- تأثير الجغرافيا والعامل الإنساني في التاريخ
- الوضع الدولي في مرحلة تأميم قناة السويس
- قرار التأميم، شجاعة، خيال ومعرفة

محمد حسنين هيكل

تأثير الجغرافيا والعامل الإنساني في التاريخ

محمد حسنين هيكل: مساء الخير. في هذه الليلة أريد أن أقترب بالتطبيق من أي فكرة عن الأمن القومي أو أي نظرية عن الأمن القومي إلى واقع الحروب التي خاضها العرب واتصالها بفكرة الأمن القومي، وأولها أو أهمها أو أبرزها في ذلك الوقت بالترتيب إذا استثنينا حرب فلسطين وأنا حاولت أن أشرح موضوعها في حلقة سابقة. فنحن هذه الليلة أمام معركة السويس التي أعتقد أنا شخصيا أنها أول معركة خاضها العرب وفي تصور أو في خطوط عريضة أو خطوط ظاهرة أو ملامح بارزة لفكرة أمن قومي عربي. أريد أن أذكر مرة أخرى وهذه مسألة أنا بأضغط عليها لأني أراها شديدة الأهمية وهي اتصال الأمن القومي بالجغرافيا والتاريخ. المشكلة لما بنتكلم عن الجغرافيا والتاريخ أنا لا أزال بلاقي أنه في نوع من الغموض يحيط بالجغرافيا، فكرة الجغرافيا، ترجعنا زمان للحاجات اللي كنا بندرسها في الجغرافيا ونتصور الجغرافيا هي قارات الأرض ومحيطات الأرض، لكن الموضوع أعمق من كده في اعتقادي، لأنه نحن لدينا مشكلة كبيرة جدا فيما يتعلق بالجغرافيا بسبب الموقع وبسبب الموارد عندنا مشكلة كبيرة قوي. قدامي على سبيل المثال مذكرات كريستيان بينو وزير خارجية فرنسا في وقت السويس. أنا أعرف أن موضوع الجزائر كان هو من الموضوعات الأساسية التي حركت فرنسا إلى أن تكون طرفا في عدوان سنة 1956، يوليو 56، وأنها جاءت أولا الجزائر بالدرجة الأولى، ثانيا علاقتها مع إسرائيل وقد تطورت بشكل أو آخر. كريستيان بينو بيقول هنا، حتى في أول صفحة من مذكراته، بيحكي هو على حديث أجراه في التلفزيون لكي يبرر موقفه وسط حملة شديدة عليه وعلى جي موليه رئيس وزراء فرنسا في ذلك الوقت، كيف دخلوا وهم الاشتراكيون في حرب لصالح حملة أسهم شركة قناة السويس في معركة مسلحة في سنة 1956 في السويس، فبيقول كريستيان بينو، وهذه لافتة لأنه هنا الجغرافيا، بيقول، بعد ما حط السؤال اللي قاله له المراسل، فبيقول له [لغة أجنبية] لأي سبب تعتقد أن رومل ومونتغمري حاربا حول طبرق وتقاتلوا وضاع آلاف أو عشرات الألوف من الشباب في الحرب حول طبرق سنة 1942، والمعارك محتدمة على طبرق؟ هل دول حاربوا لمصالح شركة قناة السويس أم حملة الأسهم؟ فبيقول له المراسل، قادر يشوف الصورة، فبيقول له كريستيان فينو أرجوك تعرف إنه مش موضوع شركة قناة السويس، لكن هذا هو الموضوع [لغة أجنبية] الأهمية الإستراتيجية العالمية لقناة السويس، هذه قلب الإستراتيجية العالمية وعلينا أن نكون مدركين ولهذا حاربنا. في الجزائر آه ممكن، ويتقال لي فرنسا آه ممكن، وكلهم كانوا عوامل فاعلة فعلا في الموقف الفرنسي، لكن في الغرب كله، ما جمع كل الناس في الغرب أميركا أو إنجلترا أو فرنسا في موضوع السويس هو الأهمية الإستراتيجية لهذا الموقع في قلب العالم. ولا يزال يتصور بعض الناس أن التكنولوجيا ألغت تأثير الجغرافيا، وأنا شرحت مرة ولا أزال ألح، الأميركان استعملوا اللي سموه حملة الـ Shock and awe الصدمة والرعب في العراق، لكن كل حرب استعمل فيها ما تشاء من أحدث أسلحة لكن في النهاية لا بد أن عسكري مشاة أو عسكري marine ينزل على الأرض ويحتل المواقع لكي نقول إن هنا حدث انتصار. أي أنه لا يمكن أن يحدث انتصار في أي حرب، أي أحد عاوز يتكلم عالتكنولوجيا اتكلم زي ما أنت عاوز، لكن في نهاية المطاف هناك أرض وهناك موقع على هذه الأرض وهناك قيمة لمواقع معينة في هذه الأرض وهنا الجغرافيا. قناة السويس والمنطقة اللي هي فيها بما فيها مصر، نابليون لما قال إن مصر أهم بلد في العالم ما كانش بيتكلم على تاريخ الفراعنة ولا على تاريخ.. ما كانش بيتكلم على حاجة من دي كلها، ولا نحن أبناء اللى بنوا الهرم، والكلام ده كله، لكن كان بيتكلم على موقع في وسط العالم ستظل له أهمية فادحة في الإستراتيجية العالمية، وعلى كل من يهتم بأي حاجة اسمها إستراتيجية عالمية أن ينظر إلى هذا الموقع الفاصل بين القارات مهما كانت التكنولوجيا. الأميركان النهارده وبوارجهم بتفوت في قناة السويس والمراقبون بتوعهم موجودين في سيناء وكل، أي نفوذ لهم على الأرض. هذا هو فعل الجغرافيا في الإستراتيجية العالمية ولا ينبغي أن ننسى وهنا قناة السويس وهنا كلام كريستيان بينو. حأنقل للتاريخ، بعض الناس بيتصوروا أن التاريخ هو قصص الملوك وغزوات الملوك وفتوحات الملوك، الغريبة قوي التاريخ إنساني بالدرجة الأولى. في جامعة أوكسفورد على سبيل المثال من حوالي سبع، ثمان سنين، كان في مؤتمر أو كان في اجتماع ضيق، في أوكسفورد مهتمين قوي بالتاريخ الإنساني بالدرجة الأولى، وبدؤوا يقولوا ما هي، يحاولوا يبحثوا ما هي أهم الأحداث التي أثرت على الإنسان في القرن 19. القرن الـ 19 ده كان قرن فوران، ده القرن اللي شاف البخار والكهرباء وشاف داروين وشاف ماركس وشاف فرويد، وشاف كل... التليفون، كل اللي ممكن نقول، السيارة تقريبا بدأت فيه، كل مخترعات العصر، ومع ذلك انتهى الأساتذة إلى أن أهم ما حدث في القرن الـ 19، أهم تطور تاريخي في القرن الـ 19 هو إيه؟ هو التوصل إلى نظام للصرف الصحي. ما بنسألش أنفسنا إحنا مرات، لماذا حدث أنه عدد سكان الكرة الأرضية في القرن العشرين زاد عن أو وازى عدد كل البشر اللي عاشوا في العالم منذ بدء التاريخ في كل القرون؟ دول عدد واللي في القرن العشرين عدد يساويه، أي أن القرن العشرين عاش فيه من البشر بمقدار ما عاش على طول تاريخ البشرية، والسبب الواضح في التأثير هو، وهذه مسألة لا بد أن تلفت نظرنا لأن التاريخ إنساني ماهواش للملوك، أن التوصل للصرف الصحي هو العامل الفاصل الذي حسم مصير الإنسانية، وأنا شايف كميات كتب بتتكلم، طلعت بعدها، كميات كتب وتقارير بتتكلم على تأثير الصرف الصحي.. ما حدش بيفتكر أن إليزابيث لما أحبت، الملكة إليزابيث الأولى، لما أحبت تقدم نفسها لملك فرنسا علشان تتجوزه، ضمن المغريات أنها بتستحم مرة كل سنة. لما حد يروح الإسكوريال ويبص على المتحف الجزء الخاص، الإسكوريال هو المتحف الكبير في إسبانيا وهو جنب مدريد، أنا دائما بيلفت نظري، في متحف خاص بفيليب الثاني، فيليب كوسوغوندو، اللي هو يعتبر سيد البحر الأبيض وهو مكتشف، مشجع للاكتشافات بما فيها اكتشاف أميركا، إلى آخره، أنه بيلفت نظري ويلفتوا نظرنا كلنا الناس اللي حتى في المتحف من الأدلاء يورونا الكرسي اللي كان بيروح عليه فيليب كوسوغوندو يروح الحمام، لأنه ساعات بنتصور إحنا لما بنلاقي قدامنا صرف صحي ومياه جارية وكل هذه التسهيلات اللي في حماماتنا اليوم بننسى كيف كانت البشرية ملوكا وأباطرة ورسلا، كله، كانوا عايشين إزاي قبل أن تظهر قضية الصرف الصحي. هنا في، مش بس العامل الإنساني في التاريخ، لكن في أن التاريخ لما بنتكلم عليه بنتكلم عليه مؤثر وفاعل في الحوادث. لما يقولوا إن نابوليون خسر معركة واترلو لأنه كان عنده مغص في بطنه وما كانش موجود، لما قوات حليفه في الحرب جنرال كروغ جاءت فما كانش موجود يوجه المعركة، لأنه ببساطة كان بعيد عن مقر قيادته لأسباب متعلقة باحتياجاته الإنسانية، كانوا يروحوا يبعدوا مسافات طويلة علشان يتصرفوا. التاريخ ما هواش Abstraction، التاريخ ليس قضية ميتافيزقية متعلقة بالملوك أو بالأساطير وإلى آخره، لكن الجغرافيا موجودة وفاعلة في السياسة وحتى اليوم، والتاريخ والجزء الإنساني منه فاعل... لما أنا أقول، لما بنقول أنه كان في.. مرات لما أنا اتكلمت على إيدن، على أنتوني إيدن رئيس وزراء إنجلترا، وعلى الدور اللي لعبته زوجته كلايسا في أزمة السويس، وأنه كان بيحاول يوري قدامها قوته وقدرته، ناس كثير قوي كانوا يقولوا إن هذا مش وارد، يعني معقول في حرب، في معركة، في إستراتيجية عالمية، في كل هذا كله العنصر الإنساني موجود لهذه الدرجة؟! لا موجود، وموجود وفاعل. على كل حال أرجع بقى بعد هذه المقدمة عالأمن القومي عن العامل الإنساني، أولا عن الجغرافيا والعامل الإنساني في التاريخ، والتاريخ، مسار التاريخ ورؤيتنا لهم مش باعتبارهم مجردات وإنما باعتبارهم حواكم للفعل الإنساني وموجودين مهما حاولنا أن إحنا نهرب منهم لا نستطيع. لما أقول الأمن القومي متصل بالجغرافيا والتاريخ، أنا فعلا كل الشواهد قدامي وكل التصرفات الإنسانية.. أكثر حاجة أنا كنت دائما أحاول أقول لإخواننا في مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية لما عملته، لما أنشأناه يعني، إنه من فضلكم حطوا، ابحث كما تشاء، ما تخليش أفكار عن الحرب تأخذك بعيد للصواريخ وعالم النجوم والمسافات عن بعد والحاجات الفضائية إلى آخره، كل ده موجود وكل ده مؤثر، في الآخر يبقى الإنسان. وأنت بتتكلم عن ما جرى وإلى آخره وملوك واللي أنت عايزه، في الآخر تبقى الأرض، يبقى هناك أرض ويبقى هناك بشر على هذه الأرض ويبقى التاريخ وتطور التاريخ ماشيين بهذه الطريقة. لما آجي بقى لسنة 1956 وحرب السويس، وأنا أعتقد أنها نموذج بشكل ما لاقتراب العرب، مش حأقول لفهمهم الكامل لأنه إحنا حتى هذه اللحظة لم نستطع أن نفهم مشكلة الأمن القومي، والدليل حال الأمة كما أراه النهارده، لكننا نقاربها أحيانا ونبتعد عنها أحيانا، نتمثلها في أذهاننا مرات وننساها مرات أخرى بفعل أهواء، لكن على أي حال أنا مستعد أن إحنا في وقت السويس كنا أقرب ما نكون بشكل أو آخر إلى فهم أو إلى استيحاء أو إلى الإصغاء لإملاء نظرية أمن قومي عربي موجودة واضحة. عايز أفكر بسرعة جدا في مواقف الأطراف. مواقف الأطراف أول موقف فيهم طبعا كان الموقف الإسرائيلي. الموقف الإسرائيلي أهميته مش لأنه فاعل رئيسي، ولكن أهميته لأنه العنصر الموجود على الأرض، المطرقة التي إما أن تضربني بطلباتها هي، وإما أن تضربني بيد غيرها، غيرها تمسك بها وتضربني بها، لكن قربها ما يجعلني باستمرار أول ما أنظر في أي موقف وأحاول تحليله أقول أين إسرائيل؟ إسرائيل في هذا الوقت، واحد فاجأها ما حدث في مصر بعد 1952، نمرة اثنين حاولت أن تقترب منه وأن تعرض صلحا، كل هذا لم ينفع، حاولت أن تستعدي أميركا لكن فضلنا، بشكل أو آخر، فضلنا لغاية صفقة الأسلحة، وعند صفقة الأسلحة مع الاتحاد السوفياتي في سبتمبر، التي أعلنت في سبتمبر سنة 1955 كانت إسرائيل قد أدركت أن هناك معركة قادمة مع مصر بلا جدال. وأنا قلت في هذه الفترة إن بن غوريون طلب من دايان أن يعود من إجازة كان بيقضيها في باريس، ليجيء فورا ولكي يعد خطة لاحتلال سيناء، اللي إحنا مش قادرين نتصرف معها لغاية دلوقت، مش عارفين نتصرف معها دلوقت ونتركها لأهواء ولمشاكل ونتركها كقضية أمنية. المهم، فدعاه لكي يضع خطة لاحتلال سيناء، وبدأ وقتها، من وقتها رؤساء أركان حرب الإسرائيليين يعدون خطة احتلال سيناء، وبدأت فرنسا تبحث عن حليف، وأنا هذا موضوع تحدثت عنه، وهدفها كان الأصلي أن تجيء بأميركا بالولايات المتحدة الأميركية معها، لكن في ذلك الوقت الولايات المتحدة الأميركية لم تكن مستعدة للتعاون مع إسرائيل بطريقة واضحة لأسباب لا علاقة لها بمصر، ولكن لها علاقة، واحد، بصداقتها التقليدية مع الهاشميين خصوصا في بغداد وبعدها في عمان, والحاجة الثانية، بسبب السعودية وموارد البترول الموجودة فيها، وفي ذلك الوقت كان العالم العربي بشكل ما لم يكن.. كان في موضوع الأحلاف لكن موضوع الأحلاف كانت الخطوط فيه واضحة، وهي الرغبة في تنظيم الحزام الشمالي أولا، يعني تركيا وإيران وباكستان، ثم دعوة الدول العربية إلى الالتحاق بهذا الحزام الشمالي لكي يكون حاجزا ضد التقدم السوفياتي أو ضد احتمال التقدم السوفياتي أو في احتمال حرب مع الاتحاد السوفياتي. لكن التقسيمات في العالم العربي كانوا خطين واضحين ما كانش زي ما هو حاصل النهارده، أنه تحولت تقريبا الخريطة العربية إلى ما يكاد يكون أن.. يكاد يكون إيه؟ يكاد يكون في السوء صينية بقلاوة مقسمة، مخرطة بالطريقة ده كلها عرضا وطولا. في هذا الوقت إسرائيل وهي تبحث عن حليف، أميركا لم تكن جاهزة لأسبابها، لكن فرنسا كانت مستعدة، فرنسا كانت مستعدة وبالدرجة الأولى بسبب حرب الجزائر واعتقاد الجنرالات الجزائريون أن رأس الأفعى في القاهرة وأن ضرب القاهرة ينبغي أن يكون هو مقدمة ضرب.. تهدئة الأمور في الجزائر أو تأمين الجزائر، فهنا كان نحن قدام موقف متفجر.

[فاصل إعلاني]

الوضع الدولي في مرحلة تأميم قناة السويس

"
الولايات المتحدة كان لديها خطة أطلقت عليها اسم الخطة ألفا والهدف منها عقد صلح بين مصر وإسرائيل كمقدمة لجر بقية الدول العربية إلى صلح مع إسرائيل، وهو ما يمهد لدخول المنطقة كلها في إطار الحزام الشمالي وحلف بغداد
"
محمد حسنين هيكل: الأميركان في ذلك الوقت، وأنا شرحت هذا، عندهم خطة لها عندها الرمز، الاسم الرمزي (ألفا)، تقتضي صلح مصر وإسرائيل كمقدمة لجر بقية الدول العربية إلى صلح بينه وبين إسرائيل يمهد لأن المنطقة كلها تخش في إطار الحزام الشمالي وحلف بغداد زي ما عرفناه فيما بعد، وبعدين لم تنجح الخطة (ألفا) في جر مصر وأنا شرحت هذا، وترتب على هذا أن وضعت خطة أخرى اسمها الخطة (أوميغا)، وشرح الخطة أوميغا هنا قدامي في الوثائق كلها وأنا عرضت بعضها والوثائق قدامي هنا خرافية، بما فيها شرح لما هو معنى الخطة (أوميغا) وهدفها إيه بما فيها من هم الذين يحق لهم الاطلاع من السفراء على تفاصل الخطة (أوميغا) لأن الخطة (أوميغا)، وأنا شرحتها ومش عاوز أرجع فيها ثاني، كانت بتستهدف عدة حاجات، الضغط على مصر بالسد العالي، أول حاجة نديكم السد العالي في مقابل أن تستجيبوا، هذه هي الصفقة الأولى. الحاجة الثانية في نفس الوقت بالتوازي مع ذلك إضعاف موقف مصر بالوقيعة بينها وبين السعودية، بين جمال عبد الناصر وبين الملك سعود في ذلك الوقت لأن هذه الصلة الموجودة بين الاثنين، وهي الصلة في الحقيقة كل منهما دخل فيها لأسبابه أو كان موجود فيها لأسبابه، والسعوديين، وأنا مستعد أفهمهم في هذا، كان في ذهنهم الهاشميين طبعا بتأثير الخلافات القديمة قوي، والحاجة الثانية أنهم راغبين دائما وحتى ده ظاهر لغاية النهارده، يعني لما يقول لي الأمير سعود الفيصل أنه أنا رحت إلى أنابوليس لأني لا أستطيع أن أخرج عن الإجماع العربي. السعودية بشكل ما لا تريد أن تتصرف منفردة، تريد باستمرار أن تتصرف من وراء ستار عربي أو من وراء ستار دولي لكنها هي لا تبادر. الأسباب في ده معروفة، لأنه دائما لما تتغير العصور في أي عصر مع أي وضع تقليدي، فهذا الوضع التقليدي يريد أن يتأكد قبل أن يخطو باستمرار أنه ما هواش داخل في حقول ألغام، فهنا في حذر سعودي في الموقف الموجود في الشرق الأوسط في هذا الوقت السعوديين لأنه مع علاقتهم بالهاشميين يعني لها رواسبها التاريخية الطويلة، لأن الهاشميين هم المتصدرين لموضوع حلف بغداد في ذلك الوقت، فالسعوديين لا يتقدموا منه. طبيعي بقى ممكن قوي ينشأ صداقة بين مصر والسعودية أو علاقة وثيقة، وهي الحقيقة الشهادة لله، كانت موجودة طول الوقت في التاريخ إلى درجة أنه إحنا نتذكر أن الحجاز كله تقريبا في الوقت العثماني كان تحت الإدارة المصرية أو قريب من محمد علي، ولهذا كلف محمد علي لما حصلت الثورة الوهابية، كلف محمد علي أنه يروح هو اللي يهدئ الثورة لصالح السلطان، لكن هنا في علاقات وثيقة وقريبة بشكل أو آخر بين السعودية وبين مصر، فبقى الهدف، واحد، جمال عبد الناصر يقبل صلح مع إسرائيل ويخش في أحلاف وندي له السد العالي، مش حيعمل