- القمة العربية بين التكرار والتجديد
- تسليم طولكرم للسلطة الفلسطينية

- كوفي أنان.. مشروع إصلاح الأمم المتحدة

- اغتيال الحريري والحقيقة الغائبة

- قرغيزيا.. انتفاضة شعبية جديدة

- القضية الصومالية والمساعدات العربية

- أحمد زكي.. شخصية الأسبوع


جميل عازر: مشاهدينا الكرام أهلا بكم إلى جولة جديدة في الملف الأسبوعي وفيها القمة العربية السابعة عشرة في الجزائر تكرار لقمم سابقة أم جديد في الأفاق العربية، فلسطين في ضوء الانسحابات الإسرائيلية من المراكز السكانية والاستيطان يتزايد اتساعا والأمم المتحدة في تقرير عنان إصلاحات لمحاربة الفقر والمرض والإرهاب فما هي فرص النجاح؟ ليت القضايا المطروحة في الساحة العربية لم تكن بهذا الحجم من الخطورة والأهمية وإلا لما ظهر عجز المنظومة العربية إلى هذا الحد من الوضوح عن التعامل معها ولما كان شعور الجماهير العربية بالإحباط باعثا على السأم من أداء بات رتيبا قمة بعد قمة، فجامعة الدول العربية البالغة من العمر ستين عاما هيئة تبدو في نظر البعض أنها تجد الارتقاء إلى مستوى التحديات مسألة صعبة، فمؤسسة يغيب عن قمتها أكثر من ثلث زعماء أعضائها لا يمكن أن تؤخذ قراراتها بالجدِّية التي ينبغي أن تكون وهي بكل تأكيد في حاجة بقدر حاجة أعضائها إلى إصلاحات.



القمة العربية بين التكرار والتجديد

[تقرير مسجل]

حسن إبراهيم: قمة أخرى، حسنا وما الجديد؟ المواضيع لم تختلف كثيرا عن القمم السابقة، الخلافات هي نفسها وبعض اللحظات النادرة من المرح والإثارة مع خطابات الزعيم الليبي ربما أفلحت في تخفيف الأجواء المأساوية التي خيَّمت على هذه القمة، الإشاعات التي سبقت القمة كانت تتحدث عن سيناريو رآه الكثير كارثيا تُعلن فيه الدول العربية الصلح والتطبيع مع إسرائيل بدون أن تدفع إسرائيل ثمن ذلك، سلام مع الفلسطينيين والسوريين وإقامة الدولة الفلسطينية، القمة العربية قررت نفض الغبار عن مبادرة السلام العربية التي تبنتها قمة بيروت عام 2002 إلا أنها استبدلت تعبير عودة اللاجئين الفلسطينيين حسب قرار الأمم المتحدة رقم 194 بتعبير الحل العادل لمشكلة اللاجئين، الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى كان متوترا للغاية وهو يشرح للصحفيين فداحة أزمة الجامعة التي تعيش حالة فقر دائم في الاعتمادات نظرا لتأخر كثير من الدول في اشتراكاتها وأصرَّ الأمين العام على أن الجامعة لم تفشل ودلل على ذلك باستمرار كثير من مشروعات العمل العربي المشترك الذي ترعاه الجامعة لكن تبدو أحوال الجامعة أكثر سوءا مما وصفه الأمين العام، فالجامعة العربية مجموعة إرادات عربية ذات رؤى متباينة انتظمت في هذا التجمع منذ عام 1945وعُقِدت عشرات الاجتماعات ووُقِّعت عشرات المعاهدات لكن القضايا المِفصلية لم تجد في أروقة الجامعة حلولا، فمن نكبة إنشاء دولة إسرائيل على أرض فلسطين التاريخية عام 1948 وحرب اليمن التي أرهقت الجيش المصري وكانت في الحقيقة مسرح قتال ما بين المقاتلين المموَّلين سعوديا والجيش المصري استمرت حتى عام 1966 ثم جاءت الهزيمة بعدها في حرب حزيران عام 1967 ولم تستطع الجامعة العربية إيقاف الحرب الأهلية اللبنانية ولا منع اتفاقيات الصلح المنفردة مع إسرائيل التي دشَّنها أنور السادات بزيارته إسرائيل عام 1977 ولا حماية اللبنانيين من الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 ولا من المذابح البشعة التي تلته، الشأن الفلسطيني أصبح كقميص عثمان يُلوِّح به قادة وناشطون ومزايدون وإيديولوجيون، فلا العرب مستعدون لحرب إسرائيل ولا هم مستعدون لدعم الفلسطينيين بصورة تجعلهم يصمدون ولو اقتصاديا في وجه آلة القمع الإسرائيلية ويعتبر الإصلاح السياسي في العالم العربي من الأمور التي تحاول الحكومات العربية تجنبها بأي وسيلة فهي تُروِّج لمفهوم يُشَيْطن الإصلاح ويحوله إلى مشروع استعماري آتٍ من الخارج وأفلح بعض أنصار الحكومات في إظهار من يستجيبون لدعوة الإدارة الأميركية والأوروبية كأنهم خَوَنة مارقون، بيان القمة الختامي أتى مليئا بالعموميات والأماني الطيبة عن قضايا مثل العراق والسودان وفلسطين ودعا اللبنانيين والسوريين إلى الهدوء والمسؤولية والتعقل، لكن قمة يغيب عنها ثمانية من الرؤساء العرب ولا يحضرها حتى ولي العهد السعودي صاحب مبادرة السلام العربية ما كان منها أن تأتي بنتائج يتوخَّاها الجماهير العربية، قمة انتهت وستُعقد أخرى في الخرطوم ربما بعد عام ويبدو أنه مع كل قمة يقِلّ سقف التوقعات درجة.



