- تعريف الأمن القومي وثوابته
- ضرورة مناقشة الأمن القومي
- المؤثرات الممكنة في الأمن القومي

تعريف الأمن القومي وثوابته

محمد حسنين هيكل: مساء الخير، لا بد أن أعتذر في مقدمة هذا الحديث عن نوبة برد أصابتني وكان يمكن أن تدعوني إلى التخلف عن القدوم إلى هنا، ولكني آثرت وهذه الحلقة الثانية في هذه المجموعة، آثرت أن أجيء راجيا أن يُغفر لي إصابة ببرد لا ذنب لي فيه. موضوعي هذه الليلة هو لا يزال موضوع الأمن القومي وعن اعتقاد راسخ بأنه ما لم نتفق على موضوع الأمن القومي ونحدده، ونحدد تبعاً له موقفنا من قضايا الحرب وقضايا السلام، فإننا جميعاً في هذا البلد في هذه المنطقة سوف نظل حيارى لا نعرف أين الطريق. وبعتقد أنه أنا علي هذه الليلة أو أنا أتصور أن مهمتي هذه الليلة أن أتحدث أو أن أحاول الإجابة عن ثلاثة أسئلة، السؤال الأول ما هو الأمن القومي؟ لأنه لما أنا قلت أو أنا بقول وغيري بيقول إن الأمن القومي تحدده الجغرافيا والتاريخ قد يبدو أن القول بشكل أو آخر ملتبس، أو على الأقل في معميات لأن الجغرافيا والتاريخ مسائل كبيرة جداً. السؤال الثاني هل يجب في موضوع الأمن القومي أن نتحدث عن رؤساء الدول بالتحديد، سواء كنا نتكلم عن بوش أو عن مبارك أو عن بلير أو عن غوردن براون ولا عن ميركل، أو أن الكلام عن الأمن القومي يمكن أن يتجاوز الأفراد؟ حاجة ثالثة وهي في اعتقادي مهمة، هل غيرت التكنولوجيا الحديثة في وسائل حماية الأمن القومي؟ لأن هناك مدارس تقول إن العولمة غيرت وإن التكنولوجيا غيرت وإن الوسائل نفسها تغيرت، وهذه الأسئلة الثلاثة أنا بعتقد أنه لا بد من الإجابة عنها بوضوح. السؤال الأول منها وهو سؤال الجغرافيا والتاريخ، لما نقول إن الأمن القومي لأي بلد في الدنيا محدد بالجغرافيا والتاريخ فلابد أن نتذكر أن كل أمن منوط بجغرافيا من ناحية، على سبيل المثال، الأمة المصرية أو الشعب المصري لم يختر بإرادته موقعه، فُرض عليه أو هو ولد ووجد هذا الموقع عند ملتقى القارات وله ظروف، إنجلترا لم تختر موقعها كجزيرة، الناس ما اختاروش، هناك أشياء ثوابت جاءت إلينا وأخذنا بها ولم يكن في مقدورنا أن نتخلى عنها، وليس بمقدورنا. بمعنى أن الموقع المصري الجغرافي يفرض علي ضرورات أمن معينة، بمقدار ما أن الموقع الجغرافي الأميركي يفرض على أميركا سياسة معينة في الأمن القومي، بمعنى أن فرنسا.. أي بلد في الدنيا، كل بلد في الدنيا، كل شعب في الدنيا، شعب وأرض كلاهما محكومان في أمنهم القومي، والأمن القومي أيضاً هنا مافيش فيه كهنوت، الأمن القومي لأي بلد تقريباً هو الأمن القومي من غير تبسيط مخل يعني، هو الأمن القومي لكل إنسان لكل فرد لكل عائلة لكل قرية لكل مدينة لكل وطن لكل إقليم، وهو واحد، الحرص على حياة سليمة وصحية، الحرص على حياة مستنيرة ومتعلمة وفاهمة، الحرص على إنتاج وفير يمكّن له ولأسرته ولكل الناس، الحرص على وطن قوي لديه وسائله في إنتاج مقومات حياته وفي تقدم مستقبله، كل الشروط اللازمة للحياة، وكل الوسائل المتاحة له هي أمن قومي، هي مكانه في عصره في زمنه في مطالب حياته هي ما يحدد الأمن القومي. وكل ما يزيد عن الأمن القومي، فيما يتعلق على مستوى الدول، هو أن هذه الدول.. بمقدار ما أي حد بتزيد علاقاته مع جيرانه ومع أصحابه ومع شركائه، فالأمن القومي لأي وطن هو منافسات في الجوار، هو مطامع دول أخرى، هو مطالب عالمية معينة. المهم هنا كيف يدير البشر صراعاتهم في أمنهم القومي، على كل المستويات من الفرد إلى العائلة إلى القبيلة يلي نحن عايزينه. لكن مطالب الأمن القومي بالنسبة للأمم تقريباً هي مطالب الأمن الشخصي أو الذاتي بالنسبة لأي فرد، لكنها على نطاق أوسع، كما إنه بيفوض إدارتها، إدارة تناقضاتها وإدارة مطالبها إلى هيئة منتخبة هي حكومته هي إدرته.. أي حاجة. لكن في mystic في ساعات ناس تتكلم الأمن القومي وكأن الأمن القومي قضية مغلقة، كأنه سر طلسم لا يجوز لأحد أن يقترب منه، بينما أنا بعتقد إنه لا يمكن لمواطنين في أي بلد أن يذهبوا للدفاع عن وطنهم وأن يموتوا وأن يستشهدوا و أن يضحوا بأولادهم، أن يدفعوا الضرائب ويتحملوا تكاليف دفاع، إلا إذا كان لديهم فهم حقيقي أنهم يدافعون عن حياة وعن بلد وعن ثوابت، حتى بعضها لم يختاروه لكن إرادتهم لا بد أن تتدخل وأن يؤمنوا أنفسهم في هذا الموقع في هذا المكان، وأن يصنعوا لهم ولموقعهم ولمكانهم ولأجيالهم المقبلة، أن يمكّنوا لهم من دور معين في هذا الصراع في هذا العصر. بعض الناس، أنا ساعات بفتكر.. لأنه إحنا بيحصل عندنا في الأمن القومي ما حدث في الفتاوى الدينية، لأنه في فوضى في التعريفات، وأنا بعتقد أننا لن نستقر على قرار ولن يهدأ لنا بال ولن نستطيع أن نعرف موقعنا لا في الأرض ولا في التاريخ، لأن الجغرافيا يلي كنت بتكلم عليها تراكب عليها التاريخ، الإثنين بقوا ثوابت، أنا لا أستطيع أن ألغي تاريخ حصل ولا