مش حندي له السد العالي، والمسألة واضحة. وبعدين الوقيعة بين مصر والسعودية لعزل بؤرة التمرد المصرية في ذلك الوقت، أو ما بدا أنه بؤرة التمرد المصرية في ذلك الوقت، وهنا تبقى خطة التفرقة بين الملك سعود وبين جمال عبد الناصر وهي هنا كان ممكن أن يحد يدقق في الأمور يلاقي لها أسباب، ممكن قوي، ممكن قوي الضغط على أوتار حساسة طبيعية جدا بين أسرة مالكة وبين مجموعة ثوار متمردين، أي حاجة عاوزين نسميها في القاهرة. فممكن قوي يبقى في تخوف، في تناقض، لكن واقع الحال وواقع الأشياء وحقائق الجغرافيا والتاريخ في ذلك الوقت عملت محورين في العالم العربي، المحور اللي بقى راح في حلف بغداد والمحور الثاني اللي كانت بتمثله القاهرة واللي واقف في مقاومة حلف بغداد واللي هو رافض أن يصطلح مع إسرائيل، رافض أن يعقد سلام مع إسرائيل، إلا في حدود، لأنه إحنا ما كانش رفض كده في المطلق، لأن أي رفض في المطلق هذا أكثر مما تتحمله دواعي السياسة وحقائقها وحقائق القوة أيضا، والموقف اللي موجودين عنده هو قرار. اثنين، قرار التقسيم سنة 1947، فهنا الخطوط واضحة، مصر لا تستطيع لأنه، وسبب واضح جدا، أنه لا بد من اتصال جغرافي، جنب الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، جنب أي حاجة ثانية، هناك داعي وهناك ضرورة وجود اتصال بري بين مصر وبقية العالم العربي، وإلا إذا انقطع العالم العربي على نصفين بهذا الشكل تحجز بينهما إسرائيل فهذه كارثة إستراتيجية عربية بأي معيار وبأي مقدار من التفكير. فالخطة (أوميغا) هنا موجودة عند الأميركان، زاد عليها إحساس الأميركان بأن النظام عنده في العالم العربي بصداقته مع السعودية، بعلاقته مع سوريا علاقته الخاصة مع سوريا، عنده صلات متعدية، هذه العقبة التي وضعت في قلب العالم العربي وهي إسرائيل، قافزة فوقها. فبدأ يبقى في تفكير عند الأميركان، وأنا شرحته من هذا لما تكلمت عند عملية Stockpile عملية تخزين الأسلحة، عملية تزويد إسرائيل بالأسلحة، وشرحت أنا في ذلك الوقت وبالتفصيل أن الأميركان بدؤوا يبعثوا طائرات لإسرائيل، بدؤوا يستعدوا بمدد سلاح وذخيرة لإسرائيل تحت ستار أو تحت اسم العملية Stockpile، بدأت رئاسة أركان الحرب تجهز نفسها وتخزن أسلحة وتخزن ذخائر، وبدأنا نبحث في الطائرات اللي حيبعثوها الأميركان للإسرائيليين وهل تنتظر في مطار قبرص، وحتيجي في مطار قبرص وييجي الإسرائيليون يستلموها من هناك ويقدروا ولا ما يقدروش، والأميركان يوصلوها لعندهم هناك في إسرائيل ولا ما يوصلوهاش. فهنا بقى في خطوط أميركية واضحة وهنا مسألة أنا أريد أن ألفت النظر لها وبشدة وهي العلاقة الأميركية فيما يتعلق بسنة 1956 لأن هناك تصور شائع مع الأسف الشديد، هناك تصور شائع أن الولايات المتحدة الأميركية وأن الرئيس أيزنهاور أنقذت مصر في حرب سنة 1956، وهذا أبعد الأشياء عن أن يكون حقيقي والوثائق كلها بتوريه لي، لكن على أي حال هذا موضوع أنا حأسيب الوثائق توريه. لكن الأميركان في ذلك الوقت بدأ يبقى في ذهنهم مصر معاندة، الملك سعود وجمال عبد الناصر ما بيفترقوش بسهولة، محتاجة جهد، والأسلحة عمال تتوالى على مصر وإسرائيل بيزداد قلقها، ويبتدي الأميركان يبتدوا بالخطة Stockpile يساعدوا إسرائيل لكي تقوم بعمل لكن إسرائيل تشعر أن الأميركان مترددين بشكل أو بآخر وسبب التردد لا يتعلق بمصر، سبب التردد يتعلق أنه إحنا في هذا الوقت اللي بنتكلم عليه، بنتكلم على مايو، يونيو سنة 1956، وهناك انتخابات أميركية للرئاسة نوفمبر سنة 1956، في فرق ستة شهور والحملة الانتخابية بادية، والرئيس الأميركي لا يريد أن يدخل أو لا يريد أن ينكشف في حاجات كثيرة قوي، تقديراته في ضرورة تصفية عبد الناصر قاطعة، في ضرورة إسقاط هذا النظام قاطعة، لكن إسرائيل تحس، نمرة واحد أنها عايزة قوة كبرى موجودة معها، ما تقدرش وحتى هذه اللحظة لا تستطيع أن تأخذ مخاطرة عدم وجود قوة كبرى لأن بن غوريون له حق لما يقول إسرائيل تخسر حرب واحدة فهي النهاية، إذاً فهي النهاية، لكن العالم العربي يقدر يتحمل خسارة حرب واثنين وثلاثة. وهذا ما ثبت أنه ممكن، ممكن نتحمل، الأمم بتتحمل أشياء كثيرة، الأمم الراسخة والراسية في الجغرافيا وفي التاريخ ممكن تتحمل. فهنا بيحصل إيه؟ بيحصل أن إسرائيل عايزة قوة كبرى وراءها لكن أميركا مش جاهزة توقف وراءها بهذه الطريقة، بتديها أسلحة لكن بتقول لها آه أنتِ عاوزة تخشي، أنتم عاوزين تدخلوا تحاربوا إحنا بنديكم الوسائل، واعتقاد الأميركان وتقارير الملحقين العسكريين واضحة في أن إسرائيل إذا أعطيت الوسائل تستطيع أن تنجز مهمة إسقاط النظام في مصر، لكن هذا لا يكفي إسرائيل. ففي تردد أيزنهاور في الخطوة النهائية بسبب ظروفه الانتخابية وهي، على فكرة هذه المعركة 1956 وأنا تابعتها، ما تابعتهاش كفاية زي معركته في 1952 لكن متابعها، قدامه كان أدييه ستيفينسون مرشح ديمقراطي قوي جدا، وأيزنهاور في الرئاسة الأولى صحيح إدى استقرار في أميركا لكن باين أنه رئيس أميركي، آه رجل وراه اسم أسطوري، لكنه ليس ذهنا خلاقا، لا يستطيع أن يستثير خيال بمقدار ما قدر كنيدي على سبيل المثال فيما بعد يعمل، لكن