تسليم طولكرم للسلطة الفلسطينية

جميل عازر: وإذ كانت المبادرة العربية موضوعا ألقى بظلاله على القمة حتى قبل انعقادها فإن ذلك ينبغي أن لا ينتقص من أهمية بل وخطورة ما يحدث على أرض الواقع في المناطق الفلسطينية فالانسحابات الإسرائيلية من مراكز الكثافة السكانية ليس بجديد في العلاقة بين الجانبين ورغم أنه يعيد الوجود الأمني الفلسطيني إلى مدن ظل غائبا عنها بضع سنوات فإن فيه مزايا للإسرائيليين لا يمكن إنكارها وينبغي أن لا يعتبر تنازلا من جانب الإسرائيليين وإذا كانت خطة الانسحاب من قطاع غزة شبه محسومة إسرائيليا فإن الإعلان عن توسعة الاستيطان في جوار القدس خاصة له أكثر من دلالة على نوايا شارون.

[تقرير مسجل]

"
تشهد شوارع طولكرم وجودا مكثفا للشرطة الفلسطينية بكامل سلاحها، وقليل من الفلسطينيين رأى في ذلك الانتشار دليلا على وفاء إسرائيل بتعهداتها للسلطة ولرئيسها الجديد
"
         تقرير مسجل

سمير خضر: منذ سنوات لم تشهد شوارع طولكرم مثل هذا الوجود المكثف للشرطة الفلسطينية بكامل سلاحها وعتادها، نعم عاد الأمن الفلسطيني للسيطرة على شوارع المدينة لكن قليلا من الفلسطينيين رأى في ذلك الانتشار دليلا على وفاء إسرائيل بتعهداتها للسلطة ولرئيسها الجديد، كان سكان طولكرم يعيشون في سجن كبير داخل مدينتهم ومعهم سجانهم الإسرائيلي وها هو السجَّان يخرج اليوم من الزنزانة ويتركهم داخلها، المفاوضون الفلسطينيون أصرُّوا منذ البداية على ضرورة تفكيك الحواجز العسكرية ونقاط التفتيش الإسرائيلية عند مداخل المدينة وبعد مخاض عسير لبَّت إسرائيل هذا المطلب وفككت هذه الحواجز لتقيم غيرها على بعد عدة مئات من الأمتار والسيناريو نفسه تكرر سابقا لدى تسليم السلطات الأمنية في مدينة أريحا للشرطة الفلسطينية ولا شيء يقول إن هذا السيناريو لن يتكرر في مواقع أخرى وبالطبع لا يمكن لأحد القول إن ما تحقق على الأرض كان صفرا إذ يأمل الفلسطينيون الآن في تسلُّم المسؤوليات الأمنية في كافة مدن الضفة الغربية وهذا يشكِّل في نظرهم إنجازا هاما رغم أنه غير كافٍ، فالسلطة الفلسطينية تعي جيدا أن شارون لم يتخذ القرار عن طيب خاطر بل لأنه سئم من استمرار جيشه في قمع الانتفاضة ويريد الآن من محمود عباس القيام بهذا العمل نيابة عنه ولم يكن من قبيل المصادفة أن يصل إلى المنطقة مندوبان من الخارجية الأميركية لإفهام السلطة الفلسطينية بأن عليها الاضطلاع بهذه المسؤولية في مقابل ما وصفاها بالتنازلات الكبيرة والمؤلمة التي قدمها شارون.. شارون الذي يبحث اليوم عن مخرج من الأزمة التي ولَّدتها خطته للانسحاب من قطاع غزة في ظل تصاعد حدة الرفض في صفوف المستوطنين وفي صفوف صقور الليكود وربما كان ذلك أحد الأسباب التي دفعت بالحكومة الإسرائيلية إلى تسريب خبر الشروع في توسعة المستوطنات حول مدينة القدس ربما في محاولة للتخفيف من حدة المواجهة مع معسكر الرافضين، لكن هذا المشروع أثار كثيرا من اللغط ليس فقط في أوساط الطبقات السياسية الإسرائيلية بل وأيضا لدى الحليف الأميركي فقد انبرى سفير واشنطن في تل أبيب ليعلن في البداية أن حكومة بلاده لم تُبرم اتفاقا مع شارون بشأن ضم مستوطنات إلى إسرائيل قبل أن يعود ويؤكد وجود مثل هذا الالتزام من قِبل الرئيس بوش.. ولم تمض ساعات حتى خرجت وزيرة الخارجية الأميركية كوندواليزا رايس لتعلن أن خطة توسيع المستوطنات حول القدس تتعارض مع ثوابت السياسة الأميركية في المنطقة لكنها لم تتطرق إلى ما أُشيع عن وجود تعهد من قِبل بوش لشارون بضم أجزاء من المستوطنات إلى إسرائيل في أي تسوية نهائية، لكن الواضح أن سياسة الأمر الواقع بدأت تؤتي ثمارها، سياسة لم يخترعها شارون بل كانت محورا ثابتا في سياسة كافة حكومات إسرائيل، جهد متواصل أدَّى إلى تغيير الواقع الديمغرافي على الأرض بينما ظل كثير من الفلسطينيين وإخوانهم العرب يغضُّون في سبات عميق.