أستطيع أن ألغي حقيقة موقع أنا موجود فيه، موقع مصر يلي هو موجود فيه فُرض علي في هذا البرزخ فرض علي قناة السويس، أو جاءت جنب قناة السويس وبقيت هي محور دفاع في حتة معينة. إنجلترا وهي جزيرة.. حتى في الأعلام حتى في الأناشيد لما النشيد البريطاني يقول لي rule pritain فوق الأمواج، احكمي يا بريطانيا فوق الأمواج، هنا في إستراتيجية أمن، إلى آخره يعني. تعرضت عندنا مسائل الأمن القومي إلى فتاوى من نوع يفكرني مرة بحكاية غريبة، وأنا آسف إني بحكيها، لكن في وقت من الأوقات كده فتاوى الأمن القومي تعرضت ولا تزال تتعرض لنوع الكلام يلي بتحصل فيه الفتاوى الدينية، فاكر قوي زمان وأنا شباب في جريدة آخر ساعة وبشتغل مع الأستاذ تابعي إنه دخلت لمصر لأول مرة حكاية الكوكا كولا والبيبسي كولا والكلام ده كله، وبدأت الشركات في المنافسة تستعين بالفتاوى، وكنا لسا مابدأناش ننتجها لأنه كان ده سنة 1945،1946 لكن كان بدأت تبقى فيه احتياجات لها، أو على الأقل طلب عليها بعد ما الأميركان أدخلوها في وقت الحرب الكوكا كولا أولاً وبعدين البيبسي كولا، وبدأت الشركات تستعين بالمشايخ وحصل في مصر زي ما بيحصل دلوقت، في فترة من فترات.. أنا بعتقد مع الأسف الشديد، إن فترات الانحطاط في حياة الأمم تظهر فيها هذه الأشياء الغريبة، لكن حصل إن إحنا موجودين كنا بآخر ساعة، والأستاذ تابعي في الفتاوى الموجودة دي كلها والأستاذ تابعي شايف الفتاوى دي كلها فهو جاب اقتراح موضوع أعمله أنا، الموضوع هو إيه؟ الفتاوى الغريبة التي صدرت من جهات الفتوى في عصور معينة. وكان معانا على الطربيزة صديقنا وزميلنا في ذلك الوقت الأستاذ مأمون الشناوي، مأمون الشناوي عمه فيما بعد هو الشيخ مأمون الشناوي وهو مسمى على اسمه بقا شيخ أزهر فهو عارف أشياء من الشيخ مأمون الشناوي على الفتاوى وعلى الحاجات دي كلها، فقال مأمون الشناوي ده في فتوى بتقول حاجة غريبة قوي، والأزهر شُغل بها لمدة فترة معينة، وأنا بدأت أسأل فيها وأحاول أدرس الموضوع يلي كُلفت فيه، وعرفت موضوع الفتوى وعرفت فعلاً أن الأزهر لمدة 30 سنة قبل الحملة الفرنسية، قبل ما يجي نابليون وقبل ما يجي الشيخ العطار شيخ الأزهر، انهمك كثير من شيوخه في فتوى موجهة من رجل إلى شيخ بتقول له: ما رأيكم دام فضلكم في امرأة نطقت باسم الجلالة في موضع اللذة؟ أنا آسف إني بتكلم الكلام ده ومش عاوز أخدش حياء أحد، لكن لما ألاقي هذا سؤال ثم يجاب عليه، ثم أبص ألاقي إنه، زي ما سمعت، إنه بدؤوا يفتوا، بدأ الإفتاء يقول إن هذه الست اللي نطقت بهذا الحرف - وهي مسألة إنسانية يعني أنا آسف بحكيها وأرجو ألا تخدش حياء أحد، لكن قياساً بما يقال هذه الأيام ما بقاش في حاجة بتخدش أبدا يعني- لكن المشايخ كلهم بدؤوا يقولوا إن الست دي كفرت وبالتالي فهي في حالة زنا وبالتالي فحَلّ أن تُرجَم وطُلّقت وانهالت الفتاوى، 30 سنة والأزهر بيتكلم في هذا الكلام ومشايخ بيتكلموا في الكلام ده. لما أنا رحت أحقق في هذا الموضوع شفت الشيخ المراغي، الشيخ محمد مصطفى المراغي شيخ الأزهر العظيم، وأنا شفته قبل كده وعملت معه كذا حديث في آخر ساعة، نُشرت في ذلك الوقت، لكن في هذه المرة رحت له، فهو سمعني الرجل بهدوء وقال إيه؟ قال لي مش حتلاقي هذه الفتوى لأني أمرت بأن تُخرج من مكتبات الأزهر إلى مخازنه. فأنا متحمس عاوز أروح باللي أنا مكلف به من الأستاذ تابعي وعندي فتاوى من هذا النوع وحاجات كثيرة قوي، فقال لي الشيخ المراغي كلمة -والله أنا لا أستطيع أن أنساها لحد هذه اللحظة- بص لي كده وقعد سمع وأنا بقول له إنه لازم، ومش عارف إيه، وبحاول ألح عليه، فقال لي: "يا ابني لا بد أن نرفع بصمة التخلف من فوق صفحة الشريعة" وأنا لا أزال -والله- أذكر هذه الكلمة، وأعتقد أننا في حاجة إليها، مش بس في الفتاوي، نحن في حاجة إليها في فتاوى الدين وفي فتاوى السياسة وبالدرجة الأولى في فتاوى الأمن القومي، لما آجي أتكلم أرجع للأسئلة الثلاثة يلي بتكلم فيها. في السؤال الأول أنا بتصور أن الأمن القومي ينبغي أن يُزال عنه أي كهنوت وينبغي أن يصبح ملكاً لكل مواطن وينبغي أن يصبح مفهوماً له بالدرجة الأولى، إذا كان مطلوبا مني أن أحيا وأن أموت في بلد معين، أنا عارف أن قدري فيه، في هذا البلد وأنا ما أقدرش أبقى إنجليزي وما أقدرش أبقى فرنساوي وما أقدرش أبقى أميركاني، وحتى إذا هاجرت أو أي واحد هاجر فموارثنا موجودة فينا باللغة والتربية والثقافة والدين، ما حدش اختار، في حاجات في ثوابت عندي أنا لم أخترها ولم يخترها أحد. آه ممكن واحد.. مصطفى كامل يقول لي "لو لم أكن مصريا لوددت أن أكون مصريا" على عيني وراسي لكن واقع الأمر إنه مصري ما عندوش خيار. في أشياء في ثوابت وينبغي أن ندركها وليس عيباً، في أشياء تتصل بإرادتي، الجغرافيا لها وضع ثابت، التاريخ له أشياء ثابتة وهي ما جرى، لكن حريتي الإنسانية تبقى في إدارة