وأظن أنني أعتبرها المعركة النموذجية للحرب في الزمن الحديث، لأنه تكاملت فيها في اعتقادي كل العناصر الضرورية لنظرية أمن قومي وهي هدف واضح لا خلاف عليه وتصميم على هذا الهدف ليس هناك مجال لمناقشته، وشرعية لتحقيق هذا الهدف لا أظن أن أحدا يختلف على قيمتها وإدارة لها أنا بأعتقد أنه، مش أنا بس أنا وكثيرين غيري على سبيل المثال مؤرخين كثر قوي لورد هيو توماس على سبيل المثال يعتبرها كذلك، كينيث لف يعتبرها كذلك، حتى نوتينغ، أنتوني نوتينغ وزير الدولة لشؤون الخارجية البريطانية في ذلك الوقت اعتبرها المعركة التي أديرت نموذجيا، وأعتقد أنها بشكل أو آخر نموذج لما يمكن أن نراه في حرب محدودة في زمن معين تحقق أهدافها وتعرف أين أدوار القوى المختلفة، تعرف أين دور العسكرية دور القتال، أين دور الدبلوماسية، أين دور التحركات السياسية، طبيعة العصر وهذه مسائل مهمة. وأظن أنني اتبعت في شأن متابعتي لمعركة السويس، أنا كتبت فيها كثيرا، كتبت فيها كتاب طلع في اللغة الإنجليزية واعتبر مرجع يعني باعتباره شاهد عيان على أية حال، وكتبت مبكرا جدا كتبت كتاب عنها باللغة العربية "قصة السويس" وكتبت كتاب كبير قوي عنها اسمه "ملفات السويس"، لأني بأعتقد أنها قصة بالنسبة لنا وبالنسبة لأجيالنا وبالنسبة لشبابنا جديرة بأن تدرس وجديرة بألا يؤخذ... أنا بأعتقد أن برتراند راسل كان على حق لما قال، هو فيلسوف برتراند راسل رجل فيلسوف لكنه أستاذ رياضيات في نفس الوقت، برتراند راسل بيقول إن الإنسان لما عمل علامات الترقيم وعمل الأبجدية وعمل كل الإشارات المؤدية إلى معاني فأحسن علامة استطاع أن يخترعها هي علامة الاستفهام. بمعنى أن أي إنسان لا ينبغي أن يأخذ أي قصة قضية مسلمة ولا بد له قدام كل قضية يتصور أنها مسلم بها أن يضع أمامها علامة استفهام، وأعتقد أنا أنه وضعت علامات استفهام كثيرة جدا على كل صفحة من صفحات قصة السويس وعلى وثائقها علامات استفهام كثيرة، لغاية أنا أعتقد أنه حتى هذا اليوم هذه القصة تكشفت تقريبا، أقول تقريبا، تكشفت كل خباياها، حتى آخر حاجة فيها السيدة التي أطلق عليها ليدي سويس كلاريسا زوجة أنتوني إيدن، هنا حاطين لها صورة في شبابها وقت ما كانت قادرة على التأثير على أنتوني إيدين وهنا دلوقت زي ما أصبحت. الست دي سموها Mrs. Suez ليدي سويس لأن دورها في السويس كان دورا مهما جدا بالنسبة للموقف الذي اتخذه أنتوني إيدن، وحنتكلم فيه بعدين. لكني عايز أقول إن علامة الاستفهام.. هذا الكتاب طبع منه على فكرة عدد محدود جدا من النسخ، أنا شخصيا ما كنتش أعرف أنه طلع لغاية ما شفته في لندن وبمحض مصادفة في آخر زيارة كنت فيها لأنها هي قصدت أن يطبع منه أعداد محدودة وهي عارفة أنه مش حيبيع على أي حال، لكن طبعت منه أعداد محدودة لأنها تصورت قبل أن تموت، وهذا أنا أعتقد مسألة مهمة جدا، قبل أن تذهب إلى، زي كل الناس يعني، إلى رحاب ربها أرادت أن تضع موقفها في موضوع السويس وكيف شهدته، وطبعت طبعة محدودة جدا، وحتى الناشر اللي طبع الكتاب قال لي إنه هو كان عارف من الأول أنه ما حدش حيهتم بها لأن كل قضية السويس طلعت فيها أشياء كثيرة جدا، لأن علامة الاستفهام فيها كانت مهمة جدا لأن هذه حرب جرت وانتهت بسقوط أو نزول إمبراطوريتين تماما وهي الإمبراطورية البريطانية والإمبراطورية الفرنسية انتهى نهائيا، بقوا إمبراطوريتين سقطوا في التاريخ نتيجة لحرب محدودة في الشرق الأوسط، لكن الحرب المحدودة وهذه مسألة لا بد أن نعيها... أنا كنت أقول باستمرار إن الجغرافيا والتاريخ هما العنصران الحاسمان في صنع التاريخ ولكن.. هم دول الثوابت في صنع التاريخ وفي صنع أحداثه الكبرى، لكن في المتغيرات، أول متغير هو الإدراك الحقيقي لطبائع العصور لأنه هنا في جغرافيا لا تتغير وموجودة وفي التاريخ وهو تراكم لا نستطيع أن نلعب فيه لأنه أدى آثاره وصحيح أن آثاره مستمرة لكن ما مضى منها لا يمكن التلاعب فيها وقد أدى دوره في الحسابات وأصبح عاملا معترفا به. يبقى عنصرين في المتغيرات، في عنصرين في الثوابت وعنصرين في المتغيرات، العنصر الأول في المتغيرات هو طبيعة ومزاج أي عصر من العصور، طبيعي أن الأحوال السائدة في عصر ما تؤثر على صانعي القرار، الجغرافيا والتاريخ ثوابت لكن في متغيرات أولها زي ما كنت أقول مزاج العصر زمن العصر، لأنه لما يبقى أحد في عصر حرب باردة على سبيل المثال بين قوتين عظميين هذا مناخ، لما