كوفي أنان.. مشروع إصلاح الأمم المتحدة

جميل عازر: من المؤكد أنه لم يكن غائبا عن كوفي عنان وهو يخاطب الجمعية العامة للأمم المتحدة حجم التحديات ومدى التباين في مواقف أعضائها المائة والواحد والتسعين إزاء ما اقترحه عليهم من إصلاحات، فهناك قدر كبير من التنافس بين القارات والكتل والدول على قضية توسيع عضوية مجلس الأمن الدولي كما أن مكافحة الآفات التي تعاني منها المجتمعات البشرية قاطبة بما في ذلك الإرهاب والفقر والأوبئة وانتهاكات حقوق الإنسان تثير خلافات ساخنة وبما أن الأمين العام يريد تسويق مقترحاته لإصلاح المنظمة الدولية بالجملة وليس بالمُفرَّق فإن هنا يكمن أكبر التحديات بل ربما العقَبات.

[تقرير مسجل]

زياد طروًش: مشروع إصلاح الأمم المتحدة الذي عرضه كوفي عنان مؤخرا على الجمعية العامة للأمم المتحدة جاء مركزا على قضايا الأمن والفقر وحقوق الإنسان وتلخصت أبرز عناوينه في الآتي، أولا توسيع مجلس الأمن الدولي، ثانيا إنشاء قوة احتياط استراتيجية للتدخل العاجل، ثالثا إنشاء مجلس جديد لحقوق الإنسان، رابعا التصديق على معاهدة شاملة لمكافحة الإرهاب، خامسا زيادة المساعدة الإنمائية العالمية بما يزيد عن الضعف خلال السنوات القليلة المقبلة ومن بين هذه النقاط انصب تركيز الكثيرين على مسألة توسيع مجلس الأمن وبدأت التجاذبات بشأن صيَغ هذا التوسيع وعدد الدول التي يمكن ضمها إلى عضوية المجلس فضلا عن الصراعات الخفية والمعلنة بشأن مَن سيملأ الكراسي المضافة.. وبصرف النظر عما يُطرح اليوم بشأن هذا التعديل فإن ما قد أُغفل في سياق هذه التجاذبات هو أن مشروع كوفي عنان لم يعلن صراحة منح الأعضاء الجدد في مجلس الأمن حق النقض أو انتزاع هذا الحق من الأعضاء الحاليين.. ومن بين النقاط اللافتة في مشروع عنان مطالبته مجلس الأمن بتبني قرار بشأن متى وكيف تُستخدم القوة على أن يتضمن معايير منها ما إذا كان الخيار العسكري يتناسب مع حجم الخطر وأيضا حق حماية المدنيين الذين يتعرضون لاضطهاد حكوماتهم، عنان اقترح في هذا السياق بعث قوة احتياط استراتيجية مكونة من قوات على أُهبَة الاستعداد وكذلك إنشاء لجنة سلام تتعامل مع العمليات المعقدة، هذا المقترح جاء ليؤكد الحرص الذي تُبديه بعض الأطراف وفي مقدمتها كوفي عنان على أن تبقى الأمم المتحدة أساس النظام الأمني في العالم، فبعد الانقسام الذي أحدثته الحرب التي شنتها الولايات المتحدة على العراق قبل عامين وما نتج عنها من تغييب للشرعية الدولية بدا واضحا لعنان أن أية محاولة لاسترجاع سلطة الأمم المتحدة تبدأ من وضع حد للسلطة الأميركية وتفردها بتصريف شؤون العالم، مشروع إصلاح الأمم المتحدة تضمن أيضا مقترحا آخر لا يقل أهمية ألا وهو إنشاء مجلس جديد لحقوق الإنسان يحل محل مفوضية حقوق الإنسان الحالية التي تُتهم بتجاهل الكثير من الانتهاكات الرئيسية، أما فيما يتعلق بالإرهاب وبمقترح عنان بالتصديق سريعا على معاهدة شاملة لمكافحة هذه الظاهرة فإنه خلق تباينا في المواقف الدولية، ففي حين تجد الدعوة إلى وضع تعريف ملزم للإرهاب في ظل القانون الدولي إجماعا واسعا إلا أن التنصيص على ضرورة أن تشمل المعاهدة المفجِّرين الانتحاريين وكل مَن يُلحق الأذى بالمدنيين عمدا، هذا التنصيص يصطدم بموقف عربي رافض خاصة وأنه قد يعني بطريقة أو بأخرى نزع أي شرعية عن مقاومة الاحتلال الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية وبشكل عام يستدل منتقدو مشروع الإصلاح على أنه وبعد ستين عاما من نشأة منظمة الأمم المتحدة أغفل كوفي عنان أي حديث عن إصلاح الجمعية العامة التي لا تمتلك أي ثقل يُذكر مقارنة بمجلس الأمن في ظل فقدانها لأدوات عمل سياسية وصلاحيات أكبر لتنفيذ القرارات الصادرة عنها وهو ما حوَّلها طيلة العقود الماضية إلى ما يشبه خزانة لحفظ القرارات.