مواردي سواء من الجغرافيا أو من تراكمات التاريخ، طبقاً لما أراه من تصوراتي ورؤاي لمستقبل أنا أنشده في عصر معين، لكن ما حدش يقول لي إن الأمن القومي وهو صميم قضايا الشعوب، وهو صميم مشكلات السلام إنه هذا أمر محصور على قلة من الناس، مجموعة من العسكريين والسياسيين يناقشوه، هذا ليس صحيحا الأمن القومي قضية ينبغي أن تكون مفهومة لكل الناس، وهذا هو ما يحفز الناس أن يموتوا ويحيوا لأجل أوطانهم، وهناك هذا الرباط الوثيق والمقدس تقريباً في حياة كل الناس. لما أجي على الأمن القومي أنا قضيتي مع الأمن القومي قضية لا بد أن أقول أنها سببت لي مشاكل، أنا واحد من الناس، وفي كتير غيري قوي يتصوروا إن هذا البلد وهذه المنطقة ينبغي أن يستقر قرارها على رؤى معينة لمستقبلها، لأنه احنا مع الأسف الشديد لم نستطع أن نبت في قضايا مصيرية، نتصور في بعض الأجيال أن نحن تناولناها، زي قضية الحرية والديمقراطية وحق المرأة والكلام ده كله، ثم نتصور أننا فرغنا منها، ثم نعود لكي نكرر مرة ثانية نفس الدورة كأننا ندور في حلقة مفرغة. وهذه موضوعات، خصوصاً الأمن القومي، موضوع الأمن القومي لا يحق ولا ينبغي لأي أحد أنه في أي لحظة، في لحظة من اللحظات.. الأمن القومي مرتبط مش عارف بوقت ما كان مرتبط بالخلاف والإمبراطوريات لا دخل لي في هذا.. لكن ما حدش يقول لي والله الأمن القومي مرتبط النهارده بالتحالف الإستراتيجي مع أميركا. لا، قد تكون مصالحي في لحظة معينة من اللحظات تقتضي علاقة ما مع أميركا لكن مش أكثر من كده. قد تكون مصالحي في لحظة من اللحظات تقتضي أن أعمل أي حاجة مع إسرائيل، all right أعمل، ناس بيتصوروا، ناس عملوا حاجات، أنا ما أقدرش ألغيها في حقيقة واقعة وكويس لكن أبقى فاهم أنا بعمل إيه، وحتى إذا أخطأت يبقى عندي وقت للمراجعة. لكن هناك قضايا ينبغي أن نحسم اختياراتنا فيها، وأولها قضية الأمن القومي. قضية الأمن القومي المصري هذه قضية أنا بعتقد أنها همّتني كثير من طول ما اشتغلت، سواء في تغطية حروب أو في اهتمام بقضايا الوطن أو بالتجول في الإقليم، وأظن أنها همّت غيري كثير قوي، يمكن أنا كان عندي حظ أنني كتبت في هذا الموضوع وأفضت في الكتابة فيه، وبعتقد أنه لا يزال أمامنا كتير قوي نعمله لكي نستطيع استيعاب قضية الأمن القومي. أنا فاكر إنه بعد خلافي مع الرئيس السادات، لأني اختلفت مع الرئيس السادات وخلافي موجود كله في مجموعة مقالات طلعت في كتاب اسمه "عند مفترق الطرق" بعد فك الارتباط بعد حرب أكتوبر على طول، ودخلنا في موضوع واقع الأمر هو موضوع تعريف الأمن القومي. الرئيس السادات عنده اختيارات، وهو محق فيها أو على الأقل من وجهة نظره، يراها لكنها ما كانتش اختيارات أمن قومي، كانت اختيارات سياسة، لما يقول لي -أنا بعتقده كان على حق- على سبيل المثال، العلاقة مع الاتحاد السوفياتي ممكن يعني نعمل حاجة تانية، كويس. وعلى حق لما يقول لي والله إحنا عاوزين ننشئ علاقات مع أميركا. وأنا موافق ما عنديش إعتراض وهذا موضوع العلاقات مع أميركا هذا الموضوع أنا اختلفت فيه مع الرئيس عبد الناصر، بمعنى أنني فاكر قوي أنني كتبت سلسلة مقالات عن ضرورة تحييد أميركا، واعتُبرت هذه المقالات في ذلك الوقت سنة 1966 وأول 1967، اعتُبرت تقريبا نوع من الخيانة، ويوم من الأيام طلعت جريدة الجمهورية وفيها مقالة للأستاذ علي صبري ومقالة أخرى للسيد لبيب شقير ومقالة أخرى للسيد ضياء الدين داود -ربنا يديله الصحة- ومقالة أخرى لرئيس نقابات العمال الأستاذ عبد الهادي ناصف وكلها تهاجمني، لأني قلت أن ضرورات الأمن القومي المصري تقتضي أن لا نواجه أميركا بالتناطح، بيننا وبينها خلافات لكن لا بد أن نواجه هذه الخلافات بنوع من.. حتى تحييد أميركا، المقالات كان عنوانها تحييد أميركا، وقلت إنه لا بد أن نتعامل مع أميركا بأسلوب مصارعة الثيران مع الثور الهائج، لا نعرض أنفسنا مباشرة له ولكن ينبغي أن نحاول قدر ما نستطيع أن نحد من قواه وأن نستنزف قواه لكي ندرأ شره عنا. لكن هذا مختلف، أنا فاكر وقتها الرئيس جمال عبد الناصر كلمني في التلفون لما طلعت المقالات دي كلها، وقال لي: شفت الجمهورية؟ قلت له: شفتها. قال لي: بيهاجموك. -وقتها هو ما كانش موافق معي، فبيقول لي بيهاجموك- قلت له all right بيهاجموني. قال: أنا مش حاحميك، أوعى تطلب مني حماية. قلت له: يا أفندم أنا ما طلبتش حماية، لكن أنا من حقي أقول رأيي. قال لي: حقك في إبداء رأيك، أنت حر فيه. مع الرئيس السادات لما بدأت تتغير السياسات، كان رأيه أن السياسات يمكن أن تتغير لكن دواعي الأمن القومي ليست قابلة للتغيير، تستطيع أن تعدل في السياسات بقدر ما إنت عايز لكن أمنك القومي ليس قابلاً للتعديل، لأنه ببساطة خارج إرادة السياسة، صنعته جغرافيا وتارخ سابقين على أي عصر وعلى أي زمن، ولها مستلزمات حقيقية وليس فقط مجرد اختيارات يصرّفها من يشاء كما يشاء.