أيزنهاور كان في رتابة في السياسة الأميركية. وبعدين في الفكر بتاع جون فوستر دالاس وهو فكر غلاة اليمين المسيحي المتطرف اللي لا يقبل إلا مؤمنين على طريقته أو غير مؤمنين بأي شكل من كل الأديان فهم بره الحساب. فهنا إسرائيل تشعر، برغم أن أميركا بتديها السلاح، برغم أنه عندها ما يشبه أن يكون ضوء أخضر اتصرفوا إذا قدرتوا وحتقدروا، لكن إسرائيل... وهنا تبتدي إسرائيل فرنسا ويبتدي الجسر مع فرنسا يقوى ويقوى ويشتد، وفرنسا تجد في إسرائيل حليفا على الأرض يساعدها أيضا وجنرالات الجزائر متحمسون لهذا الجسر على جنب، في الجنوب الشرقي للبحر الأبيض المتوسط والقادر على الوصول إلى مصر واللي قادر يضرب، فيدخلوا وإلى آخره. إنجلترا عندها أسى بظروف إيدن الشخصية وبشخصيته وبطبيعته وإلى آخره، لكن إنجلترا تعتقد أن، إيدن يعتقد، وأنا شفت حتى أقرب الناس إليه، أنا هو شفته لكن ما تكلمتش معه أبدا كثير، لكن تكلمت طويلا مع هارولد ماكميلان رئيس الوزارة اللي جه بعدين واللي كان خلفه، وزارة ماكميلان تلت وزارة إيدن لما فشل في السويس، لكن ماكميلان كان بيعتقد أنه، وقال لي حكى لي، وكتب، حتى الرجل كتب مش بس يعني.. أن إيدن كان متضايق جدا يظن أن جمال عبد الناصر بشكل أو آخر استدرجه إلى اتفاقية الجلاء على وعد أو على تصور تصوره إيدن أنه بعد الجلاء هو حينضم إلى حلف بغداد أو يخشوا في حلف، تدخل مصر في حلف للدفاع عن الشرق الأوسط، وبعدين، بعد الجلاء ما انتهى جمال عبد الناصر ما عملش كده رغم الضغوط اللي مارسوها عليه على درجات متفاوتة لغاية ما تم الجلاء وأما وقد تم الجلاء، وحتى هم مليون مرة في خططهم هم الإنجليز فكروا يرجعوا للقاهرة، ما يطلعوش من قناة السويس ويرجعوا للقاهرة، ثم اكتشفوا أنه لم يعد عندهم قوات وأنه ليس أمامهم إلا استمرار الانسحاب وانسحبوا ولم يعد لهم وجود إلا حوالي 700، 800 خبير موجودين في القاعدة طبقا لاتفاقية الجلاء، واكتشف إيدن أنه أو على الأقل أحس أنه بشكل ما خدع أو غرر به جنب الضغوط الهائلة كان بيتعرض لها من جانب مناوئيه من مجموعة السويس في إنجلترا، فبقى يتشكل حلف واضح، حلف كراهية شديد جدا في مواجهة مصر في ذلك الوقت لكن بقيت موجودة في إسرائيل لأسبابها وبسلاحها، موجودة في الولايات المتحدة الأميركية لأسبابها وبسلاحها لكن هي اللي بتقود المعركة، وموجودة في فرنسا لأسبابها وسلاحها، وبشكل ما في تعبئة عامة في أوروبا، والتعبئة العامة في أوروبا هو هذا الموقع الإستراتيجي اللي له الأهمية، المونديال زي ما بيقولوا، الأهمية العالمية اللي بيتكلم عنها كريستيان بينو. فكل نذر العاصفة، كل احتمالات هيجان في الشرق الأوسط، جيشان في الشرق الأوسط، كلها بقت موجودة وممهدة، والأميركان في نهاية الخطة (أوميغا)، نهاية الخطة (أوميغا) كانت هي سحب عرض تمويل السد العالي، وقعدوا مترددين فيه وفي الخطة (أوميغا) أنه إحنا طيب نسيب مصر تأكل نفسها في شك أنه هل سنمضي في التمويل أو لا نمضي في التمويل، وبعدين ندي جرعات من الأمل ثم ندي جرعات من اليأس، عملية تدويخ في واقع الأمر، سياسة تدويخ لغاية، وبعدين وصلنا لغاية ما جون فوستر دالاس اعتبر أن الوقت ملائم بالنسبة له لكي يعلن سحب مشروع السد العالي وسحبه، إعلان سحبه بطريقة مهينة تتعرض لحاجتين، لقدرة الشعب المصري على أن ينهض بأعباء مشروع بهذا الحجم، ونمرة اثنين على إفلاس الميزانية المصرية أنها لا تستطيع أن تستمر في هذا، لا تستطيع أن تستمر في تصور إمكانية تنفيذ هذا المشروع، وأعلن دالاس إعلان سحب السد العالي للسفير أحمد حسين سفيرنا في ذلك الوقت، وأنا وقفت عند الموقف المجموعة السابقة، وقفت عند الموقف اللي أعلن فيه قرار سحب السد العالي ودخلنا في كيف يرد جمال عبد الناصر وكل الاعتقادات أنه مجاله حيخطب خطبة شديدة حتعمل بعض المظاهرات والاضطرابات، لكن لم يخطر ببال أحد أنه سوف تمتد يد مصرية إلى هذا الموقع اللي بيسموه اللي حاربت، اللي كريستيان بينو بيقول لي إن مونتغمري ورومل ما كانوش بيموتوا رجالهم علشان مساهمي شركة قناة السويس لكن من أجل الاستيلاء على هذا الموقع الحاسم. حكيت أنا فيما سبق أنه إحنا لما أعلن قرار دالاس بسحب عرض السد العالي، أنه إحنا كنا، الرئيس عبد الناصر ومعنا، مصر كانت موجودة مشاركة في مؤتمر في بريوني في، ابتدأ من 18، 17 يوليو واستمر عدة أيام ثم عدنا، قبلها كان في زيارة رسمية ليوغسلافيا كمان، لكن على أي حال عدنا وموضوع السد العالي، وسحب العرض بهذه الطريقة المهينة هو القضية. معنا كان في الطائرة ونحن عائدون من بريوني وأنا شرحت هذا، معنا نهرو رئيس وزراء الهند، أنا بلاقي في الورق المكتوب بخط جمال عبد الناصر في ذلك الوقت في اللحظة دي إشارات إلى قناة السويس، ألاقي إشارات إلى رغبته في أن يعرض كل علاقتنا مع الأميركان.. هو كتب lots مجموعة مذكرات، سطور قليلة لكي يربط خطوط تفكيره، ففي موضوع القناة، في موضوع.. ما فيش كلمة عالتأمين، في موضوع قناة السويس، إشكالياتنا مع الغرب، القاعدة والأحلاف وإيه اللي جرى وتهديدات البنك الدولي والضغوط اللي مورست علينا ودالاس وإلى آخره، ولكن إحنا جايين جينا هذه