يبقى بيتصرف في عهد انفراد قوة عظمى وحدها هذا مناخ آخر، لما يبقى بيتصرف في عصر شاعت فيه مواقع القوة وتمددت زي العصر المقبل الذي سوف نراه والذي سميته عصر المجالات المفتوحة على بعضها فهذا أيضا مجال، لكن هذه مناخات دولية وعصور متغيرة دوليا. طبعا نوعية الأسلحة كمان بتؤثر في القرار، نوعية التكنولوجيا الموجودة سواء في السلاح في المواصلات في أي حتة، فهذا متغير المزاج السائد نتيجة لوسائل العصر، على سبيل المثال وسائل الإعلام، الدور اللي بتؤديه وسائل الإعلام وأنا أعتقد أن وسائل الإعلام خصوصا في الغرب كانت شديدة التأثير في وقت معركة السويس وكانت موجودة وكان لها فعل شديد جدا. وبعدين مثلا أن يكون الصراع حول البترول، لما يكون الصراع حول البترول ويتصادف أن أهم مناطق البترول موجودة في منطقة معينة ثم يتصادف أن أهم ممرات البترول زي قناة السويس وزي خطوط الأنابيب عبر سوريا والعراق والسعودية يبقى هنا نحن أمام شيء متغير، في سلعة موجودة حيوية للعالم وهذا في هذا الموقع هناك أهم مواردها ومن حول هذا الموقع أهم طرق نقلها من مواقع إنتاجها إلى مواقع استهلاكها أو لمواقع الحاجة إليها في الإنتاج. العنصر الثاني المتغير بعد مزاج العصر هو المزاج النفسي أو الطبيعة النفسية لصانعي القرار، تكوين صناع القرار ورؤاهم ومدى ثقافتهم ومدى علمهم بالثوابت وبالمتغيرات، مدى إدراكهم لحقائق القوة لأنه هنا أنا واحد من الناس المعتقدين وأرى أن ده يعني الخالق لم يكتب على أي أحد منّا شيء يلزمه ولكن ترك في اعتقادي حرية الاختيار للناس وهذا هو موجب حسابهم على تصرفاتهم في الدنيا، لكن وفي النهاية يبقى أن قدر أي إنسان في اعتقادي موجود مفتاحه داخل شخصيته وداخل تكوينه فهنا صانع القرار وتصور صانع القرار ورؤيته اللي يمكن نسميها الـ Perception إدراكه لكل ما هو أمامه في صنع القرار مسألة في منتهى الأهمية. ضمن المتغيرات المهمة في وقت ما كنا في وقت السويس على سبيل المثال إذا لم نكن متمثلين أن العالم ولو أنه هنا بنحارب معركة محدودة في السويس ومن أجل هدف شرعي ومطلوب من الشعب المصري وفي تصميم عليه أنه إحنا في عالم في ذلك الوقت موجود في هذه المعركة المحدودة، كل من يتصور أنه بيتصرف لوحده في اعتقادي في هذا العالم مخطئ، يستطيع أن يتصرف وهو في منطقة محددة ويستطيع أن يحارب لأهداف محددة ويستطيع أن ينجز علامات محددة أبقى إنجازات محددة، لكن عليه أن يدرك أنه في هذه المعركة، أنه في كل معركة موجودة في هذا الزمن الحديث العالم كله موجود فيها وإن لم ندرك، بمعنى أن السويس تبدو على السطح قضية أنه والله إسرائيل هجمت على مصر وإنجلترا تواطأت معها وفرنسا دخلت وأميركا مش عارف عملت إيه وروسيا عملت إيه، لكن هنا ده هنا بنقصر الموضوع على مجموعة من الـ Actors من الفاعلين والحقيقة أكبر من كده كثير جدا، لأنه لما إحنا نقول إن إسرائيل، إسرائيل وراءها كل اللي يمكن تصوره من أحداث العالم من أول مشكلة يهود العالم، مشكلة Anti-Semitism معاداة السامية، مشكلة الهولوكوست، وعد بلفور، في العالم كله موجود دون أن ندري قوى العالم موجودة في أي صراع محلي وعلينا أن نضع بالضبط كده زي ما بيقول برتراند راسل علامة الاستفهام قدام كل موقف وقدام كل لحظة، لأن أسهل حاجة وإحنا بنعملها كثير قوي مع الأسف أنه أي أحد مش فاهم أي حاجة يروح متكلم كما يشاء ويروح حاطط علامة تعجب. في علامتين قدامنا من علامات الترقيم، علامة الاستفهام وأنا بأعتقد أنها خلاقة وعلامة التعجب وهي استغناء باللغز عن الحل، نكتفي بالسؤال وخلاص واحد يروح حاطط علامة تعجب وانتهى الموضوع. لكن أنا أتصور أن علامة الاستفهام هنا ضرورية وهي تكشف أمامنا أنه في أي معركة محدودة العالم كله والتاريخ كله يكاد أن يكون مختزل وأنا ضربت مثل بما تعنيه إسرائيل، ما تعنيه الإمبراطورية البريطانية اللي كانت موجودة قدامي هو صراع أكبر قوي من السويس، صحيح أنه في السويس بقى له قدر وبقى له دور وبقى له فعل لكن هذا وراءه تاريخ طويل قوي في حقبة إمبراطورية، فرنسا نفس الشيء. لما أتكلم وأقول إن المعركة دارت في زمن الحرب الباردة، أنا أتكلم عن الاتحاد السوفياتي والتحدي العقائدي الذي مثله، وأتكلم عن أميركا والتحدي العقائدي الذي مثلته جنب التوازن النووي بين الاثنين. فهنا أنا أعتقد أن أي صانع قرار في العالم العربي وأي منفذ لنظرية الأمن مهما كان وهو يتعامل