[فاصل إعلاني]

ضرورة مناقشة الأمن القومي

"
لا بد أن تسعى مصر لبناء تحالفات قوية لحماية أمنها القومي، ففي الجنوب لابد أن يكون هناك دبلوماسية نشطة مع القارة الأفريقية، كما يجب تأمين سيناء لأن الغزوات التي جاءت إلى مصر كانت عبر سيناء
"
محمد حسنين هيكل: فلما جئنا والرئيس كان بيأخذ خيارات ثانية كانت وجهة نظري أن نحتكم إلى دواعي الأمن القومي. هنا دائماً في مأزق بيواجهه الساسة كثير قوي وهو التفرقة بين المستلزمات الدائمة لأمن قومي تنبني على نظرية للأمن القومي قائمة على الجغرافيا والتاريخ، وبين ضرورات السياسة في بعض اللحظات. تستطيع أن تداور كما تشاء تستطيع أن تناور كما تشاء، لكن هدفك لا ينبغي أن يغيب عنك، تستطيع أن تدور لكن في النهاية لا بد أن تصل إليه، هو ده. وهذا مبدأ معروف حتى في الإستراتيجية العسكرية، أنك تستطيع أن تلتف لكن تلتف في نقطة محددة، تتقدم على خط واحد ولكن إلى نقطة محددة. بعد الخلافات في شأن الأمن القومي وأن السياسات الطارئة لا ينبغي أن تؤثر على ما هو ثابت، جاءت مجلة "فورين أفيرز" وهي مجلة بيعرفها كل مشتغل بالسياسة، طلبت مني أن أكتب مقال عن الأمن القومي المصري، سياسة مصر الخارجية في واقع الأمر، وكتبت هذا المقال وحاولت أن أضع فيه شروط الأمن القومي المصري، هذا المقال بعد ما طلع في الجريدة مجلة "فورين أفيرز" طبعت منه 50 ألف نسخة، كحاجة منفصلة لوحدها، وبدأ كل طالبي معرفة السياسة في الشرق الأوسط، طالبوا بشرائها، اشتروها كانت بتتباع بدولار ولا حاجة، 50 ألف نسخة كلهم وزّعوا، أنا لما حاولت أجيب نسخة أخيراً، يا دوب في أرشيفي كان فاضل نسختين أو ثلاثة، واحدة منهم معايا هنا النهاردة، لكن في هذه المقالة -وهي اعتُبرت.. يعني استشهد فيها فيما بعد كثيرون جداً- لكن حاولت أن أشرح أمن مصر أين يرتكز، مستنداً على حقائق الجغرافيا والتاريخ، ما كانش عندي حاجة أخترعها ولا حد فينا عنده حاجة يخترعها لكن كلنا عندنا حاجة نفسرها، مش نعمل فيها زي فتاوى بتوع شيخ الأزهر، يعني الأزهريين في بعض المرات أو هواة الفتاوى يعني منهم، مش كل الأزهريين. لكن أنا هنا حاولت أحط خطوط للأمن القومي المصري ليست من اختراعي ولكنها خلاصة تجربة معينة، وقد يختلف معي غيري فيها لكنه ينبغي -ونحن نتكلم عن اختلاف الآراء في موضوع الأمن القومي- أن تكون أمامنا الرواسي الثوابت مما هو ضروري لهذا البلد. أول حاجة في الأمن القومي موقع الجغرافيا فين؟ الموقع الجغرافي ببساطة أنا عندي بلد في بحر متوسط هنا، وعندي البحر الأحمر على يميني في الخريطة، عندي دلتا نيل وعندي منابع النيل، وأنا في بلد حياته كلها متعلقة بمصدر واحد للمياه هو نهر النيل، ومصدر واحد للمياه تنبع مياهه من خارج حدودي من خارج ولاية الدولة من خارج سلطة الدولة، وعندي إتصال بأسباب كتير قوي، الجنوب في محور النيل وهو المحور.. في البحر الأبيض المتوسط قبلها فوق والبحر الأحمر وهي خطوط محددة، وبعدين في بلد بيمتد من الشمال إلى الجنوب ومصادر رزقه ومصادر حياته متعلقة بنهر واحد ينبع من خارج حدوده. يتعين علي إذاً أن يكون لدي محور أمن في الجنوب بيستند على أفريقيا وسط أفريقيا بالتحديد، مع العلم أن هذا مكان بعيد جداً أو مساحات شاسعة جداً من أول منطقة البحيرات لغاية شرقي أفريقيا، وأنا لا أستطيع أن أمارس عليه مطالب أمني القومي بالقوة المسلحة، وإذاً لأنها مسافات شاسعة وهي فوق أي حد فوق أي تغطية، يعني أنا حتى لغاية الخرطوم ما أظنش عندي وسيلة، ما عنديش، حتى دباباتي وحتى طائراتي، لو اقتضى الأمر كحل أخير لو هُددت مياه النيل، لكن عليّ.. في ذلك الوقت كنت بقول إنه في حاجتين أساسيتين، الحاجة الأولانية إن هذا محور ضروري جداً لحياتي وأنا لا أستطيع أن أمارس أمني القومي عليه بالعمل المسلح لو اقتضى الأمر، وإذاً لا بد أن تكون لدي ديبلوماسية شديدة النشاط، واهتمام بالغ إلى أقصى مدى بما يجري في الجنوب لأن منابع النيل بالنسبة لي مسألة حيوية، وهي منطقة لا أستطيع أن أحارب عليها. وبالتالي علي أن تكون دبلوماسيتي نشطة يقظة ونشيطة طول الوقت ومدركة أهمية بناء التحالفات، وهذا هو ما دعا مصر من أول -على الأقل في العصر الحديث- يبقى عندها سياسة باستمرار في السودان وفي جنوب السودان، ما دعا إلى أنه من أول الملك فؤاد لغاية جمال عبد الناصر كان في فكرة مهمة جداً وهو إنه مهما كانت خلافاتنا مع أثيوبيا لا ينبغي أن ينشأ نزاع بيننا وبينهم، وأن كل مشاكلنا إذا نشأت ينبغي أن تحل بنوع من التراضي. الحاجة التانية يلي كنت بعتمد عليها كنت بقول إنه مما يساعدنا لحسن الحظ إنه ما فيش تكنولوجيا في العصر في ذلك الوقت ممكن تمنع تدفق مياه النيل، النهارده الوضع اختلف بقى في تكنولوجيا ممكن تؤثر، وبالتالي فأنا علي أكثر من أي وقت مضى أن تكون لدي سياسة