جميل عازر: وينضم إلينا من القاهرة الدكتور عبد الله الأشعل الخبير في القانون الدولي، دكتور عبد الله هل تعتقد أن كوفي عنان يطلب تقريبا المستحيل عندما يقول إنه يريد من الجمعية العامة من أعضاء الأمم المتحدة أن يأخذوا كل توصياته جملة وليس بالمُفرَّق كما يقال؟

"
الأمين العام حاول وضع المنظمة الدولية في إطار محايد، بمعنى أن تلعب دورا مستقلا عن أميركا التي طغت كثيرا على أجهزة الأمم المتحدة وخاصة مجلس الأمن
"
       عبد الله الأشعل

عبد الله الأشعل- خبير في القانون الدولي: أعتقد أن الأمين العام يحاول أن يضع المنظمة الدولية بشكل أكبر في إطار محايد، بمعنى أن تستطيع أن تلعب دورا مستقلا عن الولايات المتحدة التي طغت كثيرا على أجهزة الأمم المتحدة وخاصة مجلس الأمن ولكن في نفس الوقت أعتقد أن الأمين العام يُغفل بعض الحقائق داخل النظام الدولي الحالي وكما أشير فإن القرارات التي يجب أن تُتخذ وأن يكون لها فعلا الفاعلية المطلوبة يجب أن يعاد توزيع الثقل بين الجمعية العامة ومجلس الأمن لأن التركيز الآن على مجلس الأمن سيؤدي في الواقع إلى أن الأمم المتحدة من خلال مجلس الأمن ستقوم بأدوار تتناقض تماما مع أهداف المنظمة الدولية كما يحدث في كثير من الحالات ومنذ نهاية الحرب الباردة حتى الآن.

جميل عازر: طيب ما الذي تعتقد أنه وراء الحديث فقط عن إصلاح في مجلس الأمن الدولي وليس الجمعية العامة للأمم المتحدة؟

عبد الله الأشعل: نعم هذا بالضبط هو الذي أريد أن أقوله، الأمين العام طبعا بيُنهي خدمته للمرة الثانية على التوالي وأنا اعتقد أن القارة الآسيوية عليها الدور في الفترة القادمة اعتبارا من أكتوبر القادم والأمين العام يريد فعلا أن يُسدى خدمة مهمة للولايات المتحدة عن طريق تكريس موقف معين في مجلس الأمن، أما الجمعية العامة التي كان لها ثقل أكبر بكثير عندما كانت الولايات المتحدة لها أغلبية كاسحة في الخمسينات أو في نهاية الأربعينات وكان الاتحاد السوفيتي ليس له سوى الفيتو في مجلس الأمن، فإن الجمعية العامة هي التي أصدرت قرار تقسيم فلسطين في تلك الفترة قرار 181 وهي التي أصدرت أيضا قرار الاتحاد من أجل السلم المعروف في ثلاثة يونيو 1950 الخاص بكوريا والحرب الكورية، لذلك الآن الثقل أصبح مركزا تماما من جانب الأمين العام على مجلس الأمن لأن مجلس الأمن الآن اصبح يُستخدم وقرارات المجلس أصبحت تُستخدم أدوات في صناعة السياسة الأميركية وفي تنفيذ أهداف السياسة الأميركية كما رأينا مؤخرا في القرار 1559 مثلا الذي اكتسب قدسية خاصة فجأة رغم أنه يتناقض تماما مع ميثاق الأمم المتحدة.

جميل عازر: طيب الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان في التوصيات يرتئي مثلا إعادة النظر في مبررات التدخل الدولي في شؤون دول ربما تكون الظروف هناك تستدعى مثل هذا التدخل، هل هناك تناقض بين التدخل بهذا الشكل وبين السيادة الوطنية للدولة في شؤونها؟

عبد الله الأشعل: الخط الفاصل بين السيادة الوطنية وبين اهتمام المجتمع الدولي هو خط متغير ولذلك فإن من مصلحة الدول الكبرى أن يكون هذا الخط ضيقا بالنسبة للسيادة الوطنية، أي أن أسوار السيادة الوطنية بالنسبة للدول النامية في نظر الدول المتقدمة يجب أن تكون منخفضة تماما حتى يُسهِّل التدخل في شؤون هذه الدول فقد رأينا أن القرار 1559 الخاص بسوريا ولبنان على سبيل المثال ينتهك بشكل مباشر المادة 2 فقرة 7 من الميثاق التي تحظر على الأمم المتحدة أن تتدخل فيما يُعد من قبيل الاختصاص الداخلي للدول الأعضاء في الأمم المتحدة، من ناحية أخرى إن فكرة السيادة رُوِّج منذ مدة أنها يمكن الترخص في شأنها إذا كان الأمر يتعلق باهتمام معين من جانب المجتمع الدولي وخصوصا مسائل التدخل الإنساني وهو أصبح مبرِّرا وذريعة للتدخل في شؤون الدول الصغيرة، لهذا اعتقد أن الأمين العام عندما يركز على ضوابط استخدام القوة في العلاقات الدولية فإنما يعيد الأمر مرة أخرى إلى المادة 2 فقرة 4 وإلى ضرورة إحداث توازن بين التطورات السياسية وبين ضرورة أن يكون هناك حدود فاصلة وواضحة لمعايير استخدام القوة وهو يستعين في ذلك طبعا بتقرير لجنة الستة عشر، لجنة الحكماء التي سوف تناقَش خلال اجتماع الجمعية العامة في سبتمبر القادم والتي تلقى بعض القبول من جانب عدد كبير من الدول في الواقع، فإذاً مربط الفرس في إصلاح الأمم المتحدة هو في المادة 2 فقرة 4، إذا تم التساهل في هذه المادة فإن هناك ذرائع كثيرة لتوسيع فرص استخدام القوة كما تفعل الولايات المتحدة وإسرائيل عندما وسَّعت حق الدفاع الشرعي توسعا أخرج المفهوم عن نطاقه الحقيقي وعن مضمونه وبما عكسته نظرية الرئيس بوش المعروفة بالضربة الاستباقية التي لا علاقة لها مطلقا بنظرية الدفاع الشرعي.