في القضية الأصغر عليه أن يدرك أن هذه القضية الأصغر حولها غلاف كبير جدا من عالم بأكمله ومن تاريخ بأسره موجود كعنصر في الأزمة لكن عليه أن يفرق بين ما هو الإطار الأوسع ويضعه في مكانه ويجري له حساباته ثم يضعه في الداخل ينظر الأزمة في الداخل ويعرف كيف يتصرف، لكن في ذهنه باستمرار شأن العالم. في موضوع السويس بالتحديد، أظن أن القرار في شأن تأميم قناة السويس كان عن... طبعا وأنا شرحت من قبل كل السبل أو كل الأزمات أو كل المحطات التي أدت بالطريق إلى أن يصل إلى لحظة تأميم قناة السويس، هنا لحظة تأميم قناة السويس حتى في قناة السويس وراءها تاريخ طويل جدا موجود مختزل في تصرف معين، مختزل في قرار واحد محدد، لكن حتى إحنا لما جينا بصينا لتأميم قناة السويس والناس كلها بتتكلم عليه بصينا لعقد امتياز الشركة لكن لم ننظر إلى اتفاقية القسطنطينية التي وراءه، ما كانش حد واخد باله بالقدر الكافي من خارج دائرة صنع القرار، كانت كل الناس بتتكلم عن الشركة بتتصور أنه هو ده الموضوع، لكن الموضوع كان أكبر من كده لأنه متعلق حتى بالمسألة الشرقية بانهيار الإمبراطورية العثمانية باضطرار الإمبراطورية العثمانية وديون الخديوي إسماعيل في ذلك الوقت أنه إحنا والله نروح نعمل حاجة ثانية نتصرف بشكل آخر، لكن هنا اتفاقية القسطنطينية كانت مهمة جدا بمعنى أن كل مراحل التاريخ وكل تصرفاته وتطوراته تظل حاضرة في أي لحظة مستقبلية. لما جاء موضوع قناة السويس كان واضح أنه سوف يكون، ما كانش قرار انفعالي زي ما بعض عباقرة آخر الزمان بيقولوا، دالاس زعل جمال عبد الناصر وأهانه بسحب عقد السد العالي فراح رادد عليه قال له مش عارف إيه خلاص أممنا القناة، ده كان موجود في غنوة عبد الحليم حافظ في أغنية عملوها لعبد الحليم حافظ، مش عارف قلنا إيه الحكاية بتاعة، قلنا حنبني وآدي إحنا بنينا السد العالي، لكن القضية معقدة بأكثر من كده. لكن على أي حال، لما جمال عبد الناصر أخذ قرار أو توصل إلى أن الرد الطبيعي هو واحد تأميم قناة السويس لأنه موجودة في الوجدان المصري، تأميم الشركة لأنه موجود في الوجدان المصري موضع الطلب باستمرار، مسألة محضر لها وموجودة على جدول الأعمال لكن التوقيت هو المسألة، ولما رأى أن وقتها جاء مع ظرف إهانة للكرامة الوطنية طلع القرار، لكن هذا قرار.. يعني أنا فاكر أن جمال عبد الناصر قعد كتب تقدير موقف وعمله كضابط أركان حرب بيدرس، دارس، وتصور ماذا سوف تكون ردود الأفعال وبعدين لم يأخذ هذا القرار بهذا الشكل لكنه ناقش القرار مع عدد من الناس، وأنا أظن أنه أنا أدعي أو أزعم أنه أنا واحد من الناس اللي كانوا مبكرا جدا موجودين في هذا القرار وأنا حكيت ده المرة اللي فاتت، لكن بعد ما بقى في قرار ضروري ومشروع ووطني ومصمم عليه وقادر على تعبئة الناس مش التعبئة العاطفية الدعائية لكن تعبئة الناس بمطلب وطني حقيقي لأن قناة السويس كانت جرح في ضمير كل إنسان مصري، وحتى الطريقة اللي باع بها إسماعيل باشا نصف حصة مصر من قناة السويس وهي نصف رأسمال الشركة بأربعة مليون جنيه إسترليني، سلفهم روتشيلد بيت المال اليهودي سلفهم لدزرائيلي رئيس الوزراء اليهودي واشتروا حصة مصر فيها، مش عيب أنهم يهود، أنا عاوز.. ما حدش يقول لي يعني ده يهود ومش يهود، لكن أنا ألاحظ مسألة مهمة جدا أن الاستيطان في فلسطين زاد زيادة كبرى بعد صفقة دزرائيلي، عايز أفكر أن دزرائيلي علشان برضه عارفين أن مراحل التاريخ متداخلة، عايز أذكر أن دزرائيلي كان موجود في المشروع مع اللورد بالمرستون اللي هو رئيس وزراء بريطانيا في وقت محمد علي وهو رشم فلسطين بمستعمرات يهودية لكي تكون حاجزا بين مصر وبين الشام أيضا في منع والحيلولة دون نظرية أمن قومي للعالم العربي. فهنا ألاقي روتشيلد هو اللي بيدي الأربعة مليون جنيه ويجهزهم ذهب ويفوت على بيت دزرائيلي يتقابلوا في بيت روتشيلد، دزرائيلي يروح له، لأن دزرائيلي وأنا تتبعت المكان تقريبا تتبعت الخطوات اللي مشيها روتشيلد من بيته على آخر بروك ستريت لغاية المكان اللي فيه النهارده بيت روتشيلد اللي هو فيه نادي اسمه ليز أمباسادور، أنا مشيت في هذا مرات وأنا أتمثل دزرائيلي ماشي من بيته لبيت روتشيلد علشان يضمن ويوقع الكمبيالة بتاعة الأربعة مليون جنيه إسترليني لأنه لم يكن قادرا على عرضها على مجلس الوزراء ولا على البرلمان، وأحب يروح للبرلمان لمجلس العموم بعد ما يتمم الصفقة.