أفريقية واضحة المعالم. لسوء الحظ في وقت من الأوقات نحن عملنا منظمة وحدة أفريقية وكنا نحن شركاء فيها، وأنا آسف أقول ده أنا عارف ومتأكد إني أنا واحد من الناس يلي كتبوا أربع أو خمس سطور في ميثاق الوحدة الأفريقية بخط إيدهم في أديس أبابا سنة 1963، وسط أفريقيا مسألة مهمة جداً لنا، وبالتالي لا بد أن نفعل كل ما يمكن فعله. إحنا سبنا أفريقيا خالص، اهتمينا بأفريقيا لحظة من اللحظات كده، وقت من الأوقات كان في حد.. دكتور بطرس غالي كان نِفسه يبقى أمين عام منظمة الاتحاد الأفريقية اهتمينا بأفريقيا، الرئيس مبارك يبقى رئيس أفريقيا مرتين ولاّ حاجة فبقينا مهتمين بأفريقيا واستضفنا مؤتمرات قمة أفريقية، ثم لم تمض إلا لحظة كده وانتهت أفريقيا. المحور الثاني بالأمن وهو مهم جداً هو الشرق، الشرق عبر سيناء وهنا دي مسألة في منتهى الحيوية، الشرق عبر سيناء هذا هو المعبر الذي جاءتني منه كل غزوات البر يلي جاءت، من أول الفرس لغاية الرومان لغاية الإغريق، الرومان جاؤوا شوية من البحر يعني لكن الإغريق والبيزنطيين كله وكل الغزوات يلي جاءتني فيما بعد، كله جاء من طريق الشرق، طريق الشرق الممتدة، هذا الجسر من سيناء إلى شمال الشام هذا هو مصدر التهديد الرئيسي الممكن. من حسن حظي جداً جداً جداً أنه أنا لدي روابط تؤمن مصالحي وتؤمن وجودي في هذا المكان، لأنه لدي مع الغالبية العظمى منه مع كل المنطقة دي كلها، لدي روابط من الدين والثقافة والفكر والتجارة وكل حاجة، اللغة وكله، كله، وهذه كلها ركائز ينبغي أن تنبني عليها سياسة معينة، حتى لو أنا بصيت بالمنطق الإقليمي البحت لدولة صغيرة محدودة اسمها مصر. دائماً كان يقال، ومش صدفة أن واحد زي سليمان باشا الفرنساوي يقول إن فلسطين هي عتبة البوابة المصرية. أنا بعتقد الملك فاروق لم يخطئ في أنه ذهب إلى حرب فلسطين، يمكن أخطأ في الأسلوب لكن هو أدرك أن هذه قضية مهمة جداً بالنسبة لمصر، قبله محمد علي، يمكن محمد علي راح بالمشروع العثماني، لكن إبراهيم باشا كان مدرك، بعدين توالت العصور كلها ودخلنا في مرحلة تأكيد للأمن المصري ضمن إطار عربي تربطني به روابط معينة، وهذا هو محور أمني الشرقي لأن كل تهديد لدي أو كل تهديد جاءني أو كل تهديد محتمل جاءني من هناك، بعض التهديدات جاءتني من البحر لكن ما هو من البحر ممكن توقيه أو ممكن التعامل معه بشكل أو بآخر، لأن يلي جاي من البحر معتمد على خطوط مواصلات طويلة، معتمد على حملات وعصر لم يعد عصر حملات، وبعدين قيام إسرائيل قطع ما بيني وبين بقية العالم العربي وأصبحت أنا تقريباً في شبه عزلة عن المشرق، لا أدري ماذا يجري فيه أو ممكن أدري، وإذاً فأنا محتاج إلى سياسة نشيطة جداً حتى لو سبت المفهوم القومي ونظرت إلى المصلحة الوطنية المحددة، الشعب المصري داخل هذا الإطار. يبقى هناك في محور أمن تهديد، وفي الجنوب محور آخر خطر جداً لأنه منه مصادر المياه وبعدين في البحر الأحمر من ناحية والبحر الأبيض من الناحية الثانية لابد أن أكون متنبهاً لما يجري فيهم، وفي الصحراء الشرقية والصحراء الشرقية عازل إلى آخره. حاولت أن أشرح نظرية الأمن القومي المصري قدر ما أستطيع، وناس كثير قوي اهتموا بها وناس كثير قوي علقوا عليها، والغريبة جداً أن هذه النظرية، محاولتي لإجلاء أو لاستجلاء نظرية للأمن القومي هو موضوع حُقق معي بسببه وأكاد أقول مُنعت.. مش أكاد أقول، مُنعت من السفر، سُحب باسبوري ودعيت للتحقيق قدام المدعي الاشتراكي، وأنا بعد ما اختلفت على فك الارتباط وكان ده كله ويعني الرئيس السادات زعل لأسباب.. لأني كنت معتقد إنه فيما يتعلق بأمن مصر قومي.. هو قال لي بلاش تتكلم في الجرائد المصرية، بلاش تتكلم.. هو كان عنده رأي ظريف، وأنا أشرت له كتير قوي، أن الأمن القومي المصري من اختصاص السياسة العليا للبلد لكنه مش شغل صحفي. وهو أنا فاكر مناقشة مرة في نادي الرماية لما اختلفنا بعد حرب أكتوبر وأنا كتبت "عند مفترق الطرق" مجموعة مقالات تكلمت فيها برضه عن الأمن القومي المصري، وخوفي من اتجاهات جديدة تخالف ثوابته، كتبت مقالات وهي المقالات دي يلي استدعت إنه يقول لي بلاش. بلاش الإعلام يعني، وأنا كنت فاهمه، قلت له: خلاص بلاش الإعلام. وأراد كتر خيره الرجل تقابلنا في نادي الرماية قال لي: محمد أنت تتدخل في شؤون السياسة. قلت له يا أفندم أنا ما بتدخلش أنا بكتب. فهو بيقول لي: ده مش شغل صحفي، الكتابة في القضايا دي كلها مش شغل صحفي، الصحفي يلي أنا أعرفه عنده قضايا يكتب فيها، تكتب في إيه، تكتب في المواصلات، تكتب في التموين، تكتب في الصحة، تكتب في المرور. دي مش شغلي، استشهدت له بما يكتبه غيري، قلت له -وكان ده كله كتبته في وقته يعني- قلت له جيمس ريستون في أميركا سالزبرجر في أميركا والتر ليبمان في أميركا. قال لي: محمد إحنا ماحناش في