- مفاوضات الجلاء مع الإنجليز
- تأثر المجتمع المصري بالثورة الفرنسية

- فكرة الحرب وصدمة قيام إسرائيل

محمد حسنين هيكل: مساء الخير، في آخر مرة تلاقينا هنا كان حديثي عن الظروف التي كانت سائدة في مصر كعاصمة للعالم العربي أو عاصمة للقوة الناعمة فيه وتؤدي فيه دور واضح باسمه ويمكن مش بالنيابة عنها، لكن هي الجزء الظاهر مما كان يجري وهي الموجودة في مقدمة الساحة لظروف كثير أنا شرحتها، في ذلك الوقت اللي أنا توقفت عنده كنت بأقول إنه كان في لحظة الملك فاروق.. كنت بأقول في عدة لحظات، في لحظة الملك فاروق بعد ما خِلص من النحاس باشا، كان في لحظة الإمبراطورية الأميركية الداخلة وكان في مصر أثناء لحظة الملك فاروق هو كان بيحاول إنه يثبت نفسه لكن مش قادر، عنده ظروفه الشخصية وظروفه الإنسانية غالبة على تصرفاته ورغبته في الانتقام ومجمل ثقافته ومعرفته إلى آخره حواليه، لكن حقيقة الأمر أيضا يعني إلى جانب ده كله هو في هذه الفترة جاب أولا بعد ما خلص من وزارة الوفد جاب وزارة أحمد ماهر كان على.. دخل الأمم المتحدة وعلى وشك أن يبدأ مفاوضات مع الإنجليز من أجل الهدف المُرجأ وهو تعديل معاهدة سنة 1936 أو الانتهاء منها والدخول في ترتيبات أخرى مع إنجلترا وبعدين قتل أحمد ماهر نتيجةً لإعلان الحرب بفهم خاطئ في اعتقادي لأنه الرجل كان على حق. وبعدين جاء النقراشي باشا وأنا بأعتقد النقراشي باشا وأنا شرحت أسبابي في هذا، كان من أكثر الشخصيات السياسية في ذلك الوقت استقامة، حتى وإن بدا أمام آخرين إنه هذه الاستقامة هي ضيق أفق وليست نابعة عن شيء أكثر من ده، ثم النقراشي باشا لم يستطع أن يتفاهم مع الملك فاروق أو الملك فاروق لم يستطع أن يتقبل النقراشي. والنقراشي على أي حال مش قادر يعمل مفاوضات مع الإنجليز لأنه قبل أي شيء وبعد أي شيء هذه وزارة أقلية، الوزارة اللي بيرأسها وزارة ائتلافية مليئة بالخلافات وهي وزارة أقلية فوق ذلك، الحاجة الأخرى إنه بعد ما خلص الملك من النقراشي باشا ومشي النقراشي باشا الملك جاب رجل جداً يتصور إنه يستطيع أن يواجه أشياء كثيرة جداً في الشارع وأن يقود مفاوضات مع إنجلترا تنتهي إلى نتيجة حاسمة باعتبار إنه صدقي باشا كان معروف إنه رجل المهمات الصعبة والمواقف الدقيقة حتى من وقت الملك فؤاد. وبعدين صدقي باشا لم يستطع فعاد الملك فاروق مرة أخرى إلى النقراشي لأنه بدا إنه وزارة صدقي باشا اللي بيرأسها هو وهو رجل مستقل عن الأحزاب لا تملك قاعدة ولا تملك تفويض وهو لما وصل لمعاهدة صدقي بيفن على أي حال لم يستطع أن يمررها.


مفاوضات الجلاء مع الإنجليز

محمد حسنين هيكل: وهنا في هذا الوقت أنا كنت بأقول إنه في هذا الوقت جاءت صدمة إسرائيل، لكن قبل ما ندخل في صدمة إسرائيل لازم نقف لحظة بالتأمل لكي نرى ما إذا كانت مصر مستعدة لهذه الصدمة ولا لا؟ والعالم العربي كله كان مستعد لهذه الصدمة ولا لا؟ وأنا بأعتقد إنه إنصافا للملك فاروق أيضا وإنصافا للناس كلها لابد أن نقف وقفة تأمل في هذه اللحظة في ذلك الوقت الملك فاروق بيواجه الإمبراطورية البريطانية وهي إمبراطورية مرهقة ومتعبة، لكنها في وقفة أخيرة تحاول الدفاع عن آخر مواقعها وعن آخر مصالحها سواء في الخليج بالبترول وهي متمسكة جدا بالعراق وإيران ومستعدة تسيب السعودية لأميركا وفي نفس الوقت تحاول البقاء كقوة عسكرية عن طريق قواعدها اللي كان أهمها قاعدتها في مصر وهي قناة السويس وقاعدة الحبانية في العراق. وفي الواقع موضوع التفاوض كان كله.. الإنجليز لم يكونوا راغبين في البقاء لا في القاهرة ولا في الإسكندرية ولا في المدن ولا في الدلتا لكنهم كانوا راغبين في الانسحاب إلى قاعدة قناة السويس. وإذاً فالفكرة كانت هنا الإمبراطورية في آخر معاقلها تدافع عن مواقعها العسكرية والملك فاروق في مواجهة هذا ولازم أقول إنه عشان أبقى منصف مع الراجل ومنصف مع اللحظة ومنصف مع رؤية رجل رأى وسمع، في هذا الوقت أعتقد إنه النقراشي باشا لما ابتدأ التفاوض مع الإنجليز فكر يعمل حاجتين الحاجة الأولى إنه يعمل وفد.. هو عنده حكومة ائتلافية فيها الأحرار الدستوريين والسعديين والكتلة وهم كانوا بدؤوا يتضايقوا من مكرم باشا وحتى القصر كان بدأ يتضايق من مكرم باشا لأسباب معقدة طويلة جداً وبالتالي مكرم باشا كان بين البقاء وبين الخروج، النقراشي باشا حب يعمل هيئة تفاوض فعمل حاجة مهمة جداً.. عمل إنه في مجموعة داخلية من ائتلافه سياسية فيها من الأحرار الدستورية لطفي السيد وهيكل باشا.. الدكتور محمد حسين هيكل باشا وفيها من السعديين مجموعة هو فيها بالدرجة الأولى، ما كنش سعد الرجل اللي هو استعان به لكن كان واقع الأمر وزير من وزرائه وهو عبد الحميد بدوي باشا وهو رجل عقلية قانونية ممتازة والحاجة الثانية إنه عمل حاجة غير مسبوقة في تاريخ مصر وهو إنه جاب لهيئة التفاوض هيئة مستشارين وهيئة المستشارين هذه أنا بأظن إنها كانت أحسن مجموعة (Elite) يمكن تصوره أحسن مجموعة نخبة ثقافية وفكرية وسياسية ممكن تتصوره في البلد في هذا الوقت في هذه الظروف، المجموعة دي كان فيها لما نفتكر كان فيها حد زي لطفي السيد، كان فيها حد زي عبد الحميد بدوي، كان فيها زي الدكتور بهجت بدوي، كان فيها حد زي الدكتور حامد سلطان، كان فيها حد زي الدكتور فؤاد فرعوني وبالتالي هذه الهيئة هيئة المستشارين أنا شخصيا لما كنت بأغطي.. بأحاول أغطي محادثات صدقي بيفن، كنت بأروح أقعد أكثر وقت ممكن مع هيئة المستشارين لأنه أنا كنت أدام مجموعة هائلة من العقليات المصرية. النقراشي باشا لم ينجح في المرة الأولى ومشي، لما جاء صدقي باشا وهو رئيس وزارة فكر في حاجة ثانية، هو ليس رئيس جبهة.. ليس له حزب وهو رجل قصر وليس لديه.. رجل اختاره القصر حتى وإن لم يكن من رجاله، لكن في هذه اللحظة اللي الملك فاروق وثق فيه وجاء به رئيس للوزارة وكلفه بحاجتين بإتمام المفاوضات مع الإنجليز من أجل الجلاء ثم مواجهة الموقف في الداخل والموقف في الداخل كان بيتفكك بسرعة جدا فصدقي باشا جاء في موقف شديد الصعوبة وبدأ يتفاوض مع الإنجليز والملك فاروق يتابع هذه المفاوضات وهي في واقع الأمر تقريبا مهمة شبه مستحيلة، ليه شبه مستحيلة؟ وأنا بأتكلم بقى هنا وأرجو أن يؤذن لي إنه هنا في وعاء التجربة وليس سجل الوقائع.. وعاء التجربة بيقول لي إيه؟ بيقول لي وعاء التجربة أنا كنت بأشوفهم كلهم.. بأشوف كل الناس، واقع الأمر وكنت سواء في آخر ساعة أو في أخبار اليوم وأنا كنت بأحاول.. أستاذ مصطفى أمين كان بيغطي جانب صدقي باشا وأنا كنت بأغطي جانب المستقلين اللي هم كنت بأعرفهم سواء أحمد لطفي السيد باشا وكان من الأحرار الدستوريين وقتها ولونه أكبر الأحرار الدستوريين كان وكان في علي الشمسي. وعلي الشمسي أنا بأعرفه من وقت طويل جداً بدري وأظن إنه علي الشمسي كان في تلك الفترة أهم مصادري في معرفة ما يجري في المفاوضات.. المفاوض الإنجليزي في ذلك الوقت كان لورد ساتنس جيت وهو أصله كان في تشرشيل وزارة تشرشيل المحافظين سقطت لأنه الشعب البريطاني أسقط وزارة الحرب وتصور إنه بعد الحرب يحتاج إلى رؤية اجتماعية من نوع مختلف وأن الجنود العائدين من ميادين القتال بيطالبوا بمطالب اجتماعية وحقوق لم تكن متوفرة ولم تكن موجودة وهم من الأول كان بيستعدوا بمشروع زي مشروع بيفردج للضمان الاجتماعي والتأمين الصحي إلى آخره، فبقى في وزارة جديد بإنجلترا بيرأسها هيتلي ووزير خارجيته بيفن.. إيرنس بيفن وهو عُمّالي وعلاقته طيبة بعبد الفتاح عمرو.. عبد الفتاح عمرو باشا وقتها الملك بعته سفير وممثل له في لندن وفي الواقع مهمته الأصلية التمهيد لوفد المفاوضات والمساعدة قدر ما يستطيع، لكن الموقف لم يكن ملائم إطلاقا.. أنا كنت بأشوف وفد المفاوضات بأشوف وفد المستشارين وسعدت جدا بمناقشات طويلة مع بعضهم كثيرين منهم جداً وخصوصا لطفي السيد باشا وأظن تعلمت كثير جدا من كل هؤلاء الناس وأنا مديون لهم، لكن في مسألة مهمة جداً إنه في حاجة كانت وقفة في حاجة عقبة في مشكلة وأي حد كان يطل عليها يعرف إنه هذه المفاوضات لن تؤدي إلى نتيجة لأنه في اختلاف عقليات كامل، إيه اختلاف العقليات؟ اختلاف العقليات أنه المفاوض الإنجليزي ينظر إلى (Strategy) إمبراطورية إلى استراتيجية إمبراطورية وهو معني أكثر بالإمبراطوريات اللي حواليه المنافسة سواء الروسية اللي بتيجي على شكل الشيوعية واللي عندها أحزاب شيوعية هنا أو على شكل القوى الأميركية اللي على الباب واقفة بتخبط على الباب أو على شكل حاجة ثانية هأتكلم عليها ثاني، شكل ثقافي جاي هأتكلم عليه حالا، الوفد المصري كان كله من القانونيين وكله.. وفي مسألة كانت شديدة التعقيد وشديدة العمق في نفس الوقت وهي أن الوفد المصري كله معني بالنصوص.. هم قانونيين وهم كلهم بيحضروا مذكرات قانونية وبيكتبوا ورق والورق هائل في استناده إلى مبادئ القانون الدولي، إلى العلاقات المصرية البريطانية، إلى التاريخ، إلى الانتقال من الخلافة، إلى الحقوق اللي آلت لمصر بعد سقوط الخلافة إلى آخره وبيكتبوا أوراق بديعة، لكن هذه اللحظة لم تكن لحظة نصوص.. هذه كانت لحظة صراع، المفاوض البريطاني بيتكلم وفي ذهنه عقلية الصراع والمفاوض المصري وفي ذهنه عقلية الحقوق وهو يلجأ فيها للنصوص بينما عقلية الصراع تستعمل القوة أو تستعمل وسائل القوة على أي حال، فأنا أتصور إنه كان باين أمامي إنه هنا في هذه اللحظة في حاجة غلط، هاجي على النقطة اللي أنا قلت فيها مسألة ثقافية وأنا هأتكلم فيها بعدين وهي إن أنا بأكتشف ومش عارف إذا كان غيري لاحظ هذه الملاحظة ولا لا لكن أنا ناقشتها مع لطفي السيد باشا فيما بعد.. القضية كانت المشكلة اللي موجودة عندنا لما أبص لكل وفد المفاوضات وأبص للنخبة الثقافية والفكرية كلها ألاقيها كلها متأثرة بفرنسا، لكن من أول مراحل رفاعة الطهطاوي إلى فرنسا لغاية ما راح حد زي علي مبارك إلى فرنسا لغاية ما راح حد زي طه حسين إلى فرنسا وفيما بين الثلاثة في عندي لطفي السيد في فرنسا، دكتور هيكل باشا في فرنسا، النحاس باشا متأثر بالعقلية الفرنسية. وهكذا ألاقي التأثير الفرنسي كان موجود بعقليته وهنا في مسألة مهمة جدا، إيه المسألة المهمة؟ أن أكبر المثقفين.. النخب المصرية الفاعلة في ذلك الوقت، كلها سواء في القرن التاسع عشر أو في القرن العشرين ذهبت على شكل بعثات وذهبت إلى فرنسا، أول حاجة هنلاحظها وهي ملحوظة جداً في رفاعة رافع الطهطاوي ملحوظة جداً في طه حسين هي أنه إيه أنا جايب شباب من الريف خلفيتهم كلها أزهرية وانتقلوا مرة واحدة من هنا إلى هناك عبر البحر وعندما وصلوا هناك أصيبوا بصدمة لأنه عملية الانبهار كانت صاعقة، إحنا لسه.. لا يزال لغاية النهارده لأن إحنا حتى بنأخذ أبناء شيوخ القبائل نبعتهم أميركا ونلقى أنهم تغيروا لأنه في مسألة هنا ثقافية في مسألة مهمة جدا وهي البيئة الحاضنة للنخبة، أنا مش عاوز أعقد المسائل، لكن لما شاب زي طه حسين مثلا على سبيل المثال أزهري ويذهب يلاقي نفسه من الأزهر إلى السوربون ويشعر أنه في جو غريب.. أنا هأسيب رفاعة رافع الطهطاوي على جنب.. ويلاقى نفسه في جو غريب ويسمع أشياء أخرى مختلفة عما كان يسمعه في الأزهر وهذا ملحوظ في كتابه الأيام حتى يعني وملحوظ في حتى في مستقبل الثقافة في مصر، اللي بيحصل أنه إيه لا يحصل تطور، لما الصدمة لا تصنع تطور.. الصدمة تصنع نوع من حالة الانبهار والانبهار ليس هو الصيغة المطلوبة للتقدم لأنه الانبهار يؤدى إلى عجلة.. يؤدى إلى تقليد.. يؤدى إلى ترجمة، حتى لو أدى الأمر إذا تجنبنا التقليد وهؤلاء راجعين.. مهما عملوا لما هم عايشين في فرنسا عايشين في الجو الفرنسي عايشين في أفكار القانون والعلوم السياسية الفرنسية وهي في ذلك الوقت نصية ولفظية لأنه الدولة الفرنسية مأزومة، التجربة الفرنسية مأزومة، الإمبراطورية الفرنسية تُصفَى وفاقدة في حاجة مهمة جدا إنها فاقدة الثقة بالديمقراطية، لما حد بيتكلم ديمقراطية بيفكروا في الجماعات الـ (States) الهيئات النيابية اللي كانت موجودة أيام الملك الملكية وأيام بربون وطُردت كلها وفكروا في الكميونات اللي قامت في باريس وهي حكم رعاع أو جماهير هوجاء اللي كانت موجودة في الكميون واللي قعدت تحت حصار الكميون واللي هي حاجة مشهد بديع في الإنسانية لكنه لا يمثل.. يمثل غلبة العاطفة على العقل ويمثل لحظة تراجع لا يعلم إلى أين يقف. وبعدين فرنسا في الحرب العالمية الأولى ضُرِبت بشدة جدا، فرنسا مهددة مرهقة متعبة وبعدين خرجت وهي ضمن المنتصرين لكن في واقع الأمر خارجة شبه يائسة ما حدش يقدر يعرف.. لا نستطيع أن نتصور لماذا استسلمت فرنسا بهذه الصورة، أما هتلر إلا إذا تصورنا ما قبل ذلك، إلا إذا تصورنا مناقشات المفكرين الفرنسيين اللي كانوا قاعدين حيرانين قبل الحرب وهم بيقولوا إنه والله النازية مش خطر، إحنا نتفق مع النازية، نتفق.. موزعين ما بين إمبراطورية بتضيع أو أوروبا، موزعين ما بين استسلام للنازية أو مقاومة وفرنسا في هذه الحالة مهزومة، أنا ليه طولت في الكلام عن فرنسا لأنه هذه.. اللي فاقدة الإيمان بالحياة النيابية وبالديمقراطية وحتى بتستهزئ بكل حاجة، لأنه فرنسا في هذه اللحظة زي ما كنت بأقول كانت حيرانة وكانت تعبانة وكانت مرهقة وكانت.. فرنسا في هذه الحروب اللي لم تعرف هي عملت فيها إيه خسرت من أبنائها حوالي اثنين مليون فرنساوي. وهكذا كانت الحيرة الفرنسية منعكسة على النخب المصرية إلى أبعد درجة، هذه الحيرة كانت موجودة بقسوة في وفد المفاوضات المصري.. وفد المفاوضات المصري اللي عملوه صدقي باشا مش بس كان عارف جداً كل حاجة في النصوص القانونية.. فاهم جداً النصوص القانونية، لكنه لم يكن على دراية بالصراع بأنه هذه اللحظة ليست هي اللي بنتكلم عليها، هذه اللحظة ليست هي فرنسا، هذا الذي تعلمناه واللي جبناه واللي نقلناه واللي فصل ما بين السوربون وبين الأزهر وأدخل الحياة الثقافية وحياة النخب في مصر كلها في (Duality) في ازدواجية مشكلة.



[فاصل إعلاني]

تأثر المجتمع المصري بالثورة الفرنسية

محمد حسنين هيكل: المجتمع المصري.. فرنسا بالثورة الفرنساوية عملت نوع من العدل الاجتماعي بشكل أو آخر، لكن هنا الجماعة اللي راحوا هناك فرنسا كانوا دول أبناء مشايخ في البلد.. أبناء الطبقة الغنية في مصر.. أبناء الطبقة القادرة أو الطبقة اللي بعتها إما محمد على وخلفاءه من خديويِّ مصر وهم إما من الأمراء أو ممن اختاروهم من أبناء مشايخ البلد أو غيرهم، لكن كلهم إما طبقيا إما إنهم كانوا رايحين بأفكار.. ببيئة حاضنة ريفية محافظة أو راحوا بأفكار بيئة أزهرية أيضا محافظة وراحوا هناك صُدموا بما رأوا ورجعوا وهو في حيرة، أنا كنت أشوف دي جداً جداً في توفيق الحكيم وأشوفها جداً في لطفي السيد، الحاجة الغريبة جداً إن كلهم رجعوا وعندهم حاجة الميراث الإسلامي تراكم على التجربة الفرنساوية أو على الرؤية الفرنساوية، بقى فكرة البطل لعب الدور بأكثر مما كان ينبغي في العصر المصري الحديث وأنا بأقولها وبأقولها بصراحة لأنه إحنا عندنا في التقاليد الإسلامية وفي التقاليد الفرعونية وفي التقاليد.. كل التقاليد، في التجربة الفرعونية في تجربة الفرعون.. الفرعون الإله، الحاكم المتحكم إلى آخره، العصر الإسلامي شهد الخليفة، هأسيب العصر الروماني والقيصر والإغريق والكلام ده كله العصر، الإسلامي شهد الخليفة، العصر المملوكي شهد تجربة من أغرب ما يمكن وهي تجربة أيضا صاغت أشياء كثير جداً في تفكير مصر، العقلية المملوكية كان في المملوك الذي هو سلطان والمملوك كان راجل قادم من الخارج.. مُشتَرى جاء لكي يُربى في خدمة سلطان وواحد من هؤلاء المماليك سوف يخلف السلطان وهو لا يعرف عربي ولا يعرف إسلام، عُلِّم الإسلام وهو صبي، عُلِّم الحكم وهو.. السلطة وهو عسكري، يقاتل في خدمة السلطان، عُلِّم لعبة المناورات لكنه لم يقترب بالشعب، عُلِّم العربية متأخر جداً.. معظم السلاطين.. السلاطين الكبار عندنا المماليك واحد زي الظاهر بيبرس وأنا أعتقد أن الظاهر بيبرس كان من أعظم المماليك أو الناصر محمد، كل هؤلاء مماليك عظام وفاتحين عظام لكن في عندهم مشكلة ما لهومش دعوة بالشعب، هؤلاء ناس عمرهم ما تكلموا لغة الشعب، جاؤوا من خارج لا عرفوا ثقافة ولا عرفوا حاجة أبدا وبدو عسكريا وقوة وفكرة الفاتح، فكرة الحاكم، فكرة البطل سواء كان بطل حقيقي أو بطل مزيف، سواء كان بطل حقيقي زى الظاهر بيبرس أو بطل مزيف جابوه إخوانه المماليك وكثير جداً منهم زى عز الدين أيبك مثلا، لكن وبعدين دول ناس الفرق بينهم وبين أمراء أوروبا على سبيل المثال إنه أمراء أوروبا حتى في عصر الإقطاع كانوا قادرين أما يعمل بيتهوفن موسيقى على سبيل المثال.. مزيكا بيسمعها الأمير ثم تخرج للشعب فيسمعها الشعب، الرسم اللي في الكنائس روبرز.. مَن نشاء، ليوناردو دافينشي.. اللي عاوزينه إحنا بيعمل أي حاجة بيعمل أي تحفة فنية ثم تخرج إلى الناس والناس بيشوفوها وكلهم في الكنائس ويسمعوا موسيقى باخ في الكنائس إلى آخره، لكن أنا عندي المملوك ما بيعرفش عربي وعارف وهو جاي ولا يهمه هو جاي لمدة حكمه لا سبقه أحد وهو يعلم أن نهايته بالموت لأنه ليس هناك مَن يخلفه وحتى لو ساب ابنه ما يقدرش يطمئن زي ما عمل الظاهر بيبرس وساب ابنه، لكن ما يقدرش يطمئن إلى إن أمراء المماليك سوف يقبلوا به فهو قادم لعصر معين لا يهمه تراكم ويصرف زي ما هو عايز لا يهمه تراكم ولا يهمه إلا الضرائب.. يأخذ ضرائب زي ما هو عايز لكن لا يبني لا يترك شيء في البلد لأنه هو مش باقي على حال ما تهموش يعني، لكن كان في المملوك وبعدين جاء لنا محمد علي بقى صورة البطل الآخر مرة ثانية وحتى الخديوي إسماعيل وحتى كل حد لغاية حتى جمال عبد الناصر وحتى أنور السادات وحتى حسنى مبارك في محاولات باستمرار للتركيز على فرد وعلى بطل وهي موجودة سواء كان ساعة البطولة أو لا، لكن باستمرار في فكرة التركيز على فرد وهذه موروثة شديدة للغاية، لكن على أي حال المثقفين اللي جاؤوا لنا من فرنسا بقى وأنا اللي بأرجع في تاني حاجة غريبة جداً إنهم نابليون بدأ يؤثر عليهم، الإحساس بهشاشة الديمقراطية عمرهم ما أخذوها جد مسألة الديمقراطية، يعني مثلا حزب الأحرار الدستوريين وهو حزب النخبة عمره ما كان قدر يوصل للناس وعمره ما كان أغلبية لأنه مَن كانوا فيه كانوا بيؤمنوا بحكم الصفوة، واحد زي لطفي السيد ما حدش يقول لي إن لطفي السيد باشا هينزل يكلم الناس.. ما لوش دعوة بالناس، ما لوش دعوة بالناس مش لأنه الراجل لكن لأنه هذه طبيعته، هذا تكوينه، هو قرأ فلسفة وقرأ أدب فرنساوي وعاش في فرنسا وتأثر بفرنسا وشاف فرنسا ما بين البطل نابليون أو لويس الرابع عشر وشاف الضيعة.. الضياع الشعبي في فرنسا في القرن 19 وشاف الـ(Cynicism) وشاف تشاؤم المثقفين إنه يعني هذه الديموقراطية ده كلام فارغ وده وبدؤوا كلهم يتكلموا عن إيه؟ من أول الشيخ محمد عبده المتأثر بكثير جدا من أفكار زمانه على المستبد العادل، ما حدش أبدا راضي.. الشعب في وادي وهؤلاء المثقفين ما حدش.. كل هؤلاء المثقفين لما جاء سعد زغلول وعمل الحركة الشعبية اللي عملها أو على الأقل تقدم صفوف الحركة الشعبية اللي تقدمها كل المثقفين خرجوا في الانقسام الأول، خرج فيه لطفي السيد وخرج فيه صدقي باشا نفسه وخرج فيه محمد محمود وبقي وحد زي مكرم أو أحمد ماهر وبعدين حتى دول كلهم خرجوا، لكن في هنا في الاتصال بالناس كان غير متوفر لدى النخب وبالتالي لما أنا أحط نمرة واحد إنه هم بيتكلموا على أحسن الأحوال بيتكلموا لقانون كويس جدا لكن ما عندهمش فكرة الحاجة الثانية إنهم (Non-representatives) لا يمثلوا شيء، لا يمثلوا شيء لأنهم بعيد عن حزب الأغلبية وبعيد عن الأغلبية وبعيد عن الشارع في وقت في حركات الشعوب في الثورة الشيوعية وفي إنجلترا بيطالبوا بحقوق العمال إلى آخره، النخب المصرية حيرانة، الملك فاروق ما كنش يصلح يبقى بطل، ما كنش يصلح يقود أحلام هؤلاء الناس إلى المستبد العادل.. فكرة المستبد العادل إلى آخره، وفد التفاوض اللي أنا شفته، أنا قرأت له مذكرات هائلة زي مكنت بأقول، لكن لما نوصل للناحية الثانية ناحية الصراعات ما كنش فيه.. نحن لم نعرف فكرة الصراع وهذه أيضا كانت ضد الملك فاروق بمعنى إيه؟ بمعنى وأنا آسف إني أقول ده لكن بأتكلم فيه بصراحة.. هذا العالم هذه المنطقة باستمرار لم تستطع أن تفهم فكرة الصراع، هي كانت موضوع للصراع من أول ما سقطت الإمبراطوريات القديمة سواء في العراق أو في الشام أو في مصر الفرعونية بدأ يبقى فيه إمبراطوريات غازية تطرد إمبراطوريات غازية وأهل البلاد نفسهم مستسلمين ما بيحربوش.. مش هم اللي بيحاربوا بمعنى الإسكندر جاء وعمل حكم الإغريق طردوه الرومان وسابوا البطالسة، العرب جاؤوا ضربوا بقايا البيزنطيين.. العرب الفاتحين يعني ضربوا بقايا الإغريق.. أنا بتكلم على.. جاؤوا من شبه.. أيوه من جوه وكل حاجة لكن جم فاتحين والشعب المصري ممكن يكون ساعد يعني مثلا أو حاجة أو شعب اللي في سوريا أو أي حاجة ثانية لكن الفاتحين جاؤوا من مكان آخر وبعدين توالت الدول تطرد بعضها بعضا وتوالت الإمبراطوريات تطرد بعضها بعضا، إحنا بنتكلم كثير جداً على ثورة القاهرة في ضد نابليون، لكن عاوز أقول إيه إن إحنا أخذنا أيضا من فرنسا أننا لم نواجه تاريخنا، أنا كنت بأتكلم على مواجهة الحقيقة، أنا هأذكر مسألة بسيطة جداً في مواجهة الحقيقة، في ثورة القاهرة وأنا عاوز نقعد نفرز ضد نابليون، أنا عايز نفرز بين ما هو صحيح وما هو غير صحيح، بين ما هو صحيح وقادر وما هو غير صحيح وقادر لأنه هنا مهم جداً في الصراع لأنه لما دخلنا بعد كده مع إسرائيل وجت صراع إسرائيل صراعنا مع إسرائيل وهو بقى صراع حقيقي فاجئنا في اعتقادي على غير انتظار لأنه إحنا النخب القائدة لم تكن جاهزة، بأتكلم على ثورة القاهرة ضد نابليون، أنا يوم من الأيام في وقت قريب من 15 سنة واللا حاجة كنت بألاحظ إنه وثائق الحملة الفرنسية كانت ضائعة وإنه ما جرى في القاهرة أنا أسمع عنه روايات الجبرتي وهو يتكلم عن الثورة زعران والرعاع والكلام ده كله على ثورة القاهرة يعني ضد نابليون والحاجات دي كلها وإنه محمد علي بويع وإنه الكلام ده كله والناس عملت وبعدين جئنا إحنا أيضا وعملنا (Cross) على الحقيقة لكن أنا كنت عاوز أعرف اللي جاري لكن ما كنش عندي وسيلة، لكن يوم من الأيام جاء زارني الدكتور حسين الصاوي.. أحمد حسين الصاوي وهو أستاذ باحث هائل وجاء قال لي إيه؟ قال لي أنا بأحاول ألاقي وثائق الثورة الفرنسية وما جرى في وقت الثورة الفرنسية.. في الحملة الفرنسية متأسف مش الثورة الفرنسية ولأن أنا بأعتقد إنه هذا لا يزال (Conditioning factor) لا يزال عنصر فاعل في حياتنا حتى هذا اليوم وأنا قلت له والله أنت بتقول على حاجة أنا شغلاني جداً من زمان، قال لي أنا عايز أدور عليها ورحت لكل جهات البحث ولم أجد شيء، لم أجد حد يرشدني إلى شيء وأنا الآن عاوز أروح فرنسا وعايز أروح أستخلص أو أشوف طريقة أحصل على وثائق الحملة لأنه الحملة الفرنساوية لما مشيت أخذت كل حاجتها معها، بعد لما نابليون مشي ما خدش حاجة لكن لما انسحب جنرال مينو أخذوا كل الحاجات معهم بعد قتل كليبر وبعد فشل الحملة ومش موجودة الحاجات دي وهو راح في إنجلترا شاف في الـ(Public record office) دار الوثائق البريطانية ما لقاش حاجة كفاية وراح فرنسا ما لقاش حاجة ومش عارف هي فين، لكن لابد أن تكون موجودة في مكان ما، أنا وقتها متأسف أقول كلمت عدد من الجهات إذا كان ممكن يساعدوا الصاوي.. الدكتور الصاوي لكن ما لقيتش حد وبعدين ندهت للدكتور الصاوي في العيادة قلت له دكتور الصاوي تعالى نتكلم فيها بصراحة أنت محتاج أد إيه؟ قال لي هو وقتها قال لي ليه؟ قلت له نتكلم بس فيها بصراحة يعني قال لي أنا عايز أروح إنجلترا أقعد في إنجلترا ثلاثين يوم شهر يعني وعايز أروح فرنسا شهر وأنا بأعرف في فندق بينزلوا فيه ضباط القوات المسلحة في لندن ولو أنت قلت لي السفير وقتها يرضوا ينزلوني فيه أبقى أنا سعيد جدا، السفير وقتها كان السفير محمد شاكر لا يزال ربنا يدي له الصحة وأروح فرنسا بعد كده وأشوف وأحاول أدور، قلته طيب هتتكلف إيه؟ قال لي يعني هأحاول أضغطها في أقل تكاليف الحقيقة الراجل خلاها التكاليف كانت مبلغ يعني معقول جدا قلت له اسمع أنا مستعد أتكفل بدّه وأنا بأعتقد أنا مهتم بهذا وأنت مهتم به الراجل تردد وبعدين الآخر اقتنع والحقيقة الراجل جاء على نفسه كثير جداً لكي يخفض النفقات وراح فرنسا وراح إنجلترا ما لقاش حاجة تاني برده وراح فرنسا ما لقاش حاجة تاني لكن في آخر يوم له في فرنسا حد قال له أنت تدور في المكان الغلط لأنه الوثائق الحملة الفرنسية رجعت كلها في صناديق لكن ما رجعتش على وزارة الخارجية ولا على وزارة المستعمرات.. رجعت على وزارة الأسطول ديفي لأنه الأسطول هو اللي أخذ الورق بتاع الحملة لما أُجليت من مصر وظلت فيما أظن وثائقها.. هو بيقول له كده، فكلمني الدكتور الصاوي بالتليفون وقال لي ده حصل كذا كذا وفي آخر يوم قلت له اسمع هأقول لك حاجة ما يهمكش اقعد وكمل.. دخل في بدروم وزارة الدفاع.. وزارة البحرية الفرنسية واكتشف هناك كنزا لا يفني بما فيه أوراق وثائق القاهرة والعلاقات مع الأزهر والعلاقات مع القوات.. علاقاتهم مع المماليك وعلاقاتهم مع أصحاب الملاك وعلاقتهم في الريف كنز.. بديع كلمني، قال لي أعمل إيه؟ قلت له صور كل اللي أنت تقدر تصوره قال لي هيتكلف قلت له مش مشكلة دلوقتي نبقى نشوف بعدين هنعمل فيها إيه والحقيقة الراجل رجع وعملنا حاجتين هو جاء قال لي طبعا أنت هتعمل قلت له أنت خذ أنت الوثائق بس إديني صورة من كل وثيقة أنت جبتها وهو الراجل كان شديد الامتنان، أنا عندي وثائق هذه العملية لكن هذه طولت فيها يمكن شوية لكن أنا قصدت أقول إن أنا قرأت كثير جداً في وثائق الحملة الفرنسية وسجلاتها واللي قدروا يجمعوه إلى آخره وبعدين لما جئنا في عصر لاحق.. في عصور لاحقة وإن إحنا بنتكلم على النهضة وبنتكلم عن الثورة بنتكلم عن التفاوض مع الإنجليز بنتكلم عن صراع الإمبراطوريات اللي إحنا داخلين فيه اكتشفت إنه نحن لم نواجه أنفسنا بتاريخنا.. لم نواجه أنفسنا بتاريخنا الحقيقي لكن بنلاحظ إنه الأدب الفرنسي، الأدب.. الفكر الفرنسي.. الإنجليز عملوا حاجة مهمة جداً اللي هو الاقتصاد السياسي إحنا ما كانش عندنا في ذلك الوقت حد كثير بيروح إنجلترا، الألمان عملوا حاجة مهمة جداً في الفلسفة والعقل والتكنولوجي لكن ما كانش حد عندنا بيروح ألمانيا، كان كل بعثاتنا كانت بتروح فرنسا والنتيجة إنه فرنسا.. أزمة فرنسا انطبعت على أزمة مصر وبعدين لما حتى روحنا جبنا نطل على أنفسنا نحن لم نطل على أنفسنا بالقدر الكافي وأنا بأعتقد إن إحنا ده مش شغل نعمله دلوقتي، يعني لكن أنا بأعتقد إنه من أهم المسائل لهذا البلد ولهذه المنطقة لأنه إخوانا السوريين وإخوانا اللبنانيين كانوا زينا أيضا بالضبط في التأثر بفرنسا، فرنسا حاجة بديعة وعظيمة جدا جدا، لكن وهي تنتقل من إمبراطورية إلى ثقافة النهارده عن طريق الفرانكفونية.. بتعمل إمبراطورية بطريقة ثانية مختلفة وأنا مش عارف إحنا داخلين فيها ليه يعني، لكن على أي حال علينا إن إحنا مرة ثانية حد غيري يقعد أو مجموعة من الناس تقعد لكي نطل على التاريخ الحقيقي لنا ولكي نرى صورتنا الحقيقية في المرآة ولكي نواجه أمورنا إحنا أخذنا الهرب أيضا من فرنسا.. أسلوب الهرب أيضا الحقيقة من فرنسا، طول القرن الـ 19 وكل القرن الـ 20 لغاية ديغول وفرنسا تهرب من تاريخها ونحن كذلك، أرجع ثاني للملك فاروق.. الملك فاروق كان هو مهيأ على المستوى الإنساني، رؤساء الوزارات اللي جابهم ما كانوش يقدروا النخب القادرة النخب الموجودة وهي هائلة يعني أنا بأقعد مع لطفي السيد أي حد أنا أو أي حد ثاني بنقعد أمام أما حد يقول إنه ده أستاذ الأجيال هذا حقيقي أما طه حسين أنا أنظر لطه حسين بانبهار.



فكرة الحرب وصدمة قيام إسرائيل

محمد حسنين هيكل: أما أنا ألاقي توفيق الحكيم وتوفيق أنا بأتكلم في ده ليه؟ لأنه هذا نحن.. بأتكلم في ده كله ليه؟ بأتكلم لأنه لما جاءت صدمة إسرائيل.. صدمة قيام إسرائيل لا المجتمع المصري.. فكرة الصراع فكرة الحرب، الحرب إحنا أنا كنت بأحكي إن إحنا في القرن الـ 19 بعتنا حوالي 100 ألف عسكري هدايا من خديويِّ مصر إلى معارك أخرى، استفدنا إيه من هذه الحروب؟ تعلمنا إيه وهذا هو الأهم إحنا لما جاءت وجاء النقراشي باشا وهو بيتكلم مع الإنجليز على سبيل المثال وبيقولوا له قاعدة قناة السويس هي أهم شيء في الصراع اللي جاي وخروج القوات البريطانية سوف يترك فراغ في القاعدة، دعواه أمامهم كانت إنه نحن الجيش المصري قادر على سد الفراغ، طبعا لما هم يسمعوا كده الجيش المصري في ذلك الوقت لم يكن قادرا على سد أي فراغ مش لذنبه، مش ذنبه في حاجة أبدا لكن تعالوا نفتكر إنه جيش محمد علي تجربته في الحرب.. جيش محمد علي حُلَّ.. جيش عرابي حُلَّ.. نحن لم يتبق عندنا حتى معاهدة سنة 1936 حاجة ممكن نسميها جيش حرب.. كان عندنا جيش مراسم وبعدين لما بدأت معاهدة 1936 جاءت معاهدة 1936 وهذا فضل يُذكر للنحاس باشا إنه فتحت الكلية الحربية دون امتيازات طبقية وهذه هي الدفعة اللي أخذت ناس، لكن فكرة الحرب ما حدش بيتعلمها في يوم ولا اثنين ولا المجتمعات تقاسيها في لحظة ولا في تجربة ولا في معركة.. فكرة الحرب التي هي جزء من فكرة الصراع نحن لم نكن مهيئين لها، حأتكلم على المجتمع الآخر لما أوصل للصدمة اللي إحنا واجهناها أمامنا وهو ما كانش في حاجة معجزة إطلاقا، كل اللي حصل إن هو كان مستعد وكان فاهم العصر والصراع الإمبراطوري ونحن لم نكن فاهمين. وقتها وفد المفاوضات المصري وهو يواجه من الإنجليز يقولوا له الفراغ ثم هو يواجه أمام الإنجليز وحتى لما يحاول يستعين أمامهم بالأميركان والملك فاروق كان بيستعين بالأميركان وأنا شرحت هو اتصل بهم إزاي، وقتها الملك عبد العزيز كان بره الحكاية دي كلها ما لهوش دعوة بها، لكن.. والهاشميين ما كانش لهم دعوة بها، لكن الملك فاروق إنصافا له كان هو المتصدي وهو كان أظنه إنه كان ممزق بين ما يستطيع خياله أن يصل إليه وما تستطيع قدراته أن تمكنه منه، ثم وهذه مسألة مهمة ما تقدر عليه النخب المحيطة به على أن تقدمه له في عالم مختلف من صراع الإمبراطوريات.

[فاصل إعلاني]

محمد حسنين هيكل: فكرة الحرب يعني يمكن كنا بنعرف حاجة عن البوليس، لكن الجيش المصري في هذا الوقت لما جاء وفد المفاوضات وطلب من وزارة الحربية تعطي له مجموعة مستشارين عسكريين أعطوه ناس كويسين جداً، مش عاوز أقول أسماء عشان يعني، لكن أعطوه ناس، لكن هؤلاء الناس راحوا عملوا إيه؟ معظمهم يعني، راحوا عملوا.. بعتناهم بعثات في إنجلترا بعد سنة 1936.. بعثات عسكرية في إنجلترا بعد سنة 1936 هأقول أسماء حتى بعضهم لو اقتضى الأمر، هأتكلم على حد زي سعد الدين صبور مثلا.. اللواء سعد الدين صبور بعد كده بقى قائد مدرعات، هأتكلم على حافظ إسماعيل اللي بعد كده بقى (Chief of staff) بقى رئيس أركان حرب وبقى مستشار سياسي للرئيس السادات، لكنه ما هواش.. هؤلاء الناس راحوا حضروا دروس لكنهم لم يحضروا دروس الـ (Strategy) ولا الـ (Grand strategy) كلهم درسوا ما يمكن أن يُدَرس على عكس الهنود مثلا أو الباكستانيين اللي كانوا معتبرين جزء من الإمبراطورية، إحنا كنا حاجة ثانية إحنا وغيرنا كنا يُسمح لنا بحضور بعض الدروس ولا يُسمح لممثلينا أن يحضروا دروس البعض الآخر وبالتالي فإحنا وفد المفاوضات اللي فيه النقراشي واللي فيه صدقي واللي رايح مجلس الأمن بعد كده بيعتمد على إيه؟ بيعتمد على المذكرات القانونية، الإنجليز يقولوا له القاعدة والأميركان يقولوا حاجة ثانية، يقولوا له إن إحنا النهارده.. وهذا قيل وقتها وقيل بعدها، يقال له إيه؟ يقال له لاحظوا من فضلكم إن إحنا النهارده خارجين من وقت الدول المستقلة إلى وقت الدفاع المشترك، لا أنتم عندكم جيش ولا أنتم تقدروا تدافعوا عن قناة السويس وبالتالي عليكم أن تنخرطوا في دفاع مشترك مع الإنجليز أو معنا الأميركان يعني وهو ده كان مأزق من المآزق وإحنا مش فاهمين.. يعني بنتكلم لغتين مختلفتين.. ناس بيتكلموا الصراع وناس بيتكلموا النصوص القانونية والوفد المفاوضات متعثرة.. في حاجة ثانية كمان جداً في الوفد وهي مهمة جدا، لما يروح وفد مفاوضات لابد أن يعرف ماذا يتفاوض عليه، لا يمكن لوفد المفاوضات أن يذهب بدون شيئين، الشيء الأول تفويض.. تفويض شرعي يمكنه من أن يتكلم وأن يدق المائدة عند اللزوم، لما يروح وفد من حكومة أقلية لا يمثل إلا الملك فاروق فهو مطعون في شرعيته مهما فعل.. مهما يفعل، عنده مشكلة هنا عنده مشكلة مَن يمثل في النهاية وما الذي يستطيع أن يفعله باتفاقيات قد يتوصل إليها لكنه لا يقدر على تنفيذها؟ ما يقدرش يقنع ناسه بها وده كلام قيل في ذلك الوقت، الحاجة الثانية إنه لازم يكون عنده هدف واضح، تعليمات تفاوضية واضحة ما.. في كل تفاوضنا إحنا رايحين لازم نسلم إنه القانونيين لوحدهم لا يستطيعوا أن يحددوا هدف التفاوض، إذا كنا بنتكلم عن الصراع وبنتكلم على الفكرة القانونية فالصراع لابد أن يحدد أهداف الدولة.. الصراع لابد أن يحدد هدفي، أين أنا؟ ماذا أريد؟ في هذا المكان من العالم خصوصا في الزمن اللي إحنا فيه، فما لم تكن قيادة الدولة عندها فكرة محددة استراتيجية عن الاستراتيجية العليا ماذا تريد إيه بالضبط اللي عايزاه؟ أنا لا أستطيع إن أبعث وفد مفاوض مهما كانت كفاءة أعضاءه وأقول له روحوا في طلب الاستقلال، اللي هو إيه بالضبط يعني أين يقف؟ فين الاقتصاد؟ فين العسكرية؟ فين الدفاع؟ فين الأمن؟ فين الحدود؟ نحن مناطق كمان عندنا مشكلة نحن لم نعرف حدود، بمعنى إن إحنا طول عمرنا كنا في كومنولث، طول عمرنا كنا سواء في كومنولث إغريقي كومنولث روماني في كومنولث إسلامي في كومنولث خلافي في كومنولث.. لغاية ما جاء محمد علي وحتى محمد علي كان طالع في الشام رايح جاي داخل في السودان رايح جاي ما عرفناش زي فرنسا مثلا فكرة الدفاع عن حد معين تحدد مبكرا وبقى في الحدود تعني شيء والحدود تعني شيء من فكرة الحرب وأنا من تجربة 1946 أنا كنت بأشوف الوفد.. الوفد بيتكلم في معنى.. وفد التفاوض سواء وفد السياسيين زي علي الشمسي ولطفي السيد ومكرم عبيد حتى كان فيها كلهم بيتكلموا عن الحقوق وهم.. المذكرات فيما يتعلق بالحقوق واضحة وهائلة لكن المشكلة إنه العالم تغير ونحن لم نعد أمام مشاكل حقوق نحن أصبحنا أمام.. أه الحقوق موجودة وينبغي أن تستعاد الحقوق لكن علينا أن ندرك أن إحنا أيضا إلى جانب الحقوق في صراع في صراع إمبراطوريات صراع على المستوى الدولي على المستوى الإقليمي على المستوى المحلي وأنه لابد أن نضع حقوقنا في إطار حركة الصراع وإلا فهي ضائعة ولابد أن نجد وسيلة لكي تتسق مصالحنا وحقوقنا مع الصراع مع فكرة الصراع، المفاوضات مع صدقي باشا أنا بأعتقد أنه الوفد كان في حالة أنا بأعتقد أنها كانت بائسة لأنه.. ومش ذنبه الناس اللي فيه هائلين لكن مش ذنبه ولكن بنتكلم النتيجة اللي توصل إليها صدقي باشا.. الحاجة الغريبة أيضا أنه فكرة عدم وجود عدو وضوح هدف تفاوضي كانت مؤثرة على صدقي باشا طبعا وبالتالي صدقي باشا عاوز يرغب في حل وسط لكن وفد التفاوض وراءه سواء من السياسيين أو المستشارين بيمنعه لأنه ما حدش عارف إيه الهدف، ده هو مستعد يقبل مساومة على حد كده وهما بيطلبوا أد كده وهو يرى أن هو مش قادر فبيخبي عليهم، النتيجة وهذه كانت كارثة في كل تفاوض إحنا عملناه لغاية هذه اللحظة أنه في حاجة في ذهن المسؤول الأعلى ووفد التفاوض ليست واضحة أمامه لأنه الهدف الوطني غير محدد، لأنه معالم الحدود غير واضحة، لأنه فكرة الصراع غائبة وبعدين بنروح نتفاوض ما نعرفش نعمل إيه، الوفد في هذا الوقت.. صدقي باشا بدا يخبي على الوفد توصل إلى معاهدة صدقي - بيفن، حتى أعضاء وفد التفاوض هو راح لندن لوحده عشان يمضى الوثيقة ومضوا وثيقة اعتبروها سر، الوثائق.. وثائق التفاوض ما فيش فيها حاجة سر ووثائق التفاوض ما لم تكن الوثائق واضحة أمام الناس كلها، ليس.. الدولة ممكن عندها أسرار لكن لما نوصل لمعاهدات واتفاقات وكل تعاقد بيني وبين دولة أجنبية.. إحنا أيضا بنواجهها النهارده في حكاية الكويز دي، أنه في اتفاق وما رحش مجلس الشعب ما حدش عارف فيه إيه، لكن على أي حال صدقي باشا في ذلك الوقت أضطر وهو عنده عذره إلى أنه يتفاوض في غيبة من الوفد في لندن ويوقع بالحروف الأولى ما سُمى بمعاهدة صدقي - بيفن ويرجع يقدمها إلى الملك فاروق ويقنع الملك فاروق أن هذا أفضل ما يمكن أن يصل إليه وبعدين وفد التفاوض ينقسم.. تنقسم رؤاه وحتى مستشاريه القانونيين ينقسموا والوفد السياسي نفسه يفرقع من الداخل وتسقط معاهدة صدقي - بيفن لأنه.. مش لأنه حد كان غلطان لأنه ببساطة كده الصورة العامة غائبة الـ(Strategy) غائبة، الملك فاروق في هذا الوقت أي حد عنده قدر من الإنصاف ومن العدل يعني أو من المعرفة بالتاريخ أو من المشاهدة المباشرة كان يدرك وأظن أنه كان كثير جداً مدركين لكن مش عارفين يعملوا إيه، يعني أنا بأعتقد أنه لطفي السيد كان مدرك وكان شايف المأزق اللي إحنا فيه وحتى أنا فاكر يوم معه أنا يوم معه في مكتبته في بيته في مصر الجديدة وهو قاعد وهو كان وزير خارجية وقتها وكان عنده مكتبة في بيته في مصر الجديدة فيها قبة فوق كده والضوء داخل فيها إسلامية والمكتبة مليئة بالكتب وهو قاعد يقول لي إيه بيقول لي وأنا شاب متحمس وإلى آخره بيقول لي أنا هأقول لك وصية وأكتبها عني: عليكم باثنين البرلمان والجامعة فتقول له.. طيب أنا كنت بأقول له وقتها وأنا برضه مش بأقول له باشا طيب كيف لسبيل ما هو الجامعة أنا مش عارف الجامعة بعدين عرفت وبعدين بأشوف الجامعة كيف أصل إلى الجامعة بالتوفيق مع ما بين السوربون والأزهر أو ما بين كامبردج والأزهر أو ما بين أكسفورد والأزهر، كيف أصل للبرلمان وأعمل حاجة في ظل هذا الوضع الثقافي والفكري والطبقي المتهاوي؟ إحنا أمام مشكلة حقيقية، في هذه اللحظة تجئ صدمة إسرائيل تجئ أول حاجة وأنا شفتها وأنا بأعتقد أنه حقيقة في في التاريخ في ممكن جداً نقول مجرم حرب أو مجرم تاريخ وفي ناس نقول أبطال تاريخ وفي ناس نقول ضحايا تاريخ وأنا بأعتقد الملك فاروق كان من ضحايا التاريخ، لما جاءت صدمة إسرائيل.. إسرائيل كانت بتعرف عنا كل شيء لأنه ببساطة كده مش لأنهم خارقي الكفاءة ولا خارقي القوة ولا أي حاجة أبدا، لكن ببساطة لأنهم كانوا عارفين ما يجري في مصر وعارفين المأزق اللي كنا فيه وأيضا كانوا عارفين حاجة عن العالم ثم كانوا بيجوا هنا بانتظام، الناس بتنسى إنه وايزمان مؤسس الحركة الصهيونية كان زائر دائم كل سنة على القاهرة وبيشوف كل الناس، بينسوا أنه بن غوريون كان بيجي أنا شوفته من بعيد بس ما كلمتوش إلا بعدين سنة 1946 في القدس بينزل في بنسيون في عمارات الخديوي في شارع عماد الدين هو وشارتوك اللي هو بقى موسى شاريت فيما بعد، أنا حضرت وأنا في الإيجيشيان جازيت حضرت (Briefings) يومية.. تقرير عن الحرب بيدوه للصحفيين كنا نروح نقعد كل يوم مع متحدث عسكري ويقعد يدينا (Briefings) عن سير المعارك لما كنت في الإيجيشيان جازيت بعد ما رجعت من الحرب وهذا كان ضابط اسمه ميجور إيبان بقى ابا ايبان بعد، كده كل الدارسين.. كل حاجة.. واحد زي بروفيسور باير في الجامعة العبرية أخذ كمية.. درس مصر من خلال إيه؟ الوقفيات، أوراق الوقف أوراق الوقف وانتقال الملكيات وعمل أحسن دراسة في اعتقادي على تاريخ الملكية الزراعية في مصر والتركيب الطبقي في مصر، فهما كانوا عارفين أي مجتمع بالضبط يواجهوه وإحنا لم نكن نعرف شيء إطلاقا ولما بدأ الملك فاروق بحس طبيعي يخش في الجامعة العربية وبدأ بحس طبيعي يخش في موضوع فلسطين وبدأ بحس عربي بيتكلم عن الجامعة العربية، الفكرة السائدة في مصر أن إحنا والله رايحين داخلين في موضوع إسرائيل نصرة لشعب فلسطين أو لأنه الحاج أمين الحسيني كان موجود لأجئ في مصر مفتى القدس بيؤثر علينا أو إلى آخره، لكن لم يخطر لنا أننا هناك أمام مشكلة حدود وأمام مشكلة وجود وأمام مشكلة أمة بيتقرر مصيرها وأمام صراع بالغ الخطورة على مستقبلنا وأظنه أنه هذه كانت لحظة فاصلة في تاريخ مصر تصبحوا على خير.