[فاصل إعلاني]

مسؤولو القاهرة عشية التأميم

"
عبد الناصر كان يعلم أن قرار تأميم قناة السويس مخاطرة كبيرة، لأن المجتمع الدولي سيقوم بتجميد أرصدة مصر الخارجية ويبدأ في فرض حصار على مصر كما تفعل أميركا الآن، وقد تم تجميد نصف مليار دولار
"
محمد حسنين هيكل: هنا في قرار مجمع عليه لكن جمال عبد الناصر عمل عدة حاجات توصل للقرار وبدأ يشوف فين مصادر التهديد واستبعد أن إسرائيل تخش في هذه المرحلة رغم أنه عارف أنها بتستعد استبعد أنها تقترب لأنه هنا حتبقى بتحرج إنجلترا وبتحرج أميركا إلى آخره فحطها على جنب مؤقتا في موضوع التأميم خصوصا أن موضوع التأميم حيبقى باين قوي قدام أفريقيا وآسيا وهي دائرة مهمة في ذلك الوقت عالميا وإسرائيل لا ترغب أنها تستغل موضوع تأميم شركة قناة السويس بما تعنيه قدام كل أفريقيا أو آسيا، آسيا بالتحديد، فهو تصور أن إسرائيل حتؤجل شوية رغم أنها كانت مستفزة بسبب صفقة سلاح، تصور أن أميركا مش حتقرب ده في تقديره للموقف، تصور أن أميركا لن تقترب في هذا الوقت لأنه مش حتخش عسكريا حتتجن من القرار طبيعي، حيضايقها القرار ويفور دمها لأنه هي اعتبرت يعني زي ما قال دالاس إنه قال لجمال عبد الناصر كش ملك فالمفروض الملك يموت، لكن المشكلة أن الملك بقى مهدد، الملك بتاع الأميركان هو اللي بقى مهدد، فالإهانة موجهة بالدرجة الأولى لدالاس لكن جمال عبد الناصر كان متصور أن أميركا لن تقدم على عمل عسكري لكنه في هذا الوقت نسب التردد الأميركي ليس إلى أي سبب معنوي ولا إلى أي سبب آخر إلا أنه يعلم مدى حرصهم على السعودية وعلى موارد البترول وعلى الهاشميين أصدقاءهم اللي موجودين في حلف بغداد، فبقيت أميركا في اللحظة الراهنة ساكتة، لكنه توقع الخطر من فرنسا واعتبر أن فرنسا مشغولة قوي في الجزائر ولم يكن في باله أن فرنسا كانت مستعدة في ذلك الوقت بالجنون أنها تعمل حملة لوحدها مستقلة تجيء إلى مصر، على أي حال ده كان عنصر غايب. وبعدين تصور أن القدرة، القوى الوحيدة اللي ممكن تبقى جاهزة للتدخل هي إنجلترا لأن الظروف اللي هي موجودة فيها والتراجع الإمبراطوري وكذا، ثم أنها هي القريبة من جزر البحر الأبيض وقرر أنه لا يستطيع أن يعلن القرار قبل أن يتأكد من أن القوات البريطانية غير جاهزة للتدخل. أنا فاكر أنه في ذلك الوقت هو كان بيفتح مصنع تكرير للبترول في مسطرد و 23 يوليو كان عاوز يعلن التأميم ثم قرر أنه ما يقدرش، قبل ما تجي له المعلومات لا يستطيع أن يأخذ مخاطرة محسوبة، لكنه في مسطرد اختار الرجل اللي ممكن يدير قناة السويس وهو محمود يونس، ثم حأشوف سلسلة لقاءاته في الأيام دي، في هذه الأيام، ألاقيه أنه دعا خمسة من أعضاء مجلس قيادة الثورة موجودين في مجلس الوزراء في ذلك الوقت وتكلم معهم في الموضوع، بعضهم كان متحمسا جدا وبعضهم كان يعني رأيه أنها مسألة تقتضي حاجة ثانية لكن حصل كلام، لكن دعا الدكتور محمود فوزي تكلم معه في العواقب الدولية لهذا، دعا الدكتور عبد المنعم القيسوني لأنه عندنا في ذلك الوقت أموال موجودة ممكن قوي أول إجراء تعمله أميركا زي ما بتعمل لغاية النهارده تجمد أموال مصر في الخارج وقد جمدت على أي حال، يعني حتجمد لنا في ذلك الوقت حوالي نصف بليون دولار. قناة السويس كمان لما تأممت جمدوا فلوسها لأن بعدين جمال عبد الناصر بمتقضى قوانين تأميم مصر يعني، بمقتضى قوانين التأميم ممكن تستعمل الأرصدة الموجودة لجهة قناة السويس فالأخرى حجزت، وبعدين أنا فاكر تقرر أنه بعد كده مجلس الوزراء يخطر، أخطر مجلس الوزراء يوم 26 يعني اتعرض قدامهم الموضوع، لكن لازم أقول إنه هنا ما كانش في مجال.. ما حدش قال آراء كثير قوي يعني والعرض على مجلس الوزراء أنا بأعتقد أنه لم يكن نموذجا للديمقراطية وأنا أتصور أن بعض القرارات المصرية ما هياش مسألة ديمقراطية، مش مسألة إلهام أحد ولا حاجة طرأت في دماغ أحد، لكن في حسابات.. في أي مجلس وزراء أنا أعتقد أن أي مجلس وزراء في مجال.. حتى في أميركا في مجال للرشح في مجال للتسرب وأعتقد أن هذه مسألة، بعض المسائل في بعض المرات لا بد أن تحصر في نطاقها. إذاً كان مجلس قيادة الثورة ثلاثة منه أو.. ثلاثة بالتحديد زكريا محي الدين وعبد الحكيم عامر وعبد اللطيف بغدادي أخطروا مبكرا وبعدين أعضاء مجلس قيادة الثورة كانوا الموجودين في الوزراء اثنين منهم كمال الدين حسين وحسين شافعي عرفوا قبلها بيوم لكن عرفوا بعد كده ثاني في مجلس الوزراء. لكن الباقيين كلهم ولما وزير الخارجية درس الموضوع، أخطر بالموضوع أو اتقال له الموضوع واتناقش فيه طويلا وكان معتقد محمود فوزي، وأنا بأعتبر أنه أهم وزير خارجية جاء في عصر ما.. أظن في التاريخ المصري كله، لأنه قبل ثورة 23 