أميركا ولا في إنجلترا إحنا موجودين هنا، السياسة لا ما تدخلش في السياسة، أنا عرضت عليك عاوز تتدخل في السياسة تعال معايا واختار يا الرئاسة يا الديوان، اشتغل معايا إما في الرئاسة أو اشتغل في الوزارة، وأنا عرضت عليك تبقى مستشار أمن قومي وأنت ما رضيتش، وعرضت عليك تبقى رئيس ديوان وأنت ما رضيتش. قلت له: يا أفندم أنا عاوز أشتغل في المهنة دي. وعلى كل حال وصلت بنا الخلافات إلى مرحلة.. لكن الرجل كتر خيره حتى لما جاء طلعني من الأهرام عيني مستشار لرئيس الجمهورية، وكلمني وزير الدولة لشؤون رئاسة الجمهورية وقتها عبد الفتاح عبد الله، وقال لي: في خمس غرف مخصصة لك في عابدين. قلت له: يا أفندم مش رايح، أنا مش رايح أنا حأقعد أكتب حأشتغل وأكتب. وكتبت بقيت أكتب واستأذنت وقلت بوضوح كده.. قعدت فترة ما كتبتش لكن قلت حأكتب لأنه أنا بعتقد.. حأكتب خارج مصر إذا استحال علي أن أكتب فيها، لكن حأكتب في مشكلة الأمن القومي المصري لأني بعتقد أنها قضية مهمة جداً، مش مسألة شطارة ولا أحد بيتمسك ولا أحد بيدّعي ولا أحد بيتظاهر لكنه على اعتقاد، اعتقاد قادتني إليه تجربة حياة. أنا شفت العالم كله وحضرت جزء من حروبه، قابلت كل الساسة يعني قابلت عصر معين، عمالقة زماني قابلتهم كلهم. وتكلمت، وشاغلي وهاجسي هو بطبيعة الأمر بلدي وانتمائي لأمة عربية وأنا بعتقد أن الإثنين متكاملين مع بعضهم ولا ينفصلوا وكلاهما أمنهم القومي مسألة في منتهى الأهمية. لكن لقيت نفسي رايح قدام المدعي الاشتراكي، طلع يوم من الأيام في الجرائد كده، سحب جواز سفري وإحالتي إلى المدعي الاشتراكي لأني أسأت إلى سمعة مصر، وأنا والله ما أسأت لسمعة مصر، لكن أنا كتبت في الأمن القومي المصري برؤية تختلف عن رؤية السياسة المصرية السائدة في ذلك الوقت والتي لا تزال سائدة لسوء الحظ، وأنا مش عايز حد يقولي حنلغي مش عارف كم ده مش حنلغي، لكن علي أن أدير الصراعات بطريقة أخرى، علي أن أراجع، لكن ده موضوع تاني نتكلم فيه فيما بعد.


[فاصل إعلاني]

المؤثرات الممكنة في الأمن القومي

"
عندما كتبت في الأمن القومي المصري غضب مني الرئيس السادات وتم التحقيق معي من قبل المدعي العام الاشتراكي بتهمة الإساءة إلى سمعة مصر وتم منعي من السفر
"
محمد حسنين هيكل: لكن الحاجة الغريبة إنه لما أحِلت إلى المدعي الاشتراكي، الحاجة المدهشة يعني، أنا الوقائع نشرتها كلها، وفي حياة الرئيس السادات، لأن هم دعوني إلى التحقيق، أحالني الرئيس سادات للمدعي الاشتراكي والمدعي الاشتراكي وقتها السيد أنور حبيب، معاه المستشار عبد الرحيم نافع وهو موجود لغاية النهارده في مجلس الشورى أظنه رئيس اللجنة القانونية، والمستشار أحمد سمير سامي وبعد كده بقى وزير عدل، والثلاثة قبلها أخذوا معي فنجان قهوة وأنا كان معي محامي في ذلك الوقت صديقي الهائل الأستاذ ممتاز نصار، ودخلنا في التحقيق وهو الأستاذ نصار -كتر خيره- وهو محامي، ومندوب من النقابة الأستاذ حسن الشرقاوي من الأهرام، كان فيما بعد يعني، قعدوا وكتبوا محضر، وأنا انتظرت نتيجة المحضر ما حدش قالي حاجة بعدها، منعت من السفر وتحقق معاي وكله، والجرائد بتقول هيكل رايح للتحقيق معاه بتهمة الإساءة إلى سمعة مصر، وأنا مندهش، طيب خلص التحقيق طيب قولوا لنا حتعملوا إيه؟ ما قالوش حاجة، فأنا رحت ناشر المحضر زي ما هو، وحصل فيها مشاكل، ودي من الأسباب يلي اعتُقلت فيما بعد بسببها. لكن غريبة قوي لما رحت المدعي الاشتراكي أول مرة لقيت قدامه مجلة الـ (فورين أفيرز) وفيها المقال يلي بتكلم عليه ده، وأول سؤال طبقاً للمحضر يلي كتبه أستاذ نصار، بيسألني بيقول لي إيه؟ أنا بستغرب، أول حاجة اسمك إيه؟ فلان. طيب عنوانك؟ عمرك؟.. على عيني وراسي.. المدعي الاشتراكي: هل تعتنق عقائد سياسية معينة؟ قلت له: يعني، قال طيب، ما هي وجهة نظرك في الصراع الدائر في الشرق الأوسط والعناصر المؤثرة عليه؟ أنا طبعاً أجبت، وإجاباتي استغرقت كتاب طلع كله في حياة الرئيس السادات وغضب جداً منه، وأنا مستعد أفهمه، يعني لأنه مرات اختلاف وجهات النظر مع ضرورات السلطة، مع اعتبارات موجودة عند حاكم، وهو يمكن يقدر بعض التفاصيل ممكن قوي تدعو إلى مواقف حادة، لكن أنا شرحت لهم نظريتي في الأمن القومي أو رؤيتي للأمن القومي وهي ليست رؤيتي ولا نظريتي لكنها حصيلة تجربة فات فيها هذا البلد وكتب فيها مئات غيري ويمكن أنا على آخر المطاف أضفت بعض الأشياء أو قلت حاجة، لكن في أمن قومي لبلد لا بد أن نتفق عليه وأن نكون مدركين لحدوده. أنا أطلت قليلاً في السؤال الأول، لكن السؤال الثاني وهو: هل أثرت وسائل التكنولوجيا في أن ضرورات الأمن القومي لأي بلد واستعداده عند لحظة معينة للقتال عنها والدفاع عنها، هل يمكن أن تكون متغيرة بسبب التكنولوجيا والعولمة والكلام ده كله؟ إحنا عندنا بعض المفتين في مجالات السياسة، وأنا نفسي أن نعرف أنه في مجالات للتفسير وفي ممكن قوي مجالات للإفتاء وفي مجالات للترجمة وفي مجالات لاستنطاق الحقائق بطريقة عصرية وبطريقة جديدة تتناسب مع عصور متغيرة، لكن عمر ما في حاجة حتغير ضرورات موجودة قدامي، طيب ما أنا قدامي موجود في هذه اللحظة، قدامي موجود القوة العظمى الأكثر تسلحاً في مجال التكنولوجيا والأكثر استعداداً بكل وسائل العصر لكنها غرقت في العراق. غرقت في إيه؟ غرقت في جغرافيا العراق، غرقت في تاريخ العراق، لو أحد ينظر كده ويقول إيه يلي جرى في العراق؟ بصرف النظر عن كل الخيالات يلي راودت الرئيس بوش أو مستشاريه، وبصرف النظر عن الهدف الرئيسي الذي كان مطلوباً تحقيقه وقد تحقق وهو الاستيلاء على موارد البترول وعلى أهم مورد من موارد البترول، لأنه ببساطة كده، كل التقارير الموجودة قدامنا بتقول إن العراق في باطنه ربع احتياطي العالم المحقق تقريباً من البترول، وأن هذه الثروة تساوي ثلاثين تريليون دولار بأسعار ما قبل خمس سنين، وإنه حتى لو أميركا عانت فيها قدر ما يمكن أن تعاني فهي بالنسبة لها صفقة رابحة وتساوي. لكنها راحت على خيارات معينة ثم اكتشفت أن عندها مطالب صحيح، وقد تكون مشروعة ماليش دعوة مشروعة أو غير مشروعة، لكن بالنسبة لدولة، عاوز أقول إن عنصر الأخلاق قد يكون حاكم بالنسبة للأفراد لكن عنصر المصلحة هو الأكثر حكماً بالنسبة للدول، دولة لما تقول لي والله أنا وسائلي تبرر غاياتي في موضوع أمن شعوب والأمن القومي لشعوب، all right أنا مستعد أفهمها، عاوزه البترول موارد البترول محدودة موارد البترول معروفة ليس هناك بديل والعراق فيه كذا والعراق قريب من كل المنطقة يلي فيها البترول فحنستولي عليه. لكن هنا مع التكنولوجيا مع أي حاجة تانية لأنه.. أرجو أنه مذكور أن سياسة الأمن القومي الأميركي جنب الدفاع وجنب وجنب وجنب موارد الطاقة، موارد الطاقة والسيطرة عليها جزء لا يتجزأ من الأمن القومي الأميركي كما تشكل، لما أنا أشوف الأمن القومي الأميركي قائم على إيه، معروفة إي هي، الدفاع والقارات والمحيطات والسيطرة في العالم والكلام ده كله، لكن الاستيلاء على موارد النفط أو تأمينها لأنه مورد هو العالم كله قائم عليه وليس هناك بديل له حتى هذه اللحظة، وإذاً نحن نريد الإستيلاء عليه. في حاجة تانية في نظرية الأمن القومي الأميركي وهي موجودة في نظرية الأمن القومي الإسرائيلي، مع الأسف الشديد، وهي annihilation الإبادة، في الأمن القومي للدول في حاجات تحارب فيها، في حاجات تقبل فيها أمر واقع، في حاجات لا تقبلها، الأميركي لا يستطيع أن يتصور الهندي الأحمر باقي قدامه لا بد أن يزول، بمقدار ما الإسرائيلي لا يتصور أن الفلسطيني قدامه ممكن يعمل أي صفقة معه، وجود أحدهما يلغي وجود الآخر، لا يمكن، مع تقديري الشديد للحاصل أو يلي بيحصل أو يلي حصل، يلي إحنا رحنا شفناه كلنا في أنابوليس، مدينة الـ parole مدينة العفو، التوبة والعفو زي ما قلت المرة يلي فاتت، بيسموها مدينة parole العفو. لكن هذا في نظريات أمن قومي موجود لكن جاءت أميركا بتنفذ مبدأ أو مطلب السيطرة على البترول وعندها كل التكنولوجيا وعندها العولمة وكل الحاجات كلها، بعض أساتذتنا وبعض مثقفينا وبعض الإستراتيجيين عندنا، العولمة غيرت والعولمة لم تغير، طيب راحت أميركا هناك ووقعت في إيه؟ وقعت في مستنقعات الجنوب، سابتها الإنجليز غرقوا فيها مستنقعات الجنوب العراقي. الجغرافيا هنا لعبت دور، التاريخ لعب دور، لما بتروح أميركا بتلاقي نفسها بتواجه سنة وشيعة وعشائر، تراكمات التاريخ لعبت دور هنا. على عيني وراسي التكنولوجيا، في تكنولوجيا أكتر من التكنولوجيا الموجودة عند أميركا؟ أنا بعتقد ما فيش. أهو دي آخر كلمة آخر صيحة بالتكنولوجيا ما حصلش لم تصلح هذه التكنولوجيا لمواجهة أوضاع معينة، في ضرورات أمن قومي عند أميركا بترول اقتضت طلب الاستيلاء عليه، عال، راحت تملك الوسائل وهي القوة الجرارة، ذهبت وحاربت وحاولت لكن وجدت ثوابت الجغرافيا وتراكمات التاريخ بتواجهها، هنا حتى هذه اللحظة الأميركان استعانوا بكل تكنولوجيا ممكن متصورة كل ما يمكن تصوره من أول الطائرات الحديثة الهيلوكوبتر الحديثة وسائل التنصت وسائل التسمع بما فيها الاستعانة بتجارب الآخرين، ما أعرفش إن كان أحد يدرك أو أحد فاكر أن إيهود باراك وزير الدفاع الإسرائيلي كان هو الخبير الذي أستعين به في حرب المدن في العراق، في (السيرج) في العملية يلي عملها الجنرال باتريوس في أن يحاول تأمين العراق بقوة اندفاع زائدة. جابوا باراك وراح باراك وشاف.. مع الأسف أنا بقولها وأنا عارف أن بعض الناس بيعرفوها هنا لكن بننساها وما بنقولهاش، بنقفل عليها، بمعنى إنه حتى في مواجهة الجغرافيا والتاريخ الناس بتستعين بكل الوسائل وبكل السبل وبكل الطرق لأن التكنولوجيا مش كفاية، في هنا أمن قومي وفي دواعي أمن قومي. هذا سؤال، ده السؤال التاني حآجي للسؤال هل ممكن أن نتصور أنه في أمن قومي، بنتكلم على أمن قومي من غير ما نناقش رؤساء الدول؟ أنا حافظ لمقام كل الناس، سواء يلي في السعودية يلي في مصر يلي في المغرب كله كل الناس، لكن علينا نقدّر، إذا كانت نظريات الأمن القومي العربي بصفة عامة ملك أحد يتصرف فيها ويغير كما يشاء والثوابت يجري الكلام فيها، إذاً فنحن في حاجة إلى.. ما يمكنش ناس ما يمكنش أحد يقول لي والله نحن لدينا سلطة رؤساء لكن لدينا عصمة الملوك. ما ينفعش! لازم نختار، الرؤساء نتعامل معهم بكل احترام بكل احترام للمقام لكن سياستهم لا بد أن تُناقش، ما أقدرش حد يقول لي في فرق بين المكان المعنوي للرئاسة أو للمُلك لكن الشخص الموجود طالما هو يتعرض لمسائل أكبر كثير جداً من تسيير أمور كل يوم إذا ينبغي أن نناقشه، في ناس تناقشه في تسيير كل يوم، المرور والإقتصاد والأسعار والقبور والمساكن إلى آخره، في ناس ممكن يناقشوه فيها، لكن في ناس عليهم أن يناقشوه في الأمن القومي خصوصاً إذا كانت بدأت في تغييرات تبدو متناقضة مع ثوابت أكبر جداً من متغيرات العصور. أنا عايز آخد متغيرات العصور في اعتباري، وعاوز آخدها باستمرار تبقى دليل قدامي فيما أتصوره بالأمن القومي، لكن علينا أن ندرك أنني لا أستطيع أن أتعامل بأي شكل من الأشكال مع ثوابت الجغرافيا والتاريخ على أساس نظرة، إما مؤقتة أو طارئة أو فردية أو ذاتية، إلى قضايا مصير. بمعنى أنه، أولا الأمن القومي ليس اختصاص الرؤساء وليس اختصاص الملوك، الأمن القومي ينبغي أن يكون مشاعاً يفهمه كل الناس لكي يضحي من أجله كل الناس، والأمن القومي لم تتغير دواعيه كثيراً، تأثرت الوسائل، التكتيك أكيد تغير، لكن أهدافه لا تزال ثابتة وبسيطة جداً، وهي بمقدار رفعة الأشخاص بمقدار ما يتقدم الأفراد بمقدار ما تتقدم الأمم، بمقدار ما تحمي الناس أنفسها بقوانين وبدساتير داخل أوطانها بمقدار ما تحمي أنفسها في مجتمع الدول بالقوة أو القدرة، والقوة والسلاح أحد عناصرها، ما تقدرش. بعدين، نمرة ثلاثة هذا ليس اختصاص رئيس ولا ملك، وبعدين إذا أراد رئيس أو ملك.. ممكن قوي يتقال.. زمان ما ناقشناش حاجات من دي كتير قوي لأنه كان في خطوط ثابتة لاستراتيجية الأمن المصري لم يقترب منها أحد، والناس عملت تنويعات عليها في وقت الملكية وفي وقت الجمهورية، جمهورية عبد الناصر وحتى في وقت جمهورية أنور السادات لغاية يوم ستة أكتوبر، لكن حصلت تغييرات ومن حق الناس أن يناقشوا هذه التغيرات وأن يسألوا أنفسهم إيه يلي بيحصل؟ لأن هذه مسألة تعني أن الأمن القومي مش اختصاص حد، الأمن القومي ملك لكل الناس وضروراته ينبغي أن تكون واضحة أمام كل الناس وحواراته ينبغي أن تحترم القائمين عليها، على الأمن القومي، لكنها ينبغي أن تحاورهم وأن تناقشهم وأن تبحث. ما هواش اختصاص أحد إطلاقاً، ما حدش يقول لي ده اختصاص سياسة عليا، لا كهنوت ولا فتاوى ولا كلام من ده أبداً، هذا كلام ينبغي أن يكون متاحاً لكل الناس. لكن مع الأسف الشديد إحنا تحت تأثير دعاوى مختلفة وكثيرة جداً دخلنا في مغامرات لا حدود لها، أحكي حكاية صغيرة جداً، أنا كنت بشوف السيد جلال الطلباني رئيس جمهورية العراق الحالي كان في زيارة لمصر وتقابلنا، أنا بعرفه من زمان يعني، وتقابلنا على غداء أنا وهو واثنين، ثلاثة من مستشاريه بعدين بنتكلم على إيه الـ.. دايماً أنا بيهمني قوي الناس يلي جايين جدد على القمة على قمة السلطة لأنه بتبقى نظرتهم جديدة، مش ناس قعدوا 50 سنة و 60 سنة و 40 سنة و 20 سنة وكده في مكانهم وبالتالي راحت منهم إمكانية اكتشاف الجديد، فبسأل جلال الطلباني -أنا بعرفه يعني من زمان- بس أقول له إيه قل لي شفت مين؟ وبيقول لي أنا شفت بوتين ويا أخي والله جرى معاه حوار ظريف قوي، قلت له طيب قل لي بوتين بيقول لك إيه؟ فهو بدأ يتكلم بيقول لي هو أنا بدأت مع بوتين بقول له سيادة الرئيس إحنا جايين عندكم لروسيا لأنه مش عاوزين نحط البيض كله في سلة واحدة. فبوتين راح موقفه قال له إستنى أوعى تحط البيض بتاعك كله في سلة واحدة أنا فيما يتعلق بي بيضي كله بحطه في السلة بتاعتي لكن أنا لا أوزع بيضي. فأنا بقول لجلال: والله نظرية هائلة في الأمن القومي أن الواحد يخلي البيض بتاعه في السلة بتاعته ويبقى عارف بيعمل إيه. وبعدين قلت بقى لسوء الحظ أن العرب أخذوا بحاجة غريبة قوي، وزعوا كل البيض على كل السلال، كويس، وبعدين يلي خدوا السلال كسروا البيض وعملوا به omelet عملوا عجة! وما عادش يرجع، بعد ما بنعمل بالبيض عجة ما عادش ممكن نرجعه بيض تاني فبقى سايح، وأخيراً يعني بقى أوضاعنا في العالم العربي كلها، أكاد أقول يعني، omelet أو بالتعبير الدارج يعني عجة! تصبحوا على خير.