خطوط موجودة في رأسه لكن هو كاتب الورقة دي في بريوني ولديك هو الورقة في رأسها، وأنا هنا موجودة قدامي، في رأسها أن مكتب الرئيس، لكن هو كاتب بخط إيده بريوني، وبعدين كاتب النقط الموجودة فيها دي. لكن على أي حال، رجعنا في الطائرة وجت لنا أخبار السحب وإحنا في الطائرة، وأنا شرحت حكيت بعض التفاصيل، ونهرو كان مفروض يقعد يومين هنا في القاهرة لكن أحس نهرو أن جمال عبد الناصر مشغول قوي، كان حيقعد يومين إجازة ومحادثات، لكن هو أحس أن جمال عبد الناصر بيواجه موقف مختلف وأن وجوده في القاهرة حيشكل عبء عليه، فطلب منه أن يعني حيستأذن وحيرجع للهند، وقد كان في لقاء أخير، وأنا فاكر، في اللقاء الأخير في إشارة غريبة قوي نهرو عملها، بيتكلم جمال عبد الناصر معه عالموقف الجديد وهو بيقول له أنا عارف أنك أنت عندك مشاكل كثيرة قوي وأنا لذلك مسافر رايح الهند، وعاوزك تحط في تقديرك أن هذا الذي أنت تواجه، أنت حتعمل رد اللي أنا فاهمه واللي أنا فهمت منك ومن الجرائد المصرية أنكم تنوون أن تردوا بشكل أو آخر على هذا القرار وأنا ما أعرفش أنت حترد إزاي، والحقيقة في ذلك الوقت جمال عبد الناصر لم يكن قد استقر على طريقة الرد على سحب السد العالي، القرار بسحب المشروع وإعلانه بهذه الطريقة، لم يكن قد استقر. لكن نهرو في ذلك الوقت في ذلك اليوم قال له إيه؟ هو جمال عبد الناصر راح يودعه في السفارة الهندية، فنهرو بيتكلم الكلام العادي فبيقول له إيه؟ بيقول له Brother Nasser يا أخي ناصر أنت هنا حترد على اللي حصل، خلي بالك أن اللي قدامك هو الولايات المتحدة الأميركية وأنا ما أقدرش أتدخل في أي حاجة، لكن أنا عاوزك تبقى تتصرف وأنت تعرف أن الطرف الآخر اللاعب أمامك على رقعة الشطرنج العالمية الموجودة عندكم ده هو الولايات المتحدة الأميركية، وهذا أقصى ما أستطيع أن أقوله لك. وسافر نهرو.

[فاصل إعلاني]

قرار التأميم، شجاعة، خيال ومعرفة

"
البعض يتصور أن قرار تأميم قناة السويس جاء انفعاليا نظرا لشخصية جمال عبد الناصر العصبية، لكن الحقيقة أن تأميم القناة كان مستقرا في وجدان الشعب المصري، ومتلازما مع الاستقلال التام وجلاء بريطانيا عن مصر
"
محمد حسنين هيكل: بعض إخوانا يتصوروا أن قرار تأميم السويس جه قرار انفعالي، وأنا شفت واحد من الناس اللي بيكتبوا، واحد كويس يعني، لكن بيقول إن جمال عبد الناصر كان عصبي، وإنه مش عارف دالاس يشتمه فيؤمم قناة السويس، ومش عارف مين يعمل له يعلن الحرب، كما لو أن موضوع شركة قناة السويس هذا موضوع في الوجدان المصري موجود ومستقر طول الوقت موازي مع هدف الاستقلال بالضبط، هدف جلاء القوات البريطانية عن مصر وهدف الاستقلال متوازي معه بالضبط هدف قناة السويس، لأن قناة السويس ما حدش محتاج إطلاقا يشرح أبدا أنها ضمن المطالب المتوافق عليها مصريا على كل المستويات وعلى كل العصور، وبالتالي فهي مطروحة، لكن قدامنا في عقبتين مطروحة. أول حاجة مطروح فكرة أن تعود القناة إلى مصر، بمقدار ما الإنجليز طلعوا من قناة السويس، الشركة كمان تطلع، لكن بعض الأمم، دائما الأمم الحية يبقى عندها جداول أولويات موجودة في الذاكرة وفي الوعي، والتصرف فيها لا يمكن يكون عصبي، هي موجودة في الوعي، حاضرة في الذاكرة مطلوبة بإلحاح وفي استعداد لها، لأنه لما بدأ يتقال، وهو واضح طبعا، أن عقد الامتياز ينتهي 1968 فمصر بدأت تعد نفسها من أول خالص، وأظن أنه يمكن من قبل الثورة أنه كان في تصور يعني 1968 قريبة في الاستعداد، لكن بعد الثورة بدأ يبقى في وضوح مكتب معد لقناة السويس عندما يجيء الوقت اللي هو 1968. لكن 1968 سوف تعود إلينا، إيه اللي حيرجع إلينا؟ ينتهي عقد الامتياز، لكن لا تنتهي مشكلة قناة السويس، امتياز الشركة الحالية ينتهي لكن القناة لا تعود إلى مصر، في فرق بين حاجتين.. إحنا بننسى باستمرار، بننسى أنه في حاجة اسمها معاهدة القسطنطينية. معاهدة القسطنطينية موجود فيها إيه الأوضاع اللي ممكن تبقى موجودة في قناة السويس في حالة ما إذا انتهت الشركة، وعشرة بنوك وعشر دول في أوروبا كلها موقعين على أن الإدارة في قناة السويس حتى إذا انتهى عقد امتياز الشركة تبقى في أيد دولية، العالم الخارجي يمتلك قناة السويس بسبب موضعها وليس مصر بسبب أن القناة والله موجودة في أرضها، في تفرقة كاملة بين الاثنين، واللي يقرأ معاهدة القسطنطينية يبص يلاقي بوضوح كده المادة 14 تقول، اتفقت الدول العظمى المتعاقدة بأن التعاهدات المبينة في هذه المعاهدة غير محددة بمدة الامتياز الممنوح لشركة قناة السويس العالمية. صحيح أن الشركة كانت قدامي، لكن الشركة مش كل حاجة، وراء الشركة في موقع آخر. لكن هنا بقى فيه، لما تيجي حد في أولوياته أشياء معينة، في أولوياته أهداف وطنية ثابتة واضحة وموضع إجماع من كل الناس، وعلى طول التاريخ الحديث على أقل تقدير، وبعدين هو موجود ويستعد وهو فرغ من مشكلة الجلاء وقناة السويس على طول والأوضاع فيها تطرح نفسها. إذاً الموضوع موجود لكن المسألة كانت مسألة توقيت، متى يمكن أن تتحرك مصر في موضوع قناة السويس، يعني أنا فاكر أنه صباح يوم السبت عشرين كنا في القاهرة بعد ما رجعنا من بريوني وكلمني الرئيس عبد الناصر وقال لي تعال، لأنه هو كان طلب مننا في الليلة السابقة أن كل واحد فينا يفكر أنه كيف يمكن مواجهة ما فعله دالاس وبالطريقة اللي فعله بها، وبعدين وأنا فكرت وغيري فكر، الأستاذ علي صبري بالتحديد وغيره وغيره، كثير قوي غيري فكروا، ما الذي يمكن عمله؟ وكان علينا أن ندي اقتراحات ونتقابل ونتكلم. لكن على أي حال، السبت الصبحية وقبل ما الريس يروح سفارة الهند يودع نهرو كلمني، فت عليه، أنا كنت طول الليل ما نمتش اللي هي ليلة السبت وفكرت في حاجة والغريبة خطرت لي قناة السويس برضه، بس خطرت لي بطريقة مختلفة. خطرت لي بمعنى وزير خارجية إنجلترا كان موجود عندنا في يناير من سنة 1956 وبعدين في قصر الطاهرة بيتكلموا على قناة السويس مصر ما بتاخدش حاجة من قناة السويس وتزود، لأن الشركة كانت بتدفع للحكومة المصرية مليون جنيه إسترليني في السنة وخلاص انتهى الموضوع، وهي بتكسب لها مثلا 36، 37 مليون، فجمال عبد الناصر أثناء الكلام بيقول إيه؟ سلوين رويد بيقول إن قناة السويس لازم تدركوا إن قناة السويس هذه جزء من مجمع البترول في المنطقة، فجمال عبد الناصر بيقول له طيب مجمع البترول في شركات البترول بتدي للدول المالكة للموارد الطبيعية بتديها نسبة 50% من الدخل بصرف النظر عن المغالطة في الحسابات يعني، فإحنا طيب نأخذ نصف دخل قناة السويس، ده بتأخذه الشركة، تدخلوا مع الشركة تدي الحكومة المصرية نصف الدخل، فطبعا سلوين رويد بيرفض الكلام. لكن أنا لما أعد أفكر وإحنا، وقت الأميركان سحبوا عرض السد العالي، وعندنا آه عرض من الروس، والعرض من الروس يقتضي كلام كثير قوي، والعرض تقريبا بسبب وجود عرض أميركي وبسبب حساسية كل الدول في الاقتراب من موضوع المنافسة بين الدول الكبرى الكلام بيتقال بالرموز أكثر مما يتقال آه والله إحنا مستعدين لكن ده مش كفاية، فأنا خطر لي نسبة للكلام السابق بتاع يناير قبلها، أن نصف دخل قناة السويس زي ما شركات البترول بتدفع للدول المالكة للبترول 50%، وأنا تصورت أني عثرت على كنز رهيب بالفكرة دي، ورحت بيت الرئيس عبد الناصر الصبحية، الساعة التاسعة صباحا وفي ذهني أني حأطرح هذا المشروع، لما هو كلمني يقول لي تعال وفكرت كويس فأنا بقول حاجة قلت فيها كلمة قناة السويس، فهو قال وقف الكلام تعال، لدرجة كان خايف من التلفونات حتى في ذلك الوقت لأن الإنجليز كان عندهم وسائل، أصدقاء الإنجليز في البلد كان عندهم وسائل إلى آخره يعني مهما كان يعني، فأنا رحت فأنا بأقول له وقعدت شرحت قدامه، لما دخلت لقيته ماسك ورق من ورقه وبيكتب فيه تقدير موقف زي ضابط أركان حرب قديم كده، فهو بيقول لي أنت فكرت في إيه؟ فأنا قلت له أنا والله فاكر الكلام بتاع سلوين رويد اللي قال له لنا كذا كذا، على قناة السويس، ما نطالب بـ 50% من دخل قناة السويس لبناء السد العالي وهذا مطلب مشروع، فهو قال لي كده ببساطة وأنا فوجئت، قال لي طيب وليه 50%؟ قلت له طيب. قال لي المشاكل اللي حتحصل لنا بسبب 50% هي نفس المشاكل اللي حتحصل لنا بسبب 100%، لكن 50% حنقعد نخش نتفاوض فيها وحتبقى صفقة تجارية، لكن بـ 100% أنا بأعتقد أنه إحنا بهذا بنستجيب أولا لمطلب دفين موجود في الوطنية المصرية، العالم العربي سوف يفهم هذه المعركة وسوف يراها في حدودها الطبيعية، العالم الخارجي سوف يقدر ده. أنا طرحت مشكلة مصدق، مشكلة تأميم البترول الإيراني وهو كان رأيه أن البترول الإيراني قضية ثانية، رأيه أن البترول الإيراني قضية الاستيلاء على مورد، لكن هنا في قناة السويس هي عملية الاقتراب من السيطرة على خدمة، وهنا في فرق بين مورد طاقة وبين خدمة مرور، فهنا هو في تصوره أن المعركة لن تكون بحدة معركة مصدق ولن يتكأكأ فيها العالم بهذه الطريقة، خصوصا وأن شركة قناة السويس شركة مصرية، وتأميمها، تأميم شركة مصرية بالقانون ليس فيه ما يمكن أن يكون عدوانا على القانون الدولي. موضوع القسطنطينية كان قدامه، موضوع معاهدة القسطنطينية كانت قدامه، لكن في تصوره أن هذا موضوع يمكن معالجته بشكل أو آخر، ممكن معالجته في عزلة عن.. بقى هنا في موضوع الشركة ومواردها وموضوع المطالب الدولية التي قد تكون في العالم، في وعي العالم أو في خطط العالم للسيطرة على هذا الموقع ولمنع انفراد أي طرف واحد به. أنا الحقيقة قعدت سمعته ولغاية الآخر، ولازم أقول أنه أنا يعني مش بس اتخضيت، اتخضيت وزاد احترامي جدا للرجل، لأنه عند لحظة أزمة، دائما عند لحظة أزمة ده رجل كان انتخب رئيس جمهورية قبلها بشهر ولا بشهرين، وطبيعي رئاسة الجمهورية وإحنا عارفين وشايفين مسألة يعني ما حدش بيسيبها أبدا، فالرجل داخل في قرار أو داخل في مخاطرة أو داخل في عملية قد تقود بالأوضاع الدولية دي كلها إلى مشكلة، مشكلة كبيرة قوي، قد تنتهي.. إسرائيل موجودة وأنا شايف موقفها متحفز، فرنسا موجودة ومتحفزة.. لكن هنا في أحد بدأ يتجاوز بتفكيره، وهنا أنا بتصور أنه هنا في مهمة القيادة، أنه أحد يستطيع أن يتصور ما وراء السطح، ويتحمل مسؤوليته على أساس حسابات، مش واحد والله نرفزوه شتموه فأمم قناة السويس، يا أخي والله أكثر من كده، المشكلة أكثر من كده ومدروسة أكثر من كده وجاهزة أكثر من كده، أين موضوع الشركة؟ لكن موضوع ملكية قناة السويس كان معركة مؤجلة، والدول هنا لأن روسيا كانت طرف في اتفاقية القسطنطينية وهي وضعها مختلف، ألمانيا كانت طرف في اتفاقية القسطنطينية وهي الآن وضعها مختلف، في دول كثيرة قوي ممكن الكلام معها وممكن الفصل ما بين إدارة الشركة في قناة السويس وكل دخلها وكل ما نريده منها للسد العالي، وبين اللي جاي فيما يتعلق بالقسطنطينية وفيما يتعلق بالترتيب مع الدول التي تهمها حرية الملاحة والي داخلة في اتفاقية القسطنطينية. هنا دخلنا.. أنا بأعتقد أنه في معركة فيها مخاطر، لكن ليس صحيحا أنها مش محسوبة. اللي عاوزين يقعدوا مطمئنين إلى مواقع وإلى كراسي مؤمنة أنا بأعتقد أنه في العالم الثالث، في عالم يطمح إلى التقدم، في عالم يطمح إلى الرقي، أنا بأعتقد أنه مرات لا بد أن يقدم الناس بخيال يتقدموا به ويكونوا قادرين على الدفاع عنه وعندهم ما يدعوهم للاعتقاد إلى أن وسائله متوفرة قدامهم، لأسباب كثيرة جدا. أظن أنه، لما أنا أرجع بقى.. أنا فاكر وقتها، يعني عايز أقول أنه في أيام أو في أسابيع أنا لو أحسب، مع الأسف الشديد، في الثلاثة حروب، في حرب السويس، في حرب 67، وفي حرب 73، أنا مكسوف أقول أنه والله، حقيقي يعني جد، أنه في أنا أسابيع لم أنم فيها، لأنه بشكل أو بآخر أنا وقتها رئيس تحرير الأخبار أو أحد رؤساء تحرير الأخبار، لكن رؤساء التحرير اللي معايا اللي موجودين في ذلك الوقت، كلهم محترمين وناس كويسين جدا، لكنهم ما هماش المخبرين الموجودين اللي الظروف تسمح لهم يتحركوا في الساحة، فأنا موجود رئيس تحرير آخر ساعة زي ما كنت بأقول، فضلت معاي باستمرار ما قدرتش أسيبها لغاية بعدين يعني، ورئيس تحرير الأخبار، والعنوان قدامي، فاكر أنا أنه هذه الأيام إحنا.. لأنه إحنا على طول في حساب المخاطر جمال عبد الناصر قال، كان مفروض يعلن قرار التأمين يوم 23، ما أعلنوش يوم 23 لأنه كان مطلوب استكشاف أوضاع القوات البريطانية وأوضاع القوات الإسرائيلية الموجودة الجاهزة للتدخل. القوات الإسرائيلية كانت جاهزة، واضح أنه كانت قدامها كانت جاهزة، القوات البريطانية كانت قدامها، لأنه قل لي مين حيتدخل؟ حيتدخل إسرائيل ولكن طيب وأهه جاهزة وإحنا عارفين إيه في سيناء موجودة. وفي الأميركان، وفي الإنجليز ممكن يتدخلوا بالأسطول البريطاني، ممكن الأميركان يتدخلوا بالأسطول السادس، لكن بدا هنا عملية مسح لإيه، مين يتدخل في إيه. الخوف كان هو القواعد اللي موجودة في قبرص، الجزر اللي إحنا نسينها كلها دلوقت. وبالتالي قاعدين إحنا عندنا علاقات مع مكاريوس، راحت رسل لمكاريوس، الجنرال غريفاس اللي كان بيقود الثورة ومسحت القواعد البريطانية الموجودة، وتأكد أن القوات الموجودة فيها حدود معينة لا تزيد عن، وقتها كل اللي موجود القوات البريطانية كان موجود، كانت القوات الموجودة في ليبيا كانت أكثر وكان في خوف كبير قوي من ليبيا، لكن قبرص كان فيها مش أكثر من مجموعة لواء متوزعة بين أسلحة مختلفة، لكن 23 لم يستطع أحد، ما قدرش جمال عبد الناصر لأنه كان عاوز يعلن يوم 23 يوم ذكرى الثورة، 23 يوليو، ما قدرش يعلن لأنه لم تجئه المعلومات الكافية عن أوضاع الاستعداد البريطاني، الفرنساويين لسه بعاد في الجزائر، ممكن ييجوا في إسرائيل، فيما بعد، ما كناش نتصور أنهم حييجوا بالطريقة دي. لكن بقى في تقدير موقف واضح، واحد لدينا خطر من إسرائيل، نمرة اثنين أن إنجلترا تخش، لكن في تقدير جمال عبد الناصر أنه لا يمكن قوي أن إنجلترا تخش وإسرائيل معها، لأن هذا محظور ينبغي توقيه بالنظر إلى موارد البترول وبالنظر إلى العلاقات مع الهاشميين في بغداد. يوم 24، 25 أنا طالع في أخبار اليوم، خطة مصر، وعواصم العالم تنتظر خطاب الإسكندرية لأن جمال عبد الناصر كان في الإسكندرية في ذكرى إنهاء الملكية وخلع الملك فاروق وخروجه من الإسكندرية ففي احتفال في الإسكندرية وأنا طالع في أخبار الإسكندرية، خطة مصر لكذا للمواجهة وبعدين ثاني يوم جمال عبد الناصر يعلن تأميم شركة قناة السويس ومصر تسلمت القناة أمس، وقلنا إن أرباح الشركة 35 مليون وآدي الناس اللي حيديروا قناة السويس ومنهم واحد رئيسها الدكتور حلمي بهجت بدوي أول اسم في الأسماء، وفي الدكتور مصطفى الحفناوي وهو رجل أعد مليون دراسة على قناة السويس وعلى شركة قناة السويس والتحق بشركة قناة السويس. أرجع وأنا بقفل هذه، الإنجليز والأميركان وكل العالم لم يكن يتوقع، الكل توقعوا مظاهرات وتوقعوا اضطرابات وتوقعوا خطاب عنيف، فوجئوا يعني العالم كله، يوم 26 يوليو بالليل، كان Stunned كان مذهول بتأميم قناة السويس. وأنا فاكر أنه كنت في الإسكندرية وأعلن قرار التأميم وراجعين بالليل في العربية، وأنا في العربية وجنبي، أنا سايقها، وجنبي الرئيس أنور السادات، وهو الرئيس أنور السادات وقتها كان عضو في قيادة الثورة يعني، لكن بيقول لي إيه؟ قعدنا ساكتين أنا سايق العربية وراجعين عالطريق الصحراوي وبعدين وبنتكلم على المظاهر اللي حصل.. وبعدين أنور السادات سألني سؤال قال لي، محمد - بطريقته كده- رايحين على فين؟

تصبحوا على خير.