يوليو ما كانش في سياسة خارجية لمصر، كانت كل سياستنا الخارجية منحصرة في العلاقة مع بريطانيا، علاقة ثنائية، وعلاقتنا ببقية العالم محصورة جدا، لكن وزير الخارجية، اللي أنا ممكن أعتبره وزير خارجية حقيقي قبل الثورة، اثنين واحد بالمظهر مظهر وزير خارجية وثقافة وزير خارجية واصل باشا غالي، وواحد ثاني وأنا أعتقد أنه من أحسن وزراء الخارجية في إطار علاقة ثنائية مع بريطانيا وهو الدكتور محمد صلاح الدين. بعد الثورة أنا أعتقد أنه فوزي على وجه اليقين، الدكتور محمود فوزي على وجه اليقين كان أحسن وزير خارجية ممكن تصوره للبلد في هذا الوقت وأظن حتى هذه اللحظة، لكن بقى وزير الخارجية عارف، عبد المنعم القيسوني وزير المالية في ذلك وهو شخصية أنا بأعتقد أنه في ذلك الوقت كان شاب طالع ونابغة وهو كان قلق جدا من موضوع الحصار وخايف قوي أن الإنجليز يتصرفوا في موضوع، أنه هو ما يقدرش يتصرف في موضوع نقل أرصدة مصر من بنوك في بريطانيا وفرنسا لأنه يخشى أن هذا يفشي سر القرار أو يظهر أن مصر مقبلة على حاجة لها علاقة بالاقتصاد، ولذلك دعا جمال عبد الناصر في نفس اليوم شخص اقتصادي وهو الدكتور علي جريتلي لكي يبحث معه ومع الدكتور القيسوني إيه اللي ممكن يتعمل في شأن الأرصدة الموجودة في الخارج والعواقب الاقتصادية. شاف الدكتور بهجت بدوي، حلمي بهجت بدوي وهو شقيق الدكتور عبد الحميد بدوي وهو خبير هائل في القانون وهو ده اللي عينه بعد كده بقى رئيس مجلس إدارة شركة قناة السويس. لكن بقى في عنده القانوني وعنده الاقتصادي وعنده العسكري وهو عنده إلمام به وعارفه وعلى أي حال تكلم به مع عبد الحكيم عامر، وفي ذلك الوقت أحوال القوات المسلحة ما حدش يقدر يقول أنه حرام كانت القوات المسلحة في ذلك الوقت تتحمل عبء معركة كاملة، فكان معروف مبكرا كده أنه في دور للقتال وهنا ضمن الحسابات دور القتال لا يتخطاه، ما فيش حد بيروح حرب يقول والله أنا داخل في احتمال حرب، فتبقى الحرب في ذهنه هي قتال طرقعة مدافع وحركة دبابات، المسائل أعقد من كده كثيرا جدا. لما أخطر مجلس الوزراء أنا أعرف وتابعت، أعرف مواقف الوزراء، في وزراء تحمسوا زي فتحي رضوان على سبيل المثال، فتحي رضوان وهو من الحزب الوطني ما صدق أن الموضوع اتعرض في مجلس الوزراء، الله في موضوع! هو فوجئ وإذا به شعلة حماس، ولكن في ناس ترددوا وفي ناس قالوا طيب ما نحاول نفصل ما بين ده.. مثلا الشرباصي وزير الأشغال وقتها، وزير الري، هو رجل عاقل ووزير العدل كمان، بدؤوا يقولوا طيب ما نفصل بين الاثنين، لأنه أن يكون تأميم قناة السويس ردا على قرار سحب السد العالي اللي عمله دالاس هذه قد تؤدي لمواجهة مع أميركا، خلي ده موضوع نفوت نرد عليه بأي شكل من الأشكال موضوع التحدي والاستفزاز بسحب السد العالي، لكن لا داعي لأن نربطه بقناة السويس ونخلي قناة السويس السنة الجاية مثلا نخليها بعدين، لكن هنا فتحي رضوان أظنه تصدى إلى أهمية الربط السياسي بين قرار له دواعي وطنية وله مبررات قانونية وله شرعية لا شك فيها، فلا يطلع. وأنا فاكر يومها أنه بعد مجلس الوزراء ما خلص وأنا كان في المجموعة القانونية بتشتغل في قصر الصفا في الإسكندرية، الدكتور بدوي، وبتحضر أوراقها ومذكراتها إلى آخره، وفي نفس الوقت كان محمود يونس مع المجموعة اللي اختارها للاستيلاء على مقر شركة قناة السويس موجودين في بيلبيس. وأنا فاكر أنه يوم ما عقد مجلس الوزراء من أكثر الناس اللي كانوا قلقين جدا كان صديقي وصديق عمري سيد مرعي، وإحنا كنا الاثنين حتى في بيتي من قبل مبكرا جدا من قبل الزواج يعني، كان موجود شارع شجرة الدر قدام بيت سيد مرعي فكنا دائما مع بعض مرات كثير قوي، في الإسكندرية حتى الكابينة بتاعتي جنب الكابينة بتاعته... فهو جالي يومها أنا كنت فايت أتغدى مجرد غداء مع العيلة بسرعة يعني وهو كمان كان جاء لكن هو كان جاي قاصد يقابلني، فقال لي، بص في وجهي كده، قال لي إنت عارف؟ قلت له إيه؟ قال لي طيب البس مايوه وتعال ننزل نعوم، سيد عمره ما بيعومش يعني ما هواش عويم قوي، فدخلنا لبسنا مايوهات ودخلنا في هذا اليوم دخلنا جوه لأنه عاوز صوته لا يسمع، عاوزين نخش البحر نتكلم في البحر، لأنه هو أحس الموضوع خطير وأنه درجة السرية فيه عالية فهو يرى أنه ما يقدرش يكلمني فيه كده يعني، فدخلنا عمنا شوية ودخلنا في عمق البحر وقال لي عرفت اللي حصل؟ قلت له إيه اللي حصل؟ بس قل لي إيه اللي حصل؟ لا Go ahead قل لي يعني عاوز إيه؟ قال لي أنا خايف، قال لي يا أخي قناة السويس، قلت له أنا عارف.. إيه أنت خايف من إيه؟ بدأ يقول لي مخاوف. لكن بعض الناس كان في ناس كثير قوي قلقين حتى في دوائر صنع القرار حتى على مستوى مجلس الثورة كلهم كانوا قلقين لكن لما يبقى عندك حسابات معقولة وعندك استشارات وعندك، وهو أهم، شرعية، شرعية تصرف وعندك شرعية القبول وعندك رأي عام، في حسابات جمال عبد الناصر أن الإنجليز لو أرادوا استعمال القوة كانت أنه ما عندهموش قوة جاهزة فإذا كان ما عندهمش قوة جاهزة فإذاً في وقت حيفوت ما بين التصرف العسكري، ما بين القرار المصري وبين التصرف العسكري حتفوت فترة وكان بيقدر أنه إذا مضى شهر ولم يحدث عمل عسكري فنسبة الخطر سوف تتضاءل... في يوم التأميم نفسه كان بتصوره أن نسبة الخطر 80%، نسبة عملية عسكرية 80%، لكننا نستطيع أن نواجه بمعركة دفاعية. إذا استمر عدم التدخل عسكريا ومضت فترة تعبئة للناس وتحرك العالم العربي وهنا أهمية العمق الهائل في الأمن العربي ثم تحرك العالم واستيقظ العالم إلى حقيقة ما يجري. أنا فاكر فيديل كاسترو الزعيم الكوبي الشهير قال لي، إحنا كنا مرة في نيويورك تقابلنا في نيويورك سنة 1960، وبعدين بيقول لي: وإحنا في جبال سييرا مايوسترا في كوبا ويائسين تقريبا أنه إحنا نقدر نواجه دكتاتورية باتيستا، سمعنا على الراديو خبر تأميم قناة السويس، وقلنا والله إذا كانت دولة زي مصر تقدر تتحرك بهذه الطريقة فنحن نستطيع مهما كنا قلة. حكى لي نكروما، كوامي نكروما رئيس جمهورية غانا فيما بعد، بيقول لي إنه كان موجودا في لندن سنة 1956 وأنه سمع خبر التأميم هو بيقول لي I felt أحسست إن وقتنا قد جاء I felt our time had come إن وقتنا قد جاء، وقت الاستقلال قد جاء. فالعالم كله كان بيتحرك وما كانش في حركة تائهة. ولذلك مضي وقت دون تدخل، شهر قبل التدخل تقل فيه النسبة ويمكن تزيد عن كده وقد كان، لأن التأميم حصل يوم 26 يوليو والتدخل العسكري بدأ يوم 29 أكتوبر، فمرت ثلاثة شهور تغيرت فيها صور وتبدلت مواقف وأصبحت معركة في إطار ما هو محتمل ومقبول، على فرض أن المعركة حدثت وقد حدثت، لكن بقينا عارفين في هنا طرف عارف حنعمل إيه. لما آجي أوصل بقى، حأنقل من القاهرة حأنقل إلى لندن.

[فاصل إعلاني]

10 داونينغ ستريت عشية التأميم

محمد حسنين هيكل: يوم قرار التأميم وهذه هي ظروفه كلها والملابسات المحيطة به سواء من موقع صنع القرار أو من تداعياته وأصدائه وإلى آخره، وهنا أنا أعتمد على مذكرات إيدن بالدرجة الأولى وكلاريسا مراته، هنا كلاريسا لما يقولوا إنها ليدي سويس، هذا صحيح لأن المشكلة في إيدن أنه شخصيته لعبت دورا كبيرا جدا، حتى عقده لعبت دورا كبيرا جدا في قراراته، لأن كل الناس العاقلين المحيطين به كانوا بيقولوا لا لكن هو من أول لحظة اندفع، اندفع بتأثيرين مهمين جدا، الحاجة الأولانية، التأثير الأولاني أنه قادم بعد تشرشل وأن الناس تتصور أن تشرشل هو القائد الأسطورة لحزب المحافظين وأن إيدن بعده رجل له في الدبلوماسية لكن ليست له خبرة بالمواجهات، بالأزمات، بما قد يؤدي إلى حروب، فهو جاي وهو يشعر.. انتظر طويلا لغاية تشرشل ما رضي يسيب له مكانه لأن تشرشل بيروحوا يقولوا له يا أخي أنت بقيت 77 ولقد حان الوقت لكي تبعد، وراك تاريخ هائل، كتر خيرك يعني، لكن لا يستطيع تشرشل أن يغادر موقع القوة وهو يدرك ويقول لهم أنا 77 آه لكن يعني لسه قادر، لكن حتى ابنة أخيه كلاريسا تشرشل لأن هي كانت ابنة أخ تشرشل قبل ما تبقى زوجة إيدن، حتى تروح مع زوجها وهو نائب رئيس الوزارة يروحوا يشوفوه في بيته الريفي في تشيكز و يقولوا له أنت جاء الوقت لكي تسيب وإيدن هو خليفتك وأنت عاوز تسيبه لغاية ما يعطن، فجاء الوقت أنك يعني.. وهي شاركت في الضغط على عمها لكن إيدن عنده، واحد عقدة تشرشل، الحاجة الثانية أنا أعتقد وهي مهمة جدا، الدور اللي عملته كلاريسا، كلاريسا لما تزوجته كان عمرها 37 سنة وهي ست حلوة وست عندها ماضي، وأنا اقرأ حتى في تاريخها ست مجربة جدا لأنه أنا شايفها.. عديت وبعدين يئست من العدد، من إيزاي برلين لغاية سيسيل بيتن لغاية.. عدد كبير جدا من الفنانين لأن هي بتحب الفن وبتحب الثقافة وراحت قعدت شوية في باريس فهي ست مجربة و 37 سنة، كانت في الـ prime، في ذروة وعنفوان الشباب إذا حبينا نقول يعني أو الحيوية، لكن إيدن في ذلك الوقت كان في الستين، الفرق 23 سنة لكن في هذه المرحلة من السن هذا الفارق يحدث مشاكل شنيعة خصوصا أن تأثيرها عليه، يعني وأنا أعتقد أنه رغم معرفته بماضيها وهو على أي حال الماضي ما كانش مهم قوي، لكن برغم معرفته بماضيها فهو يعني جن غراما بها إذا حبينا نقول الكلام ده ويمكن من ضمن الإغراءات وشبح تشرشل في ذهنه باستمرار كان يعتقد أن كلاريسا تشرشل ابنة أخيه لما يتجوزها هنا هو عمل غزوة في خياله على أقل تقدير ويمكن في الـ psycho، يمكن في أعماق النفس يعني، لكن على أي حال بقى obsess بها. لكن يوم ما