جميل عازر: طيب الأهداف الأساسية التي تقوم عليها التوصيات يمكن تلخيصها في التنمية والأمن وحقوق الإنسان وهو يقول إنه إذا لم يتحقق أي من هذه الأهداف الأساسية لا يمكن أن تتحقق كلها على الإطلاق، هناك مشكلة التوفيق بين أولويات الشمال الغني والجنوب الفقير، الشمال صار يربط الأمن ومكافحة الإرهاب بينما الجنوب لديه مشاكل هائلة جدا، الفقر، المرض، الأمية إلى آخره.. هل يمكن التوفيق بين هذين الجانبين في سياق إصلاحات الأمم المتحدة؟

عبد الله الأشعل: لا أنا اعتقد أن الأمين العام لم يضف جديدا سوى أنه أكد خبرة المجتمع الدولي طوال الخمسين عاما الماضية، فميثاق الأمم المتحدة في الواقع يضع نظاما دقيقا للأمن الجماعي ويبدأ أولا بمعالجة الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.. أي الخلل في بنية المجتمع الدولي ثم يأتي إلى أن القوة لا يجب أن تُستخدم من طرف واحد وإنما يحل محلها نظام الضمان الجماعي من خلال مجلس الأمن وهناك أيضا الطرق السلمية لتسوية المنازعات كالتزام قانوني في الميثاق، ثم هناك حقوق الإنسان وترقية الحقوق الأساسية للإنسان، أعتقد أن هذه القوائم الأربعة التي يقوم عليها ميثاق الأمم المتحدة هي التي يمكن أن تُنشئ عالما مثاليا لكن واضح أن هذا العالم المثالي كان في ذهن واضعي الميثاق فقط وإنما الواقع يشهد بأن هناك انقسامات حادة، هناك مظالم متعددة تلحق بدول العالم الثالث، هناك الدول المتقدمة عسكريا وسياسيا وثقافيا ومتقدمة اقتصاديا تعيش في عالم مختلف تماما، هناك توسلات من جانب دول الجنوب لدول الشمال ولكن الفجوة تتسع يوما بعد يوم، كيف يمكن أن نقيم منظمة دولية لعالم منقسم هذا الانقسام الحاد بين شمال وجنوب ثم بين دول حتى في داخل المنطقة الواحدة، بالإضافة إلى هذا الانقسام الحاد أيضا بين الحكومات وبين الشعوب في كثير من دول العالم المتخلف، لذا اعتقد أن مهمة الأمين العام مهمة صعبة ولكن نرجو أن يتم تفهم الخطوط الأساسية لها وأن لا يتم المبالغة في تقديم مقترحات قبل أن تكون متفقة تماما مع الواقع الذي تعيشه المنظمة الدولية حاليا.

جميل عازر: دكتور عبد الله أخيرا ما هي قراءتك في عدم تحديد كوفي عنان لفترة زمنية محددة معينة من أجل إجراء هذه الإصلاحات؟

عبد الله الأشعل: طبعا هو كوفي عنان لا يمكن أن يحدد فترة معينة هي عبارة عن استراتيجية للإصلاح وأن الإصلاح عملية مستمرة وليست برنامج محدد وهذه العملية المستمرة في الواقع سوف تستمر وربما أجيال لأن المنظمة الدولية هي انعكاس لحالة المجتمع الدولي، لذلك فإنه أراد أن يضع اللبنات الأولى لهذا القدر من الإصلاح ونرى أن أول خطوة للأمين العام كان قد قال إنه سيعيد الحيوية مرة أخرى للمنظمة الدولية وأنه سيحاول أن يكون أكثر تلاؤما مع أهداف الدول خصوصا الدول الكبرى وأنه سيعمل فعلا على بناء عالم جديد أو نظام دولي جديد من خلال المنظمة الدولية، أنا اعتقد أن كوفي عنان فشل فشلا ذريعا إذا أردنا أن نقيِّم الفترة التي كان فيها وربما جزء كبير من هذا الفشل يرجع إلى سوء حظه في أن الولايات المتحدة قد توحشت كثيرا وأنها قد استخدمت المنظمة الدولية أداة من أدوات سياستها الخارجية ويبقى بعد ذلك أن ننتظر الدور على الأمين العام القادم الذي سيأتي من آسيا في نهاية هذا العام.

جميل عازر: دكتور عبد الله الأشعل في القاهرة شكرا جزيلا لك ومن قناة الجزيرة في قطر نواصل وإياكم هذه الجولة في الملف الأسبوعي وفيها أيضا بعد الفاصل، لبنان وتقرير اغتيال الحريري اتهامات ونفي وتفنيد والحقائق مازالت مختفية.



[فاصل إعلاني]

اغتيال الحريري والحقيقة الغائبة

جميل عازر: استمرت دراما العمل السياسي في لبنان مع صدور تقرير لجنة تقصِّي الحقائق الدولية في اغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري وليس من المفاجأة بأي شكل من الأشكال أن تنبري السلطة لتفنيد بعض مما جاء في التقرير، فهو يتهمها وسوريا بالمسؤولية على الأقل عن خلق الظروف التي سبقت بل وربما مهدت لاغتيال الرجل الذي كان وراء النهضة الإعمارية التي شهدها لبنان بعد حربه الأهلية وإذا كان التحقيق قد أصبح المسألة الأهم في الشأن اللبناني فإن في ذلك انتقاصا لأهمية القضايا الأخرى التي تواجه اللبنانيين في هذه اللحظات الحرِجة من حياتهم السياسية.

[تقرير مسجل]

"
تقرير بيتر فيتشرول الذي قدمه إلى أنان اتهم أجهزة الأمن اللبنانية بالإهمال، وحمل سوريا مسؤولية توتير الأوضاع في لبنان في الفترة التي سبقت اغتيال رفيق الحريري
"
         تقرير مسجل

حسن إبراهيم: لبنان في مفترق طرق خطير، بعد أربعين يوما على اغتيال رفيق الحريري وتتوالى الأحداث المزعجة للبنانيين بينما تستمر القوات السورية في الانسحاب من الأراضي اللبنانية.. وبينما تستمر لعبة الشد والجذب بين الحكومة والمعارضة يسود جو من التوجس بعد أن قتلت انفجارات جديدة ثلاثة لبنانيين في منطقة الكِسليك وهو ما قد يشجع البعض في المعارضة على اتهام هذه الجهة أو تلك لكن الأنظار كلها موجهة نحو نيويورك هذه الأيام بينما قدَّم بيتر فيتشرول رئيس بعثة تقصي الحقائق تقريره إلى الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان والتقرير يتهم أجهزة الأمن اللبنانية بالإهمال ويحتوي على نقاط شديدة الخطورة قد تُجرِّم كثيرين في سوريا ولبنان، أكد التقرير أن قوات الأمن اللبنانية أهملت في أداء واجباتها بصورة خطيرة، تشترك المخابرات السورية واللبنانية في تحمل المسؤولية عن الأخطاء الأمنية الكثيرة التي أدت إلى وقوع الحادث، سوريا تتحمل مسؤولية توتير الأوضاع في لبنان في الفترة التي سبقت اغتيال رفيق الحريري، ملابسات كثيرة تحيط بالتحقيق اللبناني في الحادث تجعله غير جدير بالثقة خاصة في جانب الالتزام بالتوصل إلى مرتكبي الجريمة.. وأشار تقرير فيست جيرالد كذلك إلى روايات تُفيد بتهديد وجهه الرئيس السوري نفسه لرفيق الحريري ولوليد جنبلاط بالإيذاء الجسدي إن استمرا في معارضة سياسات سوريا في لبنان وأكد التقرير على ضرورة إجراء تحقيق دولي موسع وجاد للكشف عن ملابسات الحادث ومدبريه ومنفذيه، سوريا نفت تهديد رئيسها لجنبلاط أو الحريري واستمرت في سحب قواتها من مواقعها القديمة ليس فقط إلى سهل البقاع بل إلى الأراضي السورية، لكن المعارضة اللبنانية لن تتوقف حتى تنال التحقيق الدولي الذي تسعى إليه منذ أمد طويل وهو على ما يبدو التوجه العام في مجلس الأمن الدولي والذي يُتوقع أن تقدم إليه الولايات المتحدة وفرنسا مشروع قرار جديد يدعو إلى التحقيق الدولي كما قال سفير بريطانيا لدى المنظمة الدولية ويبدو أن توافق إرادات الدول الكبرى في هذا الشأن سيمنح المعارضة ما تتمناه لكن المراقبين يتوقعون أنها ستُدخل اللبنانيين في نفق مظلم، فلبنان حتى الآن بلا حكومة وحدة وطنية ولم يُفلح رئيس الوزراء المكلَف عمر كرامي في لمّ شمل اللبنانيين رغم أن الوزير عدنان قصَّار زار زعيم الحزب الاشتراكي الديمقراطي في مقره بالمختارة وكان الاجتماع مثمرا دعا جنبلاط بعده كرامي لفتح صفحة جديدة في علاقات الحكومة والمعارضة وهو موقف من جنبلاط قد يبدو توفيقيا حيث إنه يدرك أن السيناريو الدرامي الذي كانت تتمناه المعارضة لن يحدث بالسرعة الأوكرانية أو القرغيزية، فمعادلة لبنان ربما تكون أشد تعقيدا ونفوذ سوريا أكبر من أن يتوقع البعض اختفاءه ولو انسحبت جميع القوى السورية من لبنان.


قرغيزيا.. انتفاضة شعبية جديدة

جميل عازر: ويبدو أن الانتفاضات المخملية أصبحت إن صح التعبير الموضة هذه الأيام فلم يتأخر القرغيزيون عن احتلال مكان لهم في مصاف شعوب شعرت بأن تغيير قياداتها مسألة مطلوبة ورغم نفي عسكر أكاييف الرئيس القرغيزي الفار من بلده أنه استقال من منصبه فإن البرلمان المنقضي مدته قد اختار كورمنبك باكييف رئيسا مؤقتا بادر إلى إعلان انتخابات في غضون ثلاثة أشهر وكما كان الحال في أوكرانيا ومن قبلها جورجيا يبدو أن جمهوريات سوفيتية سابقة أصبحت في مهب رياح تغيير لا صادَّ لها سوى القبول بما تريده شعوبها.

[تقرير مسجل]

حسن إبراهيم: توالت الثورات الجماهيرية في جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابقة، قرمزية في جورجيا وبرتقالية في أوكرانيا ووردية وصفراء في قرغيزيا.. ويتوالى سقوط الأنظمة التي وإن تخلصت من رقة موسكو بقيت تحكمها أنظمة ستالينية الطابع لا تأبه بالمشاركة الجماهيرية ولا صناديق الاقتراع ولا تحسب أن العالم قد تغير وأنه لا مناص من الاحتكام إلى صندوق سحري، صندوق الاقتراع وفي بشكيك وبعد عشرة أيام من المظاهرات العنيفة سقطت الحكومة وهرب رئيس الجمهورية عسكر أكاييف وتم تعيين أحد زعماء المعارضة كورمنبك باكييف رئيسا مؤقتا للبلاد، نتيجة قد تكون غير متوقعة في جمهورية بقيت صامتة لفترة طويلة حتى حسِب رئيسها أنه يستطيع أن يستمر في حكم البلاد كما فعل في الماضي لكن رياح التغيير التي تهب منذ عقد من الزمان في الشيشان ساخنة وعاصفة أخذت أشكالا أقل دموية في جمهوريات الاتحاد السوفيتي الإسلامية، إلا أن الانتفاضة في بشكيك لم تكن ثورة ضد النفوذ الروسي كما في أوكرانيا أو جورجيا بل الأسباب داخلية بحتة، أهمها الفساد المستشري في جسد الدولة وسببها المباشر هو الانتخابات البرلمانية التي اتُّهمت حكومة الرئيس أكاييف بتزويرها وفي قرغيزيا المتاخمة للصين قواعد روسية وأميركية ولا يعتزم باكييف المساس بنفوذ الدولتين الأقوى عسكريا في العالم بل تعهد بالبقاء حتى عقد الانتخابات الرئاسية في يونيو حزيران القادم، الرئيس المخلوع عسكر اكاييف لم يجد بلدا ترحب به حتى روسيا فالروس على ما يبدو لا يريدون التورط في مأزق الانحياز إلى طرف دون الآخر إلا أن الكرملين اعترض على طريقة تغيير رئيس الجمهورية، فروسيا بمشاكلها الكثيرة من الأزمة الاقتصادية إلى المأزق الشيشاني وانحسار نفوذها قوقازيا بعد نهاية نفوذها البلطيقي لا تريد أن تضيف إلى مشاكلها سُبَّة الانحياز إلى رمز نظام لفظه شعبه، واشنطن ذات النفوذ المحدود سوى القاعدة العسكرية في منطقة مناس أيدت الانتفاضة ونصحت بالهدوء والتحول الديمقراطي بدون سفك دماء وربما ستلعب القاعدة الأميركية أدوارا أكثر أهمية في المستقبل، إلا أن واشنطن لا تريد مزيدا من استفزاز موسكو بعد أن وصلت قواتها المسلحة إلى مناطق ما زالت تعتبرها روسيا ضمن نطاقها الاستراتيجي.. وقرغيزيا بسكانها البالغ عددهم خمسة ملايين نسمة تغلب عليها الإثنية القرغيزية التي تمثل 65% مقابل 14 من الأوزبك و13% من الروس.. والإسلام هو الديانة الرئيسية حيث يعتنقه 75% من السكان ومن هنا قد تخشى الصين من أن تصبح قرغيزيا نقطة انطلاق لمتمردي إقليم شن شيانج المتاخم لقرغيزيا والذي تقتنه أغلبية مسلمة.



القضية الصومالية والمساعدات العربية

جميل عازر: عاد الصومال إلى واجهة الأحداث خاصة بعد فشل حكومة المنفى في العودة إلى مقديشو للبدء بإعادة إنشاء مؤسسات الحكم.. وربما حظيت القضية الصومالية بقدر من الاهتمام في قمة الجزائر أكثر مما كان متوقعا لها مع الإعلان عن اعتزام الدول العربية تخصيص مساعدة مالية وإرسال قوات للتعاون مع قوات إفريقية في حفظ السلام في بلاد جزأتها الحروب بين قادة قبائلها إلى مناطق النفوذ وإذ يتمسك الصوماليون بانتماءاتهم العربية فإن التطلع إلى دور عربي إيجابي لإعادة هياكل الدولة بما فيها الحكومة والبرلمان المنفيان ينبغي أن يجد تجاوبا عمليا يتجاوز نطاق الخطابات.

[تقرير مسجل]

"
تأتي دعوة الجامعة العربية لإعادة إعمار الصومال انطلاقا من إدراك عربي أن قوى أخرى إقليمية أو دولية تتحرك لملء فراغ الغياب العربي
"
        حسن إبراهيم

حسن إبراهيم: مشاركة الصومال في القمة العربية تحتل مكانتها الخاصة نظرا للأزمة الطاحنة التي تحدق بها منذ ما يزيد على خمس عشرة سنة وربما تأتي دعوة الجامعة العربية لإعادة اعمار الصومال انطلاقا من إدراك عربي أن قوى أخرى إقليمية أو دولية تتحرك لملء فراغ الغياب العربي في تلك الجمهورية المنكوبة، الصومال بلد عربي إفريقي يحتل موقعا في غاية الأهمية فهو يطل على المحيط الهندي من جهة وعلى خليج عدن وبحر العرب من جهة أخرى ومنذ سقوط حكم الرئيس السابق محمد زياد برِّي في يناير كانون الثاني من عام 1991 من القرن الماضي والصوماليون في حالة احتراب داخلي مزمن والقبائل الصومالية على اختلاف مجموعاتها الإثنية تفخر بانتمائها الإسلامي وتحاول بصورة أو أخرى التحدث بالعربية كلغة ثانية بعد الصومالية ولهجات محلية أخرى ويبدو أن محاولات الرئيس الجديد إعادة الحكومة إلى مقديشو العاصمة لم تنجح رغم تكرارها، فمقديشو تتقاسم شوارعها مليشيات قبلية ولا تسمح حتى بوجود رمزي للجيش الصومالي والجهود الوحيدة لدعم الشرعية الصومالية إنما تأتي من الاتحاد الإفريقي وحتى هذه المبادرة الإفريقية ينظر إليها الصوماليون بكثير من الريبة وقد نجم عن الاختلاف على وجود القوات الإفريقية تناحر في البرلمان الصومالي المنعقد في نيروبي وصل إلى حد الاعتراك بالأيادي والضرب بالكراسي في مشهد لا يُعتقد أنه سيسعد كثيرا من الصوماليين الذين تعبثروا في أنحاء الأرض لاجئين ومهاجرين ولو أرادت الدول العربية استثمار حالة التناحر الصومالية في إنشاء مثال جديد على القدرة العربية فينبغي أن تنفق الكثير من الأموال على إعادة اعمار ما دمرته الحرب الأهلية وأن تدعم مشاريع المصالحة بين القبائل المتناحرة وقبل كل ذلك التوصل إلى رؤية استراتيجية تجعل من الصومال مشروع نفوذ عربي بدلا من نقطة ضعف في أقصى شرق إفريقيا وكانت المحاولات الأميركية لإحلال الاستقرار في الصومال في عملية إعادة الأمل قد باءت بالفشل في عام 1993 من القرن الماضي، مشهد الطيار الذي أُسقِطت طائرته وجرَّت جثته الجماهير الغاضبة كان من المشاهد التي رسخت في الوجدان الأميركي وقد خلقت حاجزا ما بين صانع القرار الأميركي وبين الشأن الصومالي، إلا أن ذلك قد لا يستمر طويلا فالصومال بلد شديد الإغراء لأي قوة إقليمية أو دولية وسوف تحاول الكثير من القوى الدولية سواء أن كانت الولايات المتحدة أو فرنسا التدخل في الصومال ولو عبر بوابة الاتحاد الإفريقي.


أحمد زكي.. شخصية الأسبوع

جميل عازر: يصارع الفنان أحمد زكي مرض السرطان منذ عام ونيف وقد أثارت حالته الصحية اهتماما رسميا وشعبيا غير مسبوق ليس في مصر فحسب بل ومن ملايين المعجبين بهذا الفنان الموهوب في مختلف أنحاء الوطن العربي وما بشك في أن أحمد زكي شخصية الأسبوع في الملف إنسان شقَّ طريقه بنفسه اعتمادا على موهبته الإبداعية وقدرته على التمثيل بشكل جعل منه أيقونة في العمل المسرحي تماما كما صار في أعماله التلفزيونية والسينمائية.

[تقرير مسجل]

جيان اليعقوبي: شهد العامان الأخيران رحيل العديد من الكتاب والشعراء والفنانين العرب ويبدو أن مبدع آخر على وشك الرحيل وسط أسئلة كبيرة عن مآل صناعة السينما في مصر في خِضَّم موجة من الأفلام التي أقل ما يقال فيها إنها لا تقدم شيئا مفيدا لمشاهدها ولا حتى على صعيد التسلية البريئة، ولد أحمد زكي عبد الرحمن عام 1947 في مدينة الزقازيق وعاش يتيما يكفله جده، تخرج من المدرسة الصناعية ثم التحق بمعهد الفنون المسرحية الذي تخرج منه عام 1973 بدرجة متفوق أهلته ليلتحق بالعمل في العديد من المسرحيات الشهيرة التي عُرضت في فترة السبعينات.. وهكذا بدأ زكي رحلته من المسرح إلى التلفزيون ومن هناك إلى السينما التي بدأ أولى خطواته فيها بفيلم البرنس ولم ينته إلا قبل أيام مع فيلم حليم الذي يجسد فيه دور المطرب الشهير عبد الحليم حافظ وهذا المشوار الطويل لم يكن مفروشا بالورود أمام الشاب الذي كسر القواعد الكلاسيكية في السينما المصرية التي طالما اختارت بطل العمل وسيما بشعر ناعم وبشرة بيضاء وهكذا كافح زكي وعانى طويلا قبل أن يقبل المنتجون السينمائيون الاستعانة به في أفلامهم، فقد فرضت موهبته الفذة نفسها على الجميع بدءا من التلفزيون وانتهاء ببطولة أفلام أصبحت علامة في طريق الفن السابع أهلته للحصول على العديد من الجوائز الفنية ولأن زكي ظل في القاهرة حاملا طبعه الريفي المتحفظ فلم يتقن فن الشللية والتملُّق للنقاد والصحافة الفنية بل شق طريقه بالمثابرة والإصرار ليجد له مكانا تحت شمس السينما المصرية وأصبح زكي من القلائل في هذه الصناعة التي يزيد عمرها عن مائة عام من الذين أتقنوا فن الأداء التلقائي والمعايشة الصادقة للدور، فقد جسد دور المحامي وضابط المخابرات والعاشق ورئيس الدولة بنفس القدر من الأصالة والصدق والشفافية مما جعله يتربع على رأس قائمة تتقلص يوما بعد آخر من المبدعين الذين يرحلون بصمت ولا يلوح في الأفق ما يوحي بأننا سنشهد قريبا بدائل عنهم.

جميل عازر: وبهذا نختتم هذه الجولة في الملف الأسبوعي ونذكر حضراتكم بأن بإمكانكم الوصول إلى مضمون هذه الحلقة بالنص والصورة والصوت في موقع الجزيرة نت في الشبكة المعلوماتية أو الكتابة إلى عنوان البرنامج الإلكتروني، على أننا سنعود في مثل هذا الموعد بعد سبعة أيام لنفتح ملفا جديدا لأهم أحداث الأسبوع القادم من قناة الجزيرة في قطر فتحية لكم من فريق البرنامج وهذا جميل عازر يستودعكم الله فإلى اللقاء.