طلع قرار التأمين إيدن موجود في عشاء في رقم 10 داونينغ ستريت، في قاعة واترلو، وأنا عارف القاعة قاعة حلوة أوي أوي وتغديت فيها عشرات المرات، لكن قاعد فيها إيدن بيت رقم 10 داونينغ ستريت وعنده ضيوف هم ضيوف من العراق وفيهم الملك فيصل، الله يرحمه، شباب وقتها، الأمير عبد الإله الوصي على العرش وهو ولي العهد في نفس الوقت والسيد نوري السعيد وهو داهية حلف بغداد، والكلام قبل العشاء كان أن سحب السد العالي، سحب تمويل السد العالي ضربة سوف تقصم الدور المصري وسوف تضعف تأثيره في العالم العربي لأنه ببساطة ليس هناك رد عليه، الرد عليه أنه شوية مظاهرات يوقف أحد يشتم في الميدان ويخطب ويعبئ جماهير لكن كلها عقيم. الساعة عشرة بالليل، وطبقا لرواية إيدن وفي مذكراته، دخل سكرتيره شايل له برقية مسكها إيدن وقرأها، برقية بتقول له إن جمال عبد الناصر أعلن في هذه اللحظة تأميم شركة قناة السويس، على بال البرقية ما راحت وعلى بال البرقية اتكتبت في وزارة الخارجية وعلى بال ما راحت داونينغ ستريت وقتها ما كانش فيه الـ emails و الـ faxes والكلام ده كله، فالساعة عشرة إلا عشرة والحفلة كان العشاء تقريبا خلص وإذا بإيدن يبص في الوقة ثم يمتقع وجهه ويقول لهم، غريب الرجل ده عمل كذا، مصر أعلنت تأميم قناة السويس، شركة قناة السويس، فنوري باشا كلهم مهيئين في انتظار جنازة فإذا جنازة رجل سحب منه مشروع السد العالي مشروع عمره فإذا بالمسألة تتحول إلى حاجة ثانية خالص، ويبتدئ نوري باشا يفقد أعصابه، وهذا قاله إيدن، فيقول you must hit him hard and you must hit him now لازم تضربوه بقسوة ولازم تضربوه بسرعة ولازم تضربوه الآن. وإيدن لسه لا يزال في العشاء موجود لابس ملابس السهرة وكلاريسا كانت موجودة وبدأ إيدن يتقمص دون أن يدري والإمبراطورية في ذهنة والعقدة بينه وبين تشرشل موجودة وضيوفه الموجودين من العراق موجودين وهيبة بريطانيا في الشرق الأوسط موجودة وتمثله لموضوع البترول موجود، كل ده موجود وحقيقي، فهو رغم أن الضربة موجهة للأميركان في واقع الأمر، لأن ده رد على تصرف عمله دالاس، فهو على طول أخذ زمام القيادة معتقدا أن هنا أيضا محافظة على بقايا إمبراطورية وإلا حتضيع كلها، مع وجود كلاريسا أنا أعتقد أن إيدن حط الدنيا كلها على شفا هاوية لأن كل ما فيه الاستفزاز الإمبراطوري، الاستفزاز الحزبي، الاستفزاز ميراث تشرشل، الـ.. الـ.. إلى آخره، الرغبة في سبق أميركا إلى تصرف معين لأنه تصور أن أميركا حترد فهو أخذ زمام المبادرة وخصوصا بيتصرف قدام ست اللي هي، وأنا أتصور العامل الشخصي مهم جدا في صنع التاريخ العامل الإنساني مهم جدا في صنع التاريخ، فرويد مش غلطان في حاجات كثيرة قوي، لكن على أي حال، يبتدي الضيوف بيمشوا بعد ما وصوه أنه لازم يتصرف، كلاريسا موجودة وهو بيبعت يجيب رؤساء أركان الحرب، ويجوا رؤساء أركان الحرب بما فيهم لورد مونغ باتن اللي هو كان في ذلك الوقت رئيس أركان حرب، كان موجود اللورد باتن بيتعشى في السافوي في الـ grill بتاعة السافوي، فندق السافوي مع ابنته، وجاءه مندوب لأنهم ما قدروش يقولوا حاجة في التليفون فأخذوه سرا بدون أن يقولوا حاجة قدام الناس لكن مونغ باتن بيقول بنفسه في مذكراته، أنا لما لقيت في أحد من 10 داونينغ ستريت موجود هناك أدركت أنهم بيبحثوا عني فرحت قال لي تعال حالا رئيس الوزارة عايزك، راحوا، فإذا رئاسة مجلس الوزراة استدعت كل رؤساء أركان حرب وكان هو رئيس أركان حرب دلوقت جاء رئيس أركان حرب اللي هو لورد مونغ باتن، وفوجئوا بأن إيدن طالب التدخل فورا، وأنه ابحثوا عن قوات، القوات في 1500 مظلي موجودين في مالطة، ويطلب إيدن، وقد خالفه فيها كل رؤساء أركان الحرب لأن حسابات القوة البريطانية الموجودة في السويس كانت واضحة قدامنا، أو كانت واضحة قدام صانع القرار المصري على أي حال، وقدام كل اللي فكروا في القاهرة، فإيدن قال، وهذا كان واضحا في كلامه، أنه الـ 1500 ينزلوا يحتلوا مطار مصري كبداية عملية لغاية ما تعزز بالأسطول، ورئيس أركان حرب الإمبراطورية لورد مونغ باتن وقف وقال إن هذا لا يمكن، لأن 1500 معناها ينزلوا ويحتلوا المطار ويوسعوا الدائرة وتلحقهم قوات ثاني يوم هو لا يضمن عملية عسكرية بهذا الشكل لأن الـ 1500 سوف يبادوا قبل الصبح بالقوات المصرية لأنه إيه 1500، ده مع العلم أن صفقة الأسلحة حاجات قليلة قوي مش كثيرة أبدا، لكن في كل الأحوال 1500 ينزلوهم في مطار هذا جنون عسكري يعني، كل رؤساء أركان حرب اختلفوا بما فيهم تمبلر، مارشال تمبلر اللي كان متحمس جدا للعمل ضد مصر وبما فيهم كيتلي وكلهم، رئيس الوزارة بدأ يدرك أنه ما فيش عمل عسكري ممكن، ما فيش عمل عسكري ممكن بهذه السرعة اللي بيتصورها وأن الأمر يقتضي أن يهدئ أعصابه ويستنى لغاية ما الأمور تبحث ثاني يوم ويشوفوا إيه الموضوع، لكن هو على طول قرر أنه يبعت يجيب القائم بالأعمال الأميركي لأن السفير ما كانش موجود وقتها في لندن، بعت يجيب القائم بالأعمال الأميركي فوستر، ويجيب شوفال السفير الفرنسي في لندن ويبتدئ يطلب منهم إخطار باريس وواشنطن أن الأمور لا تحتمل أي شيء غير تدخل عسكري وبأقصى سرعة وأنه لا بد منه. أنا أرى التقرير اللي بعثه القائم بالأعمال الأميركي وقرأت التقرير اللي بعثه القائم بالأعمال الفرنسي والاثنين بيوصفوا الأحوال العصبية الموجودة في 10 داونينغ ستريت في بيت مقر رئيس الوزارة وأن الموضوع فيه حرب، فوستر القائم بالأعمال الأميركي وهو يعلم، عنده معرفة بنوايا السياسة الأميركية يبتدئ يقول، أنا لست مخولا أتكلم، أنا حاسمع منكم وحانقل لكن أنا لست مخولا بأن أقول كلمة واحدة، والفرنسي عمل نفس الشيء، وبعثوا، الرسالة اللي راحت لباريس لقيت استجابة سريعة جدا من كريستيان بينو وزير الخارجية الفرنسي كان جاي ثاني يوم، اللي راحت لواشنطن قالوا آه حنرد وردوا بعدها بيوم وقالوا آه جون فوستر دالاس حيجي لمشاورات أولية، اللي هو وزير الخارجية، وبعدين بقى هنا في اجتماع رؤساء أركان حرب طلب منهم يعملوا خطة، سفراء فرنسا وأميركا طلب إليهم، أعطيوا صورة أن بريطانيا مصممة على العمل العسكري، وبعدين وفرنسا لأسبابها، الجزائر، وأنا تكلمت في هذا من قبل وأشياء كثيرة قوي، ثم شركة قناة السويس، مع أنه أقلية في ملكية شركة قناة السويس كانت ملك فرنسا لكن فرنسا كانت معتبرة أن قناة السويس achieve, فعل فرنسي، أنها معلق فيها جزء من مجد فرنسا في منطقة القناة وبور فؤاد وبور سعيد والكلام ده كله يعني، في مجالات للوهم هنا، وبعدين أميركا هي لازم تتصرف لأن أميركا هي اللي سببت المشكلة، على أي حال ثلاثة أيام، 50 ساعة تقريبا، كان جون فوستر دالاس في لندن وكان كريستيان بينو في لندن والثلاثة بيبحثوا، ويبتدئ كريستيان بينو بيقول إيه؟ وأنا ألاقي هنا مذكراته، مذكراته تدي ولو أن مذكراته في كلام محدود لكن هنا بتدي المعنى، معنى وجود العالم كله داخل أزمة محدودة، داخل أزمة إقليمية وهذا هو العنصر الذي لا يغيب، بدأت المناقشات ويقول، وأنا شايف النقاشات كلها في كل الوثائق لأنه حقيقي أنا أعتقد أن هنا علامة الاستفهام وإشارة التعجب، علامة الاستفهام بتغطي كل المساحات أو تبحث في كل المساحات غير المطروقة في كل الزوايا غير المضيئة، بحيث تتضح حقيقة كاملة قبل أن نطمئن، وبرتراند راسل له حق، فأنا أقرأ الوثائق كلها، النهاردة لم يعد هناك شيء خفي، يعني تقريبا أنا حتى بعد ما خلصت الكتب اللي كتبتها، كمية ما صدر أو ما خرج أو ما أمكن العثور عليه من وثائق، أنا بروح سانت أنطونيوس في أوكسفورد حيث توجد الأوراق الشخصية للساسة وأذهل من كمية ما فيها من مستجدات، فألاقي كريستيان بينو يبدأ الحوار بيقول، أظن أن أصدقاءنا في الولايات المتحدة هم أول ناس يجب أن يجيبوا على سؤال ما العمل؟ لأن هذه أزمة هم بدؤوها، بدؤوها بسحب عرض السد العالي وكان الرد عليه تأميم قناة السويس، وكلنا موجودون في الأزمة وكلنا على استعداد فيها وفرنسا عندها أسبابها وإنجلترا عندها أسبابها لضرب القاهرة لكن نحن نعتقد أن أميركا هي التي تسببت في الأزمة وعليها أن تكون أول المتحدثين في كيفية مواجهتها. ويبتدئ دالاس، دالاس المتعصب الشديد المتحمس لكسر القاهرة يبتدئ يتكلم، وتدور جلسة وجلستين، لكن يشعر الآخرون أن أميركا عايزة تكسب وقت، ويقول كريستيان بينو يقول له، الله أنتم عندكم الأسطول السادس بجلالة قدره كله في البحر الأبيض، إذا كان الإنجليز بيقولوا يبعتوا 1500 عسكري وينزلوا في مطار تعزز ثاني يوم بقوته، فالأسطول الأميركي السادس هو أقوى قوة موجودة في البحر الأبيض وهو قادر على التدخل بصواريخه وبمشاة البحرية اللي فيه وبـ وبـ وإلى آخره، لكن كريستيان بينو لا يجد استجابة للكلام اللي بيقوله ترضيه والآخر يتوصل للنتيجة الحتمية اللي كان لازم يتوصل إليها، ويكتب يقول إيه بقى؟ وأنا بلاقيها مش بس مهمة، بلاقيها كاشفة revealing في كل ما هو متعلق بالأزمات المحلية وصلتها بأزمات العالم، بيكتب كريستيان بينو بيقول إيه؟ بيقول فجأة كده كأنما هو رجل لمع في ذهنه ضوء الحقيقة من الهواء من السماء كده، فيقول، الله ده يظهر قدامي واضح أن الولايات المتحدة، أنه هو بيعبر باعتقاده، (جملة أجنبية) كلها مشتملة على إزاحة بريطانيا وفرنسا من كل المواقع الإستراتيجية الإمبراطورية اللي أخذوها في السنين اللي فاتت لأنها تريد أن تحل محلهم، وبدأ يدرك أن اللعبة لها مجالها